في السَّقيفَة

ما ان التحق الرسول ( ص ) بربه ، حتى بدأ العد العكسي يأخذ مجراه. فبدأت النوازع العصبية تبرز على الساحة بكل ما تحمل من أخطار ، تشتت الوحدة ، وتفرق الكلمة ، وهذا ما جرى في سقيفة بني ساعدة ، فقد تنازع المهاجرون والانصار في الامر من جهة ، وثارت ثائرة الاوس والخزرج ـ التي أطفأ الاسلام نائرتها ـ من جهة أخرى.

واليك لقطات سريعة عن ذلك ـ كما في شرح النهج :

قال سعد بن عبادة ـ سيد الخزرج ـ في خطبته : « فشدوا يديْكم بهذا الامر ، فانكم أحق الناس ، وأولاهم به ! »

وقال الحباب بن المنذر : « فمنا أمير ومنهم أمير ! ! »

فقال عمر : « هيهات ! لا يجتمع سيفان في غمد ، إن العرب لا ترضى أن تؤمركم ونبيها من غيركم. ! »

فقام الحباب ، وقال : « لا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه ، فيذهبوا بنصيبكم من الامر. »

فلما رأى بشير بن سعد الخزرجي ، ما اجتمعت عليه الانصار من تأمير سعد بن عبادة ـ وكان حاسدا له ـ قال : إن محمداً صلّى الله عليه وسلّم رجل من قريش ، وقومه أحق بميراث أمره.

فقام أبو بكر ، وقال : هذا عمر وابو عبيدة ، بايعوا أيهما شئتم.

فقالا : والله لا نتولى هذا الامر عليك .. أبسط يدك حتى نبايعك.

فلما بسط يده ، وذهبا يبايعانه ، سبقهما بشير بن سعد فبايعه . فناداه الحباب بن المنذر : يا بشير ، عقَّك عَقاق (1) والله ما اضطرك الى هذا الامر ، إلا الحسد لابن عمك. « يعني سعداً »

ولما رأت الأوس ، ان رئيسا من رؤساء الخزرج قد بايع ، قام أسيد بن حضير ـ وهو رئيس الأوس ـ فبايع حسدا لسعد أيضا ، ومنافسة له أن يلي الامر ، فبايعت الأوس كلها لما بايع أُسَيد.

وحُمل سعد بن عبادة ـ وهو مريض ـ فأدخل الى منزله ، فامتنع عن البيعة في ذلك اليوم وفيما بعد (2).

قال البراء بن عازب ـ وكان خارج السقيفة ـ في حديث له : فلم ألبث ، واذا أنا بأبي بكر قد أقبل ومعه عمر ، وأبو عبيدة ، وجماعة من أصحاب السقيفة ، وهم محتجزون بالأزُرِ الصنعانية ، لا يمرون بأحد إلا خبطوه وقدموه ، فمدوا يده ، فمسحوها على يد أبي بكر يبايعه شاء ذلك ، أو أبى. فانكرت عقلي !

ورأيت في الليل ، المقداد ، وسلمان ، وأبا ذر ، وعبادة بن الصامت ، وأبا الهيثم بن التيهان وحذيفة ، وعمارا ، وهم يريدون أن يعيدوا الامر شورى بين المهاجرين (3).

هذه صورة مختصرة أخذناها من شرح النهج ، وفيها تعبير واضح عن الطريقة التي استخدمت في عقد البيعة لأبي بكر ، وانها لم تكن عن طريق الاختيار ـ كما يدعى ـ بل تدخَّل فيها عنصر القوة والإجبار.

الهوامش

1. من العقوق : وهو شق عصا طاعة الوالد وكل ذي رحم.

2. شرح النهج 6 / من ص 6 الى 10 .

3. نفس المصدر 1 / 219 / 220 .

مقتبس من كتاب : أبو ذر الغفاري / الصفحة : 95 ـ 96

التعليقات

Loading...
لا يوجد تعليقات!

محتوى ذو صلة