وظيفة الوالدين في انتقال رسالة الغدير إلى الأجيال القادمة
إنّ عيد الغدير أهمّ عيد في تاريخ الإسلام، وهو عيد الإمامة والولاية الذي فيه أكمل الله دينه المبين للمسلمين بنصب أمير المؤمنين عليه السلام إماما وسيدا ووليا لجميع المسلمين ولعامة الناس بعد النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم. فقد قال الله تعالى في هذا اليوم الشريف بعد إعلان ولاية أمير المؤمنين عليه السلام وإمامته من قِبَل النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وبيعة المسلمين معه: ﴿ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ. الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾(1).
وقد شكّلت واقعة الغدير بما تضمّنته من إعلان ولاية أمير المؤمنين عليه السلام نقطةً مفصليّةً في التاريخ الإسلامي؛ إذ حملت أبعادًا مختلفة تتجاوز حدود الزمان والمكان، لتبقى حيّةً في ضمير المؤمنين جيلاً بعد جيل. ومن هنا تبرز أهميّة الأسرة في حفظ القيم والمعتقدات؛ إذ إنّ انتقال رسالة الغدير إلى الأجيال القادمة لا يتحقّق بالشعارات والمناسبات فحسب، بل يحتاج إلى بناءٍ تربويٍّ واعٍ يقوم به الوالدان داخل البيت المسلم. فالطفل لا يتلقّى مفاهيم الولاء والانتماء من الكتب وحدها، وإنّما يكتسبها من الأجواء الإيمانيّة التي يعيشها، ومن الكلمات والمواقف والسلوكيّات التي يشاهدها يوميًّا في أسرته.
وجوب إيصال الغدير إلى الأجيال القادمة
إنّ واقعة الغدير وولاية أمير المؤمنين عليه السلام ليس بالأمر السهل الذي يمكن أن يتغافل البعض عنه، بل إنّه قوام الدين والشريعة الإسلامية الذي بدونه لن يتقبل الله العمل من أي أحد. فقد قال النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم لأمير المؤمنين عليه السلام: «يا علي لو أنّ عبدا عبد اللّه عزّ و جلّ مثل ما قام نوح في قومه، و كان له مثل أُحُد (اسم جبل) ذهبا، فأنفقه في سبيل اللّه، و مدّ في عمره حتّى حجّ ألف عام على قدميه، ثمّ قتل بين الصفا و المروة مظلوما، ثمّ لم يوالك يا علي لم يشم رائحة الجنّة و لم يدخلها »(2). ومن هنا نعرف أنّه يجب على الوالدين أن يبيّنوا، ويعرّفوا الغدير ورسالته إلى أولادهم، ومن ثمّ إلى أحفادهم كما يجب عليهم أن يعلّموهم الصلاة والصوم والقرآن. وقد صرّح النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بوجوب إيصال واقعة الغدير وما تضمنته من رسالة ومعنى إلى الأجيال القادمة وقد أمر المسلمين بهذا العمل بشكل صريح لا يمكن لأحد التغافل عنه، حيث قال صلى الله عليه وآله وسلم: «وقد بلغت ما أمرت بتبليغه حجة على كل حاضر وغائب وعلى كل أحد ممن شهد أو لم يشهد ولد أو لم يولد، فليبلغ الحاضر الغائب والوالد الولد إلى يوم القيامة »(3). فلا مجال للشك بعد هذا الكمّ الهائل من التأكيدات من جانب النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم.
وظيفة الوالدين وواجبهما
وظائف الوالدين في قبال إيصال رسالة الغدير إلى الأجيال القادمة مختلفة، لكن يمكننا أن نذكر البعض منها:
ارتقاء مستوى المعرفة والثقافة الشخصية
إنّ نجاح الوالدين في نقل رسالة الغدير إلى الأجيال القادمة يتوقّف بدرجةٍ كبيرة على مقدار وعيهما وفهمهما العميق لهذه الرسالة المباركة. فالإنسان لا يستطيع أن يمنح غيره ما يفتقده، ولا يمكن للأب أو الأم أن يزرعا في نفوس الأبناء معرفةً راسخةً بالغدير إذا كانت معلوماتهما سطحية أو مضطربة أو قائمة على النقل غير الدقيق؛ ولهذا يُعدّ الارتقاء بالمستوى المعرفي والثقافي للوالدين الخطوة الأولى والأساس المتين في عمليّة التربية العقائديّة الصحيحة. فكلّما كان الوالدان أكثر اطّلاعًا على حادثة الغدير وأبعادها الدينيّة والتاريخيّة والتربويّة، كانا أقدر على تقديمها للأبناء بصورةٍ واضحةٍ ومؤثّرةٍ ومقنعة.
إنّ عصرنا الحاضر يتميّز بانفتاحٍ إعلاميّ وثقافيّ واسع، حيث أصبح الأبناء يتعرّضون يوميًّا لكمٍّ هائلٍ من المعلومات والأفكار عبر وسائل التواصل الاجتماعي والبرامج المختلفة. وفي ظلّ هذا الواقع، لم يعد مقبولًا أن يكتفي الوالدان بالموروثات الشعبيّة أو المعلومات العامّة المحدودة، بل أصبح من الضروري أن يبنيا ثقافتهما الدينيّة على أسسٍ علميّةٍ رصينة من خلال الرجوع إلى المصادر المعتبرة، وقراءة الكتب الموثوقة، والاستماع إلى المحاضرات العلميّة الهادفة التي تتناول واقعة الغدير ومكانتها في الإسلام. ومن أهمّ وسائل الارتقاء بالمستوى المعرفي للوالدين أن يخصّصا وقتًا منتظمًا للقراءة والمطالعة في السيرة النبويّة وسيرة أهل البيت عليهم السلام، وأن يطّلعا على النصوص المرتبطة بحديث الغدير في شتى كتب بما فيها كتب الحديث والتاريخ والتفسير، مع التعرّف على أبعاد هذه الواقعة العظيمة وآثارها في حفظ الرسالة الإسلاميّة.
تحويل البيت إلى البيئة الأساسيّة للتربية الدينيّة
إنّ بعض الآباء والأمّهات يظنّون أنّ تعليم الأبناء القضايا العقائديّة والدينيّة هو من اختصاص المدرسة أو الحوزة العلميّة أو الخطباء فحسب، فيكتفون بإرسال أبنائهم إلى هذه الجهات دون أن يكون لهم مشاركة فعّالة في بناء ثقافة الأبناء الدينيّة داخل المنزل. غير أنّ هذا التصوّر قد يؤدّي إلى ضعف العلاقة الروحيّة والعاطفيّة لدى الأبناء تجاه القضايا العقائديّة المهمّة، ومنها واقعة الغدير؛ لأنّ المعرفة التي تُقدَّم في المدرسة وحدها قد تبقى في إطار المعلومات النظريّة الجافّة إذا لم تجد بيئةً أسريّةً داعمة تُحييها وتربطها بواقع الحياة اليوميّة.
البيت هو المكان الذي تتشكّل فيه القناعات العميقة؛ لذلك ينبغي على الوالدين أن يحوّلا المنزل إلى فضاءٍ حيٍّ للتربية الدينيّة، من خلال إحياء المناسبات الإسلاميّة، والتحدّث عن سيرة أهل البيت عليهم السلام، وإبراز مكانة الغدير بوصفه حدثًا مصيريًّا في تاريخ الإسلام، لا بوصفه مادّةً دراسيّةً عابرة تنتهي بانتهاء الحصّة أو الامتحان.
استخدام الوسائل الجذّابة والمناسبة للسنين المختلفة
إنّ لكلّ مرحلةٍ عمريّةٍ أسلوبها الخاصّ في التعلّم والفهم. فالطفل الصغير لا يستطيع استيعاب الآراء العقائديّة المعقّدة، لكنّه يتأثّر كثيرًا بالقصص والصور والمواقف العاطفيّة. أمّا المراهق والشاب فإنّهما يميلان إلى الحوار والفهم المنطقي وربط الأفكار بالواقع؛ ولذلك ينبغي على الوالدين أن يراعيا هذه الفروق عند الحديث عن واقعة الغدير، وأن يختارا الوسائل التي تجعل الأبناء يقبلون على التعلّم بحبٍّ واهتمام، لا بشعورٍ من الإلزام أو الملل.
وأصبح من الضروري في عصر التكنولوجيا الحديثة، الاستفادة من الوسائل الإعلاميّة الهادفة، مثل الأفلام الكرتونيّة والرسوم المتحرّكة والبرامج التعليميّة التي تتناول سيرة أهل البيت عليهم السلام وقضيّة الغدير بأسلوبٍ جذّاب يناسب الأطفال والناشئة. فالصورة والصوت والحركة تترك أثرًا قويًّا في نفس الطفل، وقد تساعده على فهم الأحداث التاريخيّة واستحضارها بصورةٍ أوضح وأقرب إلى ذهنه. لكن ينبغي على الوالدين أن يحسنا اختيار هذه المواد، وأن يتأكّدا من صحّة مضمونها وملاءمتها للقيم الإسلاميّة والتربويّة.
ترسيخ ثقافة المطالعة في الأسرة
أبرز المشكلات التي تعاني منها المجتمعات المعاصرة ضعف العلاقة بالكتاب، وغياب عادة القراءة المنتظمة داخل كثيرٍ من البيوت، الأمر الذي ينعكس سلبًا على مستوى الوعي الديني والثقافي لدى الأبناء. من هنا تقع على عاتق الوالدين مسؤوليّة كبيرة في صناعة بيئةٍ أسريّةٍ تشجّع على المطالعة، ولا سيّما القراءة المرتبطة بسيرة أهل البيت عليهم السلام ومعارف الغدير. فالوالدان لا يكفي أن يطلبا من أولادهما القراءة بالكلام فقط؛ لأنّ الأبناء يتأثّرون بالأفعال أكثر من الأقوال، ويقلّدون ما يشاهدونه في سلوك آبائهم وأمّهاتهم. فإذا رأى الطفل والده يحمل كتابًا، ويقرأ باهتمام، أو شاهد أمّه تخصّص وقتًا للمطالعة والتعلّم، فإنّ هذا المشهد يترك أثرًا عميقًا في نفسه، ويزرع فيه الشعور بأنّ القراءة أمرٌ مهمّ ومحبوب.
والأمر المهم الآخر أن يتحوّل الكتاب إلى جزءٍ من أجواء البيت وثقافته العامّة، كأن تحتوي الأسرة على مكتبةٍ صغيرة تضمّ كتبًا دينيّةً وثقافيّةً متنوّعة، وأن يُشجَّع الأبناء على اقتناء الكتب واعتبارها هدايا قيّمة في المناسبات المختلفة، ولا سيّما في عيد الغدير.
إيجاد الارتباط العاطفي بواقعة الغدير
إنّ الأطفال والناشئة بطبيعتهم يميلون إلى التعلّق بالشخصيّات البطوليّة والمؤثّرة، ويتأثّرون كثيرًا بالقصص التي تحمل معاني الشجاعة والرحمة والعدالة والتضحية؛ ولذلك فإنّ من الحكمة التربويّة أن يقدّم الوالدان شخصيّة أمير المؤمنين عليه السلام للأبناء بوصفه النموذج الأكمل للإنسان المؤمن الشجاع والعادل والرحيم، لا من خلال الأسلوب الجافّ القائم على التلقين، بل عبر أساليبٍ حيّةٍ ومؤثّرة تُلامس مشاعر الأبناء وتثير إعجابهم وارتباطهم العاطفي.
ومن المهمّ أن يربط الوالدان بين الغدير وبين القيم العمليّة التي يحتاجها الأبناء في حياتهم اليوميّة. فالغدير ليس مجرّد إعلانٍ تاريخيّ للولاية، بل هو مشروعٌ متكامل لبناء الإنسان والمجتمع على أساس الحقّ والعدالة والإيمان؛ ولذلك ينبغي أن يُبيَّن للأولاد أنّ اتّباع أمير المؤمنين عليه السلام يعني الالتزام بالأمانة، والصدق، والإخلاص، واحترام الآخرين، ومساعدة المحتاجين، والشجاعة في مواجهة الظلم. وعندما يشعر الأبناء أنّ الغدير يرتبط بسلوكهم اليوميّ ومستقبلهم الشخصيّ، فإنّه يتحوّل في نظرهم إلى منهج حاةٍ لا إلى ذكرى تاريخيّة بعيدة.
الكلام الأخير
إنّ نقل رسالة الغدير من قبل الوالدين ليس مجرّد وظيفة تعليميّة فحسب، بل هو مسؤوليّة تربويّة ومعرفيّة تحتاج إلى المطالعة، والقدوة الحسنة، والحكمة في اختيار أساليب إيصال الرسالة؛ لكي تبقى هذه الواقعة مبدأً أساسيًّا راسخًا في حياة الأبناء.
1) سورة المائدة / الآية: 3.
2) كشف الغمة في معرفة الأئمة / للمحدث الإربلي / المجلد: 1 / الصفحة: 117 / الطبع: منشورات الرضي – قم.
3) الاحتجاج / للشيخ الطبرسي / المجلد: 1 / الصفحة: 78 / الطبع: مطبعة النعمان – النجف الأشرف.





