الجواب من الشيخ محمّد هادي آل راضي: في البداية أحيي فيك الرغبة الصادقة في الدراسة الدينيّة التي قلّ الراغبون بها في هذه الأيّام مع الأسف الشديد ، مع أنّها ـ في الجملة ـ مطلوبة من كلّ مسلم حتّى يعرف معالم دينه ويسير على هدىً من أمره ، فيأتي بما يريده الشارع المقدّس ويترك ما حرّمه و نهى عنه ، ولذا ورد في رواية معتبرة إنّ الإمام الصادق عليه السلام سئل عن قول الله تعالى : ( قُلْ فَلِلَّـهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ ) [ الأنعام : 149 ] ؟ فقال عليه السلام : « إنّ الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة : عبدي أكنت عالما ؟ فإن قال : نعم ، قال له : أفلا عملت بما علمت ؟ وإن قال : كنت جاهلاً ، قال له : أفلا تعلَّمت حتّى تعمل ؟ فيخصمه ، وذلك الحجّة البالغة » (1) . ثمّ إنّ ما طرحته في رسالتك تارةً تريد به الاطّلاع على مناهج الدراسة الحوزويّة المقرّرة في الحوزات العلميّة المعروفة لغرض الانتماء إليها ودراسة تلك المناهج .. ، واُخرى تريد معرفة المنهج الدراسي المناسب لك باعتبارك غير متفرّغ للدراسة التخصّصية ، وباعتبار أنّ هدفك من الدراسة هو تحصيل الثقافة الدينيّة بمعناها الواسع. وطبعاً الجواب مختلف جدّاً ، إن كان المقصود الأوّل ، فالمناهج الدراسيّة في الحوزة معروفة تبدأ بالمقدّمات ، ثمّ السطوح ، ثمّ بحث الخارج ، وهي تحتاج إلى اُمور : 1 ـ تفرغ كامل ، أيّ عدم الانشغال بأيّ أمر آخر سواها. 2 ـ استعداد ذهني جيّد ، باعتبار أنّها دراسة معمّقة ودقيقة يكون استيعابها والاستفادة منها موقوفاً على قابليّة جيّدة وذكاء عال. 3 ـ الرغبة الصادقة والاندفاع الذاتي في الدراسة ، النابع من معرفة أهميّتها والنتائج المهمّة المترتّبة عليها. 4 ـ الانتماء إلى إحدى الحوزات المعترف بها والدراسة فيها ، فلا يكفي أن يقرأ الطالب المناهج المقرّرة بنفسه ، أو يعتمد على سماع الدروس المسجّلة على الكاسيت أو نحو ذلك. هذه أهمّ الاُمور التي لا بدّ من توفّرها في هذا المجال ، فإن كانت الشروط متوفّرة فيك ، فأهلاً وسهلاً بك في هذه الجامعة الدينيّة ، وستعرف تفاصيل أكثر عن سير الدراسة والمناهج والأساتذة وغير ذلك من الاُمور إذا عزمت على الانتماء إليها. وأمّا إذا كان مقصودك هو الثاني ، فتحديد المنهج المناسب يرتبط بمعرفة بعض الاُمور المتعلّقة بك ، مثل الساعات التي تتفرّغ فيها للدراسة ، ومقدار ما تملكه من معلومات دينيّة وغير ذلك ، ولذا فأنا أقترح أن تراجع أحد طلّاب الحوزة المعتمدين والموثوقين للاستنارة برأيه في هذا المجال ، وإذا بقي عندكم سؤال فنحن في خدمة إخواننا المؤمنين. الهوامش 1. كتاب الأمالي ـ الشيخ المفيد ـ / الصفحة : 228 / الناشر : جماعة المدرّسين في الحوزة العلميّة.
الجواب من الشيخ محمّد هادي آل راضي: المراد بالتوحيد هنا هو التوحيد الذاتي ، أيّ انّه سبحانه وتعالى واحد لا ثاني له ولا شريك كما قال تعالى في سورة الإخلاص : ( وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ) [ الإخلاص : 4 ] . وأمّا الدليل على ذلك فقد ذكر علماؤنا قدّس سرّهم أدلّة عديدة على ذلك مثل دليل الفطرة الذي هو دليل على أصل وجود الصانع والخالق فإنّه يدلّ أيضاً على وحدانيّته ، فإنّ الإنسان كما يعلم بالعلم الحضوري ربّه ، ولذا يتوجّه إليه في الشدائد ويرجوه في الملمّات والتوجّه والرجاء فرع معرفته والعلم به ، كذلك يلاحظ إنّ الإنسان في تلك الأحوال إنّما يتوجّه إلى حقيقة واحدة ويرجو ربّاً واحداً لا أكثر. ومثل برهان المحدوديّة الذي هو أيضاً من أدلّة وجود الصانع وهو مؤلّف من صغرى مفادها : « إنّ كل شيء في العالم محدود بحدود مثل الحد المكاني والزماني وغير ذلك من الكيفيّات والخصائص ، بل هو موجود على تقدير وجود سببه ، وليس له وجود خارج تلك الحدود على تقدير عدم وجود سببه ». وكبرى حاصلها : « إنّ كلّ محدود لا بدّ أن يكون له حاد غير محدود دفعاً للدور والتسلسل وليس هو إلّا الله سبحانه إذ ليس له حدّ ونهاية بل هو حقيقة مطلقة وموجودة على كلّ التقادير ، هذه خلاصة هذا البرهان لإثبات وجود الصانع ، وهو أيضاً دليل على توحيده الذاتي فإنّه إذا ثبت بهذا البرهان وجود حقيقة غير محدودة ومطلقة وليست متقيّدة بشرط ولا سبب ، فهي لا بدّ أن تكون واحدة ، ولا يمكن فيها التعدّد ، لأنّ كلّ واحد على فرض التعدّد محدوداً بحدود في قبال الآخر وهو خلاف فرض اللامحدوديّة ». ويمكن الاستدلال أيضاً بما حاصله : « أنّه لو كان من الوجود واجب آخر لزم أن تكون حقيقة كلّ منهما مركّبة ، وكلّ مركّب ممكن لأنّه محتاج إلى اجزائه وهو خلاف الوجوب بالذات ». توضيحه : إنّه لو تعدّد الواجب لزم التركيب لأنّهما يشتركان في كونهما واجبي الوجود بحسب الفرض ، فلا بدّ أن يكون هناك مائز بينهما سواء كان ذاتيّاً كالفصل أم غير ذاتي كالعوارض يتغيّران مركبين من الجنس والفصل مثلاً وهذا يعني الإمكان وهو خلف. كما يمكن الإستدلال على التوحيد بأنّه لو كان هناك إله أو الهة اخرى ، لرأينا آثار ذلك في النظام الكوني وفي التشريع وإرسال الرسل والأنبياء في حين أنّ الملاحظ هو خلاف ذلك تماماً ، فالانسجام الرائع في النظام الكوني والتناسب بين المخلوقات بحيث يسدّ بعضها نقص بعض ويرفع حاجته يدلّ على وجود خالق واحد أوقع هذا الانسجام في مخلوقاته. مضافاً إلى أنّ كلّ الأنبياء والرسل اخبروا عن إله واحد لا أكثر ، فلو كان هناك إله آخر لأرسل رسله إلينا كما أشار إلى ذلك أمير المؤمنين عليه السلام في وصيّته لابنه الحسن عليه السلام : « وَاعْلَمْ ، يا بُنَيَّ ، أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِرَبُّكَ شَرِيكٌ لَأَتَتْكَ رُسُلُهُ ، وَلَرَأَيْتَ آثارَ مُلْكِهِ وَسُلْطَانِهِ ، وَلَعَرَفْتَ اَفْعالَهُ وَصِفاتِهِ ... ... » . [ نهج البلاغة / الصفحة : 340 / الناشر : منشورات بنياد نهج البلاغة ] كما أنّ قوله تعالى : ( لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّـهُ لَفَسَدَتَا ) [ الأنبياء : 22 ] ، يشير وينبّه إلى دليل حاصله أنّه لو فرض وجود إله آخر مختلفين ذاتاً وهو يقتضي اختلاف تدبيرهم للعالم وهو يستلزم فساد السماوات والأرض.
الجواب من الشيخ محمّد هادي آل راضي: الإيراد المذكور يتوقف على أمرين : الأوّل : صحّة هذه الرواية. الثاني : تأخّر تشريع هذا الحكم عن وفاة أبي طالب عليه السلام. وكلّ منهما يمكن المناقشة فيه. أمّا الرواية : فليس لها سند واضح ، وقد رواها ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة بعنوان : « وروي » ، بلا سند. (1) وأمّا الثاني : فقد يقال ـ على تقدير عدم وجود ما يدلّ على الحكم قبل الآية ـ إنّ المتأخر هو إعلان التشريع وإبلاغه للمسلمين دون أصل التشريع ، بمعنى إنّ أصل الحكم كان مشرعاً ومعلوماً للنبي صلّى الله عليه وآله ، وإنّما تأخّر الإعلان عنه لمصلحة التدرّج في بيان الأحكام الشرعيّة المعلومة للجميع ، وهذا يمنع من إقرار النبي صلّى الله عليه وآله هذا النكاح ، لو لم يكن أبو طالب عليه السلام مسلماً. ثمّ إنّ عدم تماميّة هذا الدليل على إيمان أبي طالب عليه السلام لا يعني إلّا بطلان دليل واحد من بين عشرات الأدلّة المحكمة الدالّة على إيمانه ، ممّا يعني إنّ اعتقادنا بإيمانه لا يتأثر بهذا الإيراد حتّى لو كان تامّاً. الهوامش 1. شرح نهج البلاغة « لابن أبي الحديد » / المجلّد : 14 / الصفحة : 69 / الناشر : منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي ـ قم / الطبعة : 2.
الجواب من الشيخ محمّد هادي آل راضي: المستفاد من الروايات المرويّة عن أهل البيت عليهم السلام ، إنّ الجفر عبارة عن اهاب « جلد » ماعز أو كبش يحوي كتباً وصحفاً ويسمّى بالجفر الأبيض ، وإنّ الأئمّة عليهم السلام يتوارثون ذلك عن رسول الله صلّى الله عليه وآله ، وإنّ فيه علم الأوّلين والآخرين أو جميع العلوم. فقد روى في الكافي بسنده عن الإمام الصادق عليه السلام إنّه قال : « وانّ عندنا الجفر ، وما يدريهم ما الجفر ؟ قال : قلت : وما الجفر ؟ قال : وعاء من أدم فيه علم النبيين والوصيين وعلم العلماء الذين مضوا من بني إسرائيل ».
الجواب من الشيخ محمّد هادي آل راضي: هناك خلاف بين متكلّمي الإماميّة في أنّ علم الإمام عليه السلام هل هو حضوري أو إرادي ؟ والمراد بالحضوري هو العلم الفعلي بالأشياء غير المعلّق على الإرادة ، والمراد بالإرادي هو العلم المعلّق على الإرادة والمشيئة ، فعلى الثاني فالإمام يعلم بالأشياء متى أراد وشاء وليس له علم فعلي بالأشياء بخلافه على الأوّل. إلّا أنّه على كلا التقديرين فعلمه عليه السلام ليس ذاتيّاً بل هو موهوب وممنوح من الله سبحانه وتعالى بطريقة من الطرق المذكورة في محلّها كمناشئ لعلم الإمام كالالهام والنقر في الاسماع والتعليم من الرسول صلّى الله عليه وآله وغير ذلك ، فالحضور عندهم يعني انكشاف المعلومات لديهم فعلاً في مقابل انكشافها لديهم إذا أرادوا ، ومن الواضح أنّ هذا المعنى للعلم الحضوري لا ينافي كونه مستمداً من الله سبحانه وتعالى وممنوحاً منه ، فلا تنافي بينه وبين الروايات التي أشرت إليها. ومنه يظهر الفرق بينهم عليهم السلام وبين غيرهم من البشر ، فإنّ علم غيرهم ينحصر بالإكتساب والتحصيل بالطرق المتعارفة من الأمارات والحواس الظاهريّة والدرس ونحو ذلك ـ وهذا معنى العلم الإكتسابي في المقام ـ بخلاف الأئمّة عليهم السلام ، فإنّ لهم طرقاً اُخرى غير هذه الطرق الإكتسابيّة يعلمون بواسطتها الأشياء.
الجواب من الشيخ محمّد هادي آل راضي: نعم ورد ذلك في بعض الروايات الصحيحة. في صحيحة أبي عبيدة ، عن الإمام الصادق عليه السلام ، أنّه قال : إنَّ فاطمة مكثت بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله خمسة وسبعين يوماً وكان دخلها حزنٌ شديدٌ على أبيها وكان جبرئيل عليه السلام يأتيها فيحسن عزاءها على أبيها ، ويطيّب نفسها ، ويخبرها عن أبيها ومكانه ، ويخبرها بما يكون بعدها في ذريّتها ، وكان عليٌّ عليه السلام يكتب ذلك ، فهذا مصحف فاطمة عليها السلام. (1) وفي رواية حماد بن عثمان ورد نفس هذا المضمون تقريباً ، وذكر أنّ الله سبحانه أرسل إليها ملكاً ، ولم يذكر اسمه. (2) هذا ولا ينبغي أن يستبعد المسلم ذلك ، والقرآن الكريم حدّثنا عن بعض الأشخاص الذين حدّثتهم الملائكة وهم دون الزهراء عليها السلام في المنزلة. قال تعالى : وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ . (3) وقال تعالى : فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا * قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا * قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا . (4) وقال تعالى : وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَىٰ ... * وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ * قَالَتْ يَا وَيْلَتَىٰ أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَٰذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ * قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ ... (5) الهوامش 1. الكافي « للشيخ الكليني » / المجلّد : 1 / الصفحة : 241 / الناشر : دار الكتب الإسلاميّة / الطبعة : 3. راجع : دلائل الإمامة « لمحمد بن جرير للطبري » الصفحة : 104 ـ 107 / الناشر : مؤسسة البعثة / الطبعة : 1. راجع : بصائر الدرجات « لمحمد بن الحسن للصفار » / الصفحة : 173 ـ 174 / الناشر : مؤسسة الأعلمي. راجع : بحار الأنوار « للشيخ المجلسي » / المجلّد : 22 / الصفحة : 545 ـ 546 / الناشر : مؤسسة الوفاء / الطبعة : 2. الوافي « للفيض الكاشاني » / المجلّد : 3 / الصفحة : 581 / الناشر : مكتبة أمير المؤمنين علي عليه السلام / الطبعة : 1. 2. راجع : الكافي « للشيخ الكليني » / المجلّد : 1 / الصفحة : 240 / الناشر : دار الكتب الإسلاميّة / الطبعة : 3. راجع : الوافي « للفيض الكاشاني » / المجلّد : 3 / الصفحة : 580 ـ 581 / الناشر : مكتبة أمير المؤمنين علي عليه السلام / الطبعة : 1. راجع : بحار الأنوار « للشيخ المجلسي » / المجلّد : 22 / الصفحة : 545 / الناشر : مؤسسة الوفاء / الطبعة : 2. 3. آل عمران : 42. 4. مريم : 17 ـ 19. 5. هود : 69 ـ 73.
الجواب من الشيخ محمّد هادي آل راضي: المراد بالإسلام في الآية الاولى معناه اللغوي المأخوذ من التسليم والإذعان أيّ التسليم لكلّ ما يصدر من الله سبحانه وتعالى في المعارف والأحكام. ومن الواضح أنّ هذا ممّا تشترك فيه جميع الأديان السماويّة بمعنى أنّ المطلوب في كلّ دين هو التسليم لأمر الله سبحانه ، وما يرد منه على لسان أنبيائه لكن تختلف الأديان في نفس ما يصدر منه سبحانه كأحكام وتشريعات ومعارف فانّها تختلف من دين لدين حسب اختلاف الزمان والظروف السائدة في زمان إنزال ذلك الدين وحيث إنّ شريعة النبي محمّد صلّى الله عليه وآله هي الشريعة الخاتمة والأبدية ، لذلك اعتبرت ناسخة لكل الشرائع السابقة ووجب اتّباعها ، وهو معنى الآية الثانية ، فإنّ المراد بالإسلام فيها هو مجموعة التشريعات التي جاء بها النبي صلّى الله عليه وآله ، ولا إشكال أنّ المولى سبحانه لا يقبل غيرها.