الجواب من السيد جعفر مرتضى العاملي: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ، والصلاة والسلام على محمّد وآله الطاهرين .. وبعد .. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. ألف : بالنسبة لكيفيّة استفادة الناس منه عليه السلام في غيبته نقول : أوّلاً : لنفترض أنّ حزباً سياسيّاً يعيش في دولة قويّة ونظام متسلّط وجبّار ، وقد اضطهد هذا النظام الجبّار زعامة ذلك الحزب ، وألجأها إلى التخفي والإستتار ، فهل يمنعها ذلك من إيجاد وسائل تضمن لها مصلحة الجماعة التي هي تحت قيادتها ورعايتها ؟! أم أنّها سوف تبتكر الأساليب المختلفة ، التي تحقّق أهدافها ، وتصرف نظر الحاكم عنها ، وتخفيها عن نظره ، مهما بالغ في ملاحقتها ، وجهد لكشف أحوالها ؟! وهذا الخضر ـ وهو نبي ـ لا يزال غائباً عن الأنظار ، طيلة مئات ، بل آلاف السنين ، ويقوم بالمهمّات التي أوكلها الله تعالى إليه ، ولم يستطع أحد كشف أمره ، أو الإطلاع على سرّه ، والأمر في الإتّصال بمن أراد ، يرجع إليه عليه السلام ، وهو الذي يملك القرار والإختيار في ذلك ، وهو الذي يحدّد الوقت والكيفيّة ، والمكان وغير ذلك .. ولو لم يكن لوجوده فائدة ، فلماذا يبقيه الله تعالى حيّاً هذه الأزمنة المتمادية ؟! ثانياً : قد ذكرنا في الإجابة السابقة بعض فوائد وجود الإمام عليه السلام. على أنّ الأمر لا ينحصر باستفادة البشر منه ، فإنّه إذا كان الناس مسؤولين حتّى عن البقاع والبهائم ، فإن الإمام أولى بأن يكون مسؤولاً عن ذلك وسواه أيضاً. ثالثاً : ورد في الروايات : أنّ النبي صلّى الله عليه وآله ذكر المهدي عليه السلام ، فقال : ذلك الذي يفتح الله عزّ وجلّ على يديه مشارق الأرض ومغاربها ، يغيب عن أوليائه غيبة لا يثبت فيها إلّا من امتحن الله قلبه للإيمان. قال جابر : فقلت : يا رسول الله ، هل لشيعته انتفاع به في غيبته ؟! فقال صلّى الله عليه وآله : إي والذي بعثني بالحقّ نبيّاً ، إنّهم ليستضيؤون بنوره وينتفعون بولايته في غيبته ، كانتفاع الناس بالشمس وإن علاها السحاب (1). رابعاً : بالنسبة لكيفيّة استفادة الناس منه في غيبته ، نقول : إنّه هو الذي يحدّد هذه الكيفيّة لتكون بحيث تحفظ سرّه ووجوده ، وتناسب حال من يريد عليه السلام أن يتعاطى ويتعامل معه .. أو الحالة التي يريد أن يعالجها .. ب : أمّا بالنسبة لقول الإمام الصادق عليه السلام : « أفضل الأعمال انتظار الفرج » ، فنقول : إن هذه الروايات في تعابيرها وفي خصوصيّات كلماتها المختارة قد جاءت بالغة الدقّة ، ظاهرة الغنى ، شديدة الإيحاء ، ويمكن أن نستخلص منها الكثير ممّا ينفعنا في صيانة ديننا وإصلاح دنيانا .. ونحن نقتصر منها ههنا على ما يلي : 1 ـ إن الخطاب في هذا الحديث الشريف موجّه إلى أولئك الذين يهتمّون بمعرفة الأعمال الفاضلة والتميز فيما بينها ، ليختاروا أتمّها فضلاً ، وأكثرها أجراً .. 2 ـ إن الإمام عليه السلام قد اعتبر انتظار الفرج عملاً حقيقيّاً ، له مزيّته بين سائر الأعمال ، وله ترجيح وفضل عليها .. وليس مجرّد فراغ وسكوت وسكون ، وعطلة غير محدودة بزمان. 3 ـ إنّه عليه السلام لا يريد صرف الناس عن نصرة ومساعدة أئمّتهم في إقامة أحكام الله سبحانه ، وإصلاح الأمور ، ولا إبعادهم عن العمل تحت قيادتهم في مختلف الإتّجاهات ، ولا هو يسعى إلى شل حركتهم وتفكيرهم عن التصدّي للمشاركة في صنع الحاضر ، والتأثير الإيجابي في المستقبل. كما أنّه لا يريد أن يجعلهم يعتمدون على الغيب ، ويتكلون على الصدف ، ويفهمون الأمور على أنّها تسير بمنطق الجبريّة التكوينيّة ، لينتهي الأمر بإعفائهم من المسؤوليّة عن هذا الطريق. 4 ـ إن الحديث الشريف قد دلّ أيضاً على وجود ضيق وشدّة يراد الخلاص منه ، ومنها ، وبذلك يكون الفرج .. 5 ـ إن هذه الشدّة وذلك الضيق ليسا من فعل الله سبحانه .. بل هما من فعل الناس .. فهم المطالبون إذن برفع ذلك وإزالته .. وليس لهم أن ينتظروا التدخل الإلهي ، في هذا السبيل. فعلى الناس الذين أفسدوا ، أن يصلحوا ما أفسدوه ، وعلى الذين أسهم سكوتهم في تسهيل الأمر على المفسدين أن يتحملوا مسؤوليّتهم في إعادة الأمور إلى نصابها. ولا أقلّ من أن يعملوا على إضعاف شوكة أهل الباطل بحسن تدبيرهم ، ودقّة حركتهم في هذا الإتّجاه .. 6 ـ ثم لا حاجة إلى التذكير بأن الخطاب في أمثال هذا الحديث الشريف ، إنّما هو موجّه إلى من يدرك وجود شدائد وأزمات ، وعراقيل وعقبات ، وضيق شديد ، وبلاء ومعاناة. وإلى من يعرف : أنّه لا بدّ من السعي للخروج من ذلك كلّه إلى برّ الأمان ، حيث السلام والسكينة ، لتكون مصائر العباد والبلاد بأيد قويّة وصادقة وأمينة. 7 ـ إنّه حين يطلب من هذا الإنسان الواعي لحقيقة الأمر ، والذي يعيش روح المسؤوليّة ، ويحمل همّها ـ أن ينتظر الفرج والحلّ. فإنّه سيدرك أن هذا التوجيه إنّما يهدف إلى ضبط حركته ، واستيعاب اندفاعه ليكون في الخطّ الصحيح ، والبنَّاء والمنتج. 8 ـ إن الإنسان المؤمن والواعي ، والعارف بما يريده الله منه ، يدرك تماماً مسؤوليّته تجاه ربّه ، وتجاه نفسه ، وتجاه امامه ، وتجاه الأمّة بأسرها .. ولا بدّ أن يكون قد راجع النصوص الشرعيّة ، واطلع على التوجيهات الإلهيّة ، التي حملها إليه القرآن ، وأبلغه إيّاها النبي الأعظم صلّى الله عليه وآله والأئمّة الطاهرون المعصومون صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. فإذا أدرك وجود ضيق وشدّة على نفسه ، أو على إمامه ، أو على إخوانه ، أو أمّته ، فإنّه سيجد نفسه أمام مسؤوليّة شرعيّة وعقليّة ووجدانيّة ، تدعوه إلى القيام بما فرضه الله عليه من تكاليف في جميع الحقول .. ولا بدّ أن يكون على درجة من الوعي بحيث يدرك أن أيّ حرج يتعرض له إمامه ، ويمنعه من ممارسة قيادته للامة بصورة فعليّة وفاعلة ، لا بدّ أن ينعكس آلاماً ، ومصائب ، وبلايا ونوائب على الأمّة بأسرها ، أفراداً وجماعات ، بل على كلّ مظاهر الحياة والخير فيها .. وبديهي أن من يرى بيته يحترق ، ويشاهد النار قد علقت بثيابه ، فليس له أن يقف موقف المتفرّج غير المكترث ، بل لا بدّ له من المبادرة إلى إخماد تلك النار ، وتلافي وقوع ذلك الحريق ، بكلّ ما يملك من قدرات ، وبجميع ما يقع تحت يده من وسائل وطاقات. 9 ـ والذي يثير الإنتباه هنا أيضاً : أن هذا التوجيه لم يحدّد ذلك الذي يكون الفرج له ، وذلك لكي يكون توجيهاً شاملاً ، ويكون التعاطي معه برؤية مستوعبة ، وواعية ، تلاحق كلّ الحالات ، وتتحرّك في جميع الإتّجاهات .. وما ذلك إلّا لأن أيّ اندفاع غير مسؤول ، لم تراع فيه الدقّة ، ولم تحكمه الموازين الإيمانيّة ، والشرعيّة ، والإعتقاديّة والتدبيريّة ، وغيرها .. فإنّه لا يؤمَنُ في مثله الوقوع في انحرافات عقائديّة خطيرة ، فضلاً عن أنّه قد يلحق بالكيان كلّه أضراراً بالغة وخطيرة ربّما يصعب تلافيها .. الأمر الذي يحتم مراجعة الحسابات بدقّة ، وبوعي ومسؤوليّة ، والتزام .. ولأجل ذلك نقول : إن هذا التوجيه قد يكون ناظراً إلى زمان الحضور والغيبة على حدّ سواء. ففي زمان الحضور أريد منه الحدّ من اندفاع الناس لتأييد من لا يستحق التأييد ، من الذين يرفعون رايات ضلالة ، من حيث إنّها تستبطن ادّعاء الإمامة لغير أهلها ، فكان الكثيرون من الناس الطيّبين يتعجلون في اتّخاذ القرارات بتأييدها والانخراط في صفوفها ، انطلاقاً من حماسهم ، لأن يعلو صوت الحقّ ، وتزول دولة الباطل ، وحبّ أن تنكشف الغمة عن الأمّة. فينجرّون وراء أمثال هؤلاء ، وتشتبه عليهم الأمور ، ويقعون في الشك والشبهة ، وفي المحذور الكبير بسبب غفلتهم ، وتسرّعهم ، وحماسهم غير المسؤول .. فجاء هذا التوجيه الحكيم ليعالج حالة هؤلاء الناس ، ويطلب منهم أن يثبتوا على يقينهم .. وأن لا يتعجلوا الأمور ، فإنّها مرهونة بأوقاتها .. ولا ينتهي أثر التوجيه عند هذا الحدّ ، بل تبقى له شموليّة ، وسعة ، وحاكميّة ، ودور في ضبط حركة المؤمنين في زمن الغيبة أيضاً .. فهو من جهة يكون تهدئة وضبطاً لحركة المستعجلين منهم ، وصيانتهم من محذور الوقوع فريسة تزوير الحقائق من قبل طلّاب اللبانات ، أصحاب المطامع ، الذين يطلقون الادّعاءات الباطلة ، ويرفعون رايات الضلال ، داعين الناس إلى بيعتهم وإلى إمامة أنفسهم. ثم يكون من جهة أخرى توجيهاً قويّاً وحاسماً ، باتّجاه الإعداد والاستعداد ، والمساهمة الفعليّة في إزالة الموانع ، وتذليل العقبات التي تعترض سبيل فرج الأمّة بظهوره صلوات الله وسلامه عليه و عجّل الله تعالى فرجه الشريف. 10 ـ ثمّ إن من الواضح : أنّ للفرج بعد الشدّة لذّته ، ومحبوبيّته ومطلوبيّته ، فانتظاره يكون انتظاراً لأمر محبّب ولذيذ ، تهفو إليه النفوس ، وتشتاق إليه وتتمنّاه .. فإذا جعل الإنسان المؤمن نفسه في موقع الطالب والمنتظر له ، فإن انتظاره هذا سيكون معناه : أن يكون دائم الفكر فيه ، والإستحضار له ، والإرتباط به. أضف إلى ذلك : أن هذا الإنتظار سيجعل هذا المنتظر يعدّ الدقائق واللحظات التي تفصله عمّن يحبّ ، وسيشعر بحجمها وبقيمتها ، وبمداها. ثمّ هي ستكون ثقيلة عليه ، ويودّ التخلّص منها ، بأيّة وسيلة ، ليصل إلى من ، أو ما يحبّ ، ويبلغ ما يريد. فإذا رأى أن ثمة تأخيراً في حصول ما يتمنّاه ، فسيبحث عن أسبابه ، ويعمل على إزالتها بكلّ ما يستطيع .. أمّا النائم الغافل ، الذي يعيش حياة الإسترخاء ، والفراغ ، وعدم الشعور بالمسؤوليّة ، فلا يمكن أن يكون من المنتظرين .. 11 ـ ويبقى علينا أن نعرف السبب في أنّ الإنتظار كان هو أفضل الأعمال ، وليس هو الصلاة مثلاً ، مع أن الصلاة عمود الدين .. ولعلّ بإمكاننا الإشارة في هذا السياق الى نقطتين : إحداهما : أنّه قد اتّضح ممّا ذكرناه : أنّ حفظ الإمام ، وتمكينه من القيام بمهمّاته ، هو حفظ للأمّة ، وللدين ، كلّ الدين ، ولكلّ مظاهر الحياة والقوّة ، وهو يهيّء الأجواء لكلّ كائنٍ لكي يتنامى ويتكامل ، ويسير نحو الأهداف السامية التي رسمها الله سبحانه وتعالى له. الثانية : أن هذا الإرتباط الذي يحقّقه عيش الناس لواقع الإنتظار ، هو التجسيد الواقعي والفعلي لأمر الولاية والإمامة. وكلّنا يعلم : أنّ ولاية الأئمّة شرط أساسي لقبول جميع الأعمال ، وهي بالنسبة لها بمثابة الروح ، حين تنفخ في الجسد ، حيث إنّ هذه الروح هي التي تعطي العين القدرة على الرؤية ، وتعطي الأذن السمع ، وتجعل اللسان يتكلّم ، واليد تتحرّك ، وما إلى ذلك .. فإن عيش الإنسان هذا الإرتباط الفعلي ، والواعي ، من شأنه أن يزيد في نشاط هذه الروح ، وسيعطيها المزيد من القوّة والحيويّة والحياة .. والحمد لله ربّ العالمين ، وصلاته وسلامه على عباده الذين اصطفى ، محمّد وآله الطاهرين .. الهوامش 1. راجع : كتاب الأربعين للماحوزي ص 224 وميزان الحكمة ج 1 ص 184 وكمال الدين وتمام النعمة ص 253 وبحار الأنوار ج 52 ص 92 ح 8 عنه ، وكفاية الأثر ص 54 وتفسير كنز الدقائق ج 2 ص 493 و 506 وإعلام الورى ج 2 ص 182 وقصص الأنبياء للراوندي ص 359 وكشف الغمة ج 3 ص 315 وينابيع المودة ج 3 ص 238 و 239. المصدر : موقع سماحة السيّد جعفر مرتضى العاملي
الجواب من السيد جعفر مرتضى العاملي: بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله ، والصلاة والسلام على محمّد وآله الطاهرين .. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. وبعد .. فلا بأس بملاحظة ما يلي : 1. إن الروايات التي ذكرت اُمّهات الأئمّة الطاهرين أظهرت أنهنّ كنّ على جانب عظيم من التقوى ، والانقطاع إلى الله سبحانه ، وهذا لا يأتي من فراغ ، بل هو يدلّ على وجود بيئة إيمان ، ومعرفة وتقوى .. 2. إنّ الله تعالى قد أرسل الأنبياء لجميع الأمم والأقوام ، فقد قال تعالى : ( وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ ) (1). وقد استمرّت بعثة الأنبياء إلى ما قبل بعثة نبيّنا صلّى الله عليه وآله بقليل ، ولعلّ من آخر هؤلاء الأنبياء : خالد بن سنان ، كما دلّت عليه بعض الروايات .. فمن الذي يستطيع أن ينفي أن يكون آباء اُمّ الإمام الحجّة ، أو السجّاد أو الصادق عليهم السلام من المؤمنين ، الذين يعبدون الله على دين إبراهيم ، أو وفق ما ثبت لهم عن عيسى ، أو غيره من الأنبياء عليهم السلام بعده ؟! 3. إنّ المقصود بالأرحام المطهّرة : أن ولادة الإمام كانت عن زواج شرعي صحيح لا من سفاح .. 4. هناك خلاف في اسم والدة السجاد عليه السلام ، فراجع كتابنا : سيرة الحسين في الحديث والتاريخ. والحمد لله ، والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى ، محمّد وآله الطاهرين .. الهوامش 1. الآية 24 من سورة فاطر.
الجواب من السيد جعفر مرتضى العاملي: أوّلاً : هل تؤمن أيّها السّائل بالقضاء والقدر ؟! إن قلت : نعم ، فسأقول لك : لماذا تبكي على أبيك وعلى أمّك وعلى ولدك وعلى أخيك وعلى صديقك وعلى زوجتك ، إن مات أيّ واحدٍ منهم ، ولماذا تنزعج إذا أصيب أو أُصِبتَ أنت بمرض عضال كالسرطان ، أو إذا قطعت يده أو يدك أو عميت عيناه أو عيناك. وإن قلت : إنّك لا تؤمن بالقضاء والقدر انتهى الأمر ، باعتراضك على قضاء الله ، وعدم رضاك بحكمته. ثانياً : هل معنى الإعتقاد بالقضاء والقدر أنّ ما جرى على الإمام الحسين عليه السلام هو مقتضى الحكمة الإلهيّة ؟! وهل كان ذلك محبوباً لله تعالى ؟! ويجب علينا وعليك أن نستحسنه وأن نرضى به ولا نعترض عليه ؟! وهل معنى ذلك : أن لا يعاقب قاتل الحسين بن علي عليه السلام ، بل يثاب ويدخل الجنّة ، لأنّه فعل المحبوب لله تعالى ، ونفذ ما اقتضته حكمته ؟! فإن كان الأمر كذلك ، فلماذا إذن تعترض أنت على من قتل لك عزيزاً ؟! بل لماذا تدافع عن نفسك ، إذا قصدك قاصدٌ بسوء ؟! ألا يكون هو الآخر يفعل ما يحبّه الله وما تقتضيه حكمته تعالى وما يدخل به الجنّة ؟! ثالثاً : لماذا أنت مستاء إذن من الرافضة ؟! ولماذا تبغضهم إن كنت تؤمن بالقضاء والقدر ؟! وإن كنت لا تؤمن به ، انتهى الأمر باعتراضك على قضاء الله ، وعدم رضاك بحكمته. ولماذا تعترض أيضاً على كفر الكافر وإجرام المجرم وعصيان العاصي لله ؟! ولماذا أيضاً تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ؟! وما فائدة ذلك ؟! ولماذا تعاقب القاتل ، وتقطع يد السارق ، وتجلد وترجم الزاني ، و ... و ... و ... ؟! رابعاً : رويتم : أن رسول الله صلّى الله عليه وآله قد قال عن شهداء أحد : أنا شهيد على هؤلاء ـ أو : أشهد على هؤلاء ـ. فقال أبو بكر : ألسنا إخوانهم ، أسلمنا كما أسلموا وجاهدنا كما جاهدوا ؟! قال : بلى ، ولكن هؤلاء لم يأكلوا من أجورهم شيئاً ، ولا أدري ما تحدثون بعدي. فبكى أبو بكر ، وقال : إنا لكائنون بعدك. ونقول : لماذا بكى أبو بكر ؟! فإن كان يؤمن بالقضاء والقدر فقد اعترض على الله ، وإن كان يؤمن بالقضاء والقدر فلماذا يبكي ؟! ولماذا حزن عندما كان في الغار مع ما رأى من الآيات والمعجزات التي دلّت على أن الله حافظ لنبيّه ، وناصره ، ومظهر لدينه ؟! هل كان يؤمن بالقضاء والقدر عندما حزن ؟! ولماذا حزن ؟! وإن كان لا يؤمن بالقضاء والقدر ، فقد اعترض على الله ؟! رابعاً : معنى القضاء والقدر : القضاء : هو الأمر الخارج عن الإختيار الذي يجري على الإنسان من خارج ذاته ممّا لا حيلة له فيه وهو الحكم ، وهو خير للمؤمن ، سواء سرّه أو ساءه ، إن ابتلاه كان كفّارة لذنبه ، وإن أعطاه وأكرمه كان قد حباه وفي قضاء الله كل خيرٍ للمؤمن. وروي عن علي عليه السلام : إن القضاء على عشرة أوجه : فمنه قضاء فراغ ، وقضاء عهدٍ ، ومنه قضاء إعلامٍ ، ومنه قضاء فعلٍ ، ومنه قضاء إيجاب ، ومنه قضاء كتاب ، ومنه قضاء إتمام ، ومنه قضاء حكم وفصل ، ومنه قضاء خلق ، ومنه قضاء نزول الموت. ثم ذكر الآيات لكلّ واحدة من هذه الأوجه. وروي : أن أمير المؤمنين عليه السلام عدل من عند حائطٍ مائل إلى مكانٍ آخر ، فقيل له : يا أمير المؤمنين ، تفرّ من قضاء الله ؟! فقال : أفر من قضاء الله إلى قدر الله. وسقوط الحائط على المستظلّ به لم يكن لأجل فعلٍ صدر من ذلك الجالس عنده. وخلاصة الأمر : إنه لا بدّ من تحديد معنى القضاء الذي يرد في أيّ حديث أو آية. المراد به في الحديث المروي عن علي عليه السلام آنفاً : هو الأمر الذي لا بدّ من وجوده في حكم الله تعالى. أما القَدَر ، فهو وضع الشيء وفق ما يقتضيه الغرض بلا زيادة ولا نقيصة ، قال تعالى : ( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ) . وذلك مثل خلق الإنسان بهذه الميزات والخصائص المتوافقة مع الحكمة ومع الوظيفة التي أرادها الله تعالى له في هذه الحياة ، والغاية التي سينتهي إليها. والقَدَر قد يكون في الخلق ، وقد يكون في الأحكام ، وقد يكون في السنن والنظم العامة في الكون والإنسان ـ ومن ذلك : تقدير الجزاء على الأفعال ـ وقد يكون بغير ذلك. وهذا القدر ، أو فقل : التقدير في الخلق قد اقتضى وضع السنن لتسير الأمور وفقها ، مثل سنن التوالد في البشر ، وغرس الشجر ، وظهور الثمر ، ودوران الأرض حول الشمس والقمر ، وقد يتوارد بعض هذه السنن على بعض ، حين تصبح في دائرة اختيار الإنسان وغيره من المخلوقات العاقلة. أو حين تصبح في مجال تصرّف سائر المخلوقات. فمثلاً : إن الله تعالى قدّر التوالد والتناسل بين البشر ، وقدّر أيضاً أن يعطي الإنسان قدرة على التصرّف ، فإذا بادر هذا الإنسان في مورد إلى انتزاع رحم المرأة أو إفساده بأدوية أو بغيرها ، أو تمكن من تعطيل القدرة الجنسيّة للرجل ، فإن ذلك يبطل أثر التقدير للتناسل في خصوص هذا المورد. وأن الانسان يتحكم في هذه السنة ، ويقدر على تغيير بعض مفردات تجليها ولكن بتقدير آخر حاكم عليها. فالقدر الذي تختزنه علّة بعينها قد يرد عليه ما يخل به ويبطله. وهو ما يعبر عنه : باختلال الشرائط ، أو وجود الموانع. أما القضاء ، فلا يعرض له شيء من ذلك كما قدمنا ، لأنّه حتم وجزم وتصرّف إلهي بات وقاطع. ولا بد من لفت النظر إلى أن من الضروري عدم الخلط بين العلم الإلهي الأزلي بما تكون عليه حركة الأسباب والمسببات ، وكيفيّة سيرها وتوارد بعضها على بعض في حركة الواقع ، وبين حركة الواقع في سننه التي قدرها ووضعها الله تعالى ، فان ذلك العلم لا يؤثر في هذه الحركة ، وإنما الذي يؤثر فيها هو السنة المقدرة التي أراد الله تعالى أن يكون الفيض منه تعالى من خلالها. وبذلك يظهر أيضاً أن القضاء والقدر ليس له ارتباط بحصر فعل الإنسان بالله تعالى ، بمعنى أن يجبر الله تعالى عباده على أفعالهم ، لأجل سنة القضاء والقدر ، لأنّ الله تعالى قد وضع السنن التي من جملتها أن يفيض الله الوجود على الإنسان ، وعلى قدراته وطاقاته لحظة بلحظة ، والإنسان هو الذي يختار أن يحول هذه القدرة ، وأن يجسدها في هذه الحركة ، أو في تلك. فهذا الإختيار البشري وذلك السعي والطلب الإنساني للحركة هو الشّرط الذي رُبِطَ الفيض الإلهي به. ولأجل هذا الربط يصح نسبة الفعل للإنسان ، لأنّه اختاره وتطلَّبه ، وأوجد شرط الفيض الإلهي الوجود عليه. ويصحّ نسبته أيضاً إلى الله تعالى ، لأنّه هو الذي أفاض وأعطى القدرة. وهو قادر على حجب الفيض في كلّ لحظة ، ولذا ورد أنّه تعالى لا يطاع جبراً ، ولا يعصى مغلوباً ، وهو القادر على ما أقدرهم عليه. وهذا نظير ما إذا كان هناك طاقة كهربائيّة موزّعة في بيتٍ وفق الضوابط ، وهي تأتي من مصدر ينتجها ويرسلها. ولكن صاحب البيت هو الذي يختار أن يستفيد من هذه الطاقة ، أو لا يستفيد ، وقد يوظفها في التدفئة ، أو في تبريد الطعام ، أو في قتل إنسان ، أو في تحريك آلة ، أو أي شيء آخر. فهو من جهةٍ ليس مجبراً على ما فعل ، كما أنه ليس حرّاً طليقاً بشكل مطلق ما دام بالإمكان إبطال فعله بقطع التّيار الكهربائي عنه ، وجعله عاجزاً عن فعل ما يريد ، ولذلك صحّ الثواب الإلهي على الفعل ، إذا كان حسناً ، وصحّ العقاب عليه إذا كان قبيحاً ، وصحّ الأمر والنهي عنه .. و .. و .. الخ.
الجواب من السيد جعفر مرتضى العاملي: أوّلاً : إن هذا السؤال ليس موجّهاً للشيعة بل يجب أن توجّهه للحسين عليه السلام نفسه ، فهو الذي يعرف السبب في خروجه إلى كربلاء وما الذي استفاده منها. ثانياً : إنّك تحاول بهذا السؤال أن تخطئ أحد الثلاثة الذين نزلت في حقّهم آية التطهير (1) ، وهم : علي والحسن والحسين عليهم السلام. فإن كان أحدهم مخطئاً ، فكيف طهَّرهم الله جميعاً من الرجس تطهيراً ؟! إذن فيجب أن تعتب على الله سبحانه وتعالى الذي حكم بطهارة غير الطاهرين من الرجس بزعمك. وإن كنت تريد تخطئة علي عليه السلام في عدم خروجه على من ظلمه ، فإنّما تخطئ الله ورسوله الذي لا ينطق عن الهوى ، فإنّه هو الذي يقول : علي مع الحق ، والحق مع علي (2). وإن كنت تخطّئ الحسن أو الحسين عليهما السلام ، فإنّما تخطّئ الله ورسوله الذي لا ينطق عن الهوى أيضاً ، فإنّه هو الذي قال : الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا (3) ، فكيف يجعلهما الرسول بأمر من الله إمامين للناس ، وهما يخطئان أو يخطئ أحدهما قطعاً ، وتكون أخطاؤهما فادحة إلى هذا الحدّ ؟! وكيف يصدر عن سيّدي شباب أهل الجنّة (4) الأمور المتضادة في موضوع واحد ؟! ألا يوجب ذلك كلّه عليك أن تبحث عن الظروف التي دعت الإمام الحسن عليه السلام إلى الصلح ، وعن الظروف التي دعت الإمام الحسين عليه السلام للخروج إلى كربلاء ، وعن الظروف التي دعت عليّاً عليه السلام للسكوت. ثالثاً : من قال لك إنّ مجرّد خروج الإمام الحسين عليه السلام إلى كربلاء ، وليس معه جيش ولا حشود ، بل معه أولاده وأصحابه الذين لا يزيدون على بضعة عشرات (5) يعدّ ذنباً يبيح ليزيد أو لغيره أن يقطع عليه الطريق بالجيوش ويجمع له ثلاثين ألفاً ثمّ يبادر إلى قتله وقتل أهل بيته حتّى الطفل الرضيع ، فضلاً عن قتل أصحابه ؟! (6) رابعاً : إنّنا نقول لك : ألم يكن المشركون ، وأبو جهل يظلمون رسول الله صلّى الله عليه وآله وأصحابه في مكّة ، فلماذا لم يبادر رسول الله صلّى الله عليه وآله إلى حربهم ؟! إمّا أن تقول إنّه صلّى الله عليه وآله لم يتعرض لظلمهم وهذا خلاف الثابت أو أنّه صلّى الله عليه وآله لم يكن شجاعاً ليثور على الظلم. وإذا كان عمر بن الخطاب قد هاجر ظاهراً معلناً وتهدد المشركين بأن يقتل من يلحق به منهم ليمنعه من الهجرة ، فلماذا هاجر النبي صلّى الله عليه وآله وأبو بكر مستترين بعد أن أخفيا نفسيهما في الغار ؟ (7) ! هل كان عمر أشجع أو أقوى من النبي صلّى الله عليه وآله ومن أبي بكر ؟! فلماذا لم يخرج النبي صلّى الله عليه وآله ظاهراً ؟! ولماذا لم يتهدَّد النبي وأبو بكر المشركين كما تهدَّدهم عمر بن الخطاب ؟! خامساً : بالنسبة لسكوت علي عليه السلام في البداية ثمّ قتاله الخارجين عليه في خلافته نقول : لماذا سكت صلّى الله عليه وآله عن ظلم المشركين له وللمسلمين في مكّة ثمّ حاربهم عدّة سنين بعد أن هاجر إلى المدينة ، ثمّ صالحهم في الحديبيّة وهو في موقع القوّة وهم في موقع الضعف ، وأعطاهم تلك الشروط التي وافق عليها أبو بكر واعترض عليها عمر ؟! هل أخطأ صلّى الله عليه وآله في سكوته عن الظلم في مكّة كما سكت علي عليه السلام عمّن ظلموه بزعمك ، أم أخطأ صلّى الله عليه وآله في حربه للمشركين في بدر وأحد وسواها ؟! أم أخطأ في صلحه معهم يوم الحديبيّة كما أخطأ بزعمك الإمام الحسين عليه السلام بذهابه إلى كربلاء ، وكما أخطأ الإمام الحسن عليه السلام بصلحه مع معاوية ؟! ففي أيّ حالة من هذه الحالات الثلاث أخطأ رسول الله صلّى الله عليه وآله ؟! أمّا نحن ، فإنّنا لسنا بحاجة إلى التذكير بأنّنا نقول بكلّ حزم ويقين : إنّ النبي صلّى الله عليه وآله كان مصيباً في كلّ ما فعل ، وأن فعله حجّة علينا وعلى جميع الخلق. وكان علي عليه السلام مصيباً في سكوته حين كان الإسلام طري العود ، وكان الناس حَدِيثي عهد بالجاهليّة ، وكان الأعداء لا يزالون أقوياء ويحيطون بالمسلمين. وكان الإمام الحسن عليه السلام مصيباً أيضاً في صلحه مع معاوية ، حيث انتزع منه اعترافاً مكتوباً شهد عليه الأعيان والرؤساء : بأن الأمر من بعده للإمام الحسن ثمّ للإمام الحسين (8) ، وفوت على معاوية فرصة قتله وقتل أخيه الحسين عليهما السلام ، وإبادة بني هاشم ، وحمل معاوية على أن يبطل هو وبخطّ يده خلافة ولده يزيد وجميع بني أميّة من بعده. وفي بعض المصادر : بل يكون الأمر من بعده شورى بين المسلمين. (9) ونحن نعتقد : أنّ هذا الأمر مجعول ، ولكن حتّى ما جعلوه لم يلتزموا به ، ولم يذهب موضوع الإنتزاء على حكم الأمّة من قبل الأمويين. فلمّا تمّ الصلح عاد معاوية فنقض الاتّفاق ، وبقي الحسنان ملتزمين بعهدهما ، لأنّهما لو نقضاه ـ كما نقضه معاوية ـ لقلتم إنّ خلافة يزيد كانت شرعيّة ، لأنّ النقض للصلح قد حصل من الطرفين. فلمّا مات معاوية كان لا بدّ من العمل بالاتّفاق الذي كان قد أبرم معه ، لأنّ المعاهدات لا تنقض من طرف واحد ، فالحسين عليه السلام كان هو الخليفة باعتراف معاوية في وثيقة الصلح ، وكان يزيد هو الغاصب والخارج على إمام زمانه والقاتل له. فكان لا بدّ للإمام الحسين عليه السلام من المطالبة بالعمل بأحكام الله ، ومن توضيح الأمور للناس ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وطلب الاصلاح في أمّة جدّه رسول الله صلّى الله عليه وآله ، كما صرح به في كلماته المختلفة (10) ، حتّى لا يقول قائل : إنّ حكم يزيد والأمويين كان شرعيّاً ، لأنّهم حكموا بموافقة الحسنين عليهما السلام وبمقتضى أحكام الصلح. فاتّضح : أنّ النبي صلّى الله عليه وآله كان مصيباً ومعصوماً في كلّ مواقفه. ثمّ كان علي عليه السلام مصيباً في سكوته. ثمّ كان الحسن عليه السلام مصيباً في صلحه. ثمّ كان الحسين عليه السلام مصيباً في خروجه إلى كربلاء. سادساً : إن ما قاله السائل من أنّه كان مع الامام الحسن عليه السلام من الجيوش ما يمكنه من مواصلة القتال ، غير صحيح أيضاً ، ويكفي أن نذكِّره هنا بما قاله الإمام الحسن عليه السلام نفسه في وصفه لحال أصحابه. فقد ذكر ابن الأثير الجزري : إنّما سلّم الحسنُ الأمرَ إلى معاوية لأنّه لما راسله معاوية في تسليم الخلافة إليه خطب الناسَ فحمد الله وأثنى عليه وقال : إنّا والله ما يثنينا عن أهل الشام شكّ ولا ندم ، وإنّما كنّا نقاتل أهل الشام بالسلامة والصبر ، فشيبتِ السلامة بالعداوة ، والصبرُ بالجزع ، وكنتم في مسيركم إلى صِفّين ودينكم أمام دنياكم ، وأصبحتم اليوم ودنياكم أمام دينكم ، ألا وقد أصبحتم بين قتيلين : قتيل بصفّين تبكون له ، وقتيل بالنهروان تطلبون بثأره ، وأمّا الباقي فخاذل ، وأمّا الباكي فثائر ، ألا وإنّ معاوية دعانا لأمر ليس فيه عزّ ولا نَصفةٌ ، فإن أردتم الموت رددناه عليه ، وحاكمناه إلى الله ، عزّ وجلّ ، بظُبى السيوف ، وإن أردتم الحياة قبلناه وأخذنا لكم الرضى. فناداه النّاسُ من كلّ جانب : البقيّة ، البقيّة ! وأمضى الصُّلح. (11) ونقول : أ. إن لنا ملاحظة على قولهم : إنّه قد خطب بذلك حين وفاة أبيه ، فإن معاوية إنّما كتب بالصلح إلى الامام الحسن عليه السلام بعد استشهاد أمير المؤمنين عليه السلام بأشهر عديدة ، وقد كان الامام الحسن عليه السلام حينئذ في المدائن ، وكان استشهاد الإمام علي عليه السلام بالكوفة. فالصحيح ما أورده ابن طاووس رحمه الله حيث قال : لما وجد الحسن بن علي « ع » فترة من أنصاره وكتب معاوية في طلب الصلح اليه والى أصحابه خطب خطبة منها : ما صدنا عن أهل الشام شك ولا ندم وإنما كنا نقاتلهم بالسلامة والصبر فشيبت السلامة بالعداوة والصبر بالجزع وكنتم في مسيركم دينكم أمام دنياكم فأصبحتم اليوم دنياكم أمام دينكم ألا وانا لكم كما كنا ولستم كما كنتم لنا أصبحتم بين قتيلين : قتيل بصفين تبكون له وقتيل بالنهروان تطلبون منا ثأره والباكي خاذل والباقي ثائر ومعاوية يدعونا الى أمر ليس فيه عز ولا نصفة ، فان أردتم الموت وردناه وحاكمناه الى الله بظبات السيوف وان أردتم الحياة قبلناها وأخذنا لكم بالرضا ، فناداه الناس من كل جانب البقية يا بن رسول الله عليهم الصلاة والسلام. (12) وأصرح من ذلك ما ذكره الذهبي ، حيث صرح : بأن ذلك قد حصل في المدائن ، فراجع. (13) والمراد بإفراده : تركه فرداً وحيداً. ب. ما فائدة هذا الجيش الذي يتخلى عن قائده ولا يعمل بما تفرضه عليه بيعته وعهوده ؟! ثامناً : أمّا سؤال السائل عن سبب مقاتلة الإمام الحسين عليه السلام مع أنّه في قلّة من أصحابه ، فقد قلنا إنّه عليه السلام لم يجمع جيشاً ولم يأت لحرب ، بل ترك الحجّ مخافة أن يغتاله الأمويّون في مكّة ، وتنتهك بقتله حرمة بيت الله ، فخرج عنها متّجهاً نحو العراق ، فاعترضه جيش يزيد ومنعه من دخول الكوفة ، وجعجع به حتّى بلغ به كربلاء وجمع له يزيد ثلاثين ألفاً وهو في بضع عشرات من أهل بيته وأصحابه ، فقتلوهم بتلك الطريقة الفظيعة. ومن جهة أخرى ، فإنّنا قد علمنا أن من جملة شروط الامام الحسن عليه السلام على معاوية : أن يعود الأمر من بعده إليه ، ثمّ إلى أخيه الإمام الحسين عليهما السلام ، ولا يصحّ نقض العهد من طرف واحد ، فكان يزيد هو الباغي على إمامه والخارج عليه ، والقاتل له. أمّا الإمام الحسن عليه السلام فقد قلنا : إنّه عليه السلام قام بالأمر وحاول دفع الباغي عليه حتّى تخلّى عنه جيشه ، فلمّا تخلّى عنه وتمكّن من حقن الدماء بنحو يحصل فيه على اعتراف من معاوية بأنّ الحقّ له ولأخيه ، وتعهد له بإرجاعه إليه ولأخيه من بعده ، رضي بالصلح ـ وإن كان كارهاً ـ لما يعلمه من دخيلة معاوية التي لن ترضى بالوفاء. الهوامش 1. الأحزاب : 33. 2. الإمامة والسياسة « لابن قتيبة الدينوري » / المجلّد : 1 / الصفحة : 98 / الناشر : دار الأضواء / الطبعة : 1. راجع : الأمالي « للشيخ الصدوق » / الصفحة : 150 / الناشر : مؤسسة البعثة / الطبعة : 1. مجمع الزوائد « للهيثمي » / المجلّد : 7 / الصفحة : 235 / الناشر : دار الكتب العلميّة. 3. المناقب « لابن شهرآشوب » / المجلّد : 3 / الصفحة : 394 / الناشر : علامه / الطبعة : 1 : واجتمعوا ايضا انه صلّى الله عليه وآله قال : الحسن والحسين سيدا شباب اهل الجنة . راجع : دعائم الإسلام « للقاضي النعمان » / المجلّد : 1 / الصفحة : 37 / الناشر : دار المعارف. 4. مسند أحمد بن حنبل / المجلّد : 17 / الصفحة : 31 / الناشر : مؤسسة الرسالة / الطبعة : 1 : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : « الحَسَنُ والحُسَيْنُ سَيِّدا شَبَابِ أَهْلِ الجَنَّةِ » . 5. راجع : اللهوف في قتلى الطفوف « لسيّد ابن طاووس » / الصفحة : 40 / الناشر : أنوار الهدى / الطبعة : 1. 6. راجع : تذكرة الخواص « لسبط بن الجوزي » / الصفحة : 227 / الناشر : منشورات الشريف الرضي / الطبعة : 1. 7. التوبة : 40 : إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ 8. راجع : الوافي بالوفيات « للصفدي » / المجلّد : 12 / الصفحة : 68 / الناشر : دار احياء التراث. فتح الباري « لابن حجر العسقلاني » / المجلّد : 13 / الصفحة : 56 / الناشر : دار المعرفة / الطبعة : 2. 9. كشف الغمة في معرفة الأئمّة « للاربلي » / المجلّد : 1 / الصفحة : 570 / الناشر : بني هاشمي / الطبعة : 1. 10. راجع : الفتوح « لأحمد بن أعثم الكوفي » / المجلّد : 5 / الصفحة : 21 / الناشر : دار الأضواء / الطبعة : 1. 11. الكامل في التأريخ « لابن الأثير » / المجلّد : 3 / الصفحة : 406 / الناشر : دار الصادر. راجع : تاريخ مدينة دمشق « لابن عساكر » / المجلّد : 13 / الصفحة : 268 / الناشر : دار الفكر. أسد الغابة « لابن الأثير » / المجلّد : 1 / الصفحة : 491 / الناشر : دار الفكر / الطبعة : 1. 12. التشريف بالمنن في التعريف بالفتن « لسيّد بن طاووس » / الصفحة : 192 / الناشر : الشريف الرضي. 13. راجع : تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام « للذهبي » / المجلّد : 4 / الصفحة : 6 / الناشر : دار الكتاب العربي / الطبعة : 2. سير أعلام النبلاء « للذهبي » / المجلّد : 3 / الصفحة : 145 / الناشر : مؤسسة الرسالة / الطبعة : 9.
الجواب من السيد جعفر مرتضى العاملي: أوّلاً : إن ما ورد في السؤال ، من أنّ العصمة تقتضي علم الغيب ، لا يصحّ ، بل هي تقتضي العمل بالتكليف الشرعي ، وعدم الخطأ في تطبيقه ، وعدم إهماله ونسيانه. ثانياً : إنّ السائل نفسه يقول : إنّ النبي صلّى الله عليه وآله كان معصوماً ، ويقول عن نفسه : إنّه يعتقد بالقرآن الذي يقول عنه صلّى الله عليه وآله : (وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ ) (1). ولنا أن نقول أيضاً : إنّ هذا السائل يعتقد : بأنّ النبي صلّى الله عليه وآله قد أخبر بكثير من الغيوب التي تحقّقت ، ومنها : أنّ عليّاً عليه السلام سيقاتل الناكثين ، والقاسطين ، والمارقين. وان عائشة ستخرج على علي عليه السلام ظالمة له ، وأنّها ستنبحها كلاب الحوأب. ونضيف هنا أيضاً : أنّكم قد رويتم في كثيرٍ من مصادركم الأساسيّة : أنّه صلّى الله عليه وآله قد أخبر بقتل الإمام الحسين في كربلاء ، وبكى عليه ، وأودع لدى أمّ سلمة قارورةً فيها من تراب كربلاء ، وقال لها : إنّها إن فاضت دماً ، فلتعلم أن الحسين قد قتل (2). ثالثاً : إذا كان الحسين يعلم بأنّه سيقتل في كربلاء ، وهو يمارس وظيفته الشرعيّة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فإن ذلك لا يمنعه من القيام بما أوجبه الله عليه من الذهاب إلى تلك البقعة. كما أنّ علم إبراهيم خليل الله بأنّه سيواجه القتل إذا حطم الأصنام للنمرود ، لم يمنعه من فعل ذلك. وعلم الأنبياء كلّهم بما سيواجهونه من مصائب وبلايا وأخطار لا يجعلهم يتخلّون عن واجبهم ، والجلوس في زوايا بيوتهم ، أو الهروب من مسؤليّاتهم. وكان الرسول صلّى الله عليه وآله يعلم أيضاً بما سيواجهه به المشركون ، وكان يرى ما يفعلونه بأصحابه من تعذيبٍ إلى حدّ الموت ، ولكنّه كان يأمرهم بالصبر ، ويقول لعمّار وأبيه وأمّه : « صبراً يا آل ياسر » (3). فلماذا لم يتخلّوا عن دينهم ، أو عن صلاتهم ، وصومهم على الأقلّ ، ليتخلّصوا من الموت الذي طال حتّى النساء منهم ، حيث ماتت والدة عمّار تحت التعذيب ؟! وإذا كان لا بدّ من حمل النساء والأطفال مع الحسين عليه السلام إلى كربلاء ، لكي يقع عليهم السبي أو القتل ، وليمنع ذلك من إثارة الشبهات والشكوك حول ما جرى له عليه السلام ، ويضيع بذلك دمه ، ولا ينتفع به الإسلام والمسلمون. حين يدعي بنو أميّة ومحبّوهم : أنّ الحسين قد قتل بيد اللصوص ، أو افترسته الوحوش ، أو ما إلى ذلك. نعم .. إنّه حين يكون المطلوب هو حفظ الإسلام بهذا الدم ، وبهذا السبي ، فهل سيبخل الحسين بذلك ، ويمتنع من حملهم معه إلى كربلاء ، ويحفظ بهم الإسلام والدين ؟! ومن يجود بدمه في سبيل دينه ، هل سيبخل بما هو دونه ؟! إن احتاج الإسلام إليه ؟! وهل سيكون آل ياسر الذين تعرضت نساؤهم للتعذيب والقتل أسخى على الدين من الحسين عليه السلام .. رابعاً : إنّ الإسلام لم ينحرف ، ولا يمكن أن ينحرف في يومٍ من الأيّام ، بل كان فريق من الناس ممّن يدعي الإسلام هم الذين ينحرفون عنه ، ويعملون على صدّ الناس عن الدخول فيه ، أو عن العمل والالتزام بأحكامه. خامساً : إنّ حال الناس في مدى التزامهم بالإسلام يختلف ويتفاوت من عصر لعصر ومن وقت لآخر .. كما أن سبل هدايتهم ، وصيانة دينهم ، وحفظ يقينهم ، وما يؤثر في سلامة مسيرتهم تختلف وتتفاوت وتخضع للظروف ، وللقدرات وللإمكانات ، اختلاف الحالات ، فقد يكفي فيه مجرّد التعليم والإرشاد ، وقد يحتاج إلى ممارسة بعض الشدّة في الزجر عن المنكر ، والتشدّد في فرض المعروف .. وربّما بلغ الانحراف عن خط الاستقامة حدّاً يحتاج فيه تصحيح المسار إلى درجات أشدّ من الكفاح ، وإلى الجهاد واستعمال السلاح وخوض اللجج وبذل الأرواح والمهج. وهذا ما فعله رسول الله صلّى الله عليه وآله بالذات ، فقد مارس من أساليب الدعوة إلى الله في كلّ حين ما توفّر لديه ، وسمحت به الظروف ، واقتضته الأحوال ، فما احتاج اليه وتوفّر لديه واستفاد منه في مكّة قد اختلف عمّا احتاج إليه وتوفّر لديه واستفاد منه في المدينة ، وما مارسه في صلح الحديبيّة اختلف عمّا مارسه في فتح مكّة ، واختلف هذا وذاك مع ما كان في بدر وأحد وحنين. سادساً : هل يستطيع مسلم أن يساوي بين عهد يزيد وبين ممارسات يزيد ، وبين عهد أبي يكر وممارسات أبي بكر ؟! أو بينه وبين عمر ابن الخطاب ؟! أو بين يزيد وبين علي عليه السلام في سيرته وممارساته ؟! بل إنّك لا تستطيع أن تساوي حتّى بين أبي بكر وعثمان ، في سيرتهما ، وفي طريقتهما ، فهل تساوي بين يزيد وعهده وبينهم وبين عهدهم ؟! الهوامش 1. الآية 188 من سورة الأعراف. 2. راجع : تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 245 و 246 والمعجم الكبير للطبراني ج 3 ص 108 وتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 193 وكفاية الطالب ص 279 وتهذيب الكمال ج 6 ص 408 ومقتل الحسين للخوازمي ص 170 و ط مطبعة الزهراء ج 2 ص 96 ونظم درر السمطين ص 215 والكامل في التاريخ ج 4 ص 93 والوافي بالوفيات ج 12 ص 263 وإمتاع الأسماع ج 12 ص 238 وج 14 ص 146 وترجمة الإمام الحسين عليه السلام لابن عساكر ص 251 و 252 ومعارج الوصول إلى معرفة فضل آل الرسول للزرندي الشافعي ص 93 وكتاب الفتوح لابن أعثم ج 4 ص 324 وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال ص 83 وذخائر العقبى ص 147 وطرح التثريب ج 1 ص 42 ومجمع الزوائد ج 9 ص 189 وينابيع المودة ج 3 ص 11 و 12 والمواهب اللدنية ص 195 والخصائص الكبرى للسيوطي ج 2 ص 125 وجوهرة الكلام ص 120 ومأتم الحسين أو سيرتنا وسنّتنا للعلامة الأميني ط سنة 1428 هـ ص 90 عن مصادر كثير. 3. المستدرك للحاكم ج 3 ص 383 والإصابة ج 6 ص 500 وج 8 ص 190 والإستيعاب ج 4 ص 1589 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 20 ص 36 وكنز العمال ج 11 ص 728 والدرجات الرفيعة ص 256 و 260 والجوهرة في نسب الإمام علي وآله ص 98 والمناقب للخوارزمي ص 234 والسيرة الحلبية ج 1 ص 483. المصدر : موقع سماحة السيّد جعفر مرتضى العاملي
الجواب من السيد جعفر مرتضى العاملي: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ، والصلاة والسلام على محمّد وآله الطاهرين .. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. وبعد .. فإنّنا بالنسبة للسؤال المذكور ، نقول : أمّا بالنسبة إلى المئة وعشرين ألفاً الذين بايعوا الإمام علياً عليه السلام ، في الثامن عشر من ذي الحجّة في غدير خم بحضور رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، فنقول : إنّهم لم يكونوا في المدينة حين وفاة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، بل كانوا قد رجعوا إلى بلادهم. وقد كان القائمون بالانقلاب لا يحتاجون إلى أكثر من إعلام أهل تلك البلاد ، بأنّه قد استجدت أمور فرضت على الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم ، العدول عن ما كان قرّره .. وسارت الأمور باتّجاه جديد ، وفقاً لإرادته صلّى الله عليه وآله وسلّم ، وتوجيهاته .. وأمّا بالنسبة لأهل المدينة أنفسهم ، الممثّلين بمن له رأي وموقع من رجال الأوس والخزرج ، فنقول : أوّلاً : إنّ المدينة كانت قرية صغيرة قد لا يصل عدد سكّانها بجميع أصنافهم وانتماءاتهم الدينيّة ، وغيرها .. إلى ألفين أو ثلاثة آلاف ، كباراً وصغاراً ، شيوخاً وشبّاناً ، ورجالاً ونساء .. والمسلمون البالغون من جميع هذه الأصناف ، قد لا يصلون إلى الألف في أكثر التقديرات تفاؤلاً .. ويشير إلى ذلك : ما هو معروف من أنّ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ، قال : أكتبوا لي كل من تلفظ بالإسلام. فكتب له حذيفة بن اليمان ألفاً وخمس مئة رجل .. وفي رواية أخرى : ونحن ما بين الستّ مئة إلى السبع مئة (1). كما أنّ الذين بايعوا النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ، تحت الشجرة قد كانوا ألفاً وأربع مئة أو خمس مئة ، وقيل ألف وثمان مئة ، على أبعد التقادير .. وقد كان من بينهم المهاجرون ، وهم يعدون بالمئات أيضاً ، وكان من بينهم أيضاً جماعات من القبائل القريبة من المدينة ، وربما غير هؤلاء ، وأولئك أيضاً .. ثانياً : إن هؤلاء الثلاثة لم يجبروا أهل السقيفة على البيعة لأبي بكر ، بل ما حصل هو أنّ أبا بكر قد أوقع الخلاف بين الأوس والخزرج ، بتذكيرهم بإحن الجاهليّة ، وخوّف بعضهم من بعض ، ثمّ بايعه عمر وأبو عبيدة ، وأسيد بن حضير ، وربّما بلغ الأمر إلى ثمانية أشخاص ، كما تشير إليه بعض الروايات .. ثمّ تركوا الأوس والخزرج مختلفين ، وخرجوا مسرعين إلى بيت أمير المؤمنين عليه السلام ، في المسجد ، ليفرضوا عليه البيعة ، قبل أن يبلغه الخبر ، ويتكلّم بما يفسد عليهم أمرهم .. وجرى لهم معه ومع السيّدة الزهراء عليها السلام ما جرى ، وكانوا قد هيّأوا بني أسلم ، ليخرجوا على الناس فجأة في الصباح ، ويفرضوا البيعة لأبي بكر بالقوّة والقهر ، وصار الناس يسحبون إلى البيعة لأبي بكر في أجواء من الرعب والخوف والإهانة ، لا يحسدون عليها .. وقد غاب عن هذه البيعة بنو هاشم ، وكثيرون غيرهم .. وقام بها لأبي بكر جماعة من المهاجرين الحاقدين على الإمام علي عليه السلام ، وأهل بيته .. فإجبار الأوس والخزرج على البيعة ، لم يحصل في اجتماع السقيفة ، وإنّما حصل في اليوم التالي حينما حضر الألوف من بني أسلم فجأة ، كما ذكرنا. ولهذا البحث وبيان تفصيلاته المثيرة مجال آخر .. والحمد لله رب العالمين. الهوامش 1. راجع : السوق في ظلّ الدولة الإسلاميّة ص 68. المصدر : موقع سماحة السيّد جعفر مرتضى العاملي
الجواب من السيد جعفر مرتضى العاملي: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الحمد لله ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على محمّد وآله الطاهرين .. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. وبعد .. فإنّك إذا علمت بأنّ الشمس سوف تطلع غداً من المشرق ، في الساعة الفلانية ، فإن علمك ليس له تأثير في طلوعها ، وكذا لو علمت بأنّ فلاناً سيقتل فلاناً الآخر ، فإن علمك لا أثر له في القتل ، ولا يعتبرك أحد قاتلاً ، ولا يطالبك أولياؤه بدمه ، ولا يحكم بالقَوَد .. وهكذا يقال بالنسبة لعلم الله تعالى بأفعالنا ، فإنّه سبحانه يعلم بأننا سنقوم بالفعل الفلاني باختيار منّا .. فهو يعلم بالفعل ويعلم بأسباب الإقدام عليه ، وأنّه سيكون بالإختيار ، وبالقدرات التي نملكها في مجال التنفيذ .. نعم .. هناك فيض مستمر منه تعالى على هذا الإنسان ، حيث يفيض عليه الوجود والحياة ، والقدرة ، وكلّ ما يملكه لحظة فلحظة .. حتّى حين يمارس أفعاله .. ولكن هذا الفيض والعطاء لا يعني أنّه تعالى هو الذي يفعل ، أو يجبر على الفعل .. بل هو يعطي ونحن نأخذ ، والآخذ يتصرّف فيما يأخذ كيف نشاء .. وهذا كما لو أعطى الأب ولده أموالاً ليصرفها في حاجاته المشروعة ، وحدّد له موارد الصرف .. فإنّه قد يصرفها في مواردها ، وقد يصرفها في غيرها .. فإن الوالد لا يلام على إعطائه المال ، لأنّه قد أعطاه إياه على سبيل الإحسان إليه .. كما أنّه لا يطالب بما يفعله ذلك الولد .. وربما يمكن أن يمثل لذلك بالطاقة الكهربائيّة التي نحصل عليها من مولدها .. فإنّنا نحن الذين نختار توظيف تلك الطاقة في هذا الفعل أو في ذاك ، فنستفيد منها في التدفئة تارة ، وفي التبريد أخرى ، وفي الإنارة ثالثة ، و .. و .. الخ .. وقد نقتل أو نعذب بها إنساناً أيضاً. وفي جميع الأحوال : فإنّنا نحن الذين نختار ، ونحن نتحمّل مسؤوليّة ما نختاره. وليس للمولِّد أو لصاحبه أيّ ذنب في ذلك .. ولا يطالبون بآثار اختياراتنا نحن للطاقة التي يضعونها تحت إختياراتنا ، كما أنّ المنافع التي نحصل عليها من خلال توظيفنا للطاقة في الموارد النافعة لا يصل إليهم منها شيء .. وفي جميع الأحوال نقول : إنّ الله بكلّ شيء عليم ، ولكن علمه هذا ليس له دور في صنع الفعل .. بل هو يعلم أن الفعل سيتحقّق ، عن إرادة واختيار منّا .. فهو تعالى يعلم بالفعل ، ويعلم بأنّه سيحصل باختيارنا وبإرادتنا له ، وهو علم صادق بلا شكّ ، ولكن صدقه لا يعني أنّ له أيّ تأثير في المعلوم .. والحمد لله رب العالمين. المصدر : موقع سماحة السيّد جعفر مرتضى العاملي
الجواب من السيد جعفر مرتضى العاملي: بسم الله الرحمن الرحيم وله الحمد ، والصلاة والسلام على محمّد وآله الطاهرين .. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. وبعد : فإنّنا نجيب بما يلي : أولاً : إن المقصود بالنساء اللواتي لا يرثن : هنّ الزوجات ؛ فإنّهن لا يرثن من الأرض والعقار شيئاً ، وقد أوضحت سائر الروايات التي ذكرها الكليني رحمه الله ذلك ، وصرحت به .. فلم يكن من الإنصاف تسجيل هذا الإشكال من الأساس. فراجع الكافي باب « أنّ النساء لا يرثن من العقار شيئاً » تجد التصريح بأن المقصود هو أرث الزوجة من زوجها في الحديث رقم 2 و 3 و 5 و 11. (1) وصرح بذلك الشيخ الطوسي في كتاب التهذيب الذي نقل عنه السائل أيضاً. فراجع باب ميراث الأزواج الحديث رقم 106 و 107 و 109 و 113 و 114 و 116 و 117 و 119. (2) وبعد أن ظهر أن هذه الروايات قد أوضحت المقصود فلا بد من أن تحمل الروايات المطلقة على المقيّدة كما هي القاعدة في ذلك. ثانياً : ذكر نفس هذا السائل رواية ميسر ، عن كتاب تهذيب الأحكام للشيخ الطوسي ، وهي الرواية رقم 31 / 113 ، ولكنّه حذف منها ذيلها الصريح في أن المراد هو خصوص الزوجة ، وهي كما يلي : سهل بن زياد عن علي بن الحكم عن أبان الأحمر قال : لا اعلمه الا عن ميسرة بياع الزطي عن ابي عبد الله عليه السلام قال : سألته عن النساء مالهن من الميراث ؟ فقال : لهن قيمة الطوب والبناء والخشب والقصب ، فاما الارض والعقار فلا ميراث لهن فيه. قال : قلت فالثياب ؟! قال : الثياب لهن. قال : قلت كيف جاز ذا ولهذه الربع والثمن مسمى ؟ قال : لأن المرأة ليس لها نسب ترث به وانما هي دخيل عليهم وانما صار هذا كذا لئلا تتزوّج المرأة فيجيء زوجها أو ولد من قوم آخرين فيزاحم قوماً في عقارهم . (3) فإن المرأة التي ورثت بالسبب لا بالنسب هي الزوجة من زوجها ، أمّا البنت فترث بالنسب من أبيها. ثالثاً : لو سلّمنا جدلاً أنّ البنت لا ترث ، لكن موضوع فدك خارج عن موضوع الميراث بالكليّة ؛ لأنّ فدكاً قد فتحت صلحاً ولم يوجف عليها بخيل ولا ركاب ، فهي خالصة لرسول الله صلّى الله عليه وآله يفعل فيها ما يشاء ، وقد نحلها ـ أيّ وهبها ـ للزهراء عليها السلام وتسلمتها منه واستغلتها أربع سنوات في حياته ، ولما استولى عليها أبو بكر أخرج عمَّالها منها. (4) والنحلة ، والهبة والهدية تملّك بنفس الإعطاء والقبض ولا تبقى ملكاً للمعطي لكي تدخل في ميراثه. رابعاً : إنّ الحديث الذي استدلّ به السائل على أنّ كلّ ما للرسول صلّى الله عليه وآله للإمام ضعيف السند ، فلا تقوم به حجّة ، ولا تثبت به دعوى. خامساً : إن المقصود بهذه الأحاديث هو أنّ للإمام حقّ التصرّف من حيث هو إمام معصوم وخليفة لرسول الله صلّى الله عليه وآله ، وليس المقصود أنّ الأموال تصبح له بحيث تبطل ملكيّة الناس لأموالهم. ولو كان هذا هو المقصود ، لم يصحّ من علي عليه السلام القبول بالتحاكم إلى قاضيه شريح في الأمور المالية. (5) سادساً : إن هناك مصالح عامّة تفرض عليه عليه السلام أن يبقي الأمور على ظواهرها ، تماماً كما كانت هذه المصالح عينها تفرض هذا الأمر على رسول الله صلى الله عليه وآله .. لا سيّما وأن الذين استولوا على الأمر بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله لا يعترفون له بذلك ، بل هم يتراجعون عن بيعتهم ، ويهاجمون بيته ، ويحاولون إحراقه على من فيه ، ويضربون زوجته ويسقطون جنينها ، وهي بنت رسول الله صلّى الله عليه وآله وأبوها وهو سيّد الكائنات لمَّا يدفن بعد. (6) بل إنّه لو فعل ذلك لقالوا له : لا تتدخل بما لا يعنيك ، فإنّك لست صاحب الحقّ لكي تطالب به. سابعاً : إنّ زهد علي عليه السلام بالدنيا لا يعطي الحقّ للآخرين باغتصاب أمواله أو أموال زوجته وأولاده ، وأن يستذلوه إلى هذا الحدّ .. ولا يجعل فعلهم مبرّراً أو معفواً عنه عند الله. والحمد لله ، والصلاة والسلام على محمّد وآله. الهوامش 1. راجع : الكافي « للشيخ الكليني » / المجلّد : 7 / الصفحة : 127 ـ 130 / الناشر : دار الكتب الإسلاميّة / الطبعة : 3. 2. راجع : تهذيب الأحكام « للشيخ الطوسي » / المجلّد : 9 / الصفحة : 296 ـ 301 / الناشر : دار الكتب الإسلاميّة / الطبعة : 4. 3. تهذيب الأحكام « للشيخ الطوسي » / المجلّد : 9 / الصفحة : 299 / الناشر : دار الكتب الإسلاميّة / الطبعة : 4. 4. راجع : الكافي « للشيخ الكليني » / المجلّد : 1 / الصفحة : 543 / الناشر : دار الكتب الإسلاميّة / الطبعة : 5. الإحتجاج « للشيخ الطبرسي » / المجلّد : 1 / الصفحة : 119 ـ 120 / الناشر : دار النعمان للطباعة والنشر. كنز العمال « للمتقي الهندي » / المجلّد : 3 / الصفحة : 767 / الناشر : مؤسسة الرسالة. شواهد التنزيل « للحاكم الحسكاني » / المجلّد : 1 / الصفحة : 438 / الناشر : مؤسسة الطبع والنشر / الطبعة : 1. ينابيع المودّة « للقندوزي » / المجلّد : 1 / الصفحة : 138 / الناشر : دار الأسوة / الطبعة : 1. 5. راجع : الأغاني « لأبي الفرج الاصفهاني »/ المجلّد : 17 / الصفحة : 141 / الناشر : دار إحياء التراث العربي. المناقب « لابن شهر آشوب » / المجلّد : 2 / الصفحة : 105 / الناشر : علامة / الطبعة : 1. المغني « لابن قدامة » / المجلّد : 11 / الصفحة : 444 / الناشر : دار الكتاب العربي. 6. راجع : أنساب الأشراف « للبلاذري » / المجلّد : 1 / الصفحة : 586 / الناشر : معهد المخطوطات بجامعة الدول العربيّة. الإمامة والسياسة « لابن قتيبة الدينوري »/ المجلّد : 1 / الصفحة : 30 / الناشر : الشريف الرضي ـ قم. تاريخ الطبري « لابن جرير الطبري » / المجلّد : 2 / الصفحة : 443 / الناشر : مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ـ بيروت. كتاب سليم بن القيس الهلالي / الصفحة : 148 ـ 152 / الناشر : دليل ما. دلائل الإمامة « للشيخ الطبري » / الصفحة : 134 ـ 135 / الناشر : مؤسسة البعثة / الطبعة : 1. كامل الزيارات « لابن قولويه القمي » / الصفحة : 547 ـ 548 / الناشر : نشر الفقاهة. تفسير العياشي / المجلّد : 2 / الصفحة : 66 ـ 67 / الناشر : المكتبة العلميّة الإسلاميّة ـ تهران.
الجواب من السيد جعفر مرتضى العاملي: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الحمد لله ، والصلاة والسلام على محمّد وآله الطاهرين .. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. وبعد .. فإن عنايات الله سبحانه بالسيّدة مريم عليها السلام كانت ظاهرة في كلّ حالاتها وشؤونها .. ومنها : أنّه تعالى قد ( كَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ) حين كانت في المحراب ، فكانت تقوم بواجباتها كاملة ، ولم يكن يطلب منها ، أو فقل : لم تكن تشعر بالحاجة إلى السعي في سبيل الرزق ـ لأن النبي زكريّا عليه السلام كان هو المتكفّل لها وبها. فإذا جاءت الكرامة الإلهيّة في هذه الحال بالذات ، فإن النبي زكريّا عليه السلام سيدرك أنّها كرامة إلهيّة لها ، إذ لا يمكن تفسيرها إلّا بذلك بالنسبة إليه ، وذلك : أولاً : لأنّه يعرف أن أحداً من البشر لم يأتها برزق .. وثانياً : لأنّه يعلم أيضاً : أنّها لم تسع للحصول على شيء من ذلك الذي يجده عندها ، لعلمها بأنّه هو الكافل لها ، فهي غير مكلّفة بهذا السعي لتشعر بالحاجة إليه ، حيث إنّها في مسجد مخصّص للعبادة .. وثالثاً : هو يعلم بأن إعطاء الرزق لها من الله ، لم يكن بسبب حاجة ، اقتضت منها التوسّل والدعاء ، والطلب والابتهال ، حتّى استجاب الله دعاءها وطلبها ، ورفع الشدّة عنها .. فمعرفة النبي زكريا عليه السلام بذلك كلّه ، تجعله على يقين من أن الله سبحانه قد أراد بإعطائها هذا الرزق أن يظهر كرامتها عنده ، ومحبّته لها ، ولطفه بها .. كما أنّ السيّدة مريم عليها السلام نفسها ، لا بدّ أن تشعر بذلك كلّه ، فيزيد يقينها بالله ، ويتعمّق حبّه تعالى في قلبها .. وهذا مطلوب أيضاً ، لجهة تهيئتها للحدث الكبير ، والأشدّ حساسيّة في حياتها كلّها. وهو الحمل بنبي الله عيسى عليه السلام. هذا كلّه عدا عن أن ذلك يزيد من قوّة موقفها ، وتحصينها من التهمة من قبل قومها ، فيما يمكن أن يرموها به. وأمّا حين أصبحت في الصحراء ، ولم يعد هناك من يتكفّل لها بالرزق ، فإنّها أصبحت تشعر بالحاجة إلى السعي في سبيل تحصيله. فإذا جاءتها الكرامة بإحضاره لها من دون تعب ، فإن من الجائز أن يُفْهَم ذلك على أنّه استجابة لنداء الحاجة لديها ، وبداعي الشفقة عليها .. وإجابة لطلبها ، النابع من الأعماق ، والممتزج بالخوف من أن تلسعها أفاعي الجوع مثلاً .. وقد يفهم بعض الناس من ذلك أنّه يشير إلى عدم توفّر عنصر التوكّل على الله ، والثقة به لديها بالشكل الكامل والتام في بعض الحالات .. وفي جميع الأحوال ، فإن الكرامة الإلهيّة إذا جاءت من خارج دائرة التكليف ، أو في مورد يفتقد فيه الإحساس بلزوم السعي الاختياري .. فإن وقعها يكون أشدّ ، ودلالاتها على اللطف والرضا الإلهي تكون أوضح وأصرح .. وعلى حد تعبير بعض الإخوة : إنّها برغم أن الله سبحانه قد كلّفها بأن تهزّ إليها بجذع النخلة ، فإنّه كان قد عرّفها كرامتها عنده ، حين جعل طفلها ، وهو حديث الولادة ، ينطق ببراءتها ، وأرسل لها ملكاً يخبرها بأن ربّها قد جعل تحتها سرياً .. كما أن هذا السعي الضئيل منها لم يخل هو الآخر من إظهار الكرامة لها ، حيث لم يكلّفها بالصعود إلى الشجرة. بل اكتفى منها بتحريك جذعها الذي لا يمكن تحريكه لأقوياء الرجال .. فكيف بالمرأة الضعيفة الموهونة بالحمل والولادة .. وعلى كلّ حال ، فإن الحكمة تقتضي إظهار ما لدى هؤلاء الصفوة الأولياء من ملكات وفضائل .. ومنها فضيلة الصبر والتسليم والرضا ، من أجل أن يقتدي بهم الناس ، وليَظْهَرَ استحقاقهم لما حباهم الله به ، بصورة حيّة ومتجسدة على صفحة الواقع ، سلوكاً وموقفاً وممارسة اختياريّة منهم ولهم .. ومن دون أيّ تدخّل من الغيب .. فكان ما جرى للسيّدة مريم عليها السلام قد جاء في هذا السبيل ، وفي هذا الاتّجاه .. ولعلّ ممّا يدخل في هذا السياق أيضاً : أن رسول الله صلّى الله عليه وآله ، في مبادرة منه غير مسبوقة بطلب من أصحابه ، يطعم الجيش كلّه من كفٍ من تمر ، ومن شاة عجفاء ، وهي مبادرة تهدف إلى حفظ إيمانهم ويقينهم ، وإحساسهم بحبّ الله ، وبرعايته لهم .. ولكنّه صلّى الله عليه وآله لا يثير لهم المعجزة التي تعفيهم من عناء حفر الخندق .. لأن هذا هو واجبهم وتكليفهم الذي لا بدّ أن يبادروا لإنجازه باختيارهم. وليس لهم أن ينتظروا من ينوب عنهم فيه .. وفي كربلاء أيضاً ، قد أظهر الله الكثير من الأمور الدالّة على مقام الإمام الحسين عليه السلام عنده. وعلى أن الله سبحانه يعطيه ـ لو أراد عليه السلام ـ النصر على أعدائه ، ويفتح له خزائن رحمته ، وليس أدلّ على عناية ومحبّة الله بالإمام الحسين عليه السالم من أنّ السماء قد مطرت عليه دماً عجب منه الناس كما أخبرت السيّدة زينب عليها السلام : أفعجبتم أن مطرت السماء دماً عبيطاً ... كما أنّه لم يرفع حجر في بيت المقدس ، وفي بلاد أخرى .. إلّا ووجد تحته دم عبيط .. وقد أظهرت المعجزات والكرامات المتوالية للإمام الحسين عليه السلام أنه كان قادراً على إيجاد الماء في كربلاء لنفسه ، ولمن معه .. ولعياله وأطفاله ، ولكنّه لم يفعل ذلك ، لأن تكليفه كان هو أن يتعاطى مع أعدائه بالوسائل العادية .. ولم يكن له أن يتعامل معهم بالمعجزة ، وبعلم الإمامة ، وبالقدرات الغيبيّة التي منحه الله إيّاها .. والحمد لله ربّ العالمين.
الجواب من السيد جعفر مرتضى العاملي: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وله الحمد والصلاة والسلام على محمّد وآله الأطهار .. وبعد .. فقد فسّرت الروايات « الميتة الجاهليّة » بميتة الضلال .. فقد روي عن ابن أبي يعفور ، قال : سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول رسول الله صلّى الله عليه وآله : « من مات وليس له إمام فميتته ميتة جاهلية » . قال : قلت : ميتة كفر ! قال : ميتة ضلال .. [ الكافي المجلّد : 1 / الصفحة : 376 ـ 377. ] قال المجلسي : لعلّه عدل عن تصديق كفرهم إلى إثبات الضلال لهم ، لأنّ السائل توهّم أنّه يجري عليهم أحكام الكفر في الدنيا كالنجاسة ، ونفي التناكح ، والتوارث وأشباه ذلك ، فنفى ذلك ، وأثبت لهم الضلال عن الحقّ في الدنيا ، وعن الجنّة في الآخرة ، فلا ينافي كونهم في الآخرة ملحقين بالكفّار ، مخلّدين بالنار ، كما دلّت عليه سائر الأخبار. ويحتمل أن يكون التوقّف عن إثبات الكفر ، لشموله من ليس له إمام من المستضعفين ؛ إذ فيهم احتمال النجاة من العذاب .. [ مرآة العقول المجلّد : 4 / الصفحة : 220 ] والحمد لله والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى محمّد وآله الطاهرين .. المصدر : موقع سماحة السيّد جعفر مرتضى العاملي
الجواب من السيد جعفر مرتضى العاملي: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الحمد لله ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على محمّد وآله الطاهرين .. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. وبعد .. فإنّ رسول الله قد جمع القرآن قبل وفاته .. وكان الكثيرون من الصحابة يكتبون ما يحصلون عليه من السور القرآنيّة التي كانت تنزل تدريجاً فتكونت لديهم مصاحف خاصّة بهم كانوا يقرأون فيها. وبعد وفاة النبي صلّى الله عليه وآله ، رفض أصحاب السلطة القبول بمصحف الرسول صلّى الله عليه وآله ، الذي جاءهم به أمير المؤمنين عليه السلام ؛ لأنّهم خافوا ممّا كان النبي صلّى الله عليه وآله ، قد أثبته فيه من التفسير لآياته والتأويل لها ، أو بيان شأن نزولها ، أو غير ذلك .. ولم يكونوا ـ أعني الهيئة الحاكمة ـ قد جمعوا لأنفسهم مصحفاً على ما يظهر ، فطلبوا من زيد بن ثابت فجمع لهم مصحفاً. واستمرّ الناس يقرؤون في ما لديهم من مصاحفه بلهجاتهم ، وحسب ما أثبتوه فيها ، حيث لم يكن لها ترتيب واحد ، من حيث تسلسل السور ، مع رداءة خطوطها ، وبدائيّة تلك الخطوط ، واختلاف في تصوير الكلمات في تلك المصاحف .. وقد أدرك حذيفة بن اليمان قائد جيوش السلطة في حروبها مع أهل فارس خطورة الموقف ، ورأى اختلاف اللهجات ، واختلاف ترتيب المصاحف ، وما إلى ذلك فشكا ذلك إلى عثمان ، فشاور عثمان أهل الرأي ، فكانت النتيجة هي أنّه كتب نسخة واحدة من المصاحف أرسلها إلى الأقطار ، لتكون هي المرجع ، والمعتمد لهم في كتابة مصاحفهم ، وترتيبها ، ووحدة القراءة لها .. وقد صوبه أمير المؤمنين عليه السلام ، في فعله هذا ، وأخبر أنّه لم يفعل ذلك إلّا عن ملأ منهم. وأنّه لو ولِّي لفعل مثل الذي فعل (1). ورغم أن عثمان قد أصاب في جمعه الناس على قراءة واحدة ، ولكنّه أخطأ حين بادر إلى حرق المصاحف التي جمعها .. لأنّ إحراق المصاحف مرفوض من الناحية الشرعيّة .. وعلى كلّ حال ، فإنّ ابن مسعود ، أبى أن يسلم مصحفه إلى عثمان ، وتبعه على ذلك جماعة آخرون .. وأمّا مصحف الإمام علي عليه السلام ، فهو مصحف رسول الله صلّى الله عليه وآله ، الذي لم يستطع الناس أن يصلوا إليه بعد أن رفضت السلطة اعتماده .. وأمّا ترتيب الآيات في السور فقد ذكرنا في كتابنا : « حقائق هامة حول القرآن الكريم » وفي كلامنا عن السبب في تقديم آية: ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) .. على آية : ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ) .. في كتابنا : « مختصر مفيد الجزء الرابع » .. أنّ ذلك كان من قبل الله ورسوله .. وأنّ أحداً لم يتصرّف في الآيات بشيء .. وأمّا بالنسبة لآية التطهير ، فإنّها أيضاً لم تنقل من مكانها الأصلي .. ولو أنّها نقلت لفسد المعنى .. فراجع كتابنا : « أهل البيت في آية التطهير » .. والحمد لله ، والصلاة والسلام على محمّد وآله الطاهرين .. الهوامش 1. راجع : البرهان في علوم القرآن ج 1 ص 240 و 235 وتفسير القرآن العظيم ج 4 « الخاتمة » ص 11 وغرائب القرآن ، بهامش الطبري ج 1 ص 24 وتاريخ القرآن للزنجاني ص 68. وسنن البيهقي ج 2 ص 42 ومناهل العرفان ج 1 ص 255 و 275 ، وراجع : سعد السعود ص 278 وإرشاد الساري ج 7 ص 448 والإتقان ج 1 ص 59 و 60 والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج 1 ص 54 والفتنة الكبرى ج 1 ص 183 وتاريخ القرآن للأبياري ص 111 ، وكنز العمال ج 2 ص 370 و 373 عن الصابوني في الماءتين ، وعن ابن أبي داود ، وابن الأنباري ، والحاكم ، والبيهقي ، وبحوث في تاريخ القرآن وعلومه ص 163. والكامل في التاريخ ج 3 ص 112. والتمهيد ج 1 ص 288 و 289 والنشر في القراءات العشر ج 1 ص 8 و 33 ومباحث في علوم القرآن ص 138 وراجع فتح الباري ج 9 ص 16. المصدر : موقع سماحة السيّد جعفر مرتضى العاملي
الجواب من السيد جعفر مرتضى العاملي: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الحمد لله ، والصلاة والسلام على محمّد وآله الطاهرين .. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. وبعد .. أمّا بالنسبة للسؤال الأوّل ، فنقول : إنّ الله سبحانه حينما أفاض الوجود على تلك الأرواح النورانيّة ، أعني أرواح الأنبياء والأوصياء عليهم السلام ، فإنّها بمجرّد أن وجدت ألهمها فجورها وتقواها ، فبدأت تسعى نحو تحصيل فيوضات أسمى ، وأرقى ، من خلال معرفتها بخالقها ، وخضوعها لإرادته ، والتزام تأدية فروض الشكر له .. فهي إذن قد وجدت عابدة له سبحانه ، لا تفتر عن التسبيح ، والتحميد ، والتمجيد ، وهذا يدعو إلى أن تشملها عناياته تعالى ، وأن يعود عليها بمنحه وعطاياه ، وبألطافه وهداياه .. وهذا يعني : أنّ استحقاقها لتلك العنايات كان قد بدأ منذ أن خلقها الله تعالى .. فإنّها حين وجدت ، إنّما وجدت على صفة الطهر ، والخلوص لله سبحانه ، وكان نفس وجودها وجود انقياد ، وخضوع ، وتسليم ، وتعظيم ، وتكريم ، وتسبيح ، وعبادة ، وعبوديّة له تعالى. فبذلك استحقّت منازل الكرامة منذ تلك اللحظة .. أمّا الوجود الإبليسي ، فقد وجد متمرّداً على الله منذ اللحظة الأولى لوجوده ، فاستحقّ الطرد والإبعاد من رحمة الله تعالى ، منذ تلك اللحظة بالذات أيضاً. ولتوضيح هذه الإجابة ، ثمّ الإجابة على السؤال الثاني ، نقول : إنّ الله سبحانه ، قد أوجد هذا الكون ، وحدّد له مسيرته وفق نظام ، وقرّر أن تحكمه ، وتستبدّ به ، وتهيمن على مختلف حالاته وشؤونه سنن إلهيّة ، وضوابط واقعيّة ، تعطي لمن يريد أن يستفيد من كوامن هذا الكون القدرة على التخطيط ، وتجعل سعيه منتظماً وواعياً ، وبعيداً عن العفويّة ، والارتجال ، والعشوائيّة. ثمّ إنّ من الواضح : أنّ في هذا الكون حقائق ، وأنواعاً ومستويات مختلفة ومتفاوتة في اقتضاءاتها ، وفي تأثيراتها : المعنويّة والماديّة .. بل إن كل ذرّة من ذرّاته تميل إلى ما يسانخ واقعها وتتطلب وتسعى للتمازج ، أو الاندماج فيه وذلك معناه : أن لكلّ جسد وطينة ، استحقاقه الاستعدادي لجوهر مجرّد بخصوصه ، يدبّره ، ويتعلّق به ، ويتصرّف فيه ، ويهيمن عليه .. ومن الواضح أيضاً : أنّ لهذا الإنسان في امتداد مسيره إلى الله ، تدرج ، وانتقال من حال إلى حال ، في ضمن نشآت لها نظم وأحكام ، وله فيها حالات ودرجات. فإذا نظرنا ـ على سبيل المثال ـ إلى نشأته في الحياة الدنيا فإنّه يتدرّج فيها من النطفة إلى العلقة إلى المضغة .. وهكذا .. إلى أن ينتهي الأمر بولادته من أبويه ، ثمّ تحوّله من حال إلى حال إلى أن ينتهي إلى الحياة البرزخيّة ، ثمّ إلى الحياة الآخرة ، ثمّ إنّه له قبل ذلك كلّه نشآت أيضاً وتحوّلات ، سنتحدّث عنها. ونشأته في هذه الحياة الدنيا ، إنّما تبدأ من حين بداية ظهور التمايز بين الأفراد في الأحوال والأعمال ، مقترنة بالزمان ، وموزّعة على قطعاته .. وفيها يكون التكليف والطلب ، والأمر والنهي .. وتكون فيها الطاعات والمعاصي .. وأمّا بالنسبة للنشأة التي تسبق ذلك كلّه .. فهي تلك التي تكون في عالم الملكوت ، وهي تعني حضور حقائق الأشياء بين يدي الله تعالى ، حضوراً مختاراً مدركاًً لألوهيّته والحاجة إليه سبحانه ، وهو حضور لديه تعالى حيث خزائن الحقائق ( وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ) (1) .. إنّه واقعي فعلي مجرّد عن الزمان. قال العلامة الطباطبائي : فالإنسان في أيّ منزل من منازل الإنسانيّة نزل .. يشاهد من نفسه أنّ له ربّاً يملكه ويدبّره. وكيف لا يشاهد ربّه وهو يشاهد حاجته الذاتيّة ، وكيف يتصوّر وقوع الشعور بالحاجة من غير شعور بالذي يحتاج إليه ، وهذه المعرفة فطريّة تنطبع في النفس انطباعاً أوليّاً ، ثمّ يتفرّع عليها الفروع (2) .. ففي عالم الملكوت ، تدرك حقيقة الألوهيّة ، ولوازمها وما يرتبط بها ، وحين الخروج من هذا العالم إلى عالم الكينونة ، فإنّ الله سبحانه يفيض على تلك الحقائق من خزائنه ، وفقاً لاقتضاء ذواتها ، في النشآت التالية ، وفق السنن التي أراد الله لها أن تحكم حركة الموجودات فإذا أخذنا الحقيقة الإنسانيّة الخارجة من عالم الملكوت كنموذج ، فإنّنا نجد أن الروايات تقول : إن عالم الظلال ـ إن صحّ التعبير ـ هو الذي يحتضن تلك الحقائق الوافدة ، ويؤخذ ميثاق العبوديّة ، والطاعة منها. إذ يصبحون مطالبين بالخضوع والخشوع والطاعة لله ، وطاعة أنبيائه وأوليائه ، وغير ذلك ، فمنهم من يسرع في الإجابة ، ومنهم من يبطئ بها .. ومنهم من يأباها ويمتنع عنها ، كلّ ذلك باختيار وبإرادة منهم تتناسب مع واقع وجودهم .. وقد أشار الله تعالى إلى هذه الحقيقة ، وأن الله يأخذ في عالم الذر ميثاق الخلائق ، ( .. وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ) (3) .. فالإشهاد دليل الإدراك ، والاختيار ، كما قلنا .. وقد دلّت الأحاديث الشريفة أيضاً على أن الله تعالى قد ميّز في عالم الذرّ ، الرسل ، والأنبياء ، والأوصياء ، وأمر الخلق بطاعتهم ، فأقرّوا بذلك في الميثاق (4) .. وفي بعض الروايات ، عن أبي عبد الله عليه السلام : أنّ الله أخذ على العباد ميثاقهم ، وهم أظلّة قبل الميلاد. وثمة روايات أخرى تشير إلى عالم الظلال أيضاً ، فراجع (5). وتحدّثت روايات أخرى أيضاً ، عن أن رسول الله صلّى الله عليه وآله قد قال للإمام علي عليه السلام : أنت الذي احتجّ الله بك في ابتداء الخلق ، حيث أقامهم أشباحاً ، فقال لهم : ألست بربّكم ؟ قالوا : بلى. قال : ومحمّد رسولي ؟ قالوا : بلى. قال : وعلي أمير المؤمنين ؟ (6) .. وهناك رواية صحيحة السند ، رواها زرارة ، عن الإمام الباقر عليه السلام ، تفيد أنّ الله سبحانه كلّفهم في عالم الذرّ بدخول النار ، فدخلها أصحاب اليمين ، وأبى ذلك أصحاب الشمال (7). والظاهر : أنّ المراد بهذه الروايات هو أن حضور الحقائق لدى العزة الإلهيّة ، فعل مجرّد عن الزمان .. فهو تعالى يبعثها في ظلال أو أشباح تناسب ما تنتهي إليه حين تتنزل في نشأتها الزمانيّة المختلفة فيكلّفها بالطاعة لأنبيائه ، وأوليائه ، وأصفيائه ، ويكلّفها بدخول النار ونحو ذلك. هذا .. وقد ورد في دعاء الندبة : اللهمّ لك الحمد على ما جرى فيه قضاؤك في أوليائك الذين استخلصتهم لنفسك ودينك ، إذ اخترت لهم جزيل ما عندك من النعيم المقيم ، الذي لا زوال له ولا اضمحلال بعد أن شرطت لهم الزهد في درجات هذه الدنيا الدنيّة ، وزخرفها وزبرجها ، فشرطوا لك ذلك ، وعلمت منهم الوفاء به ، فقبلتهم ، وقربتهم ، وقدمت لهم الذكر العلي ، والثناء الجلي ، وأهبطت عليهم ملائكتك ، وكرمتهم بوحيك ، ورفدتهم بعلمك ، وجعلتهم الذريعة إليك والوسيلة إلى رضوانك .. وعلى كلّ حال ، فإن كلّ ذلك يدلّ على أن لدى المخلوقات في تلك النشآت ، إدراكاً واختياراً يتناسب مع طبيعة تلك النشآت ، وسنذكر بعض الآيات التي تثبت ذلك بصورة قاطعة .. وحين لا بد من اقتران تلك الحقائق بالزمان وإفراغها في وعائه ، في عالم الكينونة ، وفق سنة التدرج في الوجود ، حيث تلحقها الفيوضات الإلهيّة بصورة تتناسب مع ما هي عليه من هذا الاقتران .. فإن هذه النشآت تأتي متوافقة مع ما كان في عالم الذر ، أو فقل : مع ما كان حين أخذ الميثاق ، حين كانت الظلال ، أو الأشباح حسبما تقدم. وطبيعي أن يأتي ما يختاره هذا الكائن هنا متوافقاً مع ما كان منه هناك ، ويصبح هذا الواقع انعكاساً لتلك الصورة التي ظهر بها في تلك النشآت .. فيستمرّ المطيع الخاضع لله تعالى على خطّ الخضوع والطاعة له تعالى ، ويواصل العاصي والمتمرّد تمرّده وعصيانه .. ويبقى المذبذب المتردد يعيش حالة التذبذب والتمرّد ، فيطيع تارة ويعصي أخرى .. والله سبحانه الوهّاب الكريم ، يواصل فيضه على هؤلاء وهؤلاء ، بحسب ما تتطلبه ذواتهم ، وتميل إليه طبائعهم ، وتنشده حقائقهم. وهو سبحانه الذي ( أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ ) (8) .. ( كُلًّا نُّمِدُّ هَـٰؤُلَاءِ وَهَـٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ ۚ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا ) (9) .. ولكن الله سبحانه ، وهو الرؤوف الرحيم ، والكريم الحكيم .. لم يزل ولا يزال منذ أن بدأ خلق الإنسان وفي كلّ نشآته ، وجميع تحوّلاته .. يدعو من يعرف أنّه يميل إلى سلوك طريق الشرّ ، إلى الابتعاد عن ذلك الطريق ، مع مزيد من التحذير منه ، والترغيب بطريق الخير .. كما أنّه لم يزل يرغِّب سالك طريق الخير ، بالثبات عليه والالتزام به ويحذره من التخلّي عنه ، كما أنّه تعالى قد هيأ لهم كلّ أسباب الهداية والصلاح ، ولكن بصورة تحفظ لهم اختيارهم ، وحريّتهم ، ( وَمَا اللَّـهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ ) (10) حيث إنّه لم يزل يساعدهم في جميع النشآت بالأمر والنهي .. وبالفعل ، وباللطف بهم والتوفيق لهم ـ يساعدهم ـ على الإنابة إليه ، والتخلّص من الكدورات التي عرضت على فطرتهم بسوء اختيارهم ويفتح لهم أبواب رحمته لجلاء تلك النفوس ممّا علق بها ، وإعادة الرونق والصفاء والطهر لها .. وقد فتح الله تعالى هذا الباب وأبقاه مفتوحاً ، والمجال مفسوحاً منذ النشأة الأولى ، وإلى أن تقوم الساعة .. ويبقى القرار بيد من له الاختيار ، وهو هذا الكائن بالذات ، وهذا ما يفسّر لنا ما نشاهده من أن ثمة من يعيش حالة الطهر والإيمان طيلة حياته ، ثمّ هو يكفر في آخر يوم منها .. وقد نجد من يعيش حالة الكفر والعناد عمره كلّه ، ثمّ ينتقل إلى الإيمان في اللحظات الأخيرة منه ، ويكون له بذلك الفوز والنجاة .. ولكي لا يبقى أيّ غموض ، فيما نرمي إليه ، في حديثنا عن تعاقب النشآت المختلفة مع امتلاك عنصر الإدراك في جميعها ، نقدم مثالاً تقريبيّاً للقارئ الكريم ، وهو : أن الانتقال من نشأة إلى نشأة ، ومن حال إلى حال لا بدّ أن يتمّ وفق نظم وسنن إلهيّة ، فقطرة الماء في البحر تسعى للتمازج مع تلك الروح الملائكيّة الطاهرة، ولكن لا بدّ لقطرة الماء ـ مثلاً ـ من أن يحملها السحاب ، لتصبح مطراً ، يتلقاه مؤمن ، فيتوضّأ به ، فتكون تلك القطرة بعض ذلك الوضوء ، فيكون منها ملك يستغفر لذلك المؤمن .. وذرّة التراب تختزن في داخلها مبدأ تكوين الأبدان التي تحلّ فيها الأرواح الملائمة لها ، تحتاج إلى الماء ليثير الأرض ، ولينبت الزرع ، فتكون في جملة عناصره ، ثمّ يكون طعاماً لولي من أولياء الله ، فيصبح جزءاً من كيانه ، دماً ، ثمّ نطفة ، تستقرّ تلك النطفة في رحم يحتضنها ، لتمرّ في مراحل نشوء مختلفة ، لتصبح قادرة على استقبال تلك الروح الملائمة لها. وتتنامى معها في ظلّ التربية والرعاية الإلهيّة ، وتكون الولادة ، فالنشأة ، واكتساب الملكات ، والتحلي بالميزات التي تجعل هذا الكائن من الأبرار والأخيار ، وربّما من الأصفياء والأنبياء الأطهار. وخلاصة القول : إن عالم الملكوت يعني حضور الحقائق كلّها لدى مقام العزّة الإلهيّة .. غير مضافة إلى الزمان ، إذ إن الزمان إنّما يقاس بالنسبة إلينا ، في خارج دائرة ذلك العالم ، وذلك بسبب محدوديّتنا به .. وفي هذا العالم وفي جميع العوالم التالية ، تدرك تلك الحقائق ربوبيّته سبحانه ، وحاجتها إليه ، وما يرتبط بذلك من خصوصيّات ولوازم ، وهي بكامل اختيارها أيضاً .. ويأتي بعد عالم الملكوت ، العالم الذي أخذ الله فيه الميثاق على الخلائق فيما يرتبط بالاعتراف بالأنبياء ، والأولياء ، وطاعتهم ، وغير ذلك .. وقد أشارت بعض الروايات إلى أن هذا هو عالم الظلال أو الأشباح. وفيه كان أمر ونهي وتكليف ومسؤوليّة .. ثمّ هناك عالم النشوء للأرواح ، ثمّ تلاقيها وتمازجها مع الأبدان ، حيث تشدّ إلى ما يلائمها ويسانخها منها ، وتطلب منه تعالى أن يفيض بحسب استعدادات مناشئها .. وهي مدركة لما تطلب ، ومختارة له .. فيعطيها الله سبحانه وفق ما أودعه الله في هذا الوجود من سنن .. ثمّ تتابع مسيرتها باختيارها أيضاً ، ويبقى لطف الله سبحانه شاملاً لها من حيث أنّه يبقي أمامها الفرصة متاحة لاختيار طريق الخير والفلاح والصلاح .. ويهيّء لها جميع ما يساعدها على اختيار هذا الطريق ، من أوامر وزواجر ، ومحفزات ومرغبات ، ودوافع للهدى ، ومن منفرات وروادع عن الشرّ والردى .. وكلّ ذرّة في هذا الوجود لها سعيها وانشدادها لما يلائمها ، وقد روي : أنّ أبدان المؤمنين من طينة الجنّة (11) .. ومن نور الله عزّ وجلّ (12) .. فهي إذن أبدان طاهرة وصافية ، لا بدّ أن تتطلب باستحقاقها الاستعدادي جوهراً على درجة من الطهر والصفاء ، فيدبّرها ، ويهيمن عليها ، ولا يستجيب لكلّ الإغراءات التي تُلْحِقُ بذلك الجسد تلوّثات من شأنها إحداث التشويه والكدورة في تلك الروح .. وإذا كانت الطينة غاية في الرداءة ، فإنّها سوف تتطلب وتسعى إلى ما يلائمها من أرواح رديئة : شيطانيّة ، وفرعونيّة ، وما إلى ذلك .. فتجتذبها إليها ، لتتعلّق بها ، وتهيمن عليها .. ثمّ هي تختار من موقع الإدراك ، الممانعة والرفض لكلّ دواعي الخير ، ومحاولة خنقها وقهرها ، وإبعادها عن دائرة التأثير في الموقف والحركة والسلوك ، رغم توفّر القدرة على الاستجابة لها ، والتفاعل معها ، ورغم الدعوة الإلهيّة ، ورغم كلّ ألطافه ، وكلّ المناخات المساعدة على ذلك والتي هيّأها الله سبحانه من خلال التوفيقات ، ومن خلال الأوامر والزواجر ، وغير ذلك حسبما أوضحناه. فاتّضح ممّا تقدّم : أنّ أرواح الأبرار من أوّل ما خلقها الله ، هي موجودات كريمة ، تتطلب الخير ، والهدى وتسعى إليه ، وقد لبَّت بمجرّد أن شعرت بوجودها ، وبوجود خالقها ، نداء ربّها وأطاعت ، وخشعت له ، فلا غرو أن يوفقها الله لما طلبته ، وأن ينيلها ما سعت إليه .. لتستحق بذلك منازل الكرامة والاصطفاء .. وقد ورد في بعض الأخبار : أنّها أشدّ اتّصالاً بالله سبحانه من شعاع الشمس بها .. فهي لم تزل في غمرات الرحمات الإلهيّة ، حيث يفيض الله عليها آناً فآناً ، الهدايات والبركات ، والعلم ، والحكمة ، والكمالات .. أمّا أرواح الأشرار ، فإنّها موجودات شيطانيّة رديئة مظلمة ، لا تنسجم مع عالم الأنوار ، بل هي تستحقّ الطرد ، والإبعاد ، من أوّل ما وجدت ، لأنّها بمجرّد أن شعرت بذاتها ، تمرّدت وطغت ، ورفضت الخضوع ، ونأت بنفسها عن عبادة خالقها .. والخلاصة : أن كلّ ما في هذا الوجود ، من هياكل وأبدان ، منذ أن خلقها الله تعالى ، له أدراك واختيار ، للطاعة وللمعصية .. ولذلك فإنّها وهي تمرّ بمراحل الخلق والتكوين ، إنّما تكون تعلّقاتها بالجواهر المجرّدة الملائمة لها ، وتنشد وتسعى إليها ، وإن كانت لا تستطيع التمازج معها إلّا بعد صيرورتها نطفة ، تستقرّ في الأرحام ، وتتدرج في مراحل التكوين ، إلى أن ينشئها الله خلقاً آخر ببعث الروح فيها .. وممّا يدلّ على حقيقة : أن كلّ ما في الوجود له طاعة ، وانقياد ، وتمرّد ، وابتعاد ، هو قوله تعالى : ( ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ) (13) .. وقد ذكر الله في كتابه الكريم تسبيح الجبال ، والطير ، والرعد ، والسماوات والأرض ، ومن فيهنّ : ( وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ) (14) .. وذكر أيضاً : سجود النجم ، والشجر ، والشمس ، والقمر ، والجبال ، والدوابّ ، ومن في السماوات والأرض (15) .. وذكر أيضاً : أنّ الجبال يعتريها الخشوع والخشية ، وتصاب بالتصدع بسبب تلك الخشية (16) .. ثمّ هو تعالى قد ذكر إشفاق الجبال ، والسماوات والأرض من حمل الأمانة (17) .. غير أنّه برغم ذلك كلّه ، فإن هذا الطهر والخلوص والصفاء في النفس والروح ، وفي الأبدان أيضاً ، لا يجعل الإنسان مجبراً على الطاعات ، ولا عاجزاً عن ارتكاب المعاصي .. ولذلك تجد أن الكافر قد يؤمن ، وأن المؤمن قد يكفر ، حسبما أوضحناه. ومن جهة أخرى ، فإن من الممكن أن تكون النطفة جزءاً من حقيقة الحامل لها ، ومسانخة له في الطهارات المادية والمعنويّة ، فيكون طهراً طاهراً مطهراً ، من طهر طاهر مطهر .. وفق ما أشير إليه في الزيارة : أشهد أنّك كنت نوراً في الأصلاب الشامخة ، والأرحام المطهّرة .. ومن الممكن أن يكون الحامل لها ، مجرّد مستودع لنطفة خبيثة ، كما كان الحال بالنسبة لابن النبي نوح عليه السلام ، وبعض أولاد الأئمّة ، مثل جعفر ابن الإمام الهادي عليه السلام ، وغيره .. كما أن ممّا لا شكّ فيه : أن تعلّقات الأرواح بالأبدان تجعل من الاتّصال بالأجساد سبباً في الاتّصال بالروح المهيمنة على الجسد والمدبّرة له .. فما يؤذيه يؤذيها وما يؤذيها يؤذيه .. وما يصلحه يصلحها وكذلك العكس ولذلك نجد : أنّ ارتكاب ، أو فعل بعض المعاصي ، أو الخيرات يترك آثاراً على النطفة أو الجنين ، تتناسب مع ذلك الذي صدر منه ، أو حدث له .. وربّما يكون في ذلك بعض الإعداد إلى اختيار هذا الطريق أو ذاك بمحض إرادته ، ولكنّنا قد قلنا : إنّه برغم ذلك كلّه ، فإنّ الله تعالى قد أبقى الفرصة متاحة أمام أهل الزيغ ، ليصلحوا شأنهم ، وليبادروا إلى تزكية نفوسهم ، وتصفية أرواحهم .. فمن قصَّر في ذلك ، فيكون قد قصّر في حقّ نفسه : ( فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ) (18) .. والحمد لله رب العالمين .. الهوامش 1. سورة الحجر ، الآية 21. 2. تفسير الميزان ج 8 ص 307. 3. سورة الأعراف ، الآية 172. 4. راجع : تفسير الميزان ج 8 ص 324 عن العيّاشي وخصائص السيّد الرضي. 5. البحار ج 65 ص 206 وراجع : ج 58 ص 139 و 140 ، وراجع : ج 64 ص 98 و 99 عن بصائر الدرجات ص 80 وعن علل الشرائع ج 2 ص 80 وراجع الكافي ج 2 ص 10 وتفسير الميزان ج 9 ص 326. 6. البحار ج 64 ص 127 وفي هامشه عن بشارة المصطفى ص 144. 7. راجع تفسير الميزان ج 8 ص 325. 8. سورة طه ، الآية 50. 9. سورة الإسراء ، الآية 20. 10. سورة غافر ، الآية 31. 11. راجع البحار ج 58 ص 147. 12. راجع البحار ج 58 ص 145. 13. سورة فصلت ، الآية 11. 14. ورد ذلك في سورة ص ، الآيتان 18 و 19 وسورة الرعد ، الآية 13 وسورة الإسراء ، الآية 5 وسورة النور ، الآية 41 وسورة الأنبياء ، الآية 41 و 81 و 82. 15. سورة الحج ، الآية 18 وسورة الرحمن ، الآية 6. 16. سورة الحشر ، الآية 21. 17. سورة الأحزاب ، الآية 72. 18. سورة الزلزلة ، الآيتان 7 / 8.
الجواب من السيد جعفر مرتضى العاملي: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ والحمد لله ، والصلاة والسلام على محمّد وآله الطاهرين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. وبعد .. أوّلاً : إنّ هذا الكلام باطل ومردود ، لأن إبراهيم عليه السلام كان أعظم من النبي موسى وعيسى عليهما السلام ، ومن سائر الأنبياء ما عدا نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وآله .. ؛ فهل انحطت الإمكانات الفكريّة ، وثقافات المجتمعات بعد عصر إبراهيم عليه السلام ، ثمّ عادت إلى الارتفاع في عهد نبيّنا الأعظم صلّى الله عليه وآله ؟ .. وثانياً : لو كان هذا الكلام صحيحاً ، فاللازم أن يكون جميع الأنبياء عليهم السلام الذين يكونون في عصر واحد ، في مستوى واحد .. ، مع أنّنا نعلم أنّ لوطاً عليه السلام الذي كان في عصر إبراهيم عليه السلام لم يكن في مستوى إبراهيم عليه السلام ، فانّ إبراهيم كان من أولي العزم ، وكان أعظم من جميع الأنبياء ، ومنهم لوط ، باستثناء نبيّنا الأكرم صلّى الله عليه وآله .. وثالثاً : هل إن هذا الكلام يعني : أنّ النبي محمّداً صلّى الله عليه وآله في ثقافته ، وفي مستواه الفكري أدنى من الناس في هذا العصر ؟!!.. وهل قياس المستويات هذه قد تمّ عبر أجهزة دقيقة الملاحظة ، عرفت مدى النشاط الفكري ، وحجم المعلومات التي يملكها الأنبياء عبر العصور ، ثمّ طلعت علينا بهذه النتيجة ؟.. رابعاً : إنّ الأنبياء إنّما يستمدون معارفهم ، وعلومهم وثقافاتهم من الله خالق الكون والحياة ، والمطلع على أسرار كلّ المخلوقات والمهيمن على مسيرها ، والواقف على مسارها .. ؛ فهل يستمدّ مثقفوا هذا العصر من مصدر أوثق وأوسع ثقافة ، وأعمق فكراً ، وأصحّ رأياً من مصدر معارف الأنبياء عليهم السلام وعلومهم. وأمّا إذا كان الحديث عن القابليّات ، فليس ثمة ما يثبت أنّ استعداد وقابليّة البشر للفهم وللوعي ، ولتلقّي المعارف قد اختلف عمّا كان عليه عبر العصور ، بل قد نجد في الآيات ما يشير إلى عكس ذلك .. قال تعالى : ( أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا ) (1). فهل أثاروها بالجهل أم بالمعارف ، وبسلطان العلم ، وبدقّة الممارسة ؟ خامساً : إن آدم عليه السلام الذي كان يعرف من اسم الله الأعظم خمسة عشر حرفاً ، لم يكن لديه مجتمع حتّى يقال : إنّ ثقافته كانت في مستوى مجتمعه ، أو كانت أدنى أو أرفع. سادساً : إنّ ثقافة المعلّم ومستواه الفكري لا يقاس بثقافة ومستوى تلامذته ، فانّ حامل الشهادات العالية يدرّس من هو أقلّ منه ثقافة. وأضعف فكراً .. سابعاً : ولو كان المقصود هو الزيادة إنّما تكون للأنبياء على من هو أوسع الناس ثقافةً وأقواهم فكراً في الأمّة بأسرها ، فلا بدّ أن يزيد نبي تلك الأمّة عليه. فإنّه يقال : إنّنا إذا قبلنا بضرورة الزيادة ، فقد تكون كنسبة ثقافة دكتور يعلم تلامذة في الصفوف الابتدائيّة ، أو كنسبة ثقافة مرجع إلى ثقافة تلامذته الذين انتهوا للتوّ من دراسة مرحلة السطوح .. وقد تكون النسبة أزيد من ذلك ، وليس ثمة ما يحدّد نسبة هذه الزيادة ، فإنّها رهن بالقابليّات وبالفيض الإلهي عليهم صلوات الله وسلامه عليهم. ثامناً : هل يمكن اعتبار الإمام صاحب الأمر أوسع ثقافة ، وأرقى فكراً من الإمام علي عليه السلام ، ومن النبي صلّى الله عليه وآله .. نبّئونا بعلم إن كنتم صادقين. والحمد لله رب العالمين. الهوامش 1. سورة الروم ، الآية 9. المصدر : موقع الميزان