الجواب من مركز الأبحاث العقائديّة: إنّ الاجتهاد عند السنّة والشيعة واحد ، وهو السعي وبذل الجهد لاستنباط الأحكام الشرعيّة من أدلّتها التفصيليّة ، التي هي الكتاب والسنّة والإجماع والعقل ، مع أُمور قد تضيفها المدرسة العامية ، كالقياس والاستحسان وغيرهما. نعم ، يختلفان في الطريقة السلوكيّة للاجتهاد ، وفي مقدار حجّيته. إذاً ، الاجتهاد بما هو اجتهاد موجود عند الشيعة والسنّة ، ولكن مرحلة الاجتهاد توقّفت عند السنّة وانحصرت في أصحاب المذاهب الأربعة ، بينما الاجتهاد عند الشيعة لم يتوقّف لضرورته. ونحن نتساءل : إن كان الاجتهاد غير صحيح ، فلماذا اجتهد أصحاب المذاهب الأربعة في كثير من المسائل ؟ وإن كان صحيحاً ، فلماذا منعت عمليّة الاجتهاد ، ووقفت على هؤلاء ؟ وأُخمدت بذلك الحركة العلميّة ؟
الجواب من مركز الأبحاث العقائديّة: بعد الإيمان بالله تعالى ، وأنّ له أنبياء ورسل أُنزلت عليهم شرائع ، وسنّت فيها للبشريّة قوانين ، وهذه القوانين فيها توضيح لمنهج الحياة الفرديّة والإجتماعيّة ، وفيها أوامر ونواهي يلزم على المكلّفين الأخذ بها ، فإذا كان النبيّ صلّى الله عليه وآله حاضراً فالمكلّف يرجع إليه ، أو إلى نائبه لأخذ الحكم الشرعي منه ، كذلك بعد رحيله صلّى الله عليه وآله يرجع المكلّف إلى أوصيائه ـ وهم الأئمّة الإثني عشر من أهل البيت عليهم السلام ، أو نوّابهم ـ. ولكن بعد أن غاب الإمام الثاني عشر عليه السلام غيبة كبرى ، أرجع الناس إلى الفقهاء العارفين بالأحكام والمستخرجين لها من الأدلّة التي ذكرها النبيّ صلّى الله عليه وآله ، وأهل بيته عليهم السلام ، أو الإجتهاد في تحصيل الحكم الشرعي عن طريق القواعد الكلّية التي طرحت على لسان النبيّ وأوصيائه عليهم السلام. وبما أنّ الإرجاع لم ينحصر في فرد معيّن ، وإنّما صار الإرجاع إلى وصف معيّن وهم الفقهاء العارفين بالأحكام ، فكلّ من تواجد فيه هذا الوصف رجع إليه في معرفة الحكم الشرعي ، وعلى ضوء هذا الوصف يتعدّد الموصوف ، أيّ يتعدّد الفقهاء العارفين بأحكام أهل البيت عليهم السلام. وبما أنّ الأذهان مختلفة والأذواق الفقهيّة متفاوتة ، والنظر إلى الأحكام الشرعية أو القواعد المطروحة متفاوتات ، فمن الطبيعي يحصل التفاوت بين الفقهاء في الفتوى ، ويحصل الإختلاف في الإجتهاد ، وهو كلّه دين بالنسبة إلى المكلّف ، ملزم بالرجوع والأخذ عنه ؛ لأنّ أئمّة أهل البيت عليهم السلام أمروا بذلك ، وهم أعلم وأعرف بالإختلافات وحصولها بين الفقهاء ، ومع ذلك ألزمونا بالرجوع إليهم. وأمّا مسألة حصول مشاكل فهذه تحلّ بتحديد الفقيه الذي يرجع إليه المكلّف ، وهو المطلوب لا غير ، والتزام فتاواه والأخذ بها ، وبالتالي لا توجد أيّ مشكلة بالنسبة إليه مادام هو آخذ عن فقيه واحد ، وعالم واحد. نعم لو عمل بالإحتياط مع معرفة طرقه يلزم فيه مشقّة وجهد ؛ لأنّ الفتاوى مختلفة ومتفاوتة ، وفي بعض الأحيان تكون على طرفي نقيض ، فإنّ مثل هذا الشخص يقع في مشكلة التعامل مع الفتاوى ، ومع ذلك توجد هناك طرق وقواعد كلّية يستطيع من خلالها معرفة الإحتياط وكيفيّة العمل به ، وكيفيّة التخلّص من المشاكل التي تواجهه حين العمل به. وأمّا المقلّد فقد ذكرنا بأنّه مادام ملزم بالأخذ من فقيه واحد ـ على تفصيل ليس هنا محلّه فلا يقع في أيّ محذور ، ولا توجد لديه أيّ مشكلة.
الجواب من مركز الأبحاث العقائديّة: فقد أجمع علماء الشيعة على إسلام أبي طالب عليه السلام تبعاً لأئمّتهم عليهم السلام. والأحاديث الدالّة على إيمانه والواردة عن أهل بيت العصمة كثيرة ، وقد جمعها العلماء في كتب مفردة ، وكان من الكتب الأخيرة : « منية الراغب في إيمان أبي طالب » للشيخ الطبسي. وقد أُلّف في إثبات إيمانه الكثير من الكتب ، من السنّة والشيعة على حدّ سواء ، وقد أنهاها بعضهم إلى ثلاثين كتاباً ، ومنها كتاب : « أبو طالب مؤمن قريش » للأُستاذ عبد الله الخنيزي. هذا عدا البحوث المستفيضة المبثوثة في ثنايا الكتب والموسوعات ، ونخصّ بالذكر هنا ما جاء في كتاب « الغدير » للعلّامة الأميني قدس سره في الجزء السابع والثامن منه. وقد نقل العلّامة الأميني عن جماعة من أهل السنّة : أنّهم ذهبوا إلى ذلك أيضاً ، وكتبوا الكتب والبحوث في إثبات ذلك ، كالبرزنجي في « أسنى المطالب » ، والاجهوري ، والاسكافي ، وأبي القاسم البلخي ، وابن وحشي في شرحه لكتاب : « شهاب الأخبار » ، والتلمساني في « حاشية الشفاء » ، والشعراني ، وسبط ابن الجوزي ، والقرطبي ، والسبكي ، وأبي طاهر ، والسيوطي ، وغيرهم. بل لقد حكم عدد منهم كابن وحشي ، والاجهوري ، والتلمساني بأنّ من أبغض أبا طالب فقد كفر ، أو من يذكره بمكروه فهو كافر (1). بعض الأدلّة على إيمان أبي طالب : 1 ـ ما روي عن الأئمّة عليهم السلام والنبيّ صلّى الله عليه وآله ممّا يدلّ على إيمانه ، وهم أعرف بأمر كهذا من كلّ أحد. 2 ـ نصرته للنبيّ صلّى الله عليه وآله وتحمّله تلك المشاق والصعاب العظيمة ، وتضحيته بمكانته في قومه ، وحتّى بولده ، أكبر دليل على إيمانه. 3 ـ استدلّ سبط ابن الجوزي على إيمانه ، بأنّه لو كان أبو طالب كافراً ، لشنّع عليه معاوية وحزبه ، والزبيريون وأعوانهم ، وسائر أعداء الإمام علي عليه السلام (2). 4 ـ تصريحاته وأقواله الكثيرة جدّاً ، فإنّها كلّها ناطقة بإيمانه وإسلامه ، ومنها أشعاره التي عبّر عنها ابن أبي الحديد المعتزلي بقوله : « فكلّ هذه الأشعار قد جاءت مجيء التواتر ، لأنّه لم تكن آحادها متواترة ، فمجموعها يدلّ على أمر مشترك ، وهو تصديق محمّد صلّى الله عليه وآله ومجموعها متواتر » (3). 5 ـ قد صرّح أبو طالب في وصيّته بأنّه كان قد اتخذ سبيل التقية في شأن رسول الله صلّى الله عليه وآله ، وأنّ ما جاء به الرسول صلّى الله عليه وآله قد قبله الجنان وأنكره اللسان مخافة الشنآن. وأوصى قريشاً بقبول دعوة الرسول ، ومتابعته على أمره ، ففي ذلك الرشاد والسعادة (4). 6 ـ ترحّم النبيّ صلّى الله عليه وآله عليه ، واستغفاره له باستمرار ، وحزنه عليه عند موته ، وواضح أنّه لا يصحّ الترحم إلّا على المسلم. 7 ـ وبعد كلّ ما تقدّم نقول : إنّ إسلام أيّ شخص أو عدمه ، إنّما يستفاد من أُمور أربعة : أ ـ من مواقفه العملية ، ومواقف أبي طالب قد بلغت الغاية التي ما بعدها غاية في الوضوح والدلالة على إخلاصه وتفانيه في الدفاع عن هذا الدين. ب ـ من إقراراته اللسانية بالشهادتين ، ويكفي أن نشير إلى ذلك القدر الكثير منها في شعره في المناسبات المختلفة. ج ـ من موقف النبيّ الأعظم صلّى الله عليه وآله منه ، فالموقف المرضي ثابت منه صلّى الله عليه وآله تجاه أبي طالب على أكمل وجه. د ـ من إخبار المطّلعين على أحواله عن قرب وعن حسّ ، كأهل بيته ، ومن يعيشون معه ، وقد قلنا : إنّهم مجمعون على ذلك. بل إنّ نفس القائلين بكفره لمّا لم يستطيعوا إنكار مواقفه العملية ، ولا الطعن بتصريحاته اللسانية حاولوا : أن يشبّهوا على العامّة بكلام مبهم لا معنى له ؛ فقالوا : إنّه لم يكن منقاداً !! ومن أجل أن نوفي أبا طالب بعض حقّه ، نذكر بعض ما يدلّ على إيمانه ، ونترك سائره ، وهو يعدّ بالعشرات ، لأنّ المقام لا يتّسع لأكثر من أمثلة قليلة معدودة ، وهي : 1 ـ قال العباس : يا رسول الله ، ما ترجو لأبي طالب ؟ قال : « كلّ الخير أرجوه من ربّي » (5). 2 ـ قال ابن أبي الحديد : « روي بأسانيد كثيرة ، بعضها عن العباس بن عبد المطّلب ، وبعضها عن أبي بكر بن أبي قحافة : أنّ أبا طالب ما مات حتّى قال : لا إله إلّا الله ، محمّد رسول الله » (6). 3 ـ كتب أمير المؤمنين عليه السلام رسالة مطوّلة لمعاوية جاء فيها : « ليس أُمية كهاشم ، ولا حرب كعبد المطّلب ، ولا أبو سفيان كأبي طالب ، ولا المهاجر كالطليق ، ولا الصريح كاللصيق » (7). فإذا كان أبو طالب كافراً ، وأبو سفيان مسلماً ، فكيف يفضّل الكافر على المسلم ، ثمّ لا يردّ عليه ذلك معاوية بن أبي سفيان ؟! 4 ـ ورد عن رسول الله صلّى الله عليه وآله قوله : « إذا كان يوم القيامة شفعت لأبي وأُمّي ، وعمّي أبي طالب ، وأخ لي كان في الجاهلية » (8). 5 ـ وعنه صلّى الله عليه وآله أيضاً : « إنّ الله عزّ وجلّ قال له على لسان جبرائيل : حرّمت النار على صلب أنزلك ، وبطن حملك ، وحجر كفلك » . أمّا الصلب فعبد الله ، وأمّا البطن فآمنة ، وأمّا الحجر فعمّه ـ يعني أبا طالب ، وفاطمة بنت أسد ـ وبمعناه غيره مع اختلاف يسير (9). الهوامش 1. أُنظر : الغدير 7 / 381. 2. أبو طالب مؤمن قريش : 274 ، عن تذكرة الخواص : 11. 3. شرح نهج البلاغة 14 / 78. 4. روضة الواعظين : 140 ، الغدير 7 / 366. 5. كنز العمّال 12 / 82 و 153 ، الغدير 7 / 373 و 386 ، الطبقات الكبرى 1 / 125 ، تاريخ مدينة دمشق 66 / 336 ، أنساب الأشراف : 25. 6. خصائص أمير المؤمنين : 38 ، شرح نهج البلاغة 14 / 71 ، الغدير 7 / 369. 7. شرح نهج البلاغة 3 / 17 و 15 / 117 ، الغدير 3 / 254 ، وقعة صفّين : 471 ، الإمامة والسياسة 1 / 138 ، المناقب : 256. 8. الغدير 7 / 378 ، تاريخ مدينة دمشق 66 / 340 ، الإصابة 7 / 203. 9. الكافي 1 / 446 ، الأمالي للشيخ الصدوق : 703 ، روضة الواعظين : 67 ، الجواهر السنية : 218 ، الغدير 7 / 378 ، ينابيع المودّة 2 / 331.
الجواب من مركز الأبحاث العقائديّة: قد اختلفت الروايات عند أهل السنّة أنفسهم في إثبات ذلك ، فالمتّفق عليه بحسب رواياتهم هو : أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله أرسل أبا بكر لتبليغ آيات البراءة لمشركي مكّة في موسم الحجّ ، وبعد ذهابه بأيّام أمر جبرائيل النبيّ صلّى الله عليه وآله أن يبعث علياً لتبليغها ، فأخذها الإمام علي عليه السلام من أبي بكر ، فذهب فبلّغها. ثمّ يبدأ الاختلاف في الروايات ، فأكثرها تثبت رجوع أبي بكر للنبيّ صلّى الله عليه وآله كئيباً أو خائفاً ، أو مستفسراً مستغرباً ، وهو يقول : « أنزل فيّ شيء » ؟ (1). فعلى هذه الروايات يكون أبو بكر قد رجع ولم يحجّ ، لعدم سهولة الذهاب والإيّاب ، للحوق الإمام علي عليه السلام بهم بعد مسير ثلاثة أيّام ، ثمّ الذهاب إلى المدينة والرجوع إليهم ، مع سيرهم وعدم توقّفهم ، إضافة لعدم ورود النقل بذهابه وإيابه في أية رواية من الروايات الكثيرة جدّاً ولو بإسناد ضعيف. وهناك روايات أُخر تذكر بأنّ أبا بكر لمّا رأى علياً عليه السلام قد التحق بهم ، وعلى ناقة رسول الله صلّى الله عليه وآله سأله : أمير أم مأمور ؟ قال الإمام علي عليه السلام : « بل مأمور » (2). فهذه الرواية ـ إن صحّت ـ فإنّهم يستدلّون بها على مواصلة أبي بكر لأمر الحجّ ، وتركه لأمر تبليغ البراءة لعلي عليه السلام ، ولكن حتّى لو صحّت ، فإنّه يرد على الاحتجاج بها ـ بمجرد هذه الرواية بمواصلة أبي بكر الحجّ وجعله تحت إمرة أبي بكر ـ بأنّنا لو دقّقنا في المعنى من ذلك القول ، وقارناه بقوله في رواية أُخرى : « أمير أم رسول » ؟ (3) ، فإنّه يحتمل أنّ أبا بكر قد سأله : هل أنت بأمرك من يريد أخذ آيات براءة وتبليغها ، أم أنّك رسول ومأمور من قبل النبيّ صلّى الله عليه وآله ؟ فأجابه عليه السلام بأنّه رسول ومأمور ، لا آمر بنفسي ومجتهد برأيي ، وأنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله قد أرسله على ناقته المعروفة ، والتي لا يستغني عنها بحال ، لكيلا يكذّب أمير المؤمنين ، أو يشكّك بدعوته الإرسال والأمر بذلك منه صلّى الله عليه وآله. وبالنظر في الروايات والمواقف الأُخرى فإنّنا نستطيع قول ما يلي : 1 ـ ما يرجّح كفّة الروايات التي تذكر رجوع أبي بكر فور وصول الإمام علي عليه السلام كونها أكثر عدداً وطرقاً ، ممّا يقوّي ويصحّح صدورها ، دون التي تذكر بقاء أبي بكر واستمراره ، ولا نستطيع الجمع بين الروايتين ، لأنّ الحادثة واحدة ، والفعل واحد ، ومتون الروايات متعارضة بل متناقضة ، فينبغي ترجيح إحداهما على الأُخرى ، وخصوصاً بما ذكرناه من قوّة وكثرة أسانيدها وطرقها ، وأكثرها تصرّح : بأنّ علياً عليه السلام أخذها منه حينما لحق به ، وذهب بها إلى مكّة ليبلغها ، ولم تذكر الرواية الحجّ أو الطاعة لأبي بكر ، أو المسير معه وتحت إمرته. 2 ـ وكذلك عدم وجود أيّ حادثة سابقة أو بعثة أو غزوة أو مهمّة يكون فيها أمير المؤمنين علي عليه السلام مأموراً ، وليس أميراً وقائداً ، إلّا تحت إمارة وقيادة وإمامة النبيّ الأعظم صلّى الله عليه وآله ، خلاف أبي بكر وغيره ، فإنّه قد تأمّر عليهم غيرهم ، ممّا يجعلنا نجزم بعدم إمارة أبي بكر في تلك الحجّة ، وعلي موجود فيهم ، وإلّا لأرسله النبيّ صلّى الله عليه وآله معهم منذ البداية ، أو لبيّنت جميع أو أغلب الروايات ذلك الأمر المهمّ من إمارة أبي بكر للحجّ ولعلي عليه السلام. 3 ـ لم يذكر أحد المفضّلين لأبي بكر على علي عليه السلام أنّه كان أميراً عليه في حياة الرسول صلّى الله عليه وآله ، أو في الحجّ ، ممّا يدلّ على عدم وجود هذا الأمر ، بل إنّهم كانوا بأمسّ الحاجة لذلك يوم السقيفة ، ولم يستدلّوا على فضل أبي بكر لا بالحجّ بالناس ولا بالإمرة على علي عليه السلام ، بل ينقض عليهم سقيفتهم عزله حينئذ وعدم كفاءته ، وعدم خلافته لمقام النبيّ صلّى الله عليه وآله. والأحاديث تنصّ بوجوب كون التبليغ من قبل النبيّ صلّى الله عليه وآله ، أو من هو منه كي يؤدّي عنه ، ومعنى « منّي » يستعملها النبيّ صلّى الله عليه وآله كثيراً ، بمعنى مشابهته واتباع طريقته وسنّته ، والتزامه بالنبيّ صلّى الله عليه وآله دائماً ومطلقاً ، وقد أكّد ذلك سابقاً بقوله لعلي عليه السلام : « أنت منّي وأنا منك » (4). وفي حديث آخر : « علي منّي وأنا منه ، ولا يؤدّي عنّي إلّا علي » (5). 4 ـ إنّ الروايات عموماً تنصّ على أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله بعث أبا بكر بتبليغ آيات براءة ، ولم تذكر الروايات على بعثه كأمير للحجّ ، وخصوصاً كون الحجّ في ذلك العام مختلطاً ، فيه المسلم والمشرك ، والمتستّرون والعراة ، وكذلك أحكام الحجّ كانت غير متكاملة ، بل مشابهة لحجّ الجاهلية ، بل لم يكن الغرض منها إلّا التبليغ ، والتهيئة لحجّة الوداع ، ولذلك أردفها النبيّ صلّى الله عليه وآله بحجّة الوداع ، دعا لها جميع المسلمين ، وقال عندها : « خذوا عنّي مناسككم » (6) ، فأيّ حجّ وأيّ مناسك قام بها أبو بكر ، وتشرّف بإحيائها ، أو نشرها ، أو علّمها للمسلمين ؟! فقد نقل ابن كثير عن ابن إسحاق رواية فيها : « ثمّ مضيا ـ أبو بكر وعلي ـ فأقام أبو بكر للناس الحجّ إذ ذاك في تلك السنّة على منازلهم من الحجّ التي كانوا عليها في الجاهلية » (7). فالحجّ لم يكن مقصوداً ، بل لأنّه يجتمع فيه المشركون ، فأوقعه النبيّ صلّى الله عليه وآله في الموسم ، ليسمعوا البراءة والأحكام الجديدة في عدم جواز الطواف بعد العام بالبيت عراةً وغير ذلك ، تمهيداً وتوطئة لحَجّة النبيّ صلّى الله عليه وآله في العام القادم ، وقد أقيلَ أبو بكر عن تبليغ البراءة ، فماذا بقي له ليستمر به ؟! 5 ـ ما روي من ذكر إمرة أبي بكر في الحجّ ، فمداره والعمدة في إثباته على حديثين ، أحدهما موقوف على تابعي ، وهو حميد بن عبد الرحمن ، يقول : إنّ أبا هريرة قال : بعثني أبو بكر في تلك الحجّة في مؤذّنين يوم النحر ، نؤذّن بمنى أن لا يحجّ بعد العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان. قال حميد بن عبد الرحمن : ثمّ أردف رسول الله صلّى الله عليه وآله علياً ، فأمره أن يؤذّن ببراءة ، قال أبو هريرة : « فأذّن معنا علي في أهل منى يوم النحر : لا يحجّ بعد العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان » (8). رواه البخاري عن أبي هريرة ، وهو يتعارض مع رواية غير البخاري لحديث أبي هريرة ، مثل رواية محرر بن أبي هريرة عن أبيه قال : « جئت مع علي بن أبي طالب حين بعثه رسول الله صلّى الله عليه وآله إلى مكّة ببراءة ، قال : ما كنتم تنادون ، قال : كنّا ننادي : أنّه لا يدخل الجنّة إلّا نفس مؤمنة ، ولا يطوف بالبيت عريان ... » (9). فتلك الرواية لم يخرجها سوى البخاري ، وأمّا رواية محرر هذه ، فقد أخرجها وصحّحها كثير من أئمّة الحديث ، والكتب المعتبرة غير البخاري ! فلا أدري من أين جاء البخاري بهذه الرواية لينفرد بها عن أقرانه من سائر المحدّثين ؟! وأمّا الرواية الثانية ، وهي رواية النسائي (10) التي تصرّح ببقاء أبي بكر في الحجّ ، فقد رواها عن أبي الزبير عن جابر ، وأبو الزبير معروف بالتدليس المعيب المسقط للرواية ، فهي ساقطة كرواية البخاري عن أبي هريرة. وكذلك يرد ويشكل على رواية أبي هريرة ما قاله الطحاوي في مشكل الآثار : « هذا مشكل ... فكيف يبعث أبو بكر أبا هريرة ومن معه بالتأذين ، مع صرف الأمر عنه في ذلك إلى علي » ! وهذا يبيّن كذب رواية البخاري عن أبي هريرة لمخالفتها مشهور الروايات. وأمّا رواية جابر ، فيشكل الاستدلال بها أيضاً ، لأنّها لا تنصّ على إمارة أبي بكر على علي عليه السلام ، لقوله فيها : فقال له أبو بكر : أمير أم رسول ؟ قال : « لا بل أرسلني رسول الله صلّى الله عليه وآله ببراءة أقرؤها على الناس ... » (11). 6 ـ وأمّا الروايات التي تذكر رجوع أبي بكر للنبيّ صلّى الله عليه وآله ، فيظهر منها المباشرة وعدم تأخّره إلى ما بعد إتمام مراسم الحجّ ، فإنّ أدوات العطف المستعملة فيها لا تدلّ على التراخي ، وإنّما المباشرة والاتصال في الأحداث ، كقولهم : فرجع أبو بكر ، فأخذ منه الكتاب ، فانصرف إلى المدينة وهو كئيب ، فقال : يا رسول الله صلّى الله عليه وآله ... ، وهذا ما أثبته ابن حجر في فتح الباري بقوله : « قال العماد بن كثير : ليس المراد بأنّ أبا بكر رجع من فوره ، بل المراد رجع من حجّته ، قلت : ولا مانع من حمله على ظاهره لقرب المسافة » (12). وأقول مجيباً : أنّ المسافة ليست قريبة أبداً ، فبعض الروايات تذكر أنّ البعث كان بعد ثلاثة أيّام ، والأكثر تؤكّد بأنّ علياً لحق بهم عند الجحفة ، والجحفة أقرب إلى مكّة منها إلى المدينة. وكذلك لم تذكر أية رواية ـ ولو ضعيفة أو موضوعة ـ بأنّ أبا بكر قد رجع والتحق بالبعثة ، بل هناك رواية صحيحة وصريحة تؤكّد إرجاع أبي بكر بأمر النبيّ صلّى الله عليه وآله فوراً. عن أبي بكر نفسه : أن النبيّ صلّى الله عليه وآله بعثه ببراءة لأهل مكّة ، لا يحجّ بعد العام مشرك ... قال : فسار بها ثلاثاً ، ثمّ قال لعلي عليه السلام ألحقه فَرُدّ عليَّ أبا بكر وبلّغها أنت ، قال : ففعل ، فلمّا قدم على النبيّ صلّى الله عليه وآله أبو بكر قال : يا رسول الله ، حدث فيّ شيء ؟ قال : « ما حدث فيك إلّا خير ، ولكن أُمرت ألا يبلّغه إلّا أنا أو رجل منّي » (13). قال ابن حجر : « في الصحيح بعضه ، رواه أحمد ورجاله ثقات » (14). 7 ـ أمّا ما ذكروه من علّة إرسال النبيّ صلّى الله عليه وآله علياً بدلاً عن أبي بكر ـ من عادة العرب عند نقض العهود ، بأن يأتي نفس من تعاهد معهم ، أو قريبه لنقض العهد المبرم ـ فباطل ومردود من وجوه منها : أ ـ إنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله كان أعلم بهذه العادات وغيرها ، فكم من مشكلة تدخّل بحلّها صلّى الله عليه وآله ، وكم من مشكلة رآها وصادفها ، بل كم من حديث يذكر فيها للصحابة عادات الجاهلية وأعرافهم لا سيّما الحسنة منها لقوله صلّى الله عليه وآله : « بعثت لأُتمّم مكارم الأخلاق » (15) ، فلولا علمه بأخلاق وعادات وتقاليد العرب في زمنه وغير زمنه لما قال : « لأتمم » ، فإتمامها يدلّ على إقرارها والاعتراف بها ، وهو فرع معرفتها والعلم بها ، فلماذا لم ينتبه لذلك منذ البداية ؟ وكذلك أبو بكر ، فهو عربي وكبير السنّ ، فكيف غابت عنه تلك الأعراف والتقاليد ، حيث بعثه النبيّ صلّى الله عليه وآله ؟! بل لو سلّمنا عدم معرفتهما لذلك أو نسيانهما ، فكيف استغرب واستهجن عزله عن تلك المهمّة معترضاً سائلاً : أنزل فيّ شيء ؟ وكذلك لم يخبر علي عليه السلام ولا النبيّ صلّى الله عليه وآله بهذه العادة ، ليطيب خاطره ، بل أخبره بأنّ العزل إلهي لا عرفي ولا جاهلي !! ب ـ إنّ الروايات جميعاً ذكرت تبليغ آيات براءة ، وليس في شيء من القرآن أو الروايات نقض لعهد سابق ، بل كلّ الروايات تشير إلى أنّ المهلة المحدّدة في القرآن بأربعة اشهر ، كانت لمن كان عهده لأقلّ من تلك المدّة ، أو لمن لا عهد له مع النبيّ صلّى الله عليه وآله ، أمّا من كان عهده يطول عن تلك المدّة فعهده إليها ، فالبعث كان لتأكيد العهود واحترامها لا نقضها ، فأين نقض العهد الذي يستدعي أن يحضر من عقده أو قريبه ؟! ج ـ هنالك من هو أقرب من علي للنبيّ صلّى الله عليه وآله نسباً ووجاهة عند قريش ، كعمّه العباس وعقيل وغيرهما ، فلماذا أرسل علياً ؟ الذي أعتذر من النبيّ ـ كما في بعض الروايات ـ من عدم قابليته على الكلام بصوت مرتفع بين الناس ، فدعا له النبيّ صلّى الله عليه وآله ، وقال له : « أمّا أن أذهب بها أنا أو تذهب بها أنت » ، فوافق على الذهاب لخوفه على النبيّ صلّى الله عليه وآله وفدائه بنفسه ، وقال : « فإن كان ولا بدّ فسأذهب أنا » (16). وهذا الإصرار من النبيّ صلّى الله عليه وآله على علي يؤكّد عدم صحّة ادعائهم ، وخصوصاً أنّ الروايات تؤكّد قوله صلّى الله عليه وآله لعلي عليه السلام : « إلّا أنا أو رجل منّي » ، وقد أكّد مراراً وتكراراً كما روى البخاري وغيره قوله لعلي عليه السلام : « أنت منّي وأنا منك » ، وكذلك : « ولا يؤدّي عنّي إلّا علي » ، فهذه المنزلة وهذا الاختصاص لعلي عليه السلام مع وجود غيره أقرب نسباً ، أو أكبر سنّاً ، أو أكثر قبولاً عند قريش والمشركين ، والإصرار عليه عليه السلام ، لا بدّ أنّ وراءه سرّاً ومغزى ؟! د ـ بل هناك روايات تنقل أنّ أبا بكر أرسل أبا هريرة وآخرين يؤذّنون في الناس ، وكان علي يؤذّن معهم ، كما يدّعي أبو هريرة ، فيناوبون معه ، فهل هؤلاء المؤذّنون كأبي هريرة والآخرين الذين أرسلهم أبو بكر ـ أقرب للنبيّ من أبي بكر ؟ وهل يصلحون لذلك أكثر منه ؟ فلماذا عزل إذاً ؟! 8 ـ وعلى كلّ حال حتّى لو صحّ أنّه ذهب للحجّ ، وأكمل المناسك ، فإنّه لو تنزّلنا وأثبتنا له ذلك فهي ليست فضيلة ، لأنّ ذلك قد ثبت لمن لا فضيلة له ، ولا سابقة في الموسم الذي سبقه ، فقد أمر النبيّ صلّى الله عليه وآله عتاباً بن أسيد ـ الذي أسلم في الفتح ، وكان من الطلقاء ـ على الحجّ عام ثمانية بعد عمرته صلّى الله عليه وآله ، فهل هذا يعني أنّ عتاباً أفضل الصحابة ؟ أو أنّه صاحب سابقة وفضيلة ، وأفضل أهل مكّة ؟! ولو طلبنا منكم الإنصاف والتعامل مع الفضائل على حدّ سواء ، فإنّكم أنتم لا تستطيعون أن تجعلوا هذا البعث فضيلة ، لأنّكم حكمتم سابقاً على فضيلة واضحة لأمير المؤمنين عليه السلام بأنّها ليست كذلك ، وذلك حينما خلّفه النبيّ صلّى الله عليه وآله على المدينة عندما ذهب إلى تبوك ، وقال له : « أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي » (17) ، وقلتم : بأنّ تخليفه على المدينة ليس فضيلة ، لأنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله قد خلّف عليها سابقاً أُناساً عاديين ـ كابن أُمّ مكتوم ـ وجعلتم النصّ المدح له ليس إلّا تطييباً للخاطر ، وأوّلتموه شرّ تأويل ، مع ما ينصّ من عدم الفرق إلّا في النبوّة. أمّا حادثة أبي بكر ، ففيها العزل وأخذ براءة ، وفيها عدم ثبوت حجّته من أصلها ، وفيها أنّ حجَّه كان كحجّ أهل الجاهلية ، وفيها أنّه لم يمدح من النبيّ صلّى الله عليه وآله ، وفيها أنّه قد حجّ بالناس في السنة الماضية لحجّه أحد الطلقاء ، وكلّ ذلك وأنتم تثبتون الفضيلة ، بل الأفضلية لأبي بكر ، بمثل هذه الأوهام ، وترفضون أيّ فضل لعلي عليه السلام ، ولو نصّ عليه رسول الله صلّى الله عليه وآله. الهوامش 1. السنن الكبرى للنسائي 5 / 128 ، خصائص أمير المؤمنين : 91 ، شواهد التنزيل 1 / 305 و 312 و 317. 2. الجامع لأحكام القرآن 8 / 67 ، تفسير القرآن العظيم 2 / 347 ، البداية والنهاية 5 / 45 السيرة النبوية لابن هشام 4 / 972 ، السيرة النبوية لابن كثير 4 / 69 ، سبل الهدى والرشاد 12 / 74. 3. ذخائر العقبى : 69 ، سنن الدارمي 2 / 67 ، سنن النسائي 5 / 247 ، السنن الكبرى للنسائي 2 / 416 و 5 / 129 ، خصائص أمير المؤمنين : 92 ، صحيح ابن حبّان 15 / 20 ، شواهد التنزيل 1 / 317 ، جواهر المطالب 1 / 96 ، ينابيع المودّة 1 / 261. 4. صحيح البخاري 3 / 168 ، خصائص أمير المؤمنين : 88 و 151 ، فتح الباري 7 / 390 ، تحفة الأحوذي 6 / 26 ، المصنّف للصنعاني 11 / 227 ، المصنّف لابن أبي شيبة 7 / 499 ، السنن الكبرى للنسائي 5 / 127 و 168 ، صحيح ابن حبّان 11 / 230 ، نظم درر السمطين : 98 ، كنز العمّال 11 / 599 و 13 / 258 ، كشف الخفاء 1 / 205 ، شواهد التنزيل 2 / 143 ، تفسير القرآن العظيم 3 / 475 و 4 / 218 ، تاريخ مدينة دمشق 42 / 53 و 63 و 179 ، تهذيب الكمال 5 / 54 ، البداية والنهاية 4 / 267 ، السيرة النبوية لابن كثير 3 / 443 ، سبل الهدى والرشاد 5 / 195 ، ينابيع المودّة 1 / 404 و 3 / 278. 5. فضائل الصحابة : 15 ، تحفة الأحوذي 10 / 152 ، المصنّف لابن أبي شيبة 7 / 495 ، الآحاد والمثاني 3 / 183 ، السنن الكبرى للنسائي 5 / 45 و 128 ، خصائص أمير المؤمنين : 90 ، المعجم الكبير 4 / 16 ، نظم درر السمطين : 79 ، الجامع الصغير 2 / 177 ، كنز العمّال 11 / 603 ، كشف الخفاء 1 / 205 ، شواهد التنزيل 1 / 319 ، تاريخ مدينة دمشق 42 / 345 ، تهذيب الكمال 5 / 350 ، سير أعلام النبلاء 8 / 212 ، الجوهرة : 63 ، البداية والنهاية 5 / 232 و 7 / 394 ، ينابيع المودّة 2 / 78 و 96 و 3 / 143. 6. شرح مسلم 9 / 21 ، فتح الباري 1 / 193 و 419 و 3 / 388 و 464 ، تحفة الأحوذي 3 / 479 و 551 ، كشف الخفاء 1 / 379 ، الجامع لأحكام القرآن 2 / 184 و 410 و 429 ، فتح القدير 1 / 204 ، سير أعلام النبلاء 6 / 343 ، الإصابة 1 / 42 ، البداية والنهاية 5 / 203 و 234 ، سبل الهدى والرشاد 8 / 475. 7. تفسير القرآن العظيم 2 / 347. 8. صحيح البخاري 1 / 97. 9. سنن النسائي 5 / 234 ، فتح القدير 2 / 334. 10. سنن النسائي 5 / 247. 11. سنن النسائي 5 / 247. 12. فتح الباري 8 / 241. 13. مسند أحمد 1 / 3 ، مسند أبي يعلى 1 / 100 ، كنز العمّال 2 / 417 ، تاريخ مدينة دمشق 42 / 347 ، جواهر المطالب 1 / 97. 14. مجمع الزوائد 3 / 239. 15. الجامع لأحكام القرآن 7 / 345 ، سبل الهدى والرشاد 1 / 505 و 7 / 6 ، لسان العرب 10 / 87 ، كشف الخفاء 1 / 211. 16. مسند أحمد 1 / 150 ، تفسير القرآن العظيم 2 / 346. 17. فضائل الصحابة : 13 ، شرح صحيح مسلم 15 / 174 ، مجمع الزوائد 9 / 109 ، تحفة الأحوذي 10 / 161 ، مسند أبي داود : 29 ، المصنّف للصنعاني 5 / 406 و 11 / 226 ، المصنّف لابن أبي شيبة 7 / 496 و 8 / 562 ، مسند ابن راهويه 5 / 37 ، مسند سعد بن أبي وقّاص : 51 و 103 و 139 ، الآحاد والمثاني 5 / 172 ، كتاب السنّة : 551 و 586 و 595 و 610 ، السنن الكبرى للنسائي 5 / 44 و 108 و 113 و 120 و 125 و 144 ، خصائص أمير المؤمنين : 48 و 64 و 76 و 80 و 85 و 116 ، مسند أبي يعلى 1 / 286 و 2 / 66 و 86 و 99 و 132 و 12 / 310 ، أمالي المحاملي : 209 و 251 ، صحيح ابن حبّان 15 / 16 و 371 ، المعجم الصغير 2 / 22 و 54 ، المعجم الأوسط 2 / 126 و 3 / 139 و 4 / 296 و 5 / 287 و 6 / 77 و 83 و 7 / 311 و 8 / 40 ، المعجم الكبير 1 / 148 و 2 / 247 و 4 / 184 و 5 / 203 و 11 / 63 و 12 / 15 و 78 و 24 / 146 ، نظم درر السمطين : 107 ، موارد الظمآن : 543 ، كنز العمّال 5 / 724 و 9 / 167 و 11 / 599 و 603 و 13 / 106 و 158 و 163 و 192 و 16 / 186 ، فيض القدير 4 / 471 ، كشف الخفاء 2 / 382 ، شواهد التنزيل 1 / 192 و 2 / 35 ، الجامع لأحكام القرآن 1 / 266 و 7 / 277 ، الطبقات الكبرى 3 / 23 ، الكامل في ضعفاء الرجال 1 / 306 و 2 / 315 و 413 و 3 / 207 و 4 / 229 و 5 / 199 و 6 / 68 و 216 ، تاريخ بغداد 7 / 463 و 8 / 52 و 11 / 430 و 12 / 320 ، تاريخ مدينة دمشق 2 / 31 و 13 / 151 و 20 / 360 و 21 / 415 و 30 / 359 و 38 / 7 و 39 / 201 و 41 / 18 و 42 / 42 و 53 و 100 و 111 و 115 و 139 و 145 و 152 و 159 و 165 و 171 و 177 و 182 و 54 / 226 و 59 / 74 و 70 / 35 ، أُسد الغابة 4 / 27 ، تهذيب الكمال 20 / 483 و 25 / 423 و 32 / 482 و 35 / 263 ، تذكرة الحفّاظ 1 / 10 ، سير أعلام النبلاء 1 / 361 و 7 / 362 و 12 / 214 و 14 / 210 و 15 / 42 ، تهذيب التهذيب 7 / 296 ، الإصابة 4 / 467 ، أنساب الأشراف : 94 ، و 106 ، الجوهرة : 14 و 62 ، البداية والنهاية 5 / 11 و 7 / 251 و 370 و 374 و 8 / 84 ، جواهر المطالب 1 / 58 و 171 و 197 و 212 و 296 ، سبل الهدى والرشاد 5 / 441 و 11 / 291 و 296 ، ينابيع المودّة 1 / 112 و 156 و 160 و 309 و 404 و 2 / 97 و 119 و 153 و 237 و 302 و 389 و 3 / 211 و 369 و 403.
الجواب من مركز الأبحاث العقائديّة: يمكن أن يقال في ردِّ من يحاول الإستدلال بصلاة أبي بكر بالناس ـ إن ثبت ـ في حياة النبيّ صلّى الله عليه وآله وفي مسجده للخلافة : أوّلاً : ليست إمامة الجماعة لدى أبناء العامّة منصباً خطيراً ومهمّاً ، أو قيادة شعبيّة أو دينيّة في عرف الإسلام ، ولذلك روي في كتبهم القول : صلّوا خلف كلّ برّ وفاجر ، ولو صحّ أنّ أبا بكر أمّ الناس ، فلم يكن ذلك كاشفاً حسب الموازين ـ التي يعترفون بها لإمامة الجماعة ـ أنّ الرجل ذو أهليّة ، ويحمل مزيّة يصلح بها للزّعامة الدينيّة والسياسيّة ، بل جملة منهم لا يشترطون البلوغ في إمام الجماعة. ثانياً : إنّ سحب رسول الله صلّى الله عليه وآله بأمر من الله آيات من سورة البراءة ، التي كان أبو بكر مكلّفاً منه صلّى الله عليه وآله بقراءتها على الناس في موسم الحجّ الأكبر شاهد على أنّ الرجل لا يصلح لأيّة قيادة وأيّة زعامة ، وكذلك فشله في فتح قلعة خيبر. ثالثاً : إنّ الروايات التي رويت من طرق أبناء العامّة في هذا الشأن مختلفة ، بحيث لا يمكن القول بأنّها تحكي عن معنى واحد ، فإليك بعض منها : « روى الحارث بن هشام عن أبيه عن عبد الله بن زمعة بن الأسود بن مطلب بن أسد قال : لمّا استعز برسول الله صلّى الله عليه وآله وأنا عنده في نفر من المسلمين ، قال : دعا بلال للصلاة فقال : « مرّوا من يصلّي بالناس » ، قال : فخرجت فإذا عمر في الناس ، وكان أبو بكر غائباً ، فقلت : قم يا عمر فصلّي بالناس ! قال : فقام ، فلمّا كبّر عمر سمع رسول الله صلّى الله عليه وآله صوته ، وكان عمر رجلاً مجهراً ، فقال رسول الله : « فأين أبو بكر ؟ يأبى الله ذلك والمسلمون ، يأبى الله ذلك والمسلمون » ، قال : فبعث إلى أبي بكر فجاء بعد أن صلّى عمر تلك الصلاة ، فصلّى بالناس ... » (١). هكذا روى ابن زمعة من طريق آخر : « فلمّا سمع النبيّ صلّى الله عليه وآله صوت عمر ، خرج رسول الله صلّى الله عليه وآله حتّى اطلع رأسه من وراء حجرته ، ثمّ قال : « لا لا ليصل بالناس ابن أبي قحافة » ، يقول ذلك مغضباً » (٢). ورويت قصّة الصلاة بنحو آخر عن عائشة : « قال الأسود : كنّا عند عائشة فذكرنا المواظبة على الصلاة والتعظيم لها. قالت : لمّا مرض النبيّ صلّى الله عليه وآله مرضه الذي مات فيه ، فحضرت الصلاة ، فقال : « مروا أبا بكر فليصلِ بالناس » ، فقيل له : أنّا أبا بكر رجل أسيف ، إذا قام مقامك لم يستطع أن يصلّي بالناس ، وأعاد فأعادوا له ، فأعاد الثالثة ، فقال : « إنّكن صواحب يوسف ، مرّوا أبا بكر فليصلِّ بالناس » ، فخرج أبو بكر فصلّى ، فوجد النبيّ صلّى الله عليه وآله في نفسه خفّة ، فخرج يهادى بين رجُلين ، كأنّي أنظر إلى رجليه يخطّان الأرض من الوجع ، فأراد أبو بكر أن يتأخّر ، فأومئ إليه النبيّ صلّى الله عليه وآله أن مكانك ، ثمّ أُوتي به حتّى جلس إلى جنبه. فقيل للأعمش : وكان النبيّ صلّى الله عليه وآله يصلّي وأبو بكر يصلّي بصلاته ، والناس يصلّون بصلاة أبي بكر ؟ فقال برأسه : نعم » (٣). وقال ابن كثير : « وقد رواه البخاري في غير موضع من كتابه ، ومسلم والنسائي وابن ماجة ، من طرق متعدّدة عن الأعمش به. منها : ما رواه البخاري عن قتيبة ، ومسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة ، ويحيى بن يحيى ، عن أبي معاوية به » (٤). فينبغي أن تلتفت : إنّ هذا الخبر مع هذه التأكيدات في السند إنّما يثبت إمامة رسول الله صلّى الله عليه وآله ، واقتداء أبو بكر به صلّى الله عليه وآله. ودعوى أنّ أبا بكر كان إمام الناس لا يعقل ، إذ يعني ذلك أنّ هناك إمامين في صلاة واحدة شخصيّة. وقال ابن كثير : « وقال البخاري : ... عن عائشة أنّها قالت : إنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله قال في مرضه : « مرّوا أبا بكر فليصلِّ بالناس » ، قال ابن شهاب : فأخبرني عبيد الله بن عبد الله عن عائشة أنّها قالت : لقد عاودت رسول الله صلّى الله عليه وآله في ذلك ، وما حملني على معاودته إلّا أنّي خشيت أن يتشاءم الناس بأبي بكر ، وإلّا أنّي علمت أنّه لن يقوم مقامه أحد إلّا تشاءم الناس به ، فأحببت أن يعدل ذلك رسول الله صلّى الله عليه وآله عن أبي بكر إلى غيره » (٥). ملاحظة : أترى أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله كان يريد أن يتشاءم به الناس ، وعائشة لا تريد ذلك ؟! ورويت قصّة الصلاة بطريق آخر مختلف عمّا تقدّم ، مع فيما تقدّم من التباين والإختلاف. عن عبيد الله بن عبد الله قال : دخلت على عائشة فقلت : ألا تحدّثيني عن مرض رسول الله صلّى الله عليه وآله ؟ فقالت : بلى ، ثقل برسول الله صلّى الله عليه وآله وجعه فقال : « أصلى الناس » ؟ قلنا : لا ، هم ينتظرونك يا رسول الله ، فقال : « صبّوا إليّ ماءً في المخضب » ، ففعلنا ، قالت : فاغتسل ، ثمّ ذهب لينوء فأُغمي عليه ، ثمّ أفاق ، فقال : « أصلى الناس » ؟ قلنا : لا ، هم ينتظرونك يا رسول الله ، قال : « ضعوا لي ماءً في المخضب » ، ففعلنا فأغتسل ، ثمّ ذهب لينوء فأُغمي عليه ، ثمّ أفاق ، فقال : « أصلى الناس » ؟ قلنا : لا ، هم ينتظرونك يا رسول الله ، قال : « ضعوا لي ماءً في المخضب » ، ففعلنا ، قالت : فاغتسل ، ثمّ ذهب لينوء فأُغمي عليه ، ثمّ أفاق ، فقال : « أصلى الناس » ؟ قلنا : لا ، هم ينتظرونك يا رسول الله ، قالت : والناس عكوف في المسجد ينتظرون رسول الله لصلاة العشاء ، فأرسل رسول الله صلّى الله عليه وآله إلى أبي بكر بأن يصلّي بالناس ، وكان أبو بكر رجلاً رقيقاً ، فقال : يا عمر صلّ بالناس ، فقال : أنت أحقّ بالناس ، فصلّى بهم تلك الأيّام. ثمّ إنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وجد خفّة ، فخرج بين رجلين ، أحدهما العبّاس لصلاة الظهر ، فلمّا رآه أبو بكر ذهب ليتأخّر ، فأومئ إليه أن لا يتأخّر ، وأمرهما فأجلساه إلى جنبه ، وجعل أبو بكر يصلّي قائماً ورسول الله يصلّي قاعداً ... ، إلى أن قال ابن كثير : وفي رواية : فجعل أبو بكر يصلّي بصلاة رسول الله وهو قائم ، والناس يصلّون بصلاة أبي بكر ، ورسول الله قاعد ... (٦). ورواية أُخرى ذكرها ابن كثير عن الأرقم بن شرحبيل عن ابن عبّاس قال : « لمّا مرض النبيّ صلّى الله عليه وآله أمر أبا بكر أن يصلّي بالناس ، ثمّ وجد خفّة فخرج ، فلمّا أحسّ به أبو بكر أراد أن ينكص ، فأومأ إليه النبيّ صلّى الله عليه وآله ، فجلس إلى جنب أبي بكر عن يساره ، واستفتح من الآية التي انتهى إليها أبو بكر. ثمّ رواه أيضاً عن وكيع عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن أرقم عن ابن عبّاس بأطول من هذا ، وقال وكيع مرّة : فكان أبو بكر يأتم بالنبيّ ، والناس يأتمون بأبي بكر » (٧). ورواية أُخرى تعطي عكس ذلك. وعن مسروق عن عائشة قالت : صلّى رسول الله صلّى الله عليه وآله خلف أبي بكر قاعداً في مرضه الذي مات فيه (٨). وفي رواية أُخرى : « آخر صلاة صلّاها رسول الله صلّى الله عليه وآله مع القوم في ثوب واحد ملتحفاً به ، خلف أبي بكر » (٩). وهكذا روايات متعدّدة ، لن تجد روايتين منها تتّفق في المعنى ، فضلاً عن اللفظ ، وذلك دليل على اختلاق القصّة ، والذي روي عن طريق الخاصّة : عن الإمام موسى الكاظم عليه السلام يرويه عيسى الضرير : قال : فسألته وقلت : جعلت فداك ، قد أكثر الناس قولهم في أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله أمر أبا بكر بالصلاة ، ثمّ أمر عمر ، فأطرق عنّي طويلاً ، ثمّ قال : « ليس كما ذكر الناس ، ولكنّك يا عيسى كثير البحث عن الأُمور ، لا ترضى إلّا بكشفها » . فقلت : بأبي أنت وأُمّي ، من أسأل عمّا انتفع به في ديني ، وتهتدي به نفسي مخافة أن أضلّ غيرك ، وهل أجد أحداً يكشف لي المشكلات مثلك ؟ فقال : « إنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله لمّا ثقل في مرضه ، دعا عليّاً عليه السلام ، فوضع رأسه في حجره وأُغمي عليه ، وحضرت الصلاة فأذّن بها ، فخرجت عائشة فقالت : يا عمر أخرج فصلّ بالناس ، فقال لها : أبوك أولى بها منّي ، فقالت : صدقت ، ولكنّه رجل لين ، وأكره أن يواثبه القوم ، فصلّ أنت ، فقال لها : بل يصلّي هو وأنا أكفيه إن وثب واثب ، أو تحرّك متحرّك ، مع أنّ رسول الله مغمى عليه لا أراه يفيق منها ، والرجل مشغول به ، لا يقدر أن يفارقه ـ يعني عليّاً عليه السلام ـ فبادروا بالصلاة قبل أن يفيق ، فإنّه إن أفاق خفت أن يأمر عليّاً بالصلاة ، وقد سمعت مناجاته منذ الليلة ، وفي آخر كلامه يقول لعلي عليه السلام : الصلاة ، الصلاة » . قال : « فخرج أبو بكر يصلّي بالناس ، فظنّوا أنّه بأمر رسول الله صلّى الله عليه وآله ، فلم يكبّر حتّى أفاق صلّى الله عليه وآله ، وقال : ادعوا لي عمّي ـ يعني العبّاس ـ فدعي له فحمله وعلي عليه السلام حتّى أخرجاه وصلّى بالناس وإنّه لقاعد ، ثمّ حمل فوضع على المنبر بعد ذلك ، فاجتمع لذلك جميع أهل المدينة من المهاجرين والأنصار حتّى برزت العواتق من خدورها ، فبين باك وصائح ، ومسترجع وواجم ، والنبيّ صلّى الله عليه وآله يخطب ساعة ، ويسكت ساعة ، فكان فيما ذكر من خطبته أن قال : يا معشر المهاجرين والأنصار ، ومن حضر في يومي هذا ، وفي ساعتي هذه من الإنس والجنّ ليبلغ شاهدكم غائبكم ، ألا أنّي قد خلّفت فيكم كتاب الله فيه النور والهدى والبيان لما فرض الله تبارك وتعالى من شيء ، حجّة الله عليكم وحجّتي وحجّة ولي ، وخلّفت فيكم العلم الأكبر ، علم الدين ، ونور الهدى وضياءه ، وهو علي بن أبي طالب ، ألا هو حبل الله فاعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرّقوا ، واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألّف بين قلوبكم ، فأصبحتم بنعمته إخواناً ، وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها ، كذلك يبيّن الله لكم آياته لعلّكم تهتدون. أيّها الناس هذا علي من أحبّه وتولّاه اليوم وبعد اليوم فقد أوفى بما عاهد عليه الله ، ومن عاداه وأبغضه اليوم وبعد اليوم جاء يوم القيامة أصمّ وأعمى ولا حجّة له عند الله ... » (١٠). فقد اتّضح لك أيّها الأخ الكريم تضارب روايات القوم في هذه القصّة ، وأنّه دليل على أنّها مختلقة ، وقد قلنا : إنّه إن ثبت لم يكن في ذلك فضل لأبي بكر ، مادام حكم القوم في إمام الجماعة ما قد عرفت. الهوامش ١. مسند أحمد ٤ / ٣٢٢. ٢. كتاب السنّة : ٥٤٠. ٣. صحيح البخاري ١ / ١٦٢. ٤. السيرة النبويّة لابن كثير ٤ / ٤٦١. ٥. نفس المصدر السابق. ٦. المصدر السابق ٤ / ٢٥٤. ٧. نفس المصدر السابق. ٨. مسند أحمد ٦ / ١٥٩. ٩. البداية والنهاية ٥ / ٢٥٥. ١٠. خصائص الأئمّة : ٧٤.
الجواب من مركز الأبحاث العقائديّة: التجسيم من العقائد الباطلة التي انبثقت عن فرقة ظهرت في العصر الأموي وأصل تسرب هذه العقيدة إلى الإسلام الروايات الإسرائيلية المنقولة عن كعب الأحبار ووهب بن منبه. والمجسمة هم المشبهة أنفسهم وهم الذين يتخيّلون بأنّ الله تعالى على شكل ما من الأشكال ، وغالبهم يتصوّرونه ويتخيّلونه على صورة رجل جالس على كرسي عظيم « وهو كرسي الملك » ، والذي يدلّ على ذلك عباراتهم التي يردّدونها في كتبهم التي يتكلّمون فيها عن مسائل التوحيد والاعتقاد ، وكتاب « السنّة » المنسوب لابن الإمام أحمد من أوضح الأدلّة والشواهد على ذلك. والمجسمّة والمشبهة يثبتون لله تعالى أعضاء يسمّونها صفات كاليد والأصابع والوجه والساق والقدم والرجل والعين والجنب والجلوس والحركة والحدّ والجهة ، وغير ذلك من صفات المحدثات والأجسام ، وهم يستدلّون على ذلك بما ورد في القرآن الكريم كقوله تعالى : ( يَدُ اللَّـهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ) [ الفتح : 10 ] ، وقوله : ( الرَّحْمَـٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ ) [ طه : 5 ] ، وقوله : ( كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ) [ القصص : 88 ] ، وقوله : ( يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ ) [ القلم : 42 ] ، واشباهاً من الآيات المأوّلة عند سائر المسلمين بمعانٍ تنزيهية فتأول اليد بالقدرة مثلاً والإستواء بالهيمنة والعرش بالعلم وأمثال ذلك. وسبب فساد هذا الإعتقاد جعل الله عزّ وجلّ جسماً. والجسم لابدّ أن يكون محدوداً والمحدود ليس بإله لأنّه ممكن محتاج لأنّ ما يحيطه أقوى منه ، والأجسام متقوّمة بالأبعاد الثلاثة وهي محتاجة إلى المادّة والصورة ، بينما الله تعالى غني وغير محدود وهو خالق الأجسام و الصور والمواد والجواهر والأعراض وهو الذي أجرى على الأجسام صفة التحيز وسائر ما يلحقها من الصفات فكيف يجري عليه تعالى ما أجراه على خلقه ؟ تعالى الله عمّا يقول الظالمون علوّاً كبيراً. وعقيدة التجسيم اليوم قد تمّ إحياؤها من قبل الفرق الوهابيّة الذين يأبون إلّا أن يفهموا النصوص على ظواهرها حتّى ولو استلزم هذا الفهم نسبة الفقر والعجز والإمكان إلى الله عزّ وجلّ. ولهم في هذا الميدان أطروحات وتخرصات تضحك الثكلى ، فراجع.
الجواب من مركز الأبحاث العقائديّة: يعتقد أتباع مذهب أهل البيت عليهم السلام تبعاً للرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله والأئمّة الأطهار بأنّ رؤية الله عزّ وجلّ سواءً في الدنيا أو الآخرة وبالعين المجرّدة تعدّ من الاُمور المستحيلة ، لأنّ الله عزّ وجلّ أجلّ وأكبر من أن يكون كالأجسام الماديّة مثل الشمس والقمر التي تدرك بالإنعكاسات الضوئية. وإليك بعض الأدلّة العقليّة والقرآنيّة والحديثيّة في هذه المسألة : الأدلّة العقليّة : 1 ـ تتحقّق رؤية الشيء بالعين وانعكاس الضوء إذا كان الشيء المرئي والمشاهد في جهة معيّنة وأن تكون بين الرائي والمرئي مسافة معينة تفصل بينهما بحيث لو زادت أو نقصت تلك المسافة لخرجت الرؤية عن حيّز الإمكان ، والشرط الآخر أن يكون المرئي في مقابل الرائي ومحاذاته وبالالتفات إلى هذه الشروط والنقاط فرؤية الله تكون محالة ، وذلك لأنّه لا يتحقّق أيّ واحد من هذه الشروط بالنسبة إلى الله ، لأنّه تعالى لم يكن له جهة معيّنة ، أو مكان معيّن ليستقرّ فيه ، ولم يتصوّر أن تكون بينه تعالى وبين البشر أيّة محاذاة وفاصلة ومسافة ، لأنّ هذه المسافة والفاصلة تستلزم أن يكون الله عزّ وجلّ جسماً ماديّاً ومتحيّزاً ومتعلّقاً بالمكان ، وهذان الأمران من المستحيلات بالنسبة إلى ذاته عزّ وجلّ. 2 ـ رؤية الله عزّ وجلّ بواسطة العين الباصرة لا تخلوا من جهتين : إمّا أن تحيط الرؤية بجميع ذاته تعالى فإنّ هذه الإحاطة تستلزم تحديد وجود الله وحصره في مكان معيّن وخلوّ سائر النقاط منه ، لأنّ عين الإنسان محدودة القدرة ولا تستطيع الإحاطة بجميع الجهات. وإمّا أن تكون رؤيتنا إيّاه تعالى تتعلّق بجزء من ذاته ، وإنّها تدرك قسماً من ذاته تعالى ، فهذه تستلزم القول بالتجزئة والتركيب في ذاته ، وكلّ ذلك محال بالنسبة إلى الله ، لأنّه تعالى شأنه ليس محدوداً بحدّ ولا متحيّزاً في مكان ، وليس له أجزاء ومركّبات حتّى يكون في مكان دون مكان. الأدلّة القرآنيّة 1 ـ في سورة الأنعام : ( لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) [ الأنعام : 102 ] قال الطبرسي : الإدراك متى قرن بالبصر لم يفهم منه إلّا الرؤية. وعليه إذا قال أحد : أدركته ببصري وما رأيته متضادّ ، لأنّ الإدراك لا يكون بالعين. [ مجمع البيان ، 4 ، 344 ] . 2 ـ في سورة البقرة : ( وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللَّـهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ ) [ البقرة : 54 ـ 55 ] . هاتان الآيتان المتعاقبتان والمتتاليتان فيهما الدلالة التامّة على استحالة رؤية الله عزّ وجلّ ، لأنّ الآية الأولى صريحة في عذاب الذين عبدوا العجل فألزمهم الله بالتوبة وقيّدها بقتل النفس ـ الإنتحار ـ كفّارة البلاء السماوي عليهم. وترشدنا الآيتان معاً بكلّ وضوح وبيان إلى حقيقة وهي : أنّ طلب رؤية الله يعتبر من الذنوب الكبيرة ويوجب نزول العذاب السماوي كما أنّ عبادة العجل كفر وارتداد وموجبة للعذاب. والجدير بالذكر أنّ في كلّ الآيات التي أشير فيها إلى سؤال بني إسرائيل رؤية الله وطلبهم المستحيلات جاء ذكر العذاب والعقاب عقيب السؤال بتعابير بلاغيّة وجمل مختلفة ، وما ذالك إلّا لكون هذا السؤال ذنباً كبيراً وجريمة عظيمة. قال تعالى : ( يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَىٰ أَكْبَرَ مِن ذَٰلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّـهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ) [ النساء : 153 ] . وقال تعالى : ( وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا ) [ الفرقان : 21 ] . وعلى هذا الأساس فلو كانت رؤية الله ممكنة ـ كما يعتقد أهل السنّة القائلون بإمكانها ويدعون بأنّ رؤية الله تعالى والنظر إليه في القيامة هي من أعظم ما ينعم الله على عباده في الجنّة ، وأكبر ما يعطونه من الفضل واللطف الإلهي في القيامة ـ لما كان السؤال بتحقّقها وإيقاعها استكباراً وعتوّاً وتمرّداً عن أمر الله. وفي القرآن آيات عديدة أخرى تنفي الرؤية نفياً قطيّعاً ولكن اكتفينا بذكر هاتين الآيتين. الأدلّة الحديثيّة : 1 ـ من كلام له عليه السلام وقد سأله ذعلب اليماني فقال : هل رأيت ربّك يا أمير المؤمنين ؟ فقال عليه السلام : أفأعبد ما لا أرى ؟! قال : وكيف تراه ؟ قال عليه السلام : لا تدركه العيون بمشاهدة العيان ، ولكن تدركه القلوب بحقائق الإيمان ... [ كتاب التوحيد باب 5 باب نفي الرؤية وتأويل الآيات فيها ح 2 ] . 2 ـ سئل الصادق عليه السلام : هل يرى الله في المعاد ؟ قال عليه السلام : سبحانه وتعالى عن ذلك علوّاً كبيراً إنّ الأبصار لا تدرك إلّا ما له لون وكيفيّة ، والله خالق الألوان والكيفيّة. [ بحار الأنوار ، 4 ، 31 ح 5 ] . 3 ـ عن أبي عبد الله قال : جاء حبر إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال : يا أمير المؤمنين ، هل رأيت ربّك حين عبدته ؟ فقال عليه السلام : ويلك ما كنت أعبد ربّاً لم أره. قال وكيف رأيته ؟ قال عليه السلام : ويلك لا تدركه العيون في مشاهدة الأبصار ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان. [ بحار الأنوار ، 4 ، 32 ، ح 8 وص 53 ح 30 ] ، [ أصول الكافي ، 1 ، 98 ] ، [ كتاب التوحيد باب 9 باب إبطال الرؤية ح 6 ] . 4 ـ عن الأشعث بن حاتم قال : قال ذو الرئاستين : قلت لأبي الحسن الرضا عليه السلام : جعلت فداك ، أخبرني عمّا اختلف فيه الناس من الرؤية. فقال عليه السلام : يا أبا العباس من وصف الله بخلاف ما وصف به نفسه فقد أعظم الفرية على الله ، قال الله تعالى : ( لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) [ الأنعام : 103 ] . [ بحار الأنوار ، 4 ، 53 ح 31 ] . وهناك العشرات من الأحاديث الواردة عن الأئمّة عليهم السلام تنفي رؤية الله عزّ وجلّ ، وقد ذكرنا طرفاً منها كشواهد ونماذج.
الجواب من مركز الأبحاث العقائديّة: السؤال سمعت أنّ الإنسان يذهب بعد الموت إلى البرزخ ، فكيف هي الحياة في البرزخ ؟ هل هي شبه الجنّة أو ماذا ؟ الرجاء أفادتني وشكراً. الجواب : قال رسول الله صلّى الله عليه وآله : « من مات فقد قامت قيامته » (1) ، فالبرزخ هي حياة ونشأة بين الدنيا والآخرة ، والمقصود من الحديث « قامت قيامته » هي القيامة الصغرى ، أو فقل أوّل درجات القيامة ، والقيامة الكبرى هي يوم الحشر الأكبر. والآيات والروايات تثبت الحياة في عالم البرزخ ، وتثبت فيه النعيم والعذاب ، فالقبر إمّا روضة من رياض الجنّة ، أو حفرة من حفر النيران. قال الشيخ الصدوق : « اعتقادنا في المسألة في القبر أنّها حقّ لابدّ منها ، فمن أجاب بالصواب فاز بروح وريحان في قبره ، وبجنّة نعيم في الآخرة ، ومن لم يأت بالصواب فله نزل من حميم في قبره ، وتصلية جحيم في الآخرة » (2). قال الله تعالى عن فرعون وأتباعه : ( النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ) (3). وأجاب الإمام الصادق عليه السلام عندما سُئِلَ عن أرواح المؤمنين : « أرواح المؤمنين في حجرات في الجنّة ، يأكلون من طعامها ، ويشربون من شرابها ، ويقولون : ربّنا أقم لنا الساعة لتنجز لنا ما وعدتنا » . وسُئل عليه السلام عن أرواح المشركين فأجاب : « في حجرات في النار يأكلون من طعامها ، ويشربون من شرابها ، ويتزاورون فيها ويقولون : ربّنا لا تُقم لنا الساعة ، لتنجز لنا ما وعدتنا » (4). وهذه الرواية تدلّ بتمامها على وجود البرزخ بَعد الموت مباشرة ، ونعيم المؤمنين وعذاب الكافرين فيه مستمر حتّى تقوم الساعة. فالبرزخ عالم حائل وحاجز بين الدنيا والآخرة ، وهو أوّل محطّات الرحلة إلى الآخرة ، وهو المنزل الأوّل للإنسان بعد مفارقة الدنيا بالموت ، كما قال تعالى : ( وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) (5). الهوامش 1. بحار الأنوار ٥٨ / ٧. 2. الاعتقادات : ٥٨. 3. غافر : ٤٦. 4. المحاسن ١ / ١٧٨. 5. المؤمنون : ١٠٠.
الجواب من مركز الأبحاث العقائديّة: لقد تعدّدت أسئلتك وسوف نجيب عليها بالنقاط التالية : ١. الولاية التكوينية : هنالك عدّة معانٍ لها يذكرها العلماء في كتبهم ، بعضها شرك محرّم ، وهي القائلة بأنّ معنى الولاية التكوينيّة لغير الله ، أنّهم يتصرّفون بالكون والخلق بانفصال عن إرادة الله تعالى ، أو أنّ الله تعالى قد فوّض إليهم شؤون العالم ، وهذه المعاني كما قلنا قد اتّفق العلماء على استلزامها للشرك المحرّم. أمّا إن كان معنى الولاية التكوينيّة غير هذا ، بل هو التصرّف في الكون بإشارة الله وإرادته فلا مانع من ذلك ولا محذور ، وقد وقع في حقّ غير أهل البيت عليهم السلام كما يذكر القرآن الكريم قصّة آصف وزير سليمان ( قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَـٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي ... ) [ النمل : 40 ] . وهنالك معان أُخرى لا تصل إلى الأوّل ، وإن كانت أعمق من الثاني ، أعرضنا عنها للإختصار. ٢. أمّا ثبوتها لأهل البيت عليهم السلام : فلا ريب في ذلك ولا شبهة ـ بما عدا المعنى الأوّل الذي يستلزم الشرك والتفويض المحرّم ـ ويكفينا دلالة على ذلك الآية التي ذكرناها حكاية عن آصف ، فمن كان عنده علم من الكتاب ـ ومن تبعيضيّة ـ يستطيع أن يتصرّف في شؤون الكون ، ويأتي بعرش بلقيس من اليمن إلى بيت المقدس. فكيف لا يستطيع ذلك ـ وأكثر منه ـ من عنده علم الكتاب ـ أي جميع الكتاب ـ وقد وردت الروايات الكثيرة أنّ أهل البيت عليهم السلام عندهم علم جميع الكتاب ، بل القرآن صريح في ذلك ، حيث يقول إشارة إلى الكتاب الكريم ( وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّـهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ) [ آل عمران : 7 ] . ٣. أمّا حكم منكرها أو وجوب الإعتقاد بها : إنّ مقامات أهل البيت عليهم السلام كثيرة جدّاً ، قد لا يصل إلى إدراكها إلّا الأوحدي من الناس ، وهذا ما نجد بعض الأحاديث المستفيضة تشير إليه ، فعن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال : « فمن عرف فاطمة حقَّ معرفتها فقد أدرك ليلة القدر ، وإنّما سمّيت فاطمة لأنّ الخلق فطموا عن معرفتها » [ تفسير فرات ص 581 ] . ومن هنا نقول : إنّه ليس ذنباً أن تقصر إفهام البعض عن إدراك هذه الذوات القدسيّة والأنوار الإلهيّة ، ولكن الذنب في إنكارها وجحدها بدون دليل وعلم ، بل لمجرّد قصور الذهن وعدم التفاعل. اللهم عرّفنا حجّتك ، فإنّك إن لم تعرفنا حجّتك ضللنا عن ديننا.
الجواب من مركز الأبحاث العقائديّة: في الجواب نشير إلى مطالب : أوّلاً : إنّ الأدلّة على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام كثيرة عقلاً ونقلاً تكاد لا تحصى ، وقد أُلّفت كتب مستقلّة في هذا المجال. ولكنّ الأمر الذي ينبغي الإشارة إليه ، هو أنّ الإمام عليه السلام لم يكن ملزماً لا عقلاً ولا شرعاً بالاحتجاج والمناشدة بكافّة هذه الأدلّة ، بل بالمقدار الذي يلقي الحجّة على الناس ، وهذا هو الذي حدث بعد ما علمنا من احتجاجه عليه السلام بحديث الغدير ، وعدم رضوخ القوم لهذا الحقّ الصريح ، وبعده هل يبقى مجال لاحتمال تأثير أمثال آية الولاية في نفوسهم ؟! ثانياً : لنفرض أنّ الاحتجاج بهذه الآية لم يصل إلينا ، فهل هذا دليل على عدم صدوره منه عليه السلام ؟ مع أنّ المتيقّن هو : عدم وصول أخبار وآثار كثيرة من لدن الصدر الأوّل إلينا ، خصوصاً ما كان منها يصطدم مع مصالح الخلفاء ، فإنّهم أخفوا الكثير من فضائل ومناقب أهل البيت عليهم السلام ، فما ظهر منها فهو غيض من فيض. ثالثاً : ثمّ لنفرض مرّة أُخرى ، أنّ الإمام عليه السلام لم يحتجّ بها واقعاً ، فهل هذا يدلّ بالالتزام على عدم دلالة الآية على إمامته عليه السلام ؟ إذ لا توجد ملازمة بين المسألتين. رابعاً : هذه الشبهة هي في الأصل من الفخر الرازي في تفسيره للآية ، حيث قال : « فلو كانت هذه الآية دالّة على إمامته لاحتجّ بها في محفل من المحافل ، وليس للقوم أن يقولوا : إنّه تركه للتقية ، فإنّهم ينقلون عنه أنّه تمسّك يوم الشورى بخبر الغدير ... » (1). فنقول ردّاً عليه : بأنّ الاحتجاج بالآية ورد في مصادر الشيعة (2) ، وقد أشار إلى بعض الحديث جمع من مصادر أهل السنّة (3). الهوامش 1. التفسير الكبير 4 / 385. 2. الاحتجاج 1 / 202 ، أمالي الشيخ الطوسي : 549 ، الخصال : 580. 3. أُنظر : المناقب للخوارزمي : 313 ، تاريخ مدينة دمشق 42 / 432.
الجواب من مركز الأبحاث العقائديّة: إنّ الروايات قد بيّنت أنّ المودّة ليست واجبة لجميع قرابة النبيّ صلّى الله عليه وآله ، فعن ابن عبّاس قال : لمّا نزلت : ( قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ) (1) قالوا : يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين أوجبت علينا مودّتهم ؟ قال : « علي وفاطمة وابناهما » (2). وفي رواية أُخرى عن ابن عبّاس أيضاً قال : « عليٌّ وفاطمةُ وولدُهما » (3). فالآية مع ضميمة الروايات المفسّرة لها أوجبت مودّة هؤلاء ـ علي وفاطمة وولدهما عليهم السلام ـ ، وحيث إنّ هذا التوادّ على نحو الإطلاق من غير تحديد بوقت أو صفة ، فلابدّ أن يكون المؤمن دائماً موادّاً لأهل البيت عليهم السلام. والمودّة المطلقة تستلزم وجوب الاتباع والاقتداء ، وإلّا لم يكن لها معنىً ؛ لأنّه لو انفكّت الموادّة في مورد واحد ، لكان ذلك خلاف ما تقدّم من الوجوب مطلقاً ، وهذا يستلزم الاتباع والاقتداء. الهوامش 1. الشورى : 23. 2. ذخائر العقبى « للطبري » / الصفحة : 62 ـ 63 / الناشر : مكتبة الصاحبة ـ جدّة. مجمع الزوائد « للهيثمي » / المجلّد : 7 / الصفحة : 103 / الناشر : دار الكتاب العربي ـ بيروت / الطبعة : 3. مجمع الزوائد « للهيثمي » / المجلّد : 9 / الصفحة : 168 / الناشر : دار الكتاب العربي ـ بيروت / الطبعة : 3. المعجم الكبير « للطبراني » / المجلّد : 3 / الصفحة : 39 / الناشر : مكتبة ابن تيمية ـ قاهرة. المعجم الكبير « للطبراني » / المجلّد : 11 / الصفحة : 444 / الناشر : مكتبة ابن تيمية ـ قاهرة. شواهد التنزيل « للحسكاني » / المجلّد : 2 / الصفحة : 130 ـ 135 / الناشر : مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ـ بيروت. ينابيع المودّة « للقندوزي » / المجلّد : 2 / الصفحة : 120 / الناشر : دار الأسوة. ينابيع المودّة « للقندوزي » / المجلّد : 2 / الصفحة : 325 / الناشر : دار الأسوة. ينابيع المودّة « للقندوزي » / المجلّد : 2 / الصفحة : 453 ـ 454 / الناشر : دار الأسوة. ينابيع المودّة « للقندوزي » / المجلّد : 3 / الصفحة : 137 ـ 138 / الناشر : دار الأسوة. 3. الدر المنثور « للسيوطي » / المجلّد : 13 / الصفحة : 149 ـ 150 / الناشر : مركز هجر للبحوث والدراسات العربية والإسلامية. راجع : بحار الأنوار « للمجلسي » / المجلّد : 23 / الصفحة : 229 ـ 230 / الناشر : مؤسسة الوفاء ـ بيروت / الطبعة : 2.
الجواب من مركز الأبحاث العقائديّة: يستدلّ علماؤنا بكلمة : ( وَأَنفُسَنَا ) (1) على إمامة الإمام علي عليه السلام ، تبعاً لأئمّتنا عليهم السلام. ولعلّ أوّل من استدلّ بهذه الآية هو أمير المؤمنين عليه السلام نفسه ، عندما احتجّ على الحاضرين في الشورى ، بجملة من فضائله ومناقبه ، فكان من ذلك احتجاجه بآية المباهلة ، وكلّهم أقرّوا بما قال عليه السلام. (2) وروى الشيخ المفيد قدّس سرّه : أنّ المأمون العباسي سأل الإمام الرضا عليه السلام : أخبرني بأكبر فضيلة لأمير المؤمنين عليه السلام يدلّ عليها القرآن ؟ فذكر له الإمام الرضا عليهالسلام آية المباهلة ، واستدلّ بكلمة : ( وَأَنفُسَنَا ) . (3) لأنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله عندما أمر أن يخرج معه نساؤه أخرج فاطمة فقط ، وعندما أُمر أن يخرج أبناؤه أخرج الحسن والحسين فقط ، وعندما أُمر أن يخرج معه نفسه أخرج عليّاً ، فكان علي عليه السلام نفس رسول الله صلّى الله عليه وآله. إلّا أنّ كون علي نفس رسول الله بالمعنى الحقيقي غير ممكن ، فيكون المعنى المجازي هو المراد ، وأقرب المجازات إلى المعنى الحقيقي في مثل هذا المورد هو أن يكون عليه السلام مساوياً لرسول الله صلّى الله عليه وآله في جميع الخصوصيّات ، إلّا ما أخرجه الدليل وهو النبوّة ، إذ لا نبيّ بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله. ومن خصوصيّات رسول الله صلّى الله عليه وآله أنّه أفضل من جميع المخلوقات ، فعلي عليه السلام كذلك ، والعقل يحكم بقبح تقدّم المفضول على الفاضل ، إذاً لابدّ من تقدّم علي عليه السلام على غيره في التصدّي لخلافة المسلمين. الهوامش 1. آل عمران : 61. 2. أُنظر : تاريخ مدينة دمشق « لابن عساكر » / المجلّد : 42 / الصفحة : 431 ـ 433 / الناشر : دار الفكر ـ بيروت. 3. مصنفات الشيخ المفيد / المجلّد : 2 / الصفحة : 38 / الناشر : المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد.
الجواب من مركز الأبحاث العقائديّة: إنّ خالداً لم يؤمر بالذهاب إلى مالك ، وقد خالفه الأنصار في ذهابه إليه ، وبالتالي يتبيّن بأنّ خالداً ذهب لغرض آخر ، ألا وهو امرأة مالك ، حتّى إنّ مالكاً رضي الله عنه أخبرنا بذلك ، وهو شاهد عيان لما يدور حوله ، وما يعرفه من خالد عندما رأى امرأته عند أسره ، وهي مكشوفة الوجه ، قال لها : لقد قتلتيني ، أيّ أنّي سأقتل بسببك ، وهذا قول من يشاهد الأحداث ، بل المجنى عليه ، وهو خير شاهد ، وليس هو قول الجاني أو أنصاره ، أو حتّى قولنا بعد أكثر من ألف وأربعمائة سنة. ولنسرد الروايات والأقوال في مالك ، وقتل خالد له ، ومن أصحّ الكتب والمحقّقين عند أهل السنّة. 1 ـ قال ابن حجر : « قال المرزباني : وكان ـ مالك بن نويرة ـ من أرداف الملوك ، وكان النبيّ صلّى الله عليه وآله استعمله على صدقات قومه ، فلمّا بلغته وفاة النبيّ صلّى الله عليه وآله أمسك الصدقة وفرّقها في قومه » (1). 2 ـ روى عبد الرزّاق عن معمر عن الزهري : « إنّ أبا قتادة قال : خرجنا في الردّة حتّى إذا انتهينا إلى أهل أبيات ، حتّى طلعت ـ أيّ طفقت ـ الشمس للغروب ، فأرشفنا إليهم الرماح ، فقالوا : من أنتم ؟ قلنا : نحن عباد الله ، فقالوا : ونحن عباد الله ، فأسرهم خالد بن الوليد ، حتّى إذا أصبح أمر أن يضرب أعناقهم. قال أبو قتادة : فقلت : اتّقِ الله يا خالد ! فإنّ هذا لا يحلّ لك ، قال : اجلس ، فإنّ هذا ليس منك في شيء. قال : فكان أبو قتادة يحلف لا يغزو مع خالدٍ أبداً. قال : وكان الأعراب هم الذين شجّعوه على قتلهم من أجل الغنائم ، وكان ذلك في مالك بن نويرة » (2). 3 ـ روى المتّقي الهندي عن أبي عون وغيره : « إنّ خالد بن الوليد ادّعى أنّ مالك ابن نويرة ارتدّ بكلام بلغه عنه ، فأنكر مالك ذلك ، وقال : أنا على الإسلام ما غيَّرت ولا بدَّلت ، وشهد له بذلك أبو قتادة ، وعبد الله بن عمر ، فقدّمه خالد وأمر ضرار بن الأزور الأسدي فضرب عنقه ، وقبض خالد امرأته ، فقال ـ أيّ عمر ـ لأبي بكر : إنّه قد زنى فارجمه ، فقال أبو بكر : ما كنت لأرجمه ، تأوّل فأخطأ. قال : فإنّه قد قتل مسلماً فاقتله ، قال : ما كنت لأقتله ، تأوّل فأخطأ. قال : فاعزله ، قال : ما كنت لأشيم ـ أيّ لأغمد ـ سيفاً سلَّه الله عليهم أبداً » (3). 4 ـ روى ابن عساكر الزهري عن سالم عن أبيه قال : « قدم أبو قتادة على أبي بكر فأخبره بقتل مالك بن نويرة وأصحابه ، فجزع من ذلك جزعاً شديداً ، فكتب إلى خالد ، فقدم عليه ، فقال أبو بكر : هل يزيد خالد على أن يكون تأوّل فأخطأ » ؟ (4). 5 ـ أقرّ ابن حجر بأسلوب خالد وتصرّفاته فقال : « وكان سبب عزل عمر خالداً ما ذكره الزبير بن بكار قال : كان خالد إذا صار إليه المال قسّمه في أهل الغنائم ، ولم يرفع إلى أبي بكر حساباً ، وكان فيه تقدّم على أبي بكر ، يفعل أشياء لا يراها أبو بكر ، أقدم على قتل مالك بن نويرة ، ونكح امرأته ، فكره ذلك أبو بكر ، وعرض الدية على متمّم بن نويرة ، وأمر خالداً بطلاق امرأة مالك ، ولم يرَ أن يعزله ، وكان عمر ينكر هذا وشبههُ على خالد ، وكان أميراً عند أبي بكر ... » (5). 6 ـ أمّا ابن كثير فقد روى قصّة مالك مع خالد كما يلي : « فصل في خبر مالك بن نويرة اليربوعي التميمي : كان قد صانع سجاح حين قدمت من أرض الجزيرة ، فلمّا اتصلت بمسيلمة لعنهما الله ثمّ ترحّلت إلى بلادها ـ فلمّا كان ذلك ـ ندم مالك بن نويرة على ما كان من أمره ، وتلوَّم في شأنه ، وهو نازل بمكان يقال له : البطاح ، فقصدها خالد بجنوده ، وتأخّرت عنه الأنصار ، وقالوا : إنّا قد قضينا ما أمرنا به الصدّيق ، فقال لهم خالد : إنّ هذا أمر لابدّ من فعله ، وفرصة لابدّ من انتهازها ، وإنّه لم يأتني فيها كتاب ، وأنا الأمير ، وإليّ تردّ الأخبار ، ولست بالذي أجبركم على المسير ، وأنا قاصد البطاح !! فسار يومين ، ثمّ لحقه رسول الأنصار يطلبون منه الإنتظار فلحقوا به ، فلمّا وصل البطاح ، وعليها مالك بن نويرة ، فبثّ خالد السرايا في البطاح ... فجاءته السرايا ، فأسروه وأسّروا معه أصحابه ، واختلفت السرية فيهم ، فشهد أبو قتادة ـ الحرث بن ربعي الأنصاري ـ أنّهم أقاموا الصلاة ، وقال آخرون ـ أيّ الأعراب الذين ذكرهم أبو قتادة كما في الرواية الأُولى أنّهم شجّعوا خالداً من أجل الغنائم ـ : أنّهم لم يؤذّنوا ولا صلُّوا ... وقتل ضرار بن الأزور مالك بن نويرة ، فلمّا سمع الداعية ، خرج وقد فرغوا منهم !! فقال : إذا أراد الله أمراً أصابه. واصطفى خالد امرأة مالك بن نويرة !! وهي أُمّ تميم ابنة المنهال ، وكانت جميلة !! فلمّا حلّت بني بها ـ وهذا تردّه الروايات الأُخرى الأصحّ منه ـ ... وأمر برأسه فجعله مع حجرين ، وطبخ على الثلاثة قدراً ... ويقال : إنّ شعر مالك جعلت النار تعمل فيه إلى أن نضج لحم القدر ، ولم تفرغ الشعر لكثرته !! ـ لكثرته أم لكرامته ! ـ وقد تكلّم أبو قتادة مع خالد فيما صنع ، وتقاولا في ذلك ، حتّى ذهب أبو قتادة فشكاه إلى الصدّيق ، وتكلّم عمر مع أبي قتادة في خالد ... وجاء متمم بن نويرة فجعل يشكو إلى الصدّيق خالداً ، وعمر يساعده ، وينشد الصدّيق ما قال في أخيه من المراثي ، فوداه الصدّيق من عنده ... واستمرّ أبو بكر بخالد على الإمرة ، وإن كان قد اجتهد في قتل مالك بن نويرة وأخطأ في قتله » ! (6). 7 ـ ونختم برواية ابن الأثير ، ونكتفي بقوله وتعليقه : « مالك بن نويرة ... قدم على النبيّ صلّى الله عليه وآله ، واستعمله رسول الله صلّى الله عليه وآله على بعض صدقات بني تميم ، فلمّا توفّي النبيّ صلّى الله عليه وآله وارتدّت العرب ، وظهرت سجاح ، وادّعت النبوّة صالحها ، إلّا إنّه لم تظهر عنه ردّة ، وأقام بالبطاح ، فلمّا فرغ خالد من بني أسد وغطفان ، سار إلى مالك ، وقدم البطاح ، فلم يجد به أحد ، كان مالك قد فرّقهم ونهاهم عن الإجتماع ، فلمّا قدم خالد البطاح بثّ سراياه ، فأتى بمالك بن نويرة ونفرٍ من قومه ، فاختلفت السرية فيهم ، وكان فيهم أبو قتادة ، وكان فيمن شهد أنّهم أذّنوا وأقاموا وصلّوا ، فحبسهم في ليلة باردة ، وأمر خالد فنادى ادفئوا أسراكم ...!! ، فخرج وقد قُتِلوا ، فتزوّج خالد امرأته !! فقال عمر لأبي بكر : سيف خالد فيه رهق وأكثرَ عليه ، فقال أبو بكر : تأوّل فأخطأ ، ولا أشيم سيفاً سلّه الله على المشركين ، وودى مالكاً ، وقدم خالد على أبي بكر ، فقال له عمر : يا عدّو الله ، قتلت امرءاً مسلماً ، ثمّ نزوت على امرأته ، لأرجمنّك. وقيل : إنّ المسلمين لما غشّوا مالكاً وأصحابه ليلاً أخذوا السلاح ، فقالوا : نحن المسلمون ، فقال أصحاب مالك : ونحن المسلمون ، فقالوا لهم : ضعوا السلاح وصلُّوا ... فقدم متمّم على أبي بكر يطلب بدم أخيه ، وأن يردَّ عليهم سبيهم ، فأمر أبو بكر بردِّ السبيّ ، وودى مالكاً من بيت المال ... فهذا جميعه ذكره الطبري وغيره من الأئمّة ، ويدلّ على أنّه لم يرتَدَّ. وقد ذكروا في الصحابة أبعد من هذا ، فتركهم هذا عجب ، وقد أختلف في ردّته ، وعمر يقول لخالد ٍ : قتلت امرءاً مسلماً ، وأبو قتادة يشهد أنّهم أذّنوا وصلّوا ، وأبو بكر يردّ السبيّ ، ويعطي دية مالك من بيت المال ، فهذا جميعه يدلّ على أنّه مسلم ... رحمه الله ورضي عنه » (7). أقول : ونستفيد من هذه الروايات أيضاً بأنّ سبي خالد لقوم مالك ليس شرعيّاً. ونختم برواية تشهد لما قدّمناه من سبب قتل خالدٍ مالكاً كما يرويها الذهبي : « إنَّ خالداً بثّ السرايا ، فأتي بمالك ، فاختلف قول الناس فيهم وفي إسلامهم ، وجاءت أُمّ تميم كاشفة وجهها فأكبّت على مالك ، وكانت أجمل الناس ، فقال لها : إليك عنّي ، فقد والله قتلتني. فأمر بهم خالد ، فضُربت أعناقهم ، فقام أبو قتادة فناشده فيهم ، فلم يلتفت إليه ، فركب أبو قتادة فرسه ، ولحق بأبي بكر وحلف : لا أسير في جيش وهو تحت لواء خالد. وقال : ترك قولي وأخذ بشهادة الأعراب الذين فتنتهم الغنائم » (8) ، ورواه أيضاً ابن عساكر (9). وقال ابن حجر : « وروى ثابت بن قاسم في الدلائل : إنّ خالداً رأى امرأة مالك ، وكانت فائقة في الجمال ، فقال مالك بعد ذلك لامرأته : قتلتيني ، يعني سأُقتل من أجلك » (10). فقد ثبت من كلّ ذلك أنّه ليس هناك ردّة لمالك ، ولا سبي صحيح ، بل أرجع لهم سبيهم ، وبقي مالك مسلماً صحابيّاً جليلاً. الهوامش 1. الإصابة 5 / 560. 2. المصنّف للصنعاني 10 / 174. 3. كنز العمّال 5 / 619. 4. تاريخ مدينة دمشق 16 / 256. 5. الإصابة 2 / 218. 6. البداية والنهاية 6 / 354. 7. أُسد الغابة 4 / 295. 8. سير أعلام النبلاء 1 / 377. 9. تاريخ مدينة دمشق 16 / 258. 10. الإصابة 5 / 561.
الجواب من مركز الأبحاث العقائديّة: قال ابن نما الحلّي حول المختار ما نصّه : « هو المختار بن أبي عبيدة بن مسعود بن عمير الثقفي ، وقال المرزباني : ابن عمير بن عقدة بن عنزة ، كنيته أبو إسحاق ، وكان أبو عبيدة والده يتنوّق في طلب النساء ، فذكر له نساء قومه ، فأبى أن يتزوّج منهنّ ، فأتاه آت في منامه ، فقال : تزوّج دومة الحسناء الحومة ، فما تسمع فيها للائم لومه ، فأخبر قومه ، فقالوا : قد أمرت ، فتزوّج دومة بنت وهب بن عمر بن معتب ، فلمّا حملت بالمختار ، قالت : رأيت في النوم قائلاً يقول : ابشري بالولد * أشبه شيء بالأسد إذا الرجال في كبد * تقاتلوا على بلد كان له الحظّ الأشد فلمّا وضعت أتاها ذلك الآتي فقال لها : إنّه قبل أن يترعرع ، وقبل أن يتشعشع ، قليل الهلع ، كثير التبع ، يدان بما صنع ... . كان مولده في عام الهجرة ، وحضر مع أبيه وقعة قس الناطف ، وهو ابن ثلاث عشرة سنة ، وكان يتفلّت للقتال فيمنعه سعد بن مسعود عمّه ، فنشأ مقداماً شجاعاً لا يتّقي شيئاً ، وتعاطى معالي الأُمور ، وكان ذا عقل وافر ، وجواب حاضر ، وخلال مأثورة ، ونفس بالسخاء موفورة ، وفطرة تدرك الأشياء بفراستها ، وهمّه تعلو على الفراقد بنفاستها ، وحدس مصيب ، وكفّ في الحروب مجيب ، ومارس التجارب فحنكته ، ولابس الخطوب فهذّبته. وروي عن الأصبغ بن نباتة أنّه قال : رأيت المختار على فخذ أمير المؤمنين عليه السلام ، وهو يمسح رأسه ويقول : « يا كيّس يا كيّس » ، فسمّي كيسان ... » (1). وقد اختلفت الروايات عنه ، فمنها مادحة ، ومنها ذامّة ، فمن المادحة : ما ورد عن الإمام الباقر عليه السلام أنّه قال : « لا تسبّوا المختار ، فإنّه قتل قتلتنا ، وطلب بثأرنا ، وزوّج أراملنا ، وقسّم فينا المال على العسرة » (2). وكذلك ما ورد عن الإمام الباقر عليه السلام لابن المختار لمّا سأله عن أبيه ، فقال عليه السلام : « سبحان الله ، أخبرني أبي والله أنّ مهر أُمّي ممّا بعث به المختار ، أولم يبن دورنا ؟ وقتل قاتلنا ؟ وطلب بدمائنا ، فرحمه الله ... ما ترك لنا حقّاً عند أحد إلّا طلبه ... » (3). أمّا الروايات الذامّة : فمنها ما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام قال : « كان المختار يكذب على علي بن الحسين عليهما السلام » (4) ، وكذلك ما ورد عن علي بن الحسين عليهما السلام رفضه لإحدى هداياه ، وقوله عليه السلام لرسل المختار : « أميطوا عن بابي ، فإنّي لا أقبل هدايا الكذّابين ، ولا أقرأ كتبهم » (5). والروايات الذامّة للمختار ضعيفة السند جدّاً ، كما ذكر السيد الخوئي في معجمه (6) ، وقال أيضاً : « ويكفي في حسن حال المختار إدخاله السرور على قلوب أهل البيت عليهم السلام بقتله قتلة الحسين عليه السلام ، وهذه خدمة عظيمة لأهل البيت عليهمالسلام ، يستحقّ بها الجزاء من قبلهم » (7). أمّا ثورة المختار ، فقد كانت ليلة الأربعاء لأربع عشرة ليلة بقيت من ربيع الآخر ، سنة ست وستين (8). الهوامش 1. ذوب النضار : 59. 2. اختيار معرفة الرجال 1 / 340 ، خلاصة الأقوال : 276 ، رجال ابن داود : 277. 3. اختيار معرفة الرجال 1 / 340 ، رجال ابن داود : 277. 4. اختيار معرفة الرجال 1 / 340 ، رجال ابن داود : 277. 5. اختيار معرفة الرجال 1 / 341 ، رجال ابن داود : 277. 6. معجم رجال الحديث 19 / 105. 7. المصدر السابق 19 / 108. 8. الأمالي للشيخ الطوسي : 240.