الجواب من مركز الأبحاث العقائديّة: كأنّك تريد أن تقول : إنّ العزاء جزع ، والجزع منهي عنه ، فالعزاء منهي عنه. وهذا الاستدلال فاسد من حيث سقوط صغراه ، وذلك : إنّ العزاء ومأتم الحسين عليه السلام هو عبارة عن ذكر الإمام الحسين عليه السلام ، وذكر فضائله ومقامه ، ثمّ العروج على واقعة الطفّ وإظهار الحزن وذرف الدموع عليه. فإذا كان العزاء هو ذلك فنأتي إلى مفرداته ، فالمفردة الأُولى هي ذكر فضائل الحسين عليه السلام والصفات المعنويّة التي تحلّى بها ، وهذا ليس فيه شيء مخالف للدين ، وليس فيه نهي ، بل هو أمر مشروع وطبق الموازين الشرعيّة ، فافتح ترجمة أيّ شخص دون الحسين عليه السلام من كتب التراجم لدى السنّة والشيعة تجده يبدأ بذكر فضائل المترجم له إن كانت له فضائل. فهذا الذهبي تحت ترجمة الإمام الحسين عليه السلام يقول : الإمامُ الشريفُ الكامل ، سِبطُ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، ورَيحانَتُه في الدنيا ، ومحبوبُه ، أبو عبد الله الحسينُ ابن أمير المؤمنين أبي الحسن عليِ بنِ أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصيِّ القرشيِّ الهاشميِّ ـ ثمّ أخذ بذكر مناقبه ـ. (1) وأمّا واقعة الطفّ فقد ذكرها النبيّ صلّى الله عليه وآله وعلي بن أبي طالب عليه السلام ، وتألّما وبكيا لذكرها ، وهاك بعض الروايات الصحيحة من حيث السند حتّى على مباني السلفيّة : عن أبي أُمامة قال : قال رسول الله صلّى الله عليه ـ وآله ـ وسلّم لنسائه : « لَا تُبْكُوا هَذَا الصَّبِيِّ » يعني حسينا ، قال : وكان يوم أم سلمة ، فنزل جبريل عليه السلام ، فدخل رسول الله صلّى الله عليه ـ وآله ـ وسلّم الداخل وقال لأم سلمة : « لَا تَدعي أحَدَاً يَدْخُلُ بيتي » فجاء الحسين رضي الله عنه ، فلما نظر إلى النبي صلّى الله عليه ـ وآله ـ وسلّم في البيت أراد أن يدخل ، فأخذته أم سلمة ، فاحتضنته وجعلت تناغيه وتسكنه ، فلما اشتد في البكاء خلت عنه ، فدخل حتى جلس في حجر النبيّ صلّى الله عليه ـ وآله ـ وسلّم ، فقال جبريل عليه السلام : إن أمتك ستقتل ابنك هذا ، فقال النبي صلّى الله عليه ـ وآله ـ وسلّم : « يَقْتُلُونَهُ وَهُمْ مُؤمِنُونَ بِي ؟ » قال : نعم يقتلونه ، فتناول جبريل تربة ، فقال : بمكان كذا وكذا ، فخرج رسول الله صلّى الله عليه ـ وآله ـ وسلّم قد احتضن حسينا كاسف البال مهموما ، ... (2) وقال الذهبي : إسناده حسن (3). وأخرج الطبراني بسنده ورجاله ثقات في « المعجم الكبير » في ترجمة الحسين عليه السلام عن أُمّ سلمة : عن أم سلمة قالت : كان الحسن والحسين رضي الله عنهما يلعبان بين يدي النبي صلّى الله عليه ـ وآله ـ وسلّم في بيتي ، فنزل جبريل عليه السلام ، فقال : يا محمد إنَّ أمّتَك تَقْتُلُ ابْنَكَ هَذَا مِنْ بَعْدِكَ ، فَأوْمَأ بِيدِهِ إلى الحُسيَنْ ِ، فبكى رسول الله صلّى الله عليه ـ وآله ـ وسلّم ، وضمه إلى صدره ثم قال رسول الله صلّى الله عليه ـ وآله ـ وسلّم : « وَدِيعَةً عِنْدَكِ هَذِهِ التُّرْبَةُ » فشمها رسول الله صلّى الله عليه ـ وآله ـ وسلّم وقال : « وَيْحَ كُرْبٍ وَبَلَاءٍ » قالت : وقال رسول الله صلّى الله عليه ـ وآله ـ وسلّم : « يَا أمَّ سَلَمَةَ إذَا تَحَوَّلَتْ هَذِهِ التُّرْبَةُ دَماً فَاعْلَمِي أنَّ ابْنِي قَدْ قُتِلَ » قال : فجعلتها أم سلمة في قارورة ، ثم جعلت تنظر إليها كل يوم ، وتقول : إنَّ يوما تحولين دما ليوم عظيم. (4) وأخرج الحديث غير الطبراني أيضاً. (5) وقال ابن عساكر : أنا عبد الرزاق ، أنا عبد الله بن سعيد بن أبي هند ، عن أبيه ، قال : قالت أم سَلَمة : كان النبي صلّى الله عليه ـ وآله ـ وسلّم نائماً فجاء حسين [ يتدرج ] قالت : فقعدت على الباب فسبقته مخافة أن يدخل فيوقظه ، قالت : ثم غفلت في شيء فدبّ فدخل فقعد على بطنه ، قالت : فسمعت نحيب رسول الله صلّى الله عليه ـ وآله ـ وسلّم فجئت فقلت : يا رسول الله ، والله ما علمت به ؟ فقال : « إنما جاءني جبريل عليه السلام وهو على بطني قاعد ، فقال لي : أتحبه ؟ فقلت : نعم ، قال : إن أمتك ستقتله ، أَلَا أُريك التربة التي يُقتل بها ، قال : فقلت : بلى ، قال : فضرب بجناحه ، فأتى بهذه التربة » ، قلت : فماذا في يده تربة حمراء وهو يبكي ويقول : « يا ليت شعري من يقتلك بعدي » ؟ (6) وأخرج الطبراني بسنده ورجاله ثقات : عن أم سلمة قالت كان رسول الله صلى الله عليه ـ وآله ـ وسلم جالسا ذات يوم في بيتي فقال : « لا يدخل علي أحد » فانتظرت فدخل الحسين رضي الله عنه فسمعت نشيج رسول الله صلى الله عليه ـ وآله ـ وسلم يبكي ، فاطلعت فاذا حسين في حجره والنبي صلى الله عليه ـ وآله ـ وسلم يمسح جبينه وهو يبكي فقلت والله ما علمت حين دخل فقال : « ان جبريل عليه السلام كان معنا في البيت فقال تحبه ؟ قلت أما من الدنيا فنعم قال ان امتك ستقتل هذا بأرض يقال لها كربلاء » فتناول جبريل عليه السلام من تربتها فأراها النبي صلى الله عليه ـ وآله ـ وسلم فلما أحيط بحسين حين قتل قال ما اسم هذه الارض ؟ قالوا كربلاء قال صدق الله ورسوله أرض كرب وبلاء. (7) وأخرجه الهيثمي في « مجمع الزوائد » وقال : رواه الطبراني باسانيد ورجال أحدها ثقات. (8) وكذلك أقام النبيّ صلّى الله عليه وآله المأتم والعزاء على الحسين في بيت عائشة ، كما أخرجه الطبراني بسند صحيح (9) ، وأحمد في مسنده (10). وأقام مأتم الحزن والبكاء عليه في بيت السيّدة فاطمة عليها السلام ، كما في مقتل الخوارزمي (11). وهناك الكثير من الروايات التي تشير الى انّ النبيّ صلّى الله عليه وآله بكى وحزن على الحسين عليه السلام ، وأقام عليه العزاء والمأتم في بيوت نسائه ، بل وأمام جمع من الصحابة ، بل وأقام له المأتم منذ أوّل يوم من ولادته ، كما أخرجه الهيثمي في مجمعه بسند صحيح وغيره. (12) الأخبار الكثيرة التي تنصّ على أنّ جبرائيل عليه السلام أخبر النبيّ صلّى الله عليه وآله بأنّ أُمّته ستقتل الحسين عليه السلام ، وجاءه بتربة من أرض كربلاء ، وأنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله شمّها واستنشق منها رائحة دم ابنه الحسين الشهيد. (13) أعطى صلّى الله عليه وآله لبعض زوجاته تربة الحسين عليه السلام ، وأنّها عرفت مقتله من تحوّل لون تلك التربة إلى دم عبيطاً في يوم العاشر. (14) وعن الزهري قال : قال لي عبد الملك : أيّ واحد أنت إن أعلمتني أيّ علامة كانت يوم قتل الحسين ؟ فقال : قلت : لم ترفع حصاة ببيت المقدس إلّا وجد تحتها دم عبيط ، فقال عبد الملك : إنّي وإيّاك في هذا الحديث لقرينان. قال الهيثمي : رواه الطبراني ورجاله ثقات (15). وعن الزهري قال : ما رفع بالشام حجر يوم قتل الحسين بن علي إلّا عن دم. قال الهيثمي : رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح. (16) وعن أبي قبيل قال : لمّا قتل الحسين بن علي انكسفت الشمس كسفة حتّى بدت الكواكب نصف النهار حتّى ظننّا أنّها هي. قال الهيثمي : رواه الطبراني وإسناده حسن. (17) بل نجد أوسع صور العزاء والحزن تظهر على رسول الله صلّى الله عليه وآله في كربلاء عند قتل الإمام الحسين عليه السلام ، فهذا ابن عبّاس يقول : رأيت النبيّ صلّى الله عليه وآله في المنام بنصف النهار أشعث أغبر معه قارورة فيها دم ينتقطه ... فقلت : ما هذا ؟ قال : دم الحسين وأصحابه ، فلم أزل أتتبعه منذ اليوم. قال الهيثمي : رواه أحمد والطبراني ورجاله أحمد رجال الصحيح (18). فإذاً لا يوجد أيّ مانع شرعي من إقامة المأتم الحسيني ، بل في إقامته أسوة واقتداء بالنبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله ، إذ هو المقيم له والقائم عليه ، كما أسلفنا من خلال الروايات الصحيحة الواردة من طرق أهل السنّة ، وعليه فتسقط المقدّمة الأُولى ، وهي كون البكاء والمأتم نوع من الجزع ولا يبقى لها مكان تجلس عليه ، علاوة على المناقشة في كون البكاء في المأتم هل هو يصدق عليه جزع أم لا ، والصحيح أنّه لا ، لكن لا مجال لبيان ذلك. الهوامش 1. سير أعلام النبلاء « للذهبي » / المجلّد : 3 / الصفحة : 280 / الناشر : مؤسسة الرسالة / الطبعة : 9. 2. المعجم الكبير « للطبراني »/ المجلّد : 8 / الصفحة : 285 / الناشر : دار إحياء التراث العربي / الطبعة : 2. راجع : تاريخ مدينة دمشق « لابن عساكر » / المجلّد : 14 / الصفحة : 190 ـ 191 / الناشر : دار الفكر. سير أعلام النبلاء « للذهبي » / المجلّد : 3 / الصفحة : 289 / الناشر : مؤسسة الرسالة / الطبعة : 9. مجمع الزوائد « للهيثمي » / المجلّد : 9 / الصفحة : 189 / الناشر : دار الكتب العلمية. 3. سير أعلام النبلاء / المجلّد : 3 / الصفحة : 289 / الناشر : مؤسسة الرسالة / الطبعة : 9. 4. المعجم الكبير « للطبراني » / المجلّد : 3 / الصفحة : 108 / الناشر : دار إحياء التراث العربي / الطبعة : 2. 5. راجع : تاريخ مدينة دمشق « لابن عساكر » / المجلّد : 14 / الصفحة : 192 ـ 193 / الناشر : دار الفكر. تهذيب الكمال « للمزي » / المجلّد : 6 / الصفحة : 408 ـ 409 / الناشر : مؤسسة الرسالة / الطبعة : 4. تهذيب التهذيب « لابن حجر العسقلاني » / المجلّد : 2 / الصفحة : 300 ـ 301 / الناشر : دار الفكر / الطبعة : 1. 6. تاري مدينة دمشق « لابن عساكر » / المجلّد : 14 / الصفحة : 194 / الناشر : دار الفكر. 7. المعجم الكبير « للطبراني » / المجلّد : 3 / الصفحة : 109 / الناشر : دار إحياء التراث العربي / الطبعة : 2. 8. مجمع الزوائد « للهيثمي » / المجلّد : 9 / الصفحة : 188 ـ 189 / الناشر : دار الكتب العلمية. 9. المعجم الكبير « للطبراني » / المجلّد : 3 / الصفحة : 107 / الناشر : دار إحياء التراث العربي / الطبعة : 2 : حدثنا أحمد بن رشدين المصري ثنا عمرو ابن خالد الحراني حدثنا ابن لهيعة عن أبي الاسود عن عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت دخل الحسين بن علي رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يوحى اليه فنزا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو منكب ولعب على ظهره فقال جبريل لرسول الله صلى الله عليه وسلم أتحبه يا محمد ؟ قال : « يا جبريل وما لي لا أحب ابني » قال فان امتك ستقتله من بعدك فمد جبريل عليه السلام يده فأتاه بتربة بيضاء فقال في هذه الارض يقتل ابنك هذا يا محمد واسمها الطف فلما ذهب جبريل عليه السلام من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والتربة في يده يبكي فقال « يا عائشة ان جبريل عليه السلام أخبرني أن الحسين ابني مقتول في ارض الطف وان أمتي ستفتتن بعدي » ثم خرج الى أصحابه فيهم علي وأبو بكر وعمر وحذيفة وعمار وأبو ذر رضي الله عنهم وهو يبكي فقالوا ما يبكيك يا رسول الله ؟ فقال : « أخبرني جبريل أن ابني الحسين يقتل بعدي بأرض الطف وجاءني بهذه التربة وأخبرني أن فيها مضجعه » . 10. مسند أحمد / المجلّد : 44 / الصفحة : 143 ـ 144 / الناشر : مؤسسة الرسالة / الطبعة : 1 : حدثنا وكيع ، قال : حدثني عبد الله بن سعيد ، عن أبيه ، عن عائشة ، أو أمّ سَلَمة ـ قال وكيع : شكَّ هو ، يعني عبد الله ابنَ سعيد ـ أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال لإحداهما : « لَقَدْ دَخَلَ عَلَيَّ البَيْتَ مَلَكٌ ، لَمْ يَدْخُلْ عَلَيَّ قَبْلَها ، فَقالَ لي : إِنَّ ابْنَكَ هذا حُسَيْن مَقْتُولٌ ، وإنْ شِئْتَ أَرَيْتُكَ مِنْ تُرْبةِ الأَرْضِ الَّتِي يُقْتَلُ بِها » قال : فأخرجَ تُرْبةً حَمْراءَ. 11. راجع : مقتل الحسين (ع) « للموفق الخوارزمي ) / المجلّد : 1 / الصفحة : 242 ـ 245 / الناشر : أنوار الهدى / الطبعة : 2. 12. راجع : مجمع الزوائد « للهيثمي » / المجلّد : 9 / الصفحة : 187 ـ 188 / الناشر : دار الكتب العلميّة. المعجم الكبير « للطبراني » / المجلّد : 3 / الصفحة : 107 / الناشر : دار إحياء التراث العربي / الطبعة : 2. 13. راجع : تاريخ مدينة دمشق « لابن عساكر » / المجلّد : 4 / الصفحة : 194 / الناشر : دار الفكر. 14. راجع : المعجم الكبير « للطبراني » / المجلّد : 3 / الصفحة : 108 / الناشر : دار إحياء التراث العربي / الطبعة : 2. 15. راجع : مجمع الزوائد « للهيثمي » / المجلّد : 9 / الصفحة : 196 / الناشر : دار الكتب العلميّة. 16. راجع : مجمع الزوائد « للهيثمي » / المجلّد : 9 / الصفحة : 196 / الناشر : دار الكتب العلميّة. 17. راجع : مجمع الزوائد « للهيثمي » / المجلّد : 9 / الصفحة : 197 / الناشر : دار الكتب العلميّة. 18. راجع : مجمع الزوائد « للهيثمي » / المجلّد : 9 / الصفحة : 193 ـ 194 / الناشر : دار الكتب العلميّة.
الجواب من مركز الأبحاث العقائديّة: قبل التعرّض لكلمات شيخ المجسّمة ابن تيميّة نقدّم كلام ابن الجوزي الحنبلي ، وما ذكره في حقّ الحنابلة لإيضاح الحقيقة أكثر. قال ابن الجوزي : « ورأيت من أصحابنا من تكلّم في الأُصول بما لا يصلح ، وانتدب للتصنيف ثلاثة : أبو عبد الله بن حامد ، وصاحبه القاضي ، وابن الزاغوني ، فصنّفوا كتباً شانوا بها المذهب ، ورأيتهم قد نزلوا إلى مرتبة العوام ، فحملوا الصفات على مقتضى الحسّ ، فسمعوا أنّ الله تعالى خلق آدم على صورته ، فاثبتوا له صورة ووجهاً زائداً على الذات ، وعينين ، وفماً ، ولهوات ، وأضراساً ، وأضواء لوجهه هي السبحات ، ويدين ، وأصابع ، وكفّاً ، وخنصراً ، وإبهاماً ، وصدراً ، وفخذاً ، وساقين ، ورجلين ، وقالوا : ما سمعنا بذكر الرأس. وقالوا : يجوز أن يَمس ويُمس ، ويدني العبد من ذاته ، وقال بعضهم : ويتنفّس ، ثمّ يرضون العوام بقولهم : لا كما يعقل ! وقد أخذوا بالظاهر في الأسماء والصفات ، فسمّوها بالصفات تسمية مبتدعة لا دليل لهم في ذلك من النقل ولا من العقل ، ولم يلتفتوا إلى النصوص الصارفة عن الظواهر إلى المعاني الواجبة لله تعالى ، ولا إلى إلغاء ما يوجبه الظواهر من سمات الحدوث ، ولم يقنعوا بأن يقولوا : صفة فعل ، حتّى قالوا : صفة ذات ! ثمّ لمّا اثبتوا أنّها صفات ذات قالوا : لا نحملها على توجيه اللغة مثل : يد على نعمة وقدرة ، ومجيء وإتيان على معنى برّ ولطف ، وساق على شدّة ، بل قالوا : نحملها على ظواهرها المتعارفة ، والظاهر هو المعهود من نعوت الآدميين ، والشيء إنّما يحمل على حقيقته إذا أمكن ، ثمّ يتحرّجون من التشبيه ، ويأنفون من إضافته إليهم ويقولون : نحن أهل السنّة ! وكلامهم صريح في التشبيه ، وقد تبعهم خلق من العوام. وقد نصحت التابع والمتبوع فقلت لهم : يا أصحابنا ، أنتم أصحاب نقل ، وإمامكم الأكبر أحمد بن حنبل يقول وهو تحت السياط : كيف أقول ما لم يقل. فإيّاكم أن تبتدعوا في مذهبه ما ليس منه ، ثمّ قلتم في الأحاديث تحمل على ظاهرها ، فظاهر القدم الجارحة ، فإنّه لمّا قيل في عيسى روح الله اعتقدت النصارى أنّ لله صفة هي روح ولجت في مريم ؟! ومن قال : استوى بذاته فقد أجراه مجرى الحسّيات. وينبغي أن لا يهمل ما يثبت به الأصل وهو العقل ، فإنّا به عرفنا الله تعالى وحكمنا له بالقدم ، فلو إنّكم قلتم : نقرأ الأحاديث ونسكت ، لما أنكر عليكم أحد ، إنّما حملكم إيّاها على الظاهر قبيح. فلا تدخلوا في مذهب هذا الرجل الصالح السلفي ما ليس منه ، ولقد كسيتم هذا المذهب شيناً قبيحاً ، حتّى صار لا يقال حنبلي إلّا المجسّم ، ثمّ زيّنتم مذهبكم أيضاً بالعصبية ليزيد بن معاوية ، ولقد علمتم أنّ أصحاب المذهب أجاز لعنته ، وقد كان أبو محمّد التميمي يقول في بعض أئمّتكم : لقد شان المذهب شيناً قبيحاً لا يغسل إلى يوم القيامة ». [ دفع شبه التشبيه : 97 ] فهذا حال الحنابلة من أمثال أبي يعلى وغيره فهم مجسّمة حقيقية ، ويثبتون لله تعالى صفات لا تجوز إلّا على المخلوقين ، ومن شاء يرجع إلى طبقات الحنابلة التي ألّفها أبو يعلى ليرى التجسيم طافحاً فيها وفي تراجمه التي ذكرها. وبعد أن جاء ابن تيميّة زاد الطين بلّة ، فبدل أن يغسل العار الذي شانه الحنابلة السابقين عن المذهب كحّله بأُمور وطامات عظيمة ، وإليك نزر يسير من التجسيم في كلمات ابن تيميّة : 1 ـ يقول ابن بطّوطة : « وكان بدمشق من كبار الفقهاء الحنابلة ، تقي الدين ابن تيميّة ، كبير الشام ، يتكلّم في الفنون ، إلّا أنّ في عقله شيئاً ! وكان أهل دمشق يُعظّمونه أشدّ التعظيم ، ويعظهم على المنبر ، وتكلّم مرّة بأمرٍ أنكره الفقهاء ... قال : وكنت إذ ذاك بدمشق ، فحضرته يوم الجمعة ، وهو يعِظ الناس على منبر الجامع ويذكّرهم ، فكان من جُملة كلامه أنّ قال : إنّ الله ينزِلُ إلى سماء الدنيا كنزولي هذا ، ونزل درجةً من المنبر » ! [ رحلة ابن بطوطة : 112 ] 2 ـ اعتقاده بأنّ الله تعالى في جهة ومكان : يقول في ردّه على كلام العلّامة الحلّي : « وكذلك قوله : « كلّ ما هو في جهة فهو محدث » لم يذكر عليه دليلاً ، وغايته ما تقدّم أنّ الله لو كان في جهة لكان جسماً ، وكلّ جسم محدث ، لأنّ الجسم لا يخلو من الحوادث ، وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث. وكلّ هذه المقدّمات فيها نزاع : فمن الناس من يقول : قد يكون في الجهة ما ليس بجسم ، فإذا قيل له : هذا خلاف المعقول ؟ قال : هذا أقرب إلى العقل من قول من يقول : إنّه لا داخل العالم ولا خارجه ، فإن قبل العقل ذاك قبل هذا الطريق أولى ، وإن ردّ هذا ردّ ذاك بطريق أولى ، وإذا ردّ ذاك تعيّن أن يكون في الجهة ، فثبت أنّه في الجهة على التقديرين ». [ منهاج السنّة 2 / 648 ] وصريح كلامه في أنّ الله تعالى في جهة ومكان. 3 ـ إيمانه بقيام الحوادث بالله تعالى : قال في ردّه على العلّامة الحلّي : « وأمّا قوله : « وأنّ أمره ونهيه وإخباره حادث ، لاستحالة أمر المعدوم ونهيه وإخباره » ، فيقال : هذه مسألة كلام الله تعالى والناس فيها مضطربون ، وقد بلغوا فيها إلى تسعة أقوال ... ». [ المصدر السابق 2 / 358 ] فإن قلتم لنا : فقد قلتم بقيام الحوادث بالربّ ؟ قالوا لكم : نعم ، وهذا قولنا الذي دلّ عليه الشرع والعقل. [ المصدر السابق 2 / 380 ] وقال : وقد ظنّ من ذكر من هؤلاء كأبي علي وأبي الحسن بن الزاغوني أنّ الأُمّة قاطبة اتّفقت على أنّه لا تقوم به الحوادث ، وجعلوا ذلك الأصل الذي اعتمدوه ، وهذا مبلغهم من العلم. وهذا الإجماع نظير غيره من الإجماعات الباطلة المدعاة في الكلام ونحوه وما أكثرها ، فمن تدبّرها وجد عامّة المقالات الفاسدة بينونتها على مقدّمات لا تثبت إلّا بإجماع مدّعى أو قياس ، وكلاهما على التحقيق يكون باطلاً. [ الفتاوى الكبرى 5 / 126 ] 4 ـ إيمان ابن تيميّة بقدم نوع العالم : قال ابن تيمية في معرض ردّه : « نحن نقول : إنّه لم يزل مشتملاً على الحوادث ، والقديم هو أصل العالم كالأفلاك ، ونوع الحوادث مثل جنس حركات الأفلاك ... وحينئذ فالأزلي مستلزم لنوع الحوادث لا لحادث معيّن ، فلا يلزم قدم جميع الحوادث ولا حدوث جميعها ، بل يلزم قدم نوعها وحدوث أعيانها ، كما يقول أئمّة أهل السنّة منكم : إنّ الربّ لم يزل متكلّماً إذا شاء وكيف شاء ». [ منهاج السنّة 1 / 215 ] 5 ـ إنّ الله تعالى يتكلّم بصوت وحروف : قال ابن تيميّة : « وأنّ الله تعالى يتكلّم بصوت كما جاءت به الأحاديث الصحاح ، وليس ذلك كأصوات العباد ، لا صوت القارئ ولا غيره ، وأنّ الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ، فكما لا يشبه علمه وقدرته وحياته علم المخلوق وقدرته وحياته ، فكذلك لا تشبه كلامه كلام المخلوق ، ولا معانيه تشبه معانيه ، ولا حروفه يشبه حروفه ، ولا صوت الربّ يشبه صوت العبد ». [ مجموع الفتاوى 12 / 244 ] 6 ـ إنّ الله تعالى مركّب وله أبعاض : قال ابن تيميّة : « إذا قلنا : إنّ الله لم يزل بصفاته كلّها أليس إنّما نصف إلهاً واحداً بجميع صفاته ؟ وضربنا لهم مثلاً في ذلك فقلنا لهم : أخبرونا عن هذه النخلة أليس لها جذوع وكرب وليف وسعف وخوص وجمار ، واسمها اسم واحد وسمّيت نخلة بجميع صفاتها ، فكذلك الله وله المثل الأعلى بجميع صفاته ». [ مجموع الفتاوى 17 / 450 ، منهاج السنّة 2 / 484 ، الفتاوى الكبرى 5 / 62 و 93 و 111 ] فيصوّر الله تعالى ذا أجزاء وأبعاض ، فاليدين التي يثبتها لله غير الساق ، والأصابع غير الصورة ، والصورة غير الوجه ، وهلم جرّا ، وما ذلك إلّا تجزئة للذات الإلهيّة المقدّسة وتبعيض لها ، وهذا هو التركّب الذي يستلزم حاجة المركّب إلى أجزائه . 7 ـ تصوير احتياج الله تعالى إلى آلات يعمل بواسطتها : قال ابن تيميّة : « والصمد الذي لا جوف له ، ولا يأكل ولا يشرب ، وهذه السورة هي نسب الرحمن أو هي الأصل في هذا الباب ، وقال في حقّ المسيح وأُمّه : ( مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ ) ، فجعل ذلك دليلاً على نفي الألوهيّة ، فدلّ ذلك على تنزيهه عن ذلك بطريق الأولى والأُخرى. والكبد والطحال ونحو ذلك هي أعضاء الأكل والشرب ، فالغنيّ المنزّه عن ذلك منزّه عن آلات ذلك ، بخلاف اليد فإنّها للعمل والفعل وهو سبحانه موصوف بالعمل والفعل ». [ مجموع الفتاوى 3 / 86 ] فيصوّر الله تعالى غنيّ عن الكبد والطحال لأنّه أخبر عن نفسه بأنّه صمد ، وأخبر عن عدم ألوهية عيسى عليه السلام بأنّه كان يأكل فإذن هو ليس إله ، فالله تعالى ليس محتاجاً للكبد والطحال لأنّه لا يأكل ، بينما هو محتاج إلى اليد لأنّه يعمل فيخلق ويرزق ، فإذن لابدّ من وجود يد له لحاجته إليها طبقاً لما وصف نفسه بها وطبقاً لكونه يعمل !! فانظر إلى أيّ مدى وصل بهم التجسيم ؟ وإلى أيّ حدّ وصلت بهم الجرأة بتصوير الله المنزّه عن النقص أو الحاجة بأنّه محتاج إلى اليد ؟! سبحان الله عمّا يصفه المجسّمة والمشبّهون ! 8 ـ اعتقاده بأنّ الله تعالى ينزل نزولاً حقيقياً إلى الدنيا ، وإنّه يتحرّك وليس بساكن : قال ابن تيميّة : « وأمّا أحاديث النزول إلى السماء الدنيا كلّ ليلة فهي الأحاديث المعروفة الثابتة عند أهل العلم بالحديث ، وكذلك حديث دنوّه عشية عرفة رواه مسلم في صحيحه ، وأمّا النزول ليلة النصف من شعبان ففيه حديث أُختلف في إسناده. ثمّ إنّ جمهور أهل السنّة يقولون : إنّه ينزل ولا يخلو منه العرش ، كما نقل مثل ذلك عن إسحاق بن راهويه وحمّاد بن زيد وغيرهما ، ونقلوه عن أحمد بن حنبل في رسالته إلى مسدّد ». [ منهاج السنّة 2 / 637 ] وقال : « وأمّا دعواك أنّ تفسير القيّوم الذي لا يزول عن مكانه ولا يتحرّك فلا يقبل منك هذا التفسير إلّا بأثر صحيح مأثور عن رسول الله صلّى الله عليه وآله ، أو عن بعض أصحابه أو التابعين ؟ لأنّ الحيّ القيّوم يفعل ما يشاء ويتحرّك إذا شاء ، ويهبط ويرتفع إذا شاء ، ويقبض ويبسط ويقوم ويجلس إذا شاء ؛ لأنّ أمارة بين الحيّ والميّت التحرّك ، كلّ حيّ متحرّك لا محالة ، وكلّ ميّت غير متحرّك لا محالة. ومن يلتفت إلى تفسيرك وتفسير صاحبك مع تفسير نبيّ الرحمة ورسول ربّ العزّة إذ فسّر نزوله مشروحاً منصوصاً ، ووقّت لنزوله وقتاً مخصوصاً ، لم يدع لك ولا لأصحابك فيه لُبساً ولا عويصاً ». [ درء التعارض 2 / 51 ] ويقول أيضاً : « فهذا لا يصحّ إلّا بما ابتدعته الجهمية من قولهم : لا يتحرّك ولا تحلّ به الحوادث ، وبذلك نفوا أن يكون استوى على العرش بعد أن لم يكن مستوياً ، وأن يجيء يوم القيامة ». [ الفتاوى الكبرى 5 / 127 ] وهنا طريفة لا يفوتنا الإشارة إليها وهي : إنّ الأرض كروية وهي تتحرّك خلافاً لابن باز الذي ينفي حركتها حول نفسها ، فهي دائماً لا تخلو من ليل ، وعليه فمتى ينزل الله تعالى ؟ ومتى يصعد ؟ إذ لازم ذلك إنّه دائماً في حالة صعود ونزول ، أو إنّه دائماً يكون نازلاً ولا يصعد لدوام الثلث الأخير من الليل في الأرض على مدى الأربعة والعشرين ساعة ؟ وقد التفت السلفيّون إلى هذا الإشكال ، لكنّهم بقوا حيارى لا يستطيعون جواباً ؛ قال الشيخ ابن باز : « لا تعارض بين نزوله تعالى إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من كلّ ليلة مع اختلاف الأقطار ، وبين استوائه عزّ وجلّ على العرش ؛ لأنّه سبحانه لا يشبه خلقه في شيء من صفاته ، ففي الإمكان أن ينزل كما يشاء نزولاً يليق بجلاله في ثلث الليل الأخير بالنسبة إلى كلّ قُطر ، ولا ينافي ذلك علوه واستواءه على العرش ؛ لأنّنا لا نعلم كيفيّة النزول ولا كيفيّة الاستواء ، بل ذلك مختصّ به سبحانه ». [ فتاوى اللجنة الدائمة 3 / 186 ] فصال وجال لكنّه لم يأت بشيء سديد أو دفع مفيد ، وإنّما زاد الطين بلّة من حيث جعل الله مستوياً على عرشه ، وهو في هذا الحال ينزل في الثلث الأخير من الليل إلى السماء الدنيا ، وبما أنّ الكرة الأرضية ثلث الليل الأخير مستمر فيها فهو في حال نزول دائمي ، أو بالأحرى إنّه نازل ولا يصعد إلى العرش !! تنزّه الله تعالى عمّا يقوله الحنابلة المجسّمة علوّاً كبيراً ! هذا نزر يسير ممّا وقع فيه ابن تيميّة ومن حذا حذوه من الهفوات ، ولو أردنا الاسترسال لطال المقام بتأليف مصنّف مستقلّ. وهنالك كلام لابن تيميّة في حقّ أهل البيت عليهمالسلام يدلّ على نصبه وتحامله الشديد عليهم ، والدفاع والنصرة لبني أُمية الذين قتلوا وسلبوا أهل البيت عليهمالسلام ، وقبل ذلك نستعرض كلمات العلماء في ذلك ، ثمّ نعرّج على كلمات ابن تيميّة : 1 ـ قال ابن حجر العسقلاني : « طالعت الردّ المذكور فوجدته كما قال السبكي في الاستيفاء ، لكن وجدته كثير التحامل إلى الغاية في ردّ الأحاديث التي يوردها ابن المطهّر ، وإن كان معظم ذلك من الموضوعات والواهيات ، لكنّه ردّ في ردّه كثيراً من الأحاديث الجياد التي لم يستحضر حالة التصنيف مظانّها ؛ لأنّه كان لا تساعه في الحفظ يتّكل على ما في صدره ، والإنسان عامد للنسيان ، وكم من مبالغة لتوهين كلام الرافضي أدّته أحياناً إلى تنقيص علي رضي الله عنه ». [ لسان الميزان 6 / 320 ] 2 ـ قال ابن حجر الهيتمي : « ابن تيمية عبد خذله الله وأضلّه وأعماه وأصمّه وأذلّه ، وبذلك صرّح الأئمّة الذين بيّنوا فساد أحواله ، وكذب أقواله ». [ شفاء السقام : 38 نقلاً عن الفتاوى الحديثية ] 3 ـ قال الشيخ محمّد زاهر الكوثري : « فتراه يحكم عليه هذا الحكم القاسي ، لأنّه صحّح حديث ردّ الشمس لعلي كرّم الله وجهه ، فيكون الاعتراف بصحّة هذا الحديث ينافي انحرافه عن علي رضي الله عنه ، وتبدو على كلامه آثار بغضه لعلي عليه السلام في كلّ خطوة من خطوات تحدّثه عنه ». [ الإشفاق على أحكام الطلاق : 73 ] وقال : « ولولا شدّة ابن تيمية في ردّه على ابن المطهّر في منهاجه إلى أن بلغ به الأمر أن يتعرّض لعلي بن أبي طالب كرّم الله وجهه على الوجه الذي تراه في أوائل الجزء الثالث منه بطريق يأباه الكثير من إقحام الخوارج ، مع توهين الأحاديث الجيّدة في هذا السبيل ». [ المصدر السابق : 73 ] 4 ـ قال الشيخ عبد الله الغماري في معرض ردّه على الشيخ الألباني : وحاله في هذا كحال ابن تيميّة ، تطاول على الناس ، فأكفر طائفة من العلماء ، وبدع طائفة أُخرى ، ثمّ اعتنق هو بدعتين لا يوجد أقبح منهما : إحداهما : قوله بقدم العالم ، وهي بدعة كفرية والعياذ بالله تعالى. والأُخرى : انحرافه عن علي عليه السلام ، ولذلك وسمه علماء عصره بالنفاق ، لقول النبيّ صلّى الله عليه وآله لعلي : « لا يحبّك إلّا مؤمن ، ولا يبغضك إلّا منافق » . [ إرغام المبتدع الغبي : 22 ] وأمّا الكلمات التي أطلقها ابن تيميّة في حقّ علي بن أبي طالب عليه السلام ، والتي يظهر منها التنقيص جليّاً وواضحاً فكثيرة ، وإليك شذر منها. 1 ـ طعنه في خلافة الإمام علي عليه السلام : قال : « وأمّا علي فلم يتّفق المسلمون على مبايعته ، بل وقعت الفتنة تلك المدّة ، وكان السيف في تلك المدّة مكفوفاً عن الكفّار مسلولاً على أهل الإسلام ». [ منهاج السنّة 4 / 161 ] وقال : « ولم يكن في خلافة علي للمؤمنين الرحمة التي كانت في زمن عمر وعثمان ، بل كانوا يقتتلون ويتلاعنون ، ولم يكن لهم على الكفّار سيف ، بل الكفّار كانوا قد طمعوا فيهم ، وأخذوا منهم أموالاً وبلاداً ». [ المصدر السابق 4 / 485 ] وقال أيضاً : « ومن ظنّ أنّ هؤلاء الاثني عشر هم الذين تعتقد الرافضة إمامتهم فهو في غاية الجهل ، فإنّ هؤلاء ليس فيهم من كان له سيف إلّا علي بن أبي طالب ، ومع هذا فلم يتمكّن في خلافته من غزو الكفّار ، ولا فتح مدينة ! ولا قتل كافراً ! بل كان المسلمون قد اشتغل بعضهم بقتال بعض ، حتّى طمع فيهم الكفّار بالشرق والشام من المشركين وأهل الكتاب حتّى يقال : إنّهم أخذوا بعض بلاد المسلمين ، وإنّ بعض الكفّار كان يحمل إليه كلام حتّى يكف عن المسلمين ، فأيّ عزّ للإسلام في هذا » ؟! [ المصدر السابق 8 / 241 ] وقال أيضاً طاعناً في خلافته : « فإنّ علياً قاتل على الولاية !! وقتل بسبب ذلك خلق كثير عظيم ، ولم يحصل في ولايته لا قتال للكفّار ولا فتح لبلادهم ، ولا كان المسلمون في زيادة خير ». [ المصدر السابق 6 / 191 ] وقال : « فلم تصف له قلوب كثير منهم ، ولا أمكنه هو قهرهم حتّى يطيعوه ، ولا اقتضى رأيه أن يكفّ عن القتال حتّى ينظر ما يؤول إليه الأمر ، بل اقتضى رأيه القتال ، وظنّ أنّه به تحصل الطاعة والجماعة ، فما زاد الأمر إلّا شدّة ، وجانبه إلّا ضعفاً ، وجانب من حاربه إلّا قوّة ، والأُمّة إلّا افتراقاً ». [ المصدر السابق 7 / 452 ] 2 ـ جعل قتاله لأجل الملك لا الدين ! قال ابن تيمية : « وعلي يقاتل ليطاع ، ويتصرّف في النفوس والأموال ، فكيف يجعل هذا قتالاً على الدين » ؟ [ المصدر السابق 8 / 329 ] وقال أيضاً : « ثمّ يقال لهؤلاء الرافضة : لو قالت لكم النواصب : علي قد استحلّ دماء المسلمين ، وقاتلهم بغير أمر الله ورسوله على رئاسته ، وقد قال النبيّ صلّى الله عليه وآله : « سباب المسلم فسوق وقتاله كفر » ، وقال : « لا ترجعوا بعدي كفّاراً يضرب بعضكم رقاب بعض » ، فيكون علي كافراً لذلك !! لم تكن حجّتكم أقوى من حجّتهم ، لأنّ الأحاديث التي احتجّوا بها صحيحة !! وأيضاً فيقولون : قتل النفوس فساد ، فمن قتل النفوس على طاعته كان مريداً للعلوّ في الأرض والفساد ، وهذا حال فرعون !! والله تعالى يقول : ( تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) ، فمن أراد العلوّ في الأرض والفساد لم يكن من أهل السعادة في الآخرة. وليس هذا كقتال الصدّيق للمرتدّين ومانعي الزكاة ، فإنّ الصدّيق إنّما قاتلهم على طاعة الله ورسوله لا على طاعته ، فإنّ الزكاة فرض عليهم ، فقاتلهم على الإقرار بها وعلى أدائها ، بخلاف من قاتل ليطاع هو ». [ المصدر السابق 4 / 499 ] 3 ـ طعنه فيه وفي فضائله : قال ابن تيميّة : « إنّ الفضائل الثابتة في الأحاديث الصحيحة لأبي بكر وعمر أكثر وأعظم من الفضائل الثابتة لعلي ، والأحاديث التي ذكرها هذا ، وذكر أنّها في الصحيح عند الجمهور ، وأنّهم نقلوها في المعتمد من قولهم وكتبهم هو من أبين الكذب على علماء الجمهور ، فإنّ هذه الأحاديث التي ذكرها أكثرها كذب أو ضعيف باتّفاق أهل المعرفة بالحديث ، والصحيح الذي فيها ليس فيه ما يدلّ على إمامة علي ، ولا على فضيلته على أبي بكر وعمر ، بل وليست من خصائصه ، بل هي فضائل شاركه فيها غيره ، بخلاف ما ثبت من فضائل أبي بكر وعمر ، فإنّ كثيراً منها خصائص لهما ، لاسيّما فضائل أبي بكر ، فإنّ عامّتها خصائص لم يشركه فيها غيره. وأمّا ما ذكره من المطاعن فلا يمكن أن يوجّه على الخلفاء الثلاثة من مطعن إلّا وجّه على علي ما هو مثله أو أعظم منه ... . فإنّ علي رضي الله عنه لم ينزّهه المخالفون ، بل القادحون في علي طوائف متعدّدة ، وهم أفضل من القادحين في أبي بكر وعمر وعثمان ، والقادحون فيه أفضل من الغلاة فيه ، فإنّ الخوارج متّفقون على كفره ، وهم عند المسلمين كلّهم خير من الغلاة ... . ومن المعلوم أنّ المنزّهين لهؤلاء أعظم وأكثر وأفضل ، وإنّ القادحين في علي حتّى بالكفر والفسوق والعصيان طوائف معروفة ، وهم أعلم من الرافضة وأدين ... . والذين قدحوا في علي رضي الله عنه وجعلوه كافراً أو ظالماً ليس فيهم طائفة معروفة بالردّة عن الإسلام ، بخلاف الذين يمدحونه ويقدحون في الثلاثة ... . بخلاف من يكفّر علياً ويلعنه من الخوارج ، وممّن قاتله ولعنه من أصحاب معاوية وبني مروان وغيرهم ، فإنّ هؤلاء كانوا مقرّين بالإسلام وشرائعه ، يقيمون الصلاة ، ويؤتون الزكاة ، ويصومون رمضان ، ويحجّون البيت العتيق ، ويحرّمون ما حرّم الله ورسوله ، وليس فيهم كفر ظاهر ، بل شعائر الإسلام وشرائعه ظاهرة فيهم ، معظّمة عندهم ... . فمعلوم أنّ الذين قاتلوه ولعنوه وذمّوه من الصحابة والتابعين وغيرهم هم أعلم وأدين من الذين يتولّونه ويلعنون عثمان ، ولو تخلّى أهل السنّة عن موالاة علي رضي الله عنه وتحقيق إيمانه ووجوب موالاته لم يكن في المتولّين له من يقدر أن يقاوم المبغضين له من الخوارج والأُموية والمروانية ؛ فإنّ هؤلاء طوائف كثيرة ». [ المصدر السابق 5 / 6 ـ 10 ] والكلام واضح لا يحتاج إلى تعليق. 5 ـ طعنه في فاطمة عليها السلام واتّهامها بالنفاق !! قال ابن تيميّة : « إنّ فاطمة رضي الله عنها إنّما عظم أذاها لما في ذلك من أذى أبيها ، فإذا دار الأمر بين أذى أبيها وأذاها كان الاحتراز عن أذى أبيها أوجب ، وهذا حال أبي بكر وعمر ، فإنّهما احترزا عن أن يؤذيا أباها أو يريباه بشيء ، فإنّه عهد عهداً وأمر بأمر ، فخافا أن غيّرا عهده وأمره أن يغضب لمخالفة أمره وعهده ويتأذّى بذلك ، وكلّ عاقل يعلم أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله إذا حكم بحكم وطلبت فاطمة أو غيرها ما يخالف ذلك الحكم ، كان مراعاة حكم النبيّ صلّى الله عليه وآله أولى !! فإنّ طاعته واجبة ومعصيته محرّمة ». [ المصدر السابق 4 / 253 ] فصوّر فاطمة عليها السلام بأنّها تريد أن يحكم أبو بكر بغير حكم رسول الله صلّى الله عليه وآله ، فرفض أبو بكر ذلك فتأذّت !! وهذا معناه النفاق في فاطمة ـ أعاذنا الله من هذا ـ لأنّ الذين يريدون أن يحكم إليهم بخلاف حكم الله ورسوله هم المنافقون. هذا وهناك الكثير من المطاعن التي وجّهها ابن تيميّة إلى أهل البيت عليهم السلام وإلى علي بن أبي طالب عليه السلام ، سواء من ناحية التنقيص فيه ، أو تكذيب فضائله الثابتة له ، ومن شاء راجع « منهاج السنّة » ليرى النصب فيه طافح ، والتحامل على علي عليه السلام وأهل بيته ظاهر !! هذا ما يتعلّق بابن تيميّة الحرّاني. وأمّا ما يتعلّق بمحمّد بن عبد الوهّاب فمنهجه هو منهج ابن تيميّة لا غير ، سواء من ناحية العقيدة كصفات الله والأنبياء وغيرها أو من ناحية تحامله على المسلمين وتكفيرهم ، أو من ناحية تحامله على أهل البيت عليهم السلام. وارجع إلى كتابه « كشف الشبهات » لترى فيه التكفير الصريح للأُمّة الإسلاميّة جمعاء ، لأنّها تزور القبور ، وتتوسّل بالأنبياء والصالحين !! وكذلك كتابه « الدرر السنية في الأجوبة النجدية » ، تجده مليئاً بالتكفير ورمي المسلمين بالغلوّ والشرك ، فمن نماذج تكفيره للمسلمين قوله : 1 ـ قال : « وهذا أيّ الشرك هو فعلكم عند الأحجار والبنايات التي على القبور وغيرها » !! . [ كشف الشبهات : 17 ] 2 ـ قال : ويصيحون كما صاح إخوانهم حيث قالوا : ( أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَٰهًا وَاحِدًا إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ) . [ المصدر السابق : 19 ] ومقصوده بذلك المسلمين الذي يزورون القبور ويتوسّلون بالأنبياء والصالحين ! 3 ـ وقال في نفس الصفحة : « فإذا عرفت أنّ هذا الذي يسمّيه المشركون في زماننا الاعتقاد هو الشرك الذي أنزل فيه القرآن ، وقاتل رسول الله صلّى الله عليه وآله الناس عليه ؛ فاعلم أنّ شرك الأوّلين أخفّ من شرك أهل زماننا بأمرين » !! 4 ـ قال : « أنّ الذين قاتلهم رسول الله صلّى الله عليه وآله أصحّ عقولاً وأخفّ شركاً من هؤلاء » !! [ المصدر السابق : 21 ] فهذا تكفير صريح لعامّة المسلمين ، أعاذنا الله من ذلك. 5 ـ قال : « وأنا أذكر لك أشياء ممّا ذكر الله في كتابه جواباً لكلام احتجّ به المشركون في زماننا علينا » !! [ المصدر السابق : 13 ] وغير ذلك كثير جدّاً يمكن مراجعته في الكتابين اللذين أشرنا إليهما. فمحمّد بن عبد الوهاب لم يتورّع في دماء المسلمين ، وحكم على الأُمّة الإسلاميّة بالشرك والكفر ، وأنّ شركها أعظم من شرك كفّار قريش أو اليهود والنصارى ، وقام بمحاربتهم وسفك دمائهم ، وقتل ذراريهم واستباحة أعراضهم ، إلى غير ذلك من الأفاعيل الشنيعة التي تبيّن مدى فساد عقيدة هذا الشخص وضحالة تفكيره ، وخطورته في نفس الوقت. المصدر : مركز الأبحاث العقائديّة
الجواب من مركز الأبحاث العقائديّة: لا إشكال في جلالة قدر ابن عبّاس عند الجميع ، كما يظهر ذلك من كلام العلماء والرجاليين. نعم ، قد يكون هناك بعض الموارد الموجبة للتوقّف ، ولكن أُجيب عنها بما لا مزيد عليه (1). ومجمل الكلام حول هذا الشخص هو : أنّه كان موالياً وعارفاً للحقّ ، ولكن لأُمور لم تتّضح لحدّ الآن كان لا يقتحم الصراعات الموجودة آنذاك ، فكان شاهداً للحقّ إن صحّ التعبير ومدافعاً عنه في حدّ وسعه ، فيجب أن ننظر إلى حياته من هذه الزاوية حتّى نعرف التفسير الصحيح لمجموعة تصرّفاته ، ومواقفه في كافّة الجوانب. ثمّ وإن كان ابن عبّاس ثقة ومعتمداً ، ولكن بالنسبة لأحاديثه ينبغي ملاحظة عدّة أُمور : 1 ـ لا يخفى أنّ مجموعة كبيرة من الأحاديث المنسوبة إليه في كتب الفريقين سندها منقطع ، أيّ أنّها إمّا مرسلة أو مقطوعة ، فلا حجّية لمفادها ، إلّا ما كانت منها تؤيّد بأخبار معتبرة أُخرى. 2 ـ توجد هناك طائفة من الأخبار تنقل عن لسان ابن عبّاس بدون إسنادها إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله ، أو إلى أحد من الأئمّة عليهم السلام ، أيّ أنّها آراؤه في تلك الموارد. وهذا القسم أيضاً لا يعتبر حجّة من الناحية الشرعيّة ، إلّا إذا كان موافقاً لما صدر عن المعصوم عليه السلام. 3 ـ إنّ شخصيّة ابن عبّاس كانت معرّضةً للهجوم والتشويه من قبل أعداء الإمام أمير المؤمنين عليه السلام ، خصوصاً بني أُميّة ، فدسّت الأيادي الأثيمة روايات وأحاديث في سبيل النيل من سمعته ، وهذه الفئة من الروايات جلّها ـ بل كلّها ـ جاءت عن طريق العامّة ، وعليه فينبغي التأمّل والتريّث في أحاديثه التي نقلت بإسنادهم ، وإن كانت معنعنة وغير مرسلة ومتّصلة ، خصوصاً في المواضع الخلافيّة بين الشيعة والسنّة . الهوامش 1. أُنظر : قاموس الرجال 6 / 418.
الجواب من مركز الأبحاث العقائديّة: هي : علي وحيدر سُمّي بهما قبل الإسلام ، وبعده سُمّي بالمرتضى ، ويعسوب المؤمنين ، والأنزع البطين ، وأبي تراب ، وغيرها من الأسماء. وللمزيد من التفصيل حول أسمائه عليه السلام راجع كتاب بحار الأنوار (1). وحول تسميته عليه السلام بحيدر ، قال العلّامة المجلسيّ قدّس سره : « وكان اسمه الأوّل الذي سمّته به أُمّه حيدرة باسم أبيها أسد بن هاشم ، والحيدرة : الأسد ، فغيّر أبوه اسمه ، وسمّاه عليّاً. وقيل : إن حيدرة اسم كانت قريش تسميه به ، والقول الأوّل أصحّ ، يدلّ عليه خبره ، يوم برز إليه مرحب ، وارتجز عليه فقال : أنا الذي سمّتني أُمّي مرحباً ، فأجابه عليه السلام : « أنا الذي سمّتني أُمّي حيدرة » » (2). وحول تسميته بالمرتضى قال ابن شهرآشوب : « وفي خبر : إنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله سمّاه المرتضى ، لأنّ جبرائيل عليه السلام هبط إليه فقال : « يا محمّد ، إنّ الله تعالى قد ارتضى عليّاً لفاطمة ، وارتضى فاطمة لعلي » . وقال ابن عبّاس : كان عليّاً عليه السلام يتّبع في جميع أمره مرضاة الله ورسوله ، فلذلك سمّي المرتضى » (3). وحول تسميته بيعسوب الدين ، فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنّه قال : « علي أوّل من آمن بي ، وأوّل من يصافحني يوم القيامة ، وهو يعسوب المؤمنين » (4). وقال النبيّ صلى الله عليه وآله : « يا علي أنت يعسوب المؤمنين ، والمال يعسوب الظالمين » . وحول تسميته بالأنزع البطين فقد ورد عن الرضا ، عن آبائه عليهم السلام قال : « قال رسول الله صلّى الله عليه وآله : يا علي إنّ الله قد غفر لك ولأهلك ، ولشيعتك ومحبّي شيعتك ، ومحبّي محبّي شيعتك ، فأبشر فإنّك الأنزع البطين ، منزوع من الشرك ، بطين من العلم » (5). وحول تسميته بأبي تراب قال العلّامة المجلسيّ قدّس سرّه : « البخاريّ ومسلم والطبري وابن البيع وأبو نعيم وابن مردويه : إنّه قال بعض الأمراء لسهل بن سعد : سبّ عليّاً ، فأبى ، فقال : أمّا إذا أبيت فقل : لعن الله أبا تراب ، فقال : والله إنّه إنّما سمّاه رسول الله بذلك ، وهو أحبّ الأسماء إليه » (6). الهوامش 1. بحار الأنوار ٣٥ / ٤٥. 2. بحار الأنوار ٣٥ / ٤٥ ، وانظر الرواية في الإرشاد ١ / ١٢٧ ، شرح صحيح مسلم ١٢ / ١٨٥ ، فتح الباري ٧ / ٣٦٧ و ١٣ / ٣١٤ ، الطبقات الكبرى ٢ / ١١٢ ، تاريخ مدينة دمشق ٤٢ / ١٦ و ٩١ ، جواهر المطالب ١ / ١٧٩ ، ينابيع المودّة ٢ / ١٤٤ ، تاج العروس ٧ / ٨٥. 3. مناقب آل أبي طالب ٢ / ٣٠٤. 4. الأمالي للشيخ الطوسيّ : ١٤٨ ، تاريخ مدينة دمشق ٤٢ / ٤٢ ، أُسد الغابة ٥ / ٢٨٧ ، الإصابة ٧ / ٢٩٤ ، أنساب الأشراف : ١١٨ ، كشف الغمّة ٢ / ١٢ ، ينابيع المودّة ١ / ٢٤٤ و ٣٨٧. 5. عيون أخبار الرضا ١ / ٥٢.
الجواب من مركز الأبحاث العقائديّة: ينبغي أن يعلم أنّ الأُمور التكوينيّة التي تجري في العالم ، هي على قسمين : أحدهما : يكون السبب عمل الناس ، وإليه يشير قوله سبحانه : ( ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) (1). والعذاب النازل على الأُمم السابقة يندرج في هذا الإطار ، وخروج الأولاد معاقين كثيراً ما يكون لأجل فعل آبائه ، ومعلوم أنّه لا يمكن أن يتحمّل الطفل وزر أبويه ، قال الله سبحانه : ( وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ) (2) ، ولكن بعض الأفعال القبيحة تصبح كالنار في إحراقها ، فلو ألقى أحد طفلاً في النار فهو يحترق جزماً ، وليس في ذلك ظلم من الله سبحانه عليه ، بل الظالم من ألقاه في النار ، فلو قطع أحد رقبة أحد ، فمقطوع الرقبة سوف يموت جزماً ، أو دسّ أحد سمّاً قاتلاً في طعام ، فالذي دسّ إليه السمّ سوف يموت حتماً ، وليس في ذلك ظلم من الله سبحانه ، بل الظالم هو قاطع الرقبة ، والذي دسّ إليه السمّ. وخروج الأطفال معاقين في معظم الأحيان لأجل سوء عمل الأبوين عند المواقعة ، أو لشرب بعض الأدوية ، أو غيرها من الأسباب التي أشار إليها الرسول صلّى الله عليه وآله في النصيحة التي قدّمها إليها بواسطة الإمام علي عليه السلام ، وليس في ذلك ظلم من الله سبحانه والعياذ بالله على أحد ، وهذا كلّه في القسم الأوّل. ثانيهما : الحوادث التي تحدث في العالم قد قدّرت ونظّمت ، ورتّبت طبق اقتضاء الحكمة البالغة ، وتلك الحكمة هي التي تتحكّم ، بأنّ يولد لأحد ولد وللآخر تولد البنت ، والأعمار تقدّر تحت هذه الحكمة الإلهيّة ، التي تكون ضمن الآجال الحتمية ، ويدخل تحت هذا أن يكون شخص من ذرّية رسول الله صلّى الله عليه وآله ، والآخر من ذرّية شخص آخر ، ويدخل في هذا الإطار ، وفي هذا القسم وجود معاقين من صلب أبوين شريفين ملتزمين بجميع نصائح النبيّ صلّى الله عليه وآله ، وأوامر الشريعة الغرّاء ، ويكون في هذا البلاء وامتحان للمعاق ولغيره. إنّ المقادير تجري كما قدّرها الله سبحانه ، ولا راد لقضائه ، ولا مبدّل لحكمه ، ولا تدرك عقولنا مغزى الحكمة ، وليس يدخل ذلك في الظلم ، لأنّ الظلم هو وضع الشيء في غير محلّه ، والله لا يفعل ذلك ، والصابر على قضاء الله مأجور ، والجازع مأزور ، كما ورد في بعض الروايات ، وإلى هذا المعنى يشير الإمام الحسين عليه السلام في بعض كلماته : « لا محيص عن يوم خطّ بالقلم ، رضى الله رضانا أهل البيت ، نصبر على بلائه ، ويوفّينا أُجور الصابرين ... » (3). وقد روى الشيخ الصدوق بسنده عن جابر بن يزيد الجعفي قال : « قلت : لأبي جعفر محمّد بن علي الباقر عليهما السلام : يا ابن رسول الله ، أنا نرى من الأطفال من يولد ميّتاً ، ومنهم من يسقط غير تامّ ، ومنهم من يولد أعمى ، أو أخرس ، أو أصمّ ، ومنهم من يموت في ساعته إذا سقط على الأرض ، ومنهم من يبقى إلى الاحتلام ، ومنهم من يعمّر حتّى يصير شيخاً ، فكيف ذلك وما وجهه ؟ فقال عليه السلام : « إنّ الله تبارك وتعالى أولى بما يدبّره من أمر خلقه منهم ، وهو الخالق والمالك لهم ، فمن منعه التعمير فإنّما منعه ما ليس له ، ومن عَمّرَهُ فإنّما أعطاه ما ليس له ، وهو المتفضّل ما أعطاه ، وعادل فيما منع ، ولا يُسأل عمّا يفعل ، وهم يسألون » . قال جابر : فقلت : يا ابن رسول الله ، وكيف ولا يسأل عمّا يفعل ؟ قال عليه السلام : « لأنّه لا يفعل إلّا ما كان حكمة وصواباً ، وهو المتكبّر الجبّار ، والواحد القهّار ، فمن وجد في نفسه حرجاً في شيء ممّا قضى الله فقد كفر ، ومن أنكر شيئاً من أفعاله جحد » » (4). الهوامش 1. الروم : 41. 2. الأنعام : 164. 3. مثير الأحزان : 29. 4. التوحيد : 397.
الجواب من مركز الأبحاث العقائديّة: لا يخفى عليكم أنّ السبب في خروج أطفال مصابين إلى الحياة الدنيا هو بفعل الأبوين لا بفعل الله تعالى حتّى يخلّ بعدله تعالى ، وذلك بسبب سوء تغذيتهما أو بسبب اعتيادهما بعض الأُمور المضرّة ، وما إلى ذلك من ارتكاب ما حرّم الله تعالى في النكاح والمأكل والمشرب و ... . ويتجلّى لنا العدل الإلهي في هؤلاء المصابين حينما نسمع أنّه تعالى يرفع عنهم التكليف الشاقّ ويعوّضهم برحمته الثواب الجزيل ، فيعطي للمتألّم عوضاً لتألّمه وابتلائه من الأجر ما يكون أنفع بحاله. روى الشيخ الصدوق قدّس سرّه عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال : « كان فيما أوحى الله عزّ وجلّ إلى موسى عليه السلام ، أن يا موسى ما خلقت خلقاً أحبّ إليّ من عبدي المؤمن ، وإنّما أبتليه لما هو خير له ، وأعافيه لما هو خير له ، وأنا أعلم بما يصلح عليه أمر عبدي ، فليصبر على بلائي ، وليشكر نعمائي ، وليرض بقضائي ، أكتبه في الصدّيقين عندي ، إذا عمل برضائي فأطاع أمري » . [ التوحيد ، الصفحة : 405 ]
الجواب من مركز الأبحاث العقائديّة: لابدّ لمن يريد أن يقنع الآخرين على عقيدة ما ـ كالعقيدة بوجود الله تعالى ـ أن يكون على مستوى عال من المعرفة والثقافة بتلك العقيدة ، حتّى يمكنه أن يؤثّر ويقنع ، كما له القوّة على ردّ الشبهات والاعتراضات الواردة حول هذه العقيدة التي يريد طرحها. فباعتبار أنّ المادّي لا يؤمن بالأدلّة النقليّة من الكتاب والسنّة على وجود الله تعالى ، فلابدّ من ذكر الأدلّة العقليّة التي يؤمن بها ، الدالّة على وجوده تعالى ، وبعد الإيمان بوجوده تعالى ، حينذاك يمكن أن نثبت له من خلال الأدلّة النقليّة والعقليّة على وجود الحياة البرزخيّة ، والحياة الأخرويّة. وتعميماً للفائدة ، نذكر لكم ما كتبه أحد المؤمنين في هذا المجال : يقول المادّيون : لا إله ، فمن الموجد ؟ أنّا نرى الأبناء يولدهم الآباء ، ونرى النبات تنبته الشمس والماء والتربة ، ونرى الحيوان يخلق من حيوانين ، و ... أمّا قبل ذلك فلم نر شيئاً ، فإنّ العمر لم يطل من قبل ... إذاً كلّ قول يؤيّد الإله ، ويؤيّد عدم الإله ، يحتاج إلى منطق غير حسّي . المادّي الذي يقول : لا إله ، يحتاج إلى الدليل . والمؤمن الذي يقول : الله تعالى يحتاج إلى برهان . لكن الأوّل لا دليل له ، فإنّ العين لم تر الإله ، أمّا أنّها رأت عدمه فلا ، وكذا الأذن ، واللمس ، وغيرها ... . ومن الهراء : أن يقول أحد : إنّ الصناعة الحديثة دلّت على عدم الإله ؟ هل القمر الاصطناعي يدلّ على عدم الإله ؟ هل الذرّة تدلّ على عدم الإله ؟ هل الكهرباء والصاروخ والطائرة تدلّ على عدم الإله ؟ القمر الاصطناعي ليس إلّا كالسكين الحجري ـ الذي يقولون عنه : ـ صنعه الإنسان البدائي ، لا يرتبط هذا ولا ذاك بالإله نفياً أو إثباتاً . ولنا أن نقول : نفرض أنّ الإله موجود ، فما كان حال القمر الاصطناعي ؟ بل : القمر الاصطناعي الذي يصرف عليه ملايين ، ويجهد في صنعه ألوف من العلماء ، ثمّ لا ينفع إلّا ضئيلاً أدلّ على وجود الإله ، إذ كيف هذا له صانع ، وليس للقمر المنير صانع ؟ إنّ من يطلب منّا الإذعان بعدم الإله للكون ، ثمّ هو لا يذعن بعدم الصانع للطائرة ، مثله كمن يطلب من شخص أنّ يقول بعدم بانٍ لقصر مشيّدة ، ثمّ هو لا يقول بعدم صانع لآخر . عالم وملحد : قال الملحد : الحواس خمس : الباصرة ، السامعة ، الذائقة ، اللامسة ، الشامّة ، وكلّ شيء في العالم لابدّ وأن يدرك بإحدى هذه الحواس : فالألوان ، والأشكال ، والحجوم ، تدرك بالباصرة . والأصوات ، والألحان ، والكلام ، تدرك بالسامعة . والطعوم ، والمذوقات ، والأطعمة ، تدرك بالذائقة . والخشونة ، واليبوسة ، والرطوبة ، والحرارة ، تدرك باللامسة . والروائح ، والمشمومات ، والعطريّات ، تدرك بالشامّة . فمن أين نثبت وجود الله ؟ والحال أنّا لم نره ، ولم نسمع صوته ، ولم نذق طعمه ، ولم نلمس جسمه ، ولم نشمّ ريحه . فصنع العالم كرتين ، إحداهما من حديد ، والأُخرى من خشب ، وصبغهما ، ثمّ أتى بهما إلى الملحد ، وقال : أنا أخبرك بأنّ إحدى هاتين الكرتين حديد ، والأُخرى خشب ، أنظر وعيّن ؟! نظر الملحد ، وعجز عن التعيين بالنظر . قال العالم : فأصغ وعيّن ؟ أصغى الملحد ، وعجز عن التعيين بالسمع . قال العالم : ذق وعيّن ؟ ذاق الملحد ، وعجز عن التعيين باللسان . قال العالم : اشمم وعيّن ؟ شمّ الملحد ، وعجز عن التعيين بالأنف . قال العالم : ألمس وعيّن ؟ لمس الملحد ، وعجز عن التعيين باللمس . ثمّ وضعهما العالم في يد الملحد ، وحينذاك أدرك أنّ الأثقل الحديد ، فقال : هذا هو الحديد ، وهذا الأخفّ هو الخشب . قال العالم : من أخبرك أنّ الأثقل الحديد ، والأخفّ الخشب ؟ قال الملحد : عقلي هو الذي أرشدني إلى ذلك . قال العالم : فليست المعلومات منحصرة بالحواس الخمس ، وإنّ للعقل حصّة مهمّة من العلوم ، والله تعالى الذي نقول به إنّما هو معلوم للعقل ، وان لم يكن مدركاً للحواس . فانقطع الملحد ، ولم يحر جواباً !! طالب وزميل : قال الطالب : لا وجود لله إطلاقاً . الزميل : من أين تقول هذا ؟ ومن علّمك ؟ الطالب : أمّا من علّمني ؟ فما أنت وهذا ؟ وأنّا لا أتحاشى من أن أقول : إنّ المدرسة هي التي أوحت إليّ بهذه الفكرة ، وإنّي جدّاً شاكر لها ، حيث أنقذتني من التقاليد إلى سعة العلم . وأمّا من أين أقول ؟ فلأنّي لم أر الله ، وكلّ غير مرئي لا وجود له . الزميل : إنّي لا أريد أن أناقشك في دليلك الآن ، لكن أقول : هل أنت ذهبت إلى الكواكب ؟ هل أنت ذهبت إلى القطب ؟ هل أنت ذهبت إلى قعر البحار ؟ الطالب : كلّا ! الزميل : فإذا قال لك قائل : إنّ الله تعالى في الكواكب ، أو في قعر البحر ، أو في القطب ، فبماذا كنت تجيبه ؟ الطالب ، فكّر ملياً !! ولم يحر جواباً . فقال الزميل : إنّ من الجهل أن ينكر الإنسان شيئاً لم يره ، أو لم يسمع به ، وأنّه لجهل مفضوح . كان بعض الناس قبل اختراع السيّارة والطائرة ، والراديو والتلفون ، والكهرباء والتلفزيون ، إذا سمعوا بها أقاموا الدنيا وأقعدوها إنكاراً على من يقول ، واستهزاءً به ، وكانوا يجعلون كلامه مثار ضحك وسخريّة !! فهل كان لهم الحقّ في ذلك ؟ إنّهم كانوا يقولون : لم نر هذه الأشياء . وأنت مثلهم تقول : لم أر الله . الطالب : أشكرك جدّاً على هذه اللفتة العلميّة ، وإنّي جدّاً شاكر لك ، حيث أخرجتني عن خرافة غرسها في ذهني معلّم جاحد منذ دخلت المدرسة ، وهي : إنّ الله حيث لم نره يجب علينا إنكاره ، والآن فهمت الحقيقة . مؤمن ومنكر : كان علي وجميل يتناظران في وجود الله تعالى ، فكان علي يسرد الأدلّة على الإثبات ، وجميل يردّها ، أو لا يقبلها . ولما طالت المجادلة بينهما ، قال علي : إنّ في جارنا رجلاً من علماء الدين ، اسمه أحمد ، فهيا بنا نذهب إليه ونجعله الحكم فيما بيننا . قبل جميل مقالة علي ولكن بإكراه ، لأنّه كان يزعم أن لا حجّة لمن يقول بوجود الله إلّا التقليد ، وذهبا معاً إلى دار العالم للقضاء بينهما ، وبعد أن استقرّ بهما المجلس . قال العالم : خيراً ؟ جميل : إنّي وصديقي علي نتباحث حول وجود الله ، ولم يتمكّن علي من الإثبات ، أو بالأحرى : أنا لم أقتنع بأدلّته ، فهل الحقّ معي أم معه ؟ وأقول ـ قبل كلّ شيء ـ : إنّي لا أقتنع بالقول المجرّد ، وإنّما أريد الإثبات ، مع العلم أنّي خرّيج مدرسة فلسفيّة عالية ، لا أقبل شيئاً إلّا بعد المناقشة والجدال ، وأن يكون محسوساً ملموساً . أحمد : فهل لك في دليل بسيط ، وبسيط جدّاً تقتنع به ، بدون لفّ ودوران . جميل : ما هو ؟ هات به ، وإنّي أنتظر مثل هذا الدليل منذ زمان !! أحمد : إنّي أخيّرك بين قبول أحد هذه الشقوق الأربعة ، فاختر إحداها : إنّك موجود بلا شكّ ، فهل : 1 ـ أنت صنعت نفسك ؟ 2 ـ أم صنعك شيء جاهل عاجز ؟ 3 ـ أم صنعك شيء عالم قادر ؟ 4 ـ أم لم يصنعك شيء ؟ فكّر جميل ساعة بماذا يجيب : هل يقول : أنا صنعت نفسي بنفسي ، وهذا باطل مفضوح ! أم يقول : صنعني شيء جاهل ؟ وهذا أيضاً مخالف للحقيقة ، فإنّ التدابير المتّخذة في خلق الإنسان فوق العقول ، فكيف يركّب هذه الأجهزة بهذه الكيفيّة المحيّرة ، شيء جاهل ؟! أم يقول : لم يصنعني شيء ؟ وهو بيّن البطلان ، فإنّ كلّ شيء لابدّ له من صانع . أم يعترف بأنّه مصنوع لشيء عالم وقادر ، وحينئذ ينهار كلّ ما بناه من الأدلّة ـ المزعومة ـ لعدم وجود الله تعالى . وبعد فكر طويل ، رفع رأسه وقال : لابدّ لي من الاعتراف ، بأنّي مصنوع لعالم قدير . أحمد : ومن هو ذلك العالم القدير ؟ جميل : لا أدري . أحمد : ولكن ذلك واضح معلوم . لأنّ من صنعك ليس من البشر ، فإنّ البشر لا يقدرون على خلق مثلك ، ولا من الجمادات ، فانّ الجماد لا عقل له ، إذاً : هو الله تعالى . علي : هل قنعت يا جميل بهذا الدليل ؟ جميل : إنّه دليل قوّي جدّاً ، لا أظنّ أحداً يتمكّن من المناقشة فيه ، وإنّي شاكر لك وللعالم أحمد . معلم وتلميذ : ذهب جماعة من الطلّاب إلى مدرسة إلحادية ، وفي اليوم الأوّل من الدوام حضروا الصفّ ، وكان في الصفّ منضدة عليها تصوير أحد زعماء الملحدين . فجاء المعلم ، وقال للطلّاب : هل لكم عين ؟ وأين هي ؟ وهل لكم أذن ؟ وأين هي ؟ وهل لكم أيدٍ وأرجل ؟ وأين هي ؟ قال الطلّاب : نعم ، لنا أعين وأذن وأيد وأرجل ، وهي هذه ، وأشاروا إلى هذه الأعضاء . قال المعلّم : وهل ترون هذه الأعضاء وتحسّون بها ؟ قال الطلّاب : نعم ، نراها ونلمسها . قال المعلّم : وهل ترون هذا التصوير على المنضدة ؟ قالوا : نعم ، نراه . قال المعلّم : وهل ترون المنضدة وسائر ما في الغرفة ؟ قالوا : نعم ، نراها . وهنا انبرى المعلم قائلاً : وهل ترون الله ؟ وهل تحسّون به ؟ قالوا : لا ، لا نرى الله ولا نلمسه . قال المعلّم : فهو إذاً خرافة تقليديّة . إنّ كلّ شيء في الكون نحسّ به ونراه ، أمّا ما لا نراه ولا نحسّ به ، فهو خطأ ، يلزم علينا أن لا نعترف به ، وإلّا كنّا معتقدين بالخرافة . وهنا قام أحد التلاميذ ، وقال : اسمح لي أيّها الأُستاذ بكلمة ؟ المعلّم : تفضّل . التلميذ : أيّها الزملاء أجيبوا على أسئلتي . الزملاء : سل . التلميذ : أيّها الزملاء هل ترون المعلّم ؟ هل ترون الصورة الموضوعة على المنضدة ؟ هل ترون المنضدة ؟ هل ترون الرحلات ؟ الزملاء : نعم ، نرى كلّ ذلك . التلميذ : أيّها الزملاء هل ترون عين المعلّم ؟ هل ترون أذن المعلّم ؟ هل ترون وجهه ؟ هل ترون يده ورجله ؟ الزملاء : نعم نرى كلّ ذلك . التلميذ : أيّها الزملاء هل ترون عقل المعلم ؟ الزملاء : كلّا ! لا نرى عقله . التلميذ : فالمعلّم إذاً لا عقل له ، فهو مجنون حسب مقالته ، لأنّه قال : كلّ ما لا يراه الإنسان فهو خرافة ، يجب على الإنسان أن لا يعترف به ، وأنّا لا نرى عقل المعلم ، فهو إذاً لا عقل له ، ومن لا عقل له يكون مجنوناً . وهنا ألقم المعلّم حجراً ، واصفرّ وجهه خجلاً ، ولم ينبس ببنت شفة ، وضحك الطلّاب . آينشتاين يعترف : تحاكم جماعة من المادّيين إلى آينشتاين ليروا رأيه بالنسبة إلى الله تعالى ؟ فأجاز لهم أن يمكثوا عنده 15 دقيقة ، معتذراً بكثرة أشغاله ، فلا يتمكّن أن يسمح لهم بأكثر من هذا الوقت . فعرضوا عليه سؤالهم ، قائلين : ما رأيك في الله ؟ فأجاب قائلاً : ولو وفّقت أن أكتشف آلة تمكّنني من التكلّم مع الميكروبات ، فتكلّمت مع ميكروب صغير ، واقف على رأس شعرة من شعرات رأس إنسان ، وسألته : أين تجد نفسك ؟ لقال لي : إنّي أرى نفسي على شجرة رأس شاهقة ! أصلها ثابت وفرعها في السماء . عند ذلك أقول له : إنّ هذه الشعرة التي أنت على رأسها ، إنّما هي شعرة من شعرات رأس إنسان ، وإنّ الرأس عضو من أعضاء هذا الإنسان ، ماذا تنظرون ؟ هل لهذا الميكروب المتناهي في الصغر : أن يتصوّر جسامة الإنسان وكبره ؟ كلّا ! إنّي بالنسبة إلى الله تعالى لأقلّ وأحطّ من ذلك الميكروب بمقدار لا يتناهى ، فأنّى لي أن أحيط بالله الذي أحاط بكلّ شيء ، بقوى لا تتنامى ، وعظمة لا تحدّ ؟ فقام المتشاجرون من عند آينشتاين ، وأذعنوا للقائلين بوجود الله تعالى .
الجواب من مركز الأبحاث العقائديّة: هذه الملازمات ليست شرعيّة ، ولا لازمة لأحد ، ولا حجّة على أحد ، ولا دليل عليها ، فمن قال إنَّ الله تعالى اختار للأنبياء أصحابهم ؟ الذي أرسل الرسل أصلاً لإصلاحهم ، لأنّهم في وضع سيء جدّاً ، يستوجب إنذارهم وإبلاغهم رسالة الله تعالى وأحكامه ، فقد يكون العصر الذي يُبعث فيه الأنبياء الذروة في الانحطاط والضلال والظلام. ثمّ إنّ النبيّ الأعظم صلّى الله عليه وآله كان كثيراً ما يحذّر ويقول : « لتتبعنَّ سنن من كان قبلكم » (1) ، وكان أيضاً يحذّر الصحابة ويخبرهم برجال يرتدّون من بعده ، ويُطردَون عن الحوض ، كما روى البخاري وغيره عن أبي هريرة قال : « بينا أنا قائم فإذا زمرة حتّى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم ، فقال : هلّم ، فقلت : أين ؟ قال : إلى النار والله ، قلت : وما شأنهم ؟ قال : إنّهم ارتدّوا بعدك ... » (2). وفي حديث أنس : « ليردن عليّ ناس من أصحابي الحوض ، حتّى إذا عرفتهم اختلجوا دوني ... » (3). وفي حديث سهل : « وليردن عليَّ أقوام أعرفهم ويعرفونني ، ثمّ يحال بيني وبينهم » (4). وفي حديث أبي هريرة : « ليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال ، أناديهم ألا هلّم ، فيقال : إنّهم قد أحدثوا بعدك ، وأقول : سحقاً سحقاً » (5). وفي رواية أبي سعيد الخدري : « فأقول : إنّهم منّي ، فيقال : إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، فأقول : سحقاً سحقاً لمن غيَّر بعدي » (6) ، وزاد في رواية عطاء ابن يسار : « فلا أراه يخلص منهم إلّا مثل همل النعم » (7). وفي حديث أبي بكرة : « ليردن عليَّ الحوض رجال ممّن صحبني ورآني ، حتّى إذا رفعوا إليّ ورأيتهم اختلجوا دوني ، فلأقولنّ : ربّ أصحابي أصحابي ! فيقال : إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك » (8) ، وقال عن هذا الحديث ابن حجر : « وسنده حسن » (9) ، وللطبراني من حديث أبي الدرداء نحوه ، وزاد : فقلت : يا رسول الله ادع الله أن لا يجعلني منهم ، قال : « لست منهم » ، وقال ابن حجر : « وسنده حسن » (10). وفي البخاري : « فأقول كما قال العبد الصالح : ( وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) (11). ونقول : مع هذه الأحاديث الكثيرة التي تصادم ما تقولون به نذكر آية واحدة وهي قوله تعالى : ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ) (12). فهل قولنا موافق لقول الله والرسول صلّى الله عليه وآله ؟ أم إطلاقكم العدالة هو الموافق ؟ الهوامش 1. مسند أحمد 2 / 511 و 5 / 218 و 340 ، صحيح البخاري 8 / 151 ، المستدرك على الصحيحين 4 / 455 ، معجم الزوائد 7 / 261 ، مسند أبي داود : 289 ، المصنّف للصنعاني 11 / 369 ، المصنّف لابن أبي شيبة 8 / 634 ، المعجم الكبير 3 / 244 ، شرح نهج البلاغة 9 / 286 ، الجامع الصغير 2 / 401 ، كنز العمّال 8 / 94 و 11 / 133 ، تفسير القرآن العظيم 2 / 364 ، الدرّ المنثور 6 / 56 ، تاريخ مدينة دمشق 14 / 441 ، سبل الهدى والرشاد 5 / 314 ، وغيرها من المصادر. 2. صحيح البخاري 7 / 208 ، فتح الباري 11 / 333 ، كنز العمّال 11 / 132. 3. صحيح البخاري 7 / 207 ، فتح الباري 11 / 333. 4. مسند أحمد 5 / 333 ، صحيح البخاري 7 / 207 و 8 / 87 ، فتح الباري 11 / 333 ، المعجم الكبير 6 / 143 و 156 و 171 و 200 ، الجامع لأحكام القرآن 4 / 168. 5. السنن الكبرى للبيهقي 4 / 78 ، فتح الباري 11 / 333 ، صحيح ابن خزيمة 1 / 7 ، كنز العمّال 15 / 647. 6. صحيح البخاري 7 / 208 ، فتح الباري 11 / 333 ، الجامع لأحكام القرآن 4 / 168. 7. فتح الباري 11 / 333. 8. مسند أحمد 5 / 48 ، فتح الباري 11 / 333 ، المصنّف لابن أبي شيبة 7 / 415 ، كنز العمّال 13 / 239 ، تاريخ مدينة دمشق 36 / 8. 9. فتح الباري 11 / 333. 10. نفس المصدر السابق. 11. صحيح البخاري 4 / 110 ، والآية في سورة المائدة : 117 ـ 118. 12. آل عمران : 144.
الجواب من مركز الأبحاث العقائديّة: للإجابة على السؤال يحسن بنا أن نذكر كيفيّة تشريع الأذان عند أهل السنّة. إذا رجعنا إلى الروايات التي وردت عند أهل السنّة حول كيفيّة تشريع الأذان نجدها تذكر بأنّ التشريع جاء من رؤيا رآها صحابي أو صحابيّان أو ستّة أو اثنا عشر حسب اختلاف الروايات ، ومن ثمّ اقترح تلك الرؤية على النبيّ صلّى الله عليه وآله ، والنبيّ استحسن ذلك الفعل وأمر الناس بفعله وأضافه إلى الصلاة. وإليك نصّ الرواية : اهتمّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم للصلاة كيف يجمع الناس لها ، فقيل له : انصب راية عند حضور الصلاة ، فاذا رأوها آذن بعضهم بعضاً ، فلم يعجبه ذلك ، قال : فذكر له القنَّع ـ يعني الشَّبُّور ـ وقال زياد : شبور اليهود ، فلم يعجبه ذلك ، وقال : « هو من أمر اليهود » قال : فذكر له الناقوس ، فقال : « هو من أمر النصارى » فانصرف عبد الله بن زيد بن عبد ربه وهو مهتم لهمِّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، فأُرِيَ الأذان في منامه ، قال : فغدا على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأخبره ، فقال له : يا رسول الله ، إنّي لَبَيْنَ نائِمٍ وَيَقظَانَ إذْ أَتَانِي آتٍ فأراني الأذان ، قال : وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد رآه قبل ذلك فكتمه عشرين يوماً ، ثم أخبر النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال له : « ما منعك أن تخبرني » ؟ فقال : سبقني عبد الله ابن زيد فاستحييت ، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : « يا بلالُ ، قُمْ فانظر ما يأمرك به عبد الله بن زيد فافعله » قال : فأذن بلال. (1) وعند الرجوع إلى هذه الروايات الناقلة كيفيّة تشريع الأذان نجد الإختلافات الكثيرة فيها ، ففيها : أ. إنّ الرواية عن ابن زيد مختلفة ، ففي بعض النصوص أنّه رأى الأذان في المنام واليقظة (2) ، وفي نقل آخر تقول رآه في المنام (3) ، وفي نقل ثالث تقول إنّه قال : لولا أن يقول الناس لقلت إنّي كنت يقظان غير نائم ؟! (4) ب. رواية تقول : إنّ عبد الله بن زيد رآه ، فاخبر به النبيّ صلّى الله عليه وآله ، وأُخرى تقول : إنّ جبرائيل أذّن في سماء الدنيا ، فسمعه عمر وبلال فسبق عمر بلالاً فأخبر النبيّ صلّى الله عليه وآله ثمّ جاء بلال فقال له : « سبقك بها عمر » (5) !! ج. رواية تنصّ على أنّ ابن زيد رآه ، ورواية أُخرى تقول : إنّ سبعة من الأنصار رآه ، ورواية تقول : أربعة عشر صحابياً رأوه ، ورواية تدخل عبد الله بن أبي بكر. (6) د. رواية تنصّ على أنّ بلالاً كان يقول : أشهد أن لا إله إلّا الله حيّ على الصلاة ، فقال له عمر : أشهد أنّ محمّداً رسول الله ، فقال النبيّ صلّى الله عليه وآله لبلال : « قل كما قال عمر » !! (7) هـ. رواية تفرد فصول الأذان ، ورواية أُخرى تثنّيها ؟! (8) و. رواية تقول : إنّ عبد الله بن زيد هو الذي أخبر النبيّ صلّى الله عليه وآله بذلك ثمّ أخبره عمر بن الخطّاب ، فقال له النبيّ : « ما منعك أن تخبرني » ؟! (9) وقد أوقع اختلاف الروايات الشرّاح والمحدّثين في كيفيّة الجمع بين هذه الأحاديث فقالوا : أوّلاً : إنّ هذه الرؤية هي رؤية غير الأنبياء عليهم السلام ، ورؤية غيرهم لا يثبت بها حكم شرعي ؟!. (10) وقد أجابوا عن هذا الإشكال بقولهم : باحتمال مقارنة الوحي لذلك ! (11) وهذا كلام بارد لا يمكن أن يبنى عليه حكم شرعي مادام أنّ مجيبه صدّره بالإحتمال ، إذ الإحتمال لا يجري نفعاً في المقام مادام المسألة شرعيّة وتحتاج إلى قطع ويقين من أنّ الوحي أمر بمثل تلك الرؤية ! وأجيب أيضاً : أو لأنّه صلّى الله عليه وآله أمر بمقتضى الرؤية لينظر أيقرّ على ذلك أم لا ، ولا سيّما لمّا رأى نظمها يبعد دخول الوسواس فيه !! (12) وفيه بطلان واضح ، إذ إنّ ذلك ليس من اجتهاده صلّى الله عليه وآله ـ على القول بكونه يجتهد في الأحكام الشرعيّة كما يجوّزون ذلك ـ وإنّما هي رؤية لغيره فلا محلّ لإقحام مسألة جواز الإجتهاد له في الأحكام هنا من عدمه ؟! على أنّه لماذا لا يأتيه الوحي ابتداءً ويخبره بكيفيّة الأذان بدل أحالته إلى رؤية شخص ثمّ إمضاء ذلك الفعل من قبله ؟! أضف إلى ذلك أنّ الصلاة شرّعت في ليلة معراج النبيّ صلّى الله عليه وآله ، فلماذا لم يشرّع معها الأذان ؟ وترك النبيّ صلّى الله عليه وآله في حيرة من أمره لا يدري كيف يعلّم الناس بوقت الصلاة ، حتّى فرّج عنه برؤية عبد الله بن زيد أو عمر بن الخطّاب أو بلال أو أبي بكر أو غيرهم من الصحابة ؟! قال الحافظ : وقد حاول السهيلي الجمع فتكلف وتعسف والأخذ بما صح أولى ، فقال بانياً على صحة الحكمة في مجيء الأذان على لسان الصحابي أن النبي صلّى الله عليه وسلّم سمعه فوق سبع سموات وهو أقوى من الوحي ، فلما تأخر الأمر بالأذان عن فرض الصلاة وأراد إعلامهم بالوقت رأى الصحابي المنام فقصه فوافق ما كان صلّى الله عليه وسلّم سمعه فقال : « إنها لرؤيا حق » ، وعلم حينئذٍ أنّ مراد الله بما أراه في السماء أن يكون سنة في الأرض ، وتقوّى ذلك بموافقة عمر لأن السكينة تنطبق على لسانه ، والحكمة أيضاً في إعلام الناس به على غير لسانه صلّى الله عليه وسلّم التنويه بقدره والرفع لذكره بلسان غيره ليكون أقوى لأمره وأفخر لشأنه. (13) وفي كلامه تكلّفات كثيرة نشير إليها تباعاً : أ. إقراره بأنّ الأذان سمعه النبيّ صلّى الله عليه وآله سواء كان في معراجه الأوّل أو الثاني ، وهذا ما نقرّه ونصحّحه لما سيأتي ، لكنّه تعلّل بأنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله لم يخبر به إلّا بعد رؤية عبد الله بن زيد وتأييده برؤية عمر الذي تنطق السكينة على لسانه. إلّا أنّ هذا الكلام باطل ؛ لأنّ الروايات تذكر أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله بقي حائراً في كيفيّة إعلام الناس بالصلاة ، واقترح عليه الصحابة عدّة اقتراحات كوضع راية أو ناقوس أو استخدام شعار النصارى والنبيّ صلّى الله عليه وآله لم يقبل ذلك ، وبقي حائراً ، فإذا كان النبيّ قد سمع الأذان من فوق سبع سماوات فلا معنى للحيرة حينئذ بل بنفسه يشرّع لهم الأذان الذي سمعه في السماوات بلا تردّد ، وعدم الحاجة إلى رؤية زيد وتأييد عمر !! وإذا كان النبيّ صلّى الله عليه وآله أقدم على الفعل بعد تأييده برؤية زيد وعمر ، فهذا يعني تشكيك النبيّ صلّى الله عليه وآله فيما سمعه من الأذان في السماء ، وهذا باطل ، لأنّه يلزم منه خلاف ما فرضه السهيلي من الجزم برؤيته في السماء السابعة. ب. إنّ الرواية التي صحّحها السهيلي واردة بلفظ أنّ ملكاً من السماء علّم النبيّ صلّى الله عليه وآله الأذان كما علّمه الصلاة ، ومن الواضح إنّ تعليم النبيّ صلّى الله عليه وآله من الله تعالى حتّى يعلّم أُمّته ، والنبيّ صلّى الله عليه وآله قد فعل ذلك ، فقد علَّم أُمّته الصلاة ، فإذاً لا بدّ أن يعلّمهم الأذان وإلّا كان قد أخفى عليهم ما كان عليه تعليمهم ، وهذا باطل لا يرتضى في حقّ النبيّ صلّى الله عليه وآله. ج. إنّ الروايات صريحة في أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله لمّا اقترحوا عليه ما تفعله اليهود رفض ، وما تفعله النصارى فرفض أيضاً ، وعلّل ذلك بكراهة مشابهتم ، مع أنّهم رووا في روايات أُخرى صحيحة أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله كان يحبّ موافقة أهل الكتاب فيما لم ينزل فيه وحي ، والمفروض أنّ هذا لم ينزل فيه وحي ، فعليه لا بدّ أن يوافقهم الرسول ولا يردّ اقتراحهم !! د. إنّ تعليل الكلام بكون « إعلام للناس به على غير لسانه صلّى الله عليه وآله التنويه بقدره والرفع لذكره بلسان غيره ليكون أقوى لأمره وأفخم لشأنه » تعليل عليل ، لأنّ هذا الأمر يتعلّق بالشرع المقدّس ، فإظهاره على لسانه أشدّ وأقوى من إظهاره على لسان غيره ، لأنّه النبيّ صلّى الله عليه وآله المكلّف بتبليغ الرسالة إلى الناس وإلّا إذا رضيت بهذا التعليل يلزم من أن تظهر تشريعات أُخرى على لسان غيره ، لورد نفس التعليل فيها مع إنّه لم يظهر ذلك ولم ينقل. وفي الواقع إنّ هذه الأُمور التي يذكرونها ما هي إلّا تعليلات عليلة اخترعها عقولهم وصوّرتها مخيّلتهم لأجل تبرير الواقع الذي نقلته هذه الروايات ، من كون الأذان ناشئ عن رؤية لعبد الله بن زيد ، فالتجاؤوا إلى هذه الأُمور العليلة التي لا تغني ولا تسمن من جوع بدل حفظ كرامة النبيّ صلّى الله عليه وآله والرسالة والإيمان بأنّ الأذان شرّعه الله تعالى على لسان نبيّه الكريم لا عن رؤية حلميّة أو اقتراح التزم به النبيّ صلّى الله عليه وآله !! فإنّ ذلك كلّه يؤدّي إلى استنقاص الرسالة والحطّ من قيمتها الإلهيّة ! وسوف نبيّن لاحقاً أنّ الأذان تشريع إلهي نزل من السماء ، فكن على ذكر من ذلك. وهناك إشكال عامّ يرد على جميع الروايات ، وهو ما ذكره الحاكم في « المستدرك » حيث قال : وإنما ترك الشيخان حديث عبد الله بن زيد في الأذان والرؤيا التي قصها على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بهذا الإسناد لتقدم موت عبد الله بن زيد ، فقد قيل : إنه استشهد بأحد ، وقيل بعد ذلك بيسير والله أعلم. (14) فإذاً تبطل الرواية من الأصل ، لأنّها رويت بعد موت عبد الله بن زيد وهذا لا يمكن قبوله ، ودليل على وضع الرواية وبطلان كلّ ما يبنى عليها واستند إليها. وقال ابن حجر : وفي الحلية في ترجمة عمر بن عبد العزيز بسندٍ صحيح عن عبد الله العمري ، قال : دخلَتْ ابنةُ عبد الله بن زيد بن ثعلبة على عُمر بن عبد العزيز فقالت : أنا ابنة عبد الله بن زيد شهِد أَبي بدراً وقُتل بأحد ، فقال : سَلِيني ما شئت فأعطاها. (15) فإذاً مع إيمان ابن حجر العسقلاني بأنّ عبد الله بن زيد استشهد بأُحد ، وعليه تكون الروايات المرويّة عن رؤيا الأذان منقطعة ، ولكنّنا مع ذلك نجده يستدلّ برؤيته على شرعيّة الأذان. فانظر إلى الأمانة العلميّة والتقوى التي يحملها ابن حجر وغيره من أقطاب المذهب السنّي !! والصحيح أنّ الأذان شرّعه النبيّ صلّى الله عليه وآله بأمر الله تعالى ، وقد وردت بذلك روايات عديدة من طرق أهل السنّة وهي صحيحة السند أيضاً : فقد أخرج الحاكم بسنده عن سفيان بن الليل قال : لما كان من أمر الحسن بن علي ومعاوية ما كان قدمت عليه المدينة وهو جالس في أصحابه فذُكر الحديث بطوله قال : فتذاكرنا عنده الأذان فقال بعضنا : إنما كان بدء الأذان رؤيا عبد الله بن زيد بن عاصم فقال له الحسن بن علي إنّ شأن الأذان أعظم من ذاك أذن جبريل عليه السلام في السماء مثنى مثنى وعلمه رسول الله صلى الله عليه وسلّم وأقام مرة مرة ، فعلّمه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأذّن الحسن حين ولي. (16) وعلّق الذهبي على الرواية بقوله : قال أبو داود : نوح كذّاب ، وهو قول ابن الملقن انتهى. والمقصود بنوح هو نوح بن درّاج اتّهم بالكذب والوضع ! ولم يبيّن سبب كذبه ، ولكن الجوزجاني كشف لنا عن سبب تضعيفه ، فقال : وقال إبراهيم بن يعقوب الجُوْزْجاني : زائغ. (17) ومقصود الجوزجاني بالزيغ هو التشيّع ، كما أفصح عن ذلك الذهبي في ترجمة الجوزجاني في « ميزان الإعتدال ». (18) وعليه فسبب طعنه كونه شيعيّاً لا غير وإلّا إذا رجعنا إلى ترجمته نجدهم رموه بالكذب والزيغ والوضع بلا أيّ مبرّر أو دليل ، أو قل هو جرح مبهم ، وقد كشف عنه الجوزجاني فصار جرحاً مفسّراً ، وبما أنّه ليس بجرح حتّى على مبانيهم فيكون جرحه لا قيمة له ويحكم بوثاقته كما ذكر بعضهم ! فإذاً الرواية صحيحة. الرواية الثانية : عن زياد بن المنذر حدّثني العلاء قال : قلت لابن الحنفية : كنا نتحدّث أن الأذان رؤيا رآها رجل من الأنصار ففزع وقال : عمدتم إلى أحسن دينكم فزعتم أنه كان رؤيا هذا والله باطل ، ولكن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لما عرج به انتهى إلى مكان من السماء وقف وبعث الله ملكاً ما رآه أحد في السماء قبل ذلك اليوم فعلمه الأذان. (19) وهذا الحديث ضعّف بسبب وجود زياد بن المنذر في الرواية ! وعند الرجوع إلى ترجمته نجد أن تضعيفه لم يكن لفرية ارتكبها ، أو مروق عن الدين ركبه ، وإنّما ضعّف لأنّه شيعي يروي فضائل أهل البيت عليهم السلام : قال أبو أحمد ابنُ عَدِيّ : عامَّةُ أحاديثه غيرُ محفوظةٍ ، وعامَّة ما يرويه في فضائل أهل البيت ، وهو من المعدودين من أهل الكوفة المغالين ، ويحيى بن معين إنما تكلَّم فيه وضعَّفه لأنه يروي في فَضَائِل أهلِ البَيْتِ. (20) وعلى ذلك تكون الرواية صحيحة السند ، لأنّ تضعيف الراوي لم يكن ناشئاً عن جرح معتدّ به ومقبول ، وإنّما ضعّف لأجل التعصّب والهوى ضدّ أهل البيت عليهم السلام. ومن هذا يتّضح العداء الذي يكنّه علماء أهل السنّة لأهل البيت عليهم السلام والنفور من رؤية فضائلهم ممّا أدّى بهم إلى جعل رواية فضائلهم موحية لتضعيف الراوي وإسقاطه عن المقبوليّة. وتتّضح لديك مقولة ابن حجر التي قال فيها : وقد كنت استشكل توثيقهم الناصبي غالياً وتوهينهم الشيعة مطلقا ولا سيما ان عليا ورد في حقه لا يحبه الا مؤمن ولا يبغضه الا منافق . (21) فالعداء متجذّر في علماء الحديث لغمورهم في النصب ، فلذلك يطعنون برواة فضائل أهل البيت عليهم السلام ، ولك في النسائي والصنعاني والحاكم وغيرهم خير شاهد. وأمّا الروايات الواردة عن أهل البيت عليهم السلام والمرويّة في كتب علماء الشيعة فهي كثيرة ، وتنصّ على أنّ الأذان تشريع من الله تعالى من دون مدخليّة للأحلام والمنامات الليليّة فيه. (22) وفي « بدائع الصنائع » بعد أن نقل رواية رؤية عبد الله بن زيد قال : وروي عن محمد ابن الحنفية أنه أنكر ذلك. (23) وقال السيوطي : وأخرَج أبو الشيخِ في كتابِ « الأذانِ » عن ابنِ عباسٍ قال : الأذانُ نزَل على رسولِ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم مع فرضِ الصلاةِ : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ ... ) . (24) الهوامش 1. سنن أبي داود / المجلّد : 1 / الصفحة : 120 / الناشر : دار الفكر / الطبعة : 1. راجع : السنن الكبرى « للبيهقي » / المجلّد : 1 / الصفحة : 390 ـ 391 / الناشر : دار الفكر. فتح الباري « لابن حجر العسقلاني » / المجلّد : 2 / الصفحة : 66 / الناشر : دار المعرفة / الطبعة : 2. عمدة القاري « للعيني » / المجلّد : 5 / الصفحة : 106 / الناشر : دار إحياء التراث العربي. 2. سنن أبي داود / المجلّد : 1 / الصفحة : 120 / الناشر : دار الفكر / الطبعة : 1. 3. عمدة القاري « للعيني » / المجلّد : 5 / الصفحة : 106 / الناشر : دار إحياء التراث العربي : لما امر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالناقوس يعمل ليضرب به للناس لجمع الصلاة طاف بي وانا نائم رجل يحمل ناقوسا في يده ... 4. السيرة الحلبية « للحلبي » / المجلّد : 2 / الصفحة : 131 / الناشر : دار الكتب العلميّة / الطبعة : 2 : أي ويدل لذلك قول عبد الله بن زيد كما جاء في رواية : ولو لا أن يقول الناس : أي يستبعد الناس ذلك لقلت إني كنت يقظان غير نائم وذلك الرجل عليه ثوبان أخضران يحمل ناقوساً في يده ... 5. فتح الباري « لابن حجر العسقلاني » / المجلّد : 2 / الصفحة : 78 / الناشر : دار المعرفة : وفي مسند الحارث بن أبي أسامة بسند واه قال : أول من أذن بالصلاة جبريل في سماء الدنيا ، فسمعه عمر وبلال ، فسبق عمر بلالا فأخبر النبي صلّى الله عليه وسلّم ، ثم جاء بلال فقال له : سبقك بها عمر. 6. راجع : سنن أبي داود / المجلّد : 1 / الصفحة : 120 / الناشر : دار الفكر / الطبعة : 1. السيرة الحلبيّة « للحلبي » / المجلّد : 2 / الصفحة : 135 / الناشر : دار الكتب العلميّة / الطبعة : 2. 7. السيرة الحلبيّة « للحلبي » / المجلّد : 2الصفحة : 135 / الناشر : دار الكتب العلميّة / الطبعة : 2 : قيل « وكان بلال إذا أذن ، قال : أشهد أن لا إله إلا الله حيّ على الصلاة ، فقال له عمر على أثرها : أشهد أن محمداً رسول الله ، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لبلال : قل كما قال عمر ». 8. راجع : سنن أبي داود / المجلّد : 1 / الصفحة : 120 / الناشر : دار الفكر / الطبعة : 1. الطبقات الكبرى « لابن سعد » / المجلّد : 1 / الصفحة : 246 / الناشر : دار صادر. 9. سنن أبي داود / المجلّد : 1 / الصفحة : 120 م الناشر : دار الفكر / الطبعة : 1. راجع : فتح الباري « لابن حجر العسقلاني » / المجلّد : 2 / الصفحة : 81 / الناشر : دار المعرفة / الطبعة : 2. 10. فتح الباري « لابن حجر العسقلاني » / المجلّد : 2 / الصفحة : 82 / الناشر : دار المعرفة / الطبعة : 2 : قد استشكل إثبات حكم الأذان برؤيا عبد الله بن زيد لأن رؤيا غير الأنبياء لا ينبنى عليها حكم شرعي. 11. شرح الزرقاني على الموطأ / المجلّد : 1 / الصفحة : 219 / الناشر : دار الإحياء التراث العربي : وقد استشكل إثبات حكم الأذان برؤيا عبد الله بن زيد لأن رؤيا غير الأنبياء لا ينبني عليها حكم شرعي ، وأجيب باحتمال مقارنة الوحي لذلك أو لأنه صلّى الله عليه وسلّم أمر بمقتضى الرؤيا لينظر أيقرّ على ذلك أم لا ، ولا سيما لما رأى نظمها يبعد دخول الوسواس فيه ، وهذا ينبني على القول بجواز اجتهاده في الأحكام وهو المنصور في الأصول. 12. شرح الزرقاني على الموطأ / المجلّد : 1 / الصفحة : 219 / الناشر : دار الإحياء التراث العربي. 13. شرح الزرقاني على الموطأ / المجلّد : 1 / الصفحة : 220 / الناشر : دار الإحياء التراث العربي. 14. المستدرك « للحاكم النيسابوري » / المجلّد : 4 / الصفحة : 387 / الناشر : دار الكتب العلميّة. 15. الإصابة « لابن حجر العسقلاني » المجلّد : 4 / الصفحة : 85 / الناشر : دار الكتب العلميّة / الطبعة : 1. 16. المستدرك « للحاكم النيسابوري » / المجلّد : 4 / الصفحة : 187 / الناشر : دار الكتب العلميّة. 17. تهذيب الكمال « لجمال الدين المزي » / المجلّد : 30 / الصفحة : 45 / الناشر : مؤسسة الرسالة / الطبعة : 1. 18. ميزان الاعتدال « للذهبي » / المجلّد : 1 / الصفحة : 76 / الناشر : دار المعرفة / الطبعة : 1. 19. شرح الزرقاني على الموطأ / المجلّد : 1 / الصفحة : 220 / الناشر : دار إحياء التراث العربي. 20. تهذيب الكمال « لجمال الدين المزي » / المجلّد : 9 / الصفحة : 519 / الناشر : مؤسسة الرسالة / الطبعة : 1. 21. تهذيب التهذيب « لابن حجر العسقلاني » / المجلّد : 8 / الصفحة : 458 / الناشر : دائرة المعارف النظامية. 22. الكافي « للشيخ الكليني » / المجلّد : 3 / الصفحة : 302 / الناشر : دار الكتب الإسلامية / الطبعة : 5. 23. بدائع الصنائع « لأبي بكر الكاساني » / المجلّد : 1 / الصفحة : 636 / الناشر : دار الكتب العلميّة. 24. الدر المنثور « لجلال الدين السيوطي » / المجلّد : 14 / الصفحة : 469 / الناشر : مركز الهجر للبحوث والدراسات.
الجواب من مركز الأبحاث العقائديّة: أطبقت آراء علماء المذاهب الإسلاميّة على انحراف وضلالة ابن تيميّة ، وعلى سبيل المثال لا الحصر نذكر بعض الموارد : 1. قالوا : « كفاك لعنة اقتدائك بالشقي ابن تيميّة ، أجمع علماء عصره على ضلاله وحبسه ، ونودي من كان على عقيدة ابن تيميّة حل ماله ودمه » (1) . 2. « ولا زال ابن تيميّة يتتبع الأكابر ، حتّى تمالا عليه أهل عصره ، ففسّقوه وبدّعوه ، بل كفّره كثير منهم » (2) . 3. رفض مجموعة من علماء المذاهب المختلفة آراءه ومعتقداته ، مثل : الإمام صدر الدين بن الوكيل المعروف بابن المرحل الشافعي ، الإمام أبو حيّان ، الإمام عزّ الدين ابن جماعة ، الإمام كمال الدين الزملكاني الشافعي ، ملّا علي القاري الحنفي ، شهاب الدين الخفاجي الحنفي ، الإمام محمّد الزرقاني المالكي ، الإمام تقي الدين السبكي الشافعي ، الحافظ ابن حجر العسقلاني الشافعي ، الإمام عبد الرؤوف المنّاوي الشافعي ، الشيخ مصطفى الحنبلي الدمشقي ، الإمام شهاب الدين أحمد بن حجر المكّي الشافعي ، الإمام صفي الدين الحنفي البخاري ، الحافظ عماد الدين بن كثير الشافعي ، شيخ الإسلام صالح البلقيني الشافعي ، الحافظ جلال الدين السيوطي الشافعي (3) . 4. إنّ شيخهم ابن تيميّة ، قال عنه علّامة زمانه علاء الدين البخاري : إنّ ابن تيميّة كافر ، كما قاله علّامة زمانه زين الدين الحنبلي ، إنّه يعتقد كفر ابن تيميّة ، ويقول : « إنّ الإمام السبكي معذور بتكفير ابن تيميّة ، لأنّه كفّر الأُمّة الإسلاميّة » (4) . 5. قال علماء المذاهب : إنّ ابن تيميّة زنديق ، وقال ابن حجر : إنّ ابن تيميّة عبد خذله الله ، وأضلّه وأعماه ، وأصمّه وأذلّه ، وقال العلماء : إنّ ابن تيميّة تبع مذهب الخوارج في تكفير الصحابة ، وقال الأئمّة الحفّاظ : « إنّ ابن تيميّة من الخوارج ، كذّاب أشر أفّاك » (5) . 6. فاعلم إنّي نظرت في كلام هذا الخبيث ـ ابن تيميّة ـ الذي في قلبه مرض الزيغ المتتبع ما تشابه في الكتاب والسنّة ابتغاء الفتنة (6) . هذا جملة ممّا أردنا ذكره هنا بعد إعراضنا عن الكثير ممّا قيل في هذا المجال. الهوامش 1. سيف الجبّار : 19. 2. تطهير الفؤاد من دنس الاعتقاد : 10. 3. أُنظر : شواهد الحقّ : 177. 4. فضل الذاكرين والردّ على المنكرين : 23. 5. نفس المصدر السابق. 6. التوسّل بالنبيّ وبالصالحين : 216.