الجواب من محمد مهدي المؤمن: أظنّ أنّ هذا السؤال نابع من المقارنة الطبيعيّة ، والإقتران التلقائي الذي ارتكز في أذهان الشيعة الإماميّة بين الإجتهاد وعصر الغَيبة ، حيث عُدّ المجتهد بديلاً للإمام عليه السلام ، أيّ قائماً مقامه الشريف على نحو الجزئيّة وفي حدود بيان الأحكام فقط ، أو على نحو الإطلاق كما هو عند القائلين بولاية الفقيه المطلقة ، أو على نحو الولاية المتوسطة ، وهو كونها أمراً بين الأمرين السابقين ، كما عُدّ الإجتهاد ـ وهو استنباط الحكم الشرعي الظاهري ـ بديلاً عن الحكم الواقعي ، وحجّةً على المجتهد ومقلّديه قائماً مقام حكم المعصوم عليه السلام في كونه منجّزاً ومعذِّراً ، وقد أصبح المألوف في أذهاننا ، والمرتكز في نفوسنا ، ارتباط هذه الحقيقة بزمن الغَيبة ارتباطاً وثيقاً كاد أن ينفي وجود أيّ وجهٍ لجواز الإجتهاد في زمن حضور الإمام عليه السلام ، وهو أمر ليس بصحيح ؛ ذلك أنّ الإسلام حاله حال سائر الأديان السماويّة لا ينمو إلّا في ظروف طبيعيّة بعيداً عن المعجزات وخوارق الطبيعة إلّا في النادر من الحالات ، حيث تكون المعجزة إثباتاً للحقّ ، وإتماماً للحجّة ، أو إبقاء لصلب الدين ، وحفظاً لبضة الإسلام ، إذا توقّف الإبقاء والحفظ للبيضة والأساس على عمليّة الإعجاز ولم يتحقّقا بالأسباب الطبيعة. بعد هذه المقدّمة أقول : ومن الطبيعي المسلّم أنّ الإسلام حتّى في عهد المعصومين عليهم السلام لم يقتصر على مكّة والمدينة ، ولم ينحصر وجود المسلمين في المنطقة أو المدينة التي كان يقيم فيها الإمام عليه السلام ويقطنها ، بل كانوا ينتشرون في البلاد القريبة والبعيدة ، وفي أقصى البلاد وأدناها ، وكانوا يعلمون إجمالاً بوجود أحكام إلٰهيّة مطلوبة منهم في كلّ واقعة كلّية أو جزئيّة ، وصغيرة أو كبيرة ، فلا يخلو فعل من أفعالهم من حكم من الأحكام الخمسة ، إمّا يكون واجباً أو حراماً أو مستحبّاً أو مكروهاً أو مباحاً ، علاوة على علمهم بوجود عبادات وأفعال وموضوعات لها أحكام خاصّة بها لا تخلوا من أحد الأحكام الخمسة. إذن فبُعد المسافة التي كانت بين المسلمين وبين إمامهم ، وصعوبة الاتّصال بينهم وبينه ، ولبدائيّة طرق وأساليب المواصلات ، بالإضافة إلى علم المسلمين إجمالاً بوجود أحكام شرعيّة وأعمال عباديّة خاصّة ، وحتّى معاملاتيّة ، لها أحكامها وموازينها الشرعيّة ، حتّمت على المسلمين التماس وتحديد الطرق والوسائل الكفيلة ببيان هذه الأحكام وسهولة التوصّل إليها من قِبل الشارع الحكيم ، وحتّمت على إمام المسلمين أن يبادر إلى تلبية هذه الحاجة وسدّها تارة ، وإلى الاستجابة لالتماسهم وطلبهم في ذلك تارة اُخرى ، وكانت الوسيلة الفضلى لسدّ هذه الحاجة وتلبية هذه الرغبة هي التمسّك بالسيرة العقلائيّة من لزوم رجوع الجاهل إلى أهل الخبرة والعلماء ، وهذا الأمر لا يختصّ بزمن دون زمن ـ أعني لا يختصّ بزمن الغَيبة الكبرى ـ ؛ لأنّ الحاجة إلى معرفة الأحكام الشرعيّة موجودة ومورد للإبتلاء في كلّ زمان وكلّ مكان ؛ إذ وجود الإمام عليه السلام في المدينة المنوّرة أو في الكوفة مثلاً ، لا يمنع من وجود أحكام لأهل المدن والبلاد الاُخرى ، ولا يُسقط الأحكام عنهم ، وأمّا عجزهم عن الوصول إلى المعصوم عليه السلام لتلقّي الأحكام منه مباشرة ، أو ممّن سمعها منه ؛ للظروف الطبيعيّة أو الظروف غير الطبيعيّة المصطنعة ، بل قد تفوت المصلحة من الحكم في حال التأخير للوصول إلى المعصوم عليه السلام ، كلّ ذلك لم يُسقط التكليف عن المؤمنين ودفعهم إلى التماس طرق للخروج من هذا المأزق ، كما حمل المعصوم عليه السلام على تربية جيل من المجتهدين يقومون بحمل أعباء استنباط الحكم الشرعي وبيانه للناس ، وسدّ هذه الحاجة لهم ، فلا اختصاص للإجتهاد بزمن الغيبة الكبرى ، وإن كان فيه أوسع دائرة وأشدّ ابتلاءً. ولهذا رُوي عن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام قوله : « مجاري الاُمور والأحكام على أيدي العلماء بالله ، الاُمناء على حلاله وحرامه » (1). وقال الإمام الصادق عليه السلام : « اُنظروا إلى مَنْ كان منكم قد روى حديثنا ، ونظر في حلالنا وحرامنا ، وعرف أحكامنا ، فارضوا به حاكماً ، فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً ، فإذا حكم بحكمٍ فلم يُقبلْ به فإنّه بحكم الله استخفّ ، وعلينا ردَّ ، والرادّ علينا كافرٌ ، رادٌ على الله ، وهو على حدّ مَنْ أشرك بالله » (2). وفي رواية اُخرى : « الرادّ عليهم كالرادّ علينا ، والرادّ علينا كافر » (3). وقال عليه الصّلاة والسّلام أيضاً : « ولاية أهل العدل الذين أمر الله بولايتهم وتوليتهم وقبولها ، والعمل لهم فرضٌ من الله ، وطاعتهم واجبة ، ولا يحلّ لمن أمروه بالعمل لهم أن يتخلّف عن أمرهم » (4). وكما قال الإمام الحسن العسكري عليه السلام في الخبر المروي عنه : « أمّا من كان الفقهاء صائناً لنفسه ، حافظاً لدينه ، مخالفاً لهواه ، مطيعاً لأمر مولاه ، فللعوام أن يقلّدوه » (5). وهكذا جاء في الخبر المروي عن الإمام الحجّة عجّل الله تعالى فرجه الشريف : « وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا ، فإنّهم حجّتي عليكم ، وأنا حجّة الله » (6). وعن الإمام الصادق عليه السلام : « انظروا إلى من كان منكم قد روى حديثنا ، ونظر في حلالنا وحرامنا ، وعرف أحكامنا ، فارضوا به ، فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً ، فإذا حكم بحكمنا ولم يقبله منه فإنّما بحكم الله استخفّ ، وعلينا ردّ ، وهو رادٌّ على الله ، وهو على حدّ الشرك بالله ، فإذا اختلفا فالحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما ، ولا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر » (7). والحمد لله ربّ العالمين الهوامش 1. مستدرك الشيعة ١٧ : ٢٠. تحف العقول : ٢٣٨. مستدرك الوسائل ١٧ : ٣١٦ ، ب ١١. بلغة الفقيه ٣ : ٢٣٠. بحار الأنوار ٩٧ : ٨٠. 2. السرائر ٣ : ٥٤٠. مختلف الشيعة ٤ : ٤٦٤. 3. وسائل الشيعة ١ : ٢٣. الاحتجاج ٢ : ١٠٦. بحار الأنوار ٢ : ٢٢١. 4. كشف اللثام ٢ : ٣٢١. مستدرك الوسائل ١٧ : ٢٤٠ و ٣١٢. 5. عوائد الأيام ـ النراقي : ١٩١. حصر الاجتهاد ـ الطهراني : ٥١. 6. عوائد الأيام : ١٨٧. مستند الشيعة ١٠ : ٤١٩. وسائل الشيعة ١٢ : ٨٧. 7. رسائل الكركي ١ : ١٤٣. جامع المدارك ٥ : ٤١٢. تحرير الأحكام ٢ : ١٨١ و ٢٠٨. مجمع الفائدة والبرهان ١٢ : ٩. الكافي ١ : ٦٨. تهذيب الأحكام ٦ : ٣٠١. الوسائل ٢٧ : ١٠٦ و ١٢٣. مقتبس من كتاب : [ كيف نفهم الرسالة العمليّة ] / الجزء : 2 / الصفحة : 23 ـ 28
الجواب من محمد مهدي المؤمن: والجواب الذي يناسب المقام باختصارٍ شديد ، وبيانٍ واضح سديد أنّ السّيرة العقلائيّة ـ كما هو واضح ـ استمرار عادة الناس وتبانيهم العمل على فعل شيءٍ ، أو ترك شيءٍ ، والمقصود بالناس : جميع العقلاء والعرف العام من كلّ ملّة ونحلة ، فيعمّ المسلمين وغيرهم ، والتعبير الشايع عند الاُصوليين المتأخرين ـ والمراد منهم علماء الاُصول في الأزمنة المتأخّرة ـ تسميتها بـ « بناء العقلاء » (1). فالسّيرة العقلائيّة تقضي بلزوم رجوع الجاهل إلى العالم وأهل الخبرة. وأمّا المراد بحكم العقل والمقصود منه هنا هو حكم العقل العملي « ومعنى حكم العقل ـ على هذا ليس إلّا إدراك أن الشيء ممّا ينبغي أن يُفعل أو يُترك » (2) فالعقل يحكم بضرورة رجوع الجاهل إلى العالم وذوي الإختصاص وأهل الخبرة. وأمّا حكم الفطرة فالمراد منه أن الفطرة الإنسانيّة السّليمة تحكم بوجوب ولزوم رجوع الجاهل إلى العالم وأهل الخبرة فيما يجهل. وأمّا حكم الشرع فهو الحكم الوارد على لسان الشارع المقدّس في الكتاب أو السّنّة أو المستفاد من العقل أو الإجماع أو سيرة المعصومين عليه السلام ، وهو على قسمين : أ ـ إمّا إرشاد وتنبيهٌ إلى حكم العقل ، أو حكم الفطرة ، أو السيرة العقلائيّة ، إن كان لواحدٍ من هذه الثلاثة حكم في خصوص المسألة ، ويسمّى « حكماً إرشاديّاً ». ب ـ وإمّا تأسيس حكم وإيجاد أمر أو نهي ، إذا لم يكن مسبوقاً بحكم العقل أوالفطرة أو السيرة العقلائيّة ، ولم يكن مبتنياً على أحدها ويسمّى حينئذٍ « أمراً مولويّاً » أيّ من المولى مباشرة من غير ابتناءٍ على حكم العقل أو الفطرة أو السّيرة العقلائيّة. والنتيجة : أنّ مسألة وجوب التقليد في الشّرع المقدّس مبنيّة على أحد الاُمور الثلاثة السّابقة : أ ـ إمّا على حكم العقل بضرورة رجوع الجاهل إلى العالم وأهل الخبرة. ب ـ أو على حكم الفطرة بلزوم الرجوع إلى العالم وأهل الخبرة ج ـ أو على السّيرة العقلائية القاضية بالرّجوع إلى العالم و أهل الخبرة. فما ورد على لسان المعصوم عليه السلام في الأخبار الصّحاح وفي بعض المراسيل مثل قوله عليه السلام : « من كان من الفقهاء صائناً لنفسه ، حافظاً لدينه ، مخالفاً لهواء ، مطيعاً لأمر مولاه ، فللعوام أن يقلّدوه » (3) حكم شرعي إرشادي ، أيّ أنّه إمّا إرشاد إلى حكم العقل ، أو حكم الفطرة ، أو سيرة العقلاء. واعلم أنّ السّيرة العقلائيّة لا تكون حجّة ـ أيّ لا يجوز العمل بها ، أو لا يجب الأخذ بها ـ إلّا إذا كانت ممضاةً وموقَّعةً ومؤيّدةً من قِبَلِ الشارع المقدّس بالكتاب والسُّنة ، أو على الأقلّ لم يرد نهي عنها على لسان المعصوم عليه السلام. والحاصل : أنّ المؤمنين كانوا وما زالوا يرجعون في تلقّي أحكامهم إلى الفقيه الجامع للشرائط ، وذلك بدليل السّيرة العقلائيّة القاضية برجوع الجاهل إلى العالم أو حكم العقل أو حكم الفطرة القاضيين بضرورة رجوع الجاهل إلى العالم وزاد في التأكيد على ذلك ما ورد لسان المعصوم عليه السلام ، وبهذا نكون قد أجبنا على سؤال هامّ تقدّم في الدّرس الأول ، ألا وهو : لماذا وبأيّ دليل اختاروا هذا المسلك ؟ أيّ لماذا اختاروا طريقة التقليد ورجوع الجاهل إلى العالم ؟ الهوامش 1. اُصول الفقه للمظفّر الباب السّابع السّيرة. 2. اُصول الفقه للمظفّر ص ١٧٠ منشورات الفيروز آبادي. 3. الاحتجاج ج ٢ / ٢٦٣ ، بحار الأنوار ج ٢ / ٨٨ ، وسائل الشيعة ج ٢٧ / ١٣١. مقتبس من كتاب : [ كيف نفهم الرّسالة العمليّة ] / الجزء : 1 / الصفحة : 13 ـ 17