الجواب من الشيخ محمد السند: هذه الزيارة وإن لم تكن متّصلة السند إلى الناحية المقدّسة إلّا أنّ جملة من مضامينها ليس إلّا تصويراً حقيقيّاً لهول الفظائع والفجائع التي ارتكبها القوم في هتك حرمة آل المصطفى صلوات الله عليهم ؛ فالمفروض على صاحب الإعتراض المزبور بدل أن ينظر بعين واحدة ، فلينظر بعين ثانية إلى جريمة قتلة سبط النبي صلّى الله عليه وآله ، فإنّهم أخذوا عيالات النبي صلّى الله عليه وآله وبناته اُسارى سبايا من بلد إلى بلد يتصفّح وجوههنّ الأعداء (1) ، فهل راعوا حرمة رسول الله صلّى الله عليه وآله في ذلك ؟! وهل يتوقّع صاحب الإعتراض ذو الوجدان النابض بالحسّ الديني ، أن سبي معسكر الحسين عليه السلام ، والغارة على خيامه كان بالمشاعر المفعمة بالإنسانيّة والالتزام بالإسلام ، إذا كان من شيمة قتلة الحسين عليه السلام أن وطأوا الخيل صدره الشريف بعد أن قتلوه (2) ؟! فماذا يتوقّع هذا المعترض الذي يريد أن يبيّض وجه قتلة ريحانة النبي صلّى الله عليه وآله من حيث يبصر أو لا يبصر ؟! فماذا يتوقّع من هؤلاء الجناة الجفاة في تعاملهم في سبي حرم الحسين عليه السلام ؟! هل أبقوا لهم خدر وجلباب أو خمار ؟! فالمعترض يسند الفعل إلى أهل بيت سيّد الشهداء ، ولا يسند الجريمة إلى معسكر بني أميّة وابن زياد وعمر بن سعد. الهوامش 1. راجع : اللهوف في قتلى الطفوف « للسيّد ابن طاووس » / الصفحة : 101 ـ 105 / الناشر : أنوار الهدى / الطبعة : 1. مقتل الحسين عليه السلام « لعبد الرزاق المقرم » / الصفحة : 362 ـ 366 / الناشر : مؤسسة الخرسان. 2. راجع : اللهوف في قتلى الطفوف « للسيّد ابن طاووس » / الصحفة ك 79 ـ 80 / الناشر : أنوار الهدى / الطبعة : 1. مقتل الحسين عليه السلام « لعبد الرزاق المقرم » / الصفحة : 317 ـ 318 / الناشر : مؤسسة الخرسان للمطبوعات.
الجواب من الشيخ محمد السند: هناك العديد من الأدلّة تفيد كون باقي أئمّة أهل البيت من مصاديق آية التطهير ، نذكر عدّة منها : الأوّل : حديث الثقلين المتواتر في طرق الفريقين : « ولَن يتفرقا حتّى يردا عليّ الحوض » (1) ، فإن معية وتقارن الكتاب وأهل البيت ، ولزوم التمسّك بكلّ منهما يقتضي إحاطة أهل البيت بكلّ القرآن وكل بطونه وإلّا لحصل الافتراق ، ولا يحيط بالقرآن كلّه إلّا المطهّر بمقتضى قوله تعالى : ( فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ * إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ * لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ * أَفَبِهَـٰذَا الْحَدِيثِ أَنتُم مُّدْهِنُونَ ) (2). فالقرآن بجميع حقائقه في كتاب هو مكنون محفوظ في كنّ أن يصل إليه أحد إلّا المطهّرون ، وقد نزّل ألفاظه تعالى على لسان رسوله ومن ثمّ في المصحف المدوّن الشريف ، فأهل البيت المقرونون واللازمون للقرآن في كلّ مورد لا بدّ أن يكونوا مطهّرين ، فيكونون مصداق آية التطهير : ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّـهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ ... ) (3). الثاني : إنّه بمقتضى مفاد حديث الثقلين المتواتر الوارد في التنصيص على الشكل الثاني تارة بلسان « عترتي » واُخرى بلسان « أهل بيتي » ، وأنّهما معاً ، أيّ أنّ أهل البيت لا يزالون ما لم يزل القرآن ؛ وهذا يفسّر أنّ عنوان واسم أهل البيت مصاديقه باقية إلى يوم القيامة مقروناً بالقرآن ، وأنّ المراد بأهل البيت في آية التطهير هم باقي الأئمّة أبناء الحسين عليهم السلام أيضاً. الثالث : حديث السفينة المتواتر : « مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح ، من ركبها نجا ، ومن تخلف عنها غرق » (4). وهذا الحديث هو الآخر يفسّر أنّ عنوان واسم أهل البيت يشمل غير أصحاب الكساء من باقي الأئمّة أبناء الحسين عليه السلام لعموم بقائهم كسفينة نجاة في أجيال وأزمنة هذه الاُمّة. الرابع : إنّه قد تواتر في طرق الفريقين عن النبي صلّى الله عليه وآله أنّ المهدي عجّل الله تعالى فرجه الشريف من أهل بيتي وأنّه يظهر فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً. (5) وهذا تنصيص من النبي صلّى الله عليه وآله على أنّ باقي الأئمّة من ولد الحسين إلى المهدي القائم عجّل الله تعالى فرجه الشريف هم من أهل بيته من مصاديق هذا العنوان والاسم في آية التطهير. الخامس : روي في دلائل النبوة للبيهقي ، والحكيم الترمذي ، والطبراني ، وابن مردويه ، وأبو نعيم جميعهم ، عن ابن عبّاس ـ راجع الدرّ المنثور ـ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إنّ الله عزّ وجلّ قسم الخلق قسمين ، فجعلني في خيرهما قسماً ـ إلى أن قال : ـ ثمّ جعل القبائل بيوتاً ، فجعلني في خيرها بيتاً ، فذلك قوله : ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّـهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) ، فأنا وأهل بيتي مطهّرون من الذنوب . (6) وظاهر الحديث كما هو واضح عموم أهل بيته من سلالته صلّى الله عليه وآله. وهناك غيرها من الأدلّة لا يسعها المقام وفي ما تقدّم كفاية. أمّا الإرادة في الآية فهي تكوينيّة لا تشريعيّة ، وهي في الوقت الذي لا يتخلّف المراد فيها عن الإرادة الإلهيّة التكوينيّة ، فهي لا توجب زوال عنصر الاختيار عن المطهّر المعصوم من الذنوب ، وذلك لكون حقيقة العصمة راجعة إلى العلم اللدني بحقائق الأمور بنحو تتكشف الواقعيّات ، فلا يزل عن الصراط المستقيم ، نظير العلم الضروري الموجود في كل شخص منّا بأنّ الكهرباء قاتلة فإنّه يعصمنا عن وضع جزء من أجسامنا متصلاً بالكهرباء ، وإن لم يفقدنا عنصر الاختيار. الهوامش 1. سنن الترمذي / المجلّد : 5 / الصفحة : 663 / الحديث 3788 / الناشر : دار احياء التراث العربي ـ بيروت. 2. الواقعة : 75 ـ 81. 3. الأحزاب : 33. 4. تاريخ بغداد / المجلّد : 12 / الصفحة : 91 / الناشر : دار الكتاب العربي ـ بيروت. مناقب الامام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام / المجلّد : 1 / الصفحة : 296 / الناشر : مجمع احياء الثقافة الاسلاميّة ـ قم. 5. عقد الدرر في أخبار المنتظر (عج) / الصفحة : 39 / الناشر : انتشارات نصايح. بحار الأنوار / المجلّد : 56 / الصفحة : 96 / الناشر : مؤسسة الوفاء ـ بيروت. 6. الدر المنثور / المجلّد : 12 / الصفحة : 42 ـ 43 / الناشر : مركز هجر للبحوث والدراسات العربية والاسلامية.
الجواب من الشيخ محمد السند: عن الرضا عليه السلام بعدما سُئل هذا السؤال ، قال عليه السلام : « جزناها وهي خامدة » (1) . والظاهر إرادة النشأة الدنيويّة ، لأنّها موطن الامتحان إذ فيها الغرائز والشهوات والفتن التي رُكّبت في خلقة الإنسان. وكما ورد في الحديث النبوي : « حُفّت النار بالشهوات » (2) ، أيّ أنّ باطن الشهوات والغرائز هي جهنّم في النشأة الأخرى ، إذ أنّ باطن الأعمال يتجسّم بصور الأحوال الأخرويّة. كما دلّت عليه الآيات والروايات ، كما في قوله تعالى في آكل مال اليتيم : ( إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ) (3). ويشير إلى تلك الحقيقة قوله تعالى : ( فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ) (4). فالظاهر من الآية : ( وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا ... ) ـ والله العالم بحقائق القرآن ـ هو إرادة امتحان النشأة الدنيويّة التي باطنها هي النار ، وباطن الدنيا هو الصراط على النار ، فمن فشل في الإمتحان سقط في نار الشهوات والغضب والمعاصي والنار الحقيقيّة ، ومن نجح فاز ، وربما مرّ على الصراط كالبرق. ومراد الرضا عليه السلام من « وهي خامدة » ، أيّ نار شهواتهم وغضب خامدة غير هائجة مستشيطة كما في سائر الناس. الهوامش 1. علم اليقين في أصول الدين / المجلّد : 2 / الصفحة : 1184 / الناشر : منشورات بيدار ـ قم. 2. شرح أصول الكافي / المجلّد : 9 / الصفحة : 108 / الناشر : مكتبة الإسلاميّة ـ طهران. 3. النساء : 10. 4. ق : 22.
الجواب من الشيخ محمد السند: لا يخفى أنّ الكافر ينقسم إلى أقسام : فمنه : القاصر ، كأطفالهم والبله والسُذّج ونحوهم. ومنه : المقصّر ، والمقصّر منه ، المعاند والجاحد. ومنه : اللااُبالي المتسيب ونحوه. ومنه : الشاكّ والمرتاب. فأمّا القاصد فقد ورد عن أئمّة آل محمّد صلوات الله عليهم أنّه يمتحن في الآخر ، فإن أطاع الباري نجا وفاز ، وإن عصى دخل النار ، كما قد ورد في أحاديثهم عليهم السلام أنّ المخلّد في النار هو المعاند والجاحد ، كما في دعاء كميل لأمير المؤمنين عليه السلام : « فباليقين أقطع لولا ما حكمت به من تعذيب جاحديك وقضيت به من إخلاد معانديك لجعلت النار كلَّها برداً وسلاماً وما كان لأحد فيها مقراً ولا مقاماً ، لكنّك تقدّست أسماؤك أقسمت أن تملأها من الكافرين من الجنّة والناس أجمعين وأن تخلّد فيها المعاندين » (1). وهذا هو ظاهر آيات الوعيد بالخلود ، فإنّها في أصحاب العناد واللجاج والجحود والتعمّد والإصرار. الهوامش 1. مصباح المتهجد / الصفحة : 848 / الناشر : مؤسّسة فقه الشيعة ـ بيروت.
الجواب من الشيخ محمد السند: قد ورد في القرآن الكريم : ( نَسُوا اللَّـهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ) [الحشر : 19 ] ؛ أيّ ذكر يُذْكَر بأحوال النفس كما ورد مستفيضاً عن النبي صلّى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام أنّ : « من عرف نفسه فقد عرف ربّه » ، ومعرفة النفس لا تتيسّر إلّا بتهذيب النفس وتزكيتها وتطهيرها من رذائل الأخلاق الذي هو الجهاد الأكبر ، كما في الحديث النبوي ، ثمّ تحليتها بالعلوم النافعة ، وباب أبواب رياضة النفس مراقبتها وهو المعبّر عنه بالمحاسبة ، ولكن يقظه برج المراقبة يطلع الإنسان على كثير من زوايا وبيوتات قوى النفس ، كما أنّ كثرة قراءة الكتب الأخلاقيّة يطلع الفرد على كثير من الأمراض النفسانيّة وطريقة علاجها ، ولا سيّما مراجعة أحاديث النبي صلّى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام مثل كتاب « العشرة في كتاب الكافي » ، وباب العشرة وجهاد النفس في كتاب « الوسائل » للحرّ العاملي ، وغيرها من الكتب. هذا بعد تقيّد الفرد بالحلال وتجنّب الحرام والمعاصي. وقالوا : إنّ في النفس مفاتيح لكنوز كثيرة وطاقات وقدرات خارقة لا تظهر إلّا بمخالفة الهوى والشهوة والغضب والرذائل : ( قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا ) [ الشمس : 9 ـ 10 ] .
الجواب من الشيخ محمد السند: الإرادة التكوينيّة هي ما تكون في سلسلة الأفعال التكوينيّة المخلوقة له تعالى ، أنّه علم فشاء فأراد فقضى فقدّر ، وقد تطلق على القضاء والقدر الإلهي التكويني أو على لوح المحو والإثبات ونحو ذلك : ( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ) [ يس : 82 ] . وأمّا الإرادة التشريعيّة فهي الأوامر والنواهي الإلهيّة في الشريعة ، فهي مجموعة القوانين الدينيّة : ( فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّـهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ ) [ المائدة : 6 ] .
الجواب من الشيخ محمد السند: الرياضة الشرعيّة عرّفت في لسان الكتاب والسنّة بالتقوى والتزكية والورع ، وهي إتيان الواجبات وترك المحرّمات. وهناك درجة أخرى وهي الالتزام بالمندوبات وترك المكروهات الشرعيّة. وهناك درجة ثالثة وهي التحلّي بالصفات الفاضلة وقلع الصفات الرذيلة ، وتولّي أولياء الله تعالى وحججه والتبرّي من أعدائهم. وعلى كلّ تقدير ؛ فإنّ الإلتزام بالنوافل لاسيّما صلاة الليل والتهجّد في السحر والإستغفار والتعقيبات بعد الفرائض ، وكذلك نوافل الظهرين التي اطلق عليها صلاة الأوّابين ، ودوام التوجّه بالقلب في الصلاة فإن للمصلّي من صلاته ما أقبل قلبه كما في الروايات عن أهل البيت عليهم السلام ، ودوام مراقبة النفس والالتفات إلى كيفيّة صدور الإرادة من النفس ، فإنّ دوام الإلتفات إلى النفس باب عظيم يولّد ملكة الهيمنة والقدرة على ترويض قوى النفس الحيوانيّة ، كما أنّ دوام قراءة الكتب الأخلاقيّة وبالأخصّ الروايات الأخلاقيّة يورث البصيرة النافذة لتشخيص أمراض النفس ودوائها ، كما أنّ الإحاطة الشاملة بالأحكام الشرعيّة ضرورة بالغة الأهميّة ، إذ بمعرفة الأحكام يتعرّف الإنسان على مواطن رضا الله تعالى عن مواطن غضبه ، فلا يتخبط عشوائيّاً تابعاً هوى النفس وتسويلات الشيطان باسم الرياضة والتهذيب ، فلا يقع في فخّ وحبائل الإنحراف ، كما أنّ حسن من يعاشره ويصادقه المرء له بالغ التأثير في أخلاقه. وبالجملة : أنّ جملة العبادات المندوبة أبواب لترويض النفس ، وكذلك الآداب الدينيّة. ولكلّ عبادة وأدب نكهة خاصّة تؤثّر في تزكية النفس ، ولا يخفى تأثير المعرفة الوسيعة المبسوطة بالله تعالى وبأصول الدين في توليد الصفات الحسنة الجميلة في النفس الإنسانيّة.
الجواب من الشيخ محمد السند: هناك مذهبان في القابليّات الذاتيّة لماهيّات المخلوقات. الأوّل : وهو الذي أشار إليه في الميزان من القابليّات ذاتيّة ذات قدر محدّد ، وإلى ذلك قيل : الإشارة هي في قوله تعالى : ( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ) [ القمر : 49 ] . وقوله : ( أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا ) [ الرعد : 17 ] . وقوله تعالى : ( سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ ) [ الأعلى : 1 ـ 3 ] . وقوله تعالى : ( وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ) [ الحجر : 21 ] . وقوله صلّى الله عليه وآله : « الناس معادن كمعادن الذهب والفضّة » . وكذلك أخبار الطينة المرويّة عنهم عليهم السلام ، واشتهر بين الفلاسفة : « لم يجعل الله المشمش مشمشاً ، وإنّما أوجده ». وأن الجعل بين الشيء وذاتيّاته ممتنع لضرورة التلازم ، وإنّما الخلق يتعلّق بإيجاد الشيء فتنوجد لوازمه بالتبع ضرورة. الثاني : أنّ تلك القابليّات والماهيّات حيث كانت غير أصيلة في الحقيقة الخارجيّة إلّا بتبع الوجود ، فتلك القابليّات تابعة لمجعوليّة الوجود المخلوق في الممكنات. والصحيح : أنّ كلا من القولين صواب من جهة دون اُخرى ؛ وذلك لأنّ الماهيّات الذوات حيث كانت تبعاً للوجود والفيض الإلهي ، فلا يتصوّر تأثيرها في ما هو أصل لها ، وهي فرع له ، بل هي تنوجد بتبع له ، فمن ثمّ يصحّ أن يقال : أنّه تعالى يعطي الوجود ، ويعطي القابليّة أيضاً ؛ لأنّه بإعطاءه للوجود أعطى الذات والماهيّة بالتبع. فلكلّ مرتبة من الوجود الإمكاني حدّ وحدود وماهيّة ، نعم مع التحفّظ على الماهيّة والقابليّة لا يمكن فرض وجود فيض فوق ذلك الحدّ والقابليّة ، فمع كون رأس الإبرة الذي نفسه رأس الابرة لا يلج الجمل في ثقبه ، في سمّ الخياط. نظير قول السائل للصادق عليه السلام هل يستطيع ربّك أن يجعل الدنيا في بيضة ؟! فأجاب عليه السلام : « إنّ الله لا يوصف بعجز ولكن ما تطلب لا يكون » . أيّ أنّه مع حفظ على حجم وماهيّة البيضة ، فلا تكون قابليّتها غير محدودة للعطاء والجود الإلهي ، إذ مع ثبات الماهيّة والذات لا يكون العطاء الإلهي إلّا بقدر تلك الذات والقابليّة ، وأمّا مع عدم ثبات وبقاء الماهيّة على حالها وتبدلها من ماهيّة إلى أخرى ، فلا يكون هناك حدّاً ولا قدراً خاصاً للفيض بل الماهيّة تابعة ؛ فبهذا اللحاظ يصحّ القول بأنّه تعالى معطي الكمال والقابليّة معاً.
الجواب من الشيخ محمد السند: أمّا كتاب مفاتيح الجنان فيكفي أنّ مراجع الطائفة يعتمدونه في أعمالهم المستحبّة وزياراتهم ، كما هو منقول معروف ، مضافاً إلى أنّه يدمن ذكر المصادر التي ينقل منها الأدعية والزيارات من الكتب الشهيرة القديمة لدى علماء الإمامية .
الجواب من الشيخ محمد السند: قد كتب مثلاً العلّامة المجلسي الثاني قدّس سرّه كتابين في ذلك ، أحدهما شرحاً لأسانيد ومتون أحاديث كتاب الكافي للكليني سمّاه بـ [ مرآة العقول ] ، والآخر شرح فيه أسانيد ومتون أحاديث كتاب التهذيب للشيخ الطوسي سمّاه بـ [ مهذب الأخيار ]. وكذلك كتب والده المجلسي الأوّل قدّس سرّه كتاباً شرح فيه أسانيد ومتون أحاديث كتاب من لا يحضره الفقيه للصدوق سمّاه بـ [ روضة المتّقين ]. وكذلك كتب كتاباً آخر باللغة الفارسية ، وقد بيّن في تلك الكتب الطرق الضعيفة من الصحيحة ، والأحاديث المعتبرة من الأحاديث المردودة. وكذلك كتب آخرون كالسيّد نعمة الله الجزائري ، وغيره من العلماء المحدّثون كتباً شرحوا فيها كتب الحديث اسانيداً ومتوناً ، الصحيح منها والضعيف المقبول منها من غيره . ككتاب البحار أيضاً. وأمّا كتب الفقه الاستدلالي لعلماء الإماميّة البالغة الآلاف عدداً ، وكذا كتبهم الكلامية ، فهي مليئة بالتحقيقات في أسانيد الأحاديث ومتونها ، والتمييز بين المعتبر والمقبول منها من غيره ، ناهيك بكتب الرجال وكتب شرح المشيخة المكتوبة خصيصاً للتمييز المزبور.
الجواب من الشيخ محمد السند: آزر الذي تذكره سورة الأنعام ومريم وغيرهما من السور لم يكن والداً لإبراهيم عليه السلام ، وإن أطلق عليه في حواره معه « يا أبت » ، والقرينة على ذلك : أوّلاً : كما ذكر العلّامة الطباطبائي قدّس سرّه في تفسيره : إنّ إبراهيم عليه السلام في آخر دعائه بمكّة قريب أواخر عمره الشريف أيّ بعدما هاجر إلى الأرض المقدّسة ، وولد له الأولاد ، واسكن إسماعيل وهاجر مكّة قال : ( رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ ) (1) ، مع إنّ إبراهيم لما وعد أباه آزر بالمغفرة أيّ الاستغفار تبرّأ منه بعد ذلك ، لما تبين له أنّه عدوّ لله ، فلا يعود ويستغفر له في آخر عمره ، ممّا يدلّ على أنّ الوالد أخصّ من الأب في الاستعمال ، وهو يغاير آزر. (2) ثانياً : قوله تعالى : ( أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ) (3) ، فاطلق ولد يعقوب على إسماعيل الأبوة مع أنّه عمّهم. وقد ورد في الحديث : « الآباء ثلاثة : أبٌ ولَّدك ، وأبٌ زوَّجك ، وأبٌ علّمك » . (4) الهوامش 1. إبراهيم : 41. 2. راجع : الميزان في تفسير القرآن « للطباطبائي » / المجلّد : 7 / الصفحة : 155 ـ 169 / الناشر : مؤسسة إسماعيليان / الطبعة : 5. راجع : الميزان في تفسير القرآن « للطباطبائي » / المجلّد : 14 / الصفحة : 57 / الناشر : مؤسسة إسماعيليان / الطبعة : 5. 3. البقرة : 133. 4. الغدير في الكتاب والسنّة والأدب « للأميني » / المجلّد : 1 / الصفحة : 650 / الناشر : مركز الغدير للدراسات الإسلامية / الطبعة : 1.
الجواب من الشيخ محمد السند: بالنسبة إلى الآية فعمومها عام شامل للأصلاب والأرحام التي انتقلوا فيها ، والتقلب أيّ الانتقال فيها وأنّهم كانوا من الساجدين ، مضافاً إلى ما استفيض في الزيارات والروايات كونهم أنوار في الأصلاب الشامخة والأرحام المطهّرة لم تنجّسهم الجاهليّة بأنجاسها ، ولم تلبسهم من مدلهمات ثيابها. وأمّا كون أمّهات الأئمّة أمّهات أولاد كنّ في بلاد الشرك ، فلا يستلزم كونهنّ مشركات حين حملهنّ بالأئمّة عليهم السلام ، ولا يخفى أنّ المراد من طهارة الأرحام هو خصوص النساء والأمّهات التي انتقلت نطفهم فيها ، لا آباء الأمّهات.
الجواب من الشيخ محمد السند: العلم اللدني المقوّم للعصمة عبارة عن علم حضوري ليس من سنخ الأفكار والمعاني الخطوريّة في القوّة المفكّرة أو العاقلة بل هو فيض إلهامي على القلب والروح يعاين به القلب الحقيقة أو آثارها عياناً ، نعم يلازم هذا الفيض ترجمته في القوّة المفكّرة والعاقلة إلى أفكار ومعانٍ صادقة مطابقة له ، يتأهّل بواسطته أيضاً للعلم بإرادات الله تعالى ومشيئاته ، كما في قوله تعالى في طالوت : ( وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ ... ) [ البقرة : 247 ] . فتأهّل طالوت ، لأنّ يخبر عن الله تعالى : ( إِنَّ اللَّـهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ ... ) [ البقرة : 249 ] . وكذلك في الخضر : ( فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا ) [ الكهف : 65 ] . فتأهل لأن يقول : ( وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ... ) ، ( فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا ... ) [ الكهف : 82 ] .
الجواب من الشيخ محمد السند: 1 ـ الجمع بين الصلاتين هو أن يؤتى بهما في وقت واحد من دون أن يفصل بينهما بصلاة النافلة الراتبة أو غيرها أو لا يفصل بينهما بالتراخي الزمني لدخول أوّل وقت فضيلة الثانية. 2 ـ قد أفتى جمع من الفقهاء بأن أقلّ ما يتحقّق به التفريق هو إتيان صلاة نافلة بينهما. 3 ـ قد أفتى جمع من الفقهاء بأن الجمع أفضل لمن لا يريد إتيان النوافل اليوميّة الراتبة بمعنى أن الإسراع في الأداء أفضل وخير البرّ عاجله ، بخلاف من يريد إتيان النافلة ، فإنّه لا محالة يكون التفريق أفضل ، وأفتى جمع بأن التفريق مطلقاً أفضل سواء لمن يريد النافلة أو لا يريد إتيانها. وأفتى الفريقان أن الجمع أفضل لمن يخاف فوات الصلاة الثانية أو تأخيرها عن وقت فضيلتها والانشغال عنها. 4 ـ ورد عنهم عليهم السلام أنّه صلّى الله عليه وآله كان يصلّي إذا كان الفئ ذراعاً ـ وهو قدر مربض عنز ـ صلّى الظهر وإذا كان ذراعين صلّى العصر. [ تهذيب الأحكام / المجلّد : 2 / الصفحة : 22 ـ 26 / الناشر : دار الكتب الإسلامية / الطبعة : 3 ] وهذا القياس بلحاظ الشاخص الذي هو بقدر قامة الرجل ، والمراد هو سبعي 7 / 2 ظلّ الشاخص للظهر وأربعة أسباع 7 / 4 ظل الشاخص للعصر ، أيّ يُحسب من نهاية تناقص ظلّ الشاخص ، والمراد به أيّ جسم كثيف له ظلّ ـ عند الزوال ـ سواء انعدم أو لم ينعدم ، فيحسب من نهاية التناقص إلى أن يزداد بمقدار 7 / 2 مقدار طول الشاخص للظهر و 7 / 4 للعصر. ولا يخفى أنّ هذا المقدار من الفصل يسير وهو بمقدار إتيان نوافل الظهر قبلها ونوافل العصر قبل العصر . وأمّا العشاء ، فأول وقت فضيلتها هو عند ذهاب الحمرة المغربية ، وهو يحصل بعد إتيان المغرب وإتيان نوافلها. ومن كلّ ذلك يلزم أن لا يغفل الأخ عن منتهى وقت فضيلة العصر والعشاء ؛ فإنّه قد ورد عنهم عليهم السلام أن المؤخِّر لها عن وقت فضيلتها هو المضيّع للصلاة [ الفروع من الكافي / المجلّد : 3 / الصفحة : 267 / الناشر : دار الكتب الإسلامية / الطبعة : 2 ] ، وفي بعض الروايات أنّه الموتور وهو الذي لا يُعطى منزلاً في الجنّة [ سنن ابن ماجة / المجلّد : 1 / الصفحة : 450 / الناشر : دار الفكر ] ، بل يكون عالة وكلّا على غيره فيها. فمنتهى فضيلة العصر هو بلوغ ظلّ الشاخص إلى المثلين ، أيّ تضاعف الظلّ المتزايد بعد الزوال كتضاعف ظلّ الشيء إلى المرّتين ، كما أن منتهى فضيلة العشاء هو ثلث الليل.