ورد في خطبة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله في بيان أهمية شهر رمضان المبارك المسمّات بالخطبة الشعبانية : « مَن حَسَّنَ مِنکُم في هذا الشَّهرِ خُلُقَهُ کانَ لَهُ جَوازاً عَلي الصِّراطِ يومَ تَزِلُّ فِيه الأَقدامُ» (1).
تتجلى أهمية هذا القول عندما ننتبه إلى الصائم عندما يفقد أحياناً قوته بسبب العطش والجوع، ونتيجة لذلك تكون قوته أقل في مواجهة الاضطرابات النفسية والاجتماعية؛ خاصة إذا كان يصوم في أيام الصيف الحار ويعاني من الأرق بسبب السهر طوال الليل والاستيقاظ مبكرا في ليالي رمضان. فإذا فقد مثل هذا الشخص صبره ، فإنه يغضب عند أدنى محنة، ويتصرف بطريقة غير لائقة مع الآخرين.
الأخلاق الحسنة مطلوبة في كل وقت وحين، ولكن في شهر رمضان مطلوبة أكثر، لأن فرصة تحسين الأخلاق فيه موجودة أكثر من سائر الشهور؛ لما يفيضه هذا الشهر على الصائم من فيوضات روحية ومعنوية وأخلاقية عالية، ولأن الصائم فيه أكثر قابلية لتهذيب نفسه، وتغيير مسلك أخلاقه، وتعديل سلوكه.
من الممكن ان يقدر الملكلف على الامتناع من الأكل والشرب أي صيام الجسد ، ولكن ليس كل شخص يقدر على صيام النفس، لأن هذه المرحلة أكثر صعوبة وتحتاج إلى تقوى عالية لكي يرقى بها الانسان إلى أعلى مراتب إصلاح النفس وتهذيب الأخلاق ، وكل ذلك يأتي من السعي إلى تطوير الملكات وتحسين السلوك والأخلاق وتغييرها نحو الافضل وهذا ما يستطيع يصل اليه الإنسان، ولولا ذلك لما أتعب الأنبياء والأولياء أنفسهم في دعوة الناس إلى مكارم الأخلاق، ولأنّ النفس الإنسانية تحتاج إلى التأديب والتهذيب والترغيب والترهيب، قال تعالى: ﴿ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ﴾ (2).
الأخلاق عنصر أساسي في التدين وعامل مهم في نجاح الإنسان. ولعل أهم ما يميز رسول الله صلى الله عليه وآله هو أخلاقه الرفيعة، والتي وردت أيضًا في القرآن: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ (3) ويمتدح القرآن لطف رسول الله صلى الله عليه وآله، ويؤكد أنه لو كان سريع الغضب لايجتمع الناس حوله.
وفي هذه الخطبة يدعو الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله أمته إلى عدم إيذاء أحد. بعض الناس أشرار، ووجودهم مضر بالمجتمع، وأحيانًا تصبح هذه الخاصية الدنيئة قوية جدًا لدرجة أنهم يحبون الإزعاج وايجاد المشاكل من دون وعي ، معاذ الله أن يصل الانسان إلى حالة يخافون منه ويحترمونه أو يعطوه شيئا خوفا من أن يصل شره اليهم وكل ذلك لكي يكفّ شره عنهم.
وفي هذا الصدد يقول رسول الله صلى الله عليه وآله في ختام حديثه الشريف : « وَ مَن کَفَّ فِيهِ شَرَّهُ کَفَّ اللهُ عَنهُ غَضَبَهُ يومَ يلقاهُ » (4).
وبالطبع يجب على الإنسان أن يحاول ليس فقط عدم إيذاء الآخرين، بل أيضًا أن يفعل الخير للآخرين ويحل مشاكلهم ويكون مصدرًا للخير.
وَ كَانَ مِنْ دُعَاء الإمام زين العابدين علي بن الحسين عليه السلام فِي مَكَارمِ الْأَخْلَاقِ و مَرْضيِّ الْأفعالِ : « وَ أَجْرِ لِلنَّاسِ عَلَى يَدِيَ الْخَيْرَ » (5).

الصائم والأخلاق الحسنة
منذ سنتين
1.3K

