

تعيش المجتمعات بين الحين والآخر أزمات مختلفة، قد تكون أزمات صحية أو نزاعات أو كوارث طبيعية أو أزمات اقتصادية أو حروب دولية تؤثر في استقرار الأسرة. وفي مثل هذه الظروف، يُعدّ الأطفال الفئة الأكثر هشاشة؛ لأنّهم يفتقرون إلى القدرة على فهم ما يحدث أو التأقلم معه بالطريقة التي يفعلها البالغون. وبناء عليه، يصبح من الضروري معرفة احتياجاتهم الحقيقية لضمان حمايتهم ودعمهم نفسيًا وعاطفيًا.
ويلاحظ الأطفال التغيّرات حتى لو لم يتحدث عنها أحد، كما أنّ تجاهل أسئلتهم يخلق خوفًا مضاعفًا؛ لذلك يجب تقديم معلومات صادقة، ولكن غير مخيفة وتجنّب التفاصيل التي تفوق قدراتهم العقلية وتشجيعهم على التعبير عن مخاوفهم دون حكم.
وأهم ما يحتاجه الطفل في الأزمات هو الشعور بالأمان. وحتى لو كان الواقع صعبًا، فإنّ طريقة تعامل البالغين معه تؤثر مباشرة في الطفل. ما يساهم في تعزيز هذا الشعور هم الحفاظ على روتين يومي ولو بسيط وطمأنة الطفل بلغة واضحة ومناسبة لسنه ووجود شخص بالغ موثوق يجيب عن أسئلته ويحميه. فالروتينات اليومية تمنح الأطفال شعورًا بأن الحياة ما زالت مستمرة. حتى في أصعب الظروف يمكن الحفاظ على مواعيد النوم والاستيقاظ وطقوس بسيطة مثل قراءة قصة قبل النوم وأوقات للألعاب الهادئة أو الرسم.
وعليه، قررنا أن نكتب لكم مقالا مفيدا عن الروتينات الصغيرة للأطفال ودورها في السيطرة على القلق والتوتر للأطفال في زمان الأزمات.
يولد الطفل بجهاز عصبي غير مكتمل النضج، يعتمد بدرجة كبيرة على البيئة المحيطة؛ ليستمد منها الشعور بالأمان والتنظيم؛ لهذا يصبح النظام الروتين والتوقّعية عناصر أساسية في بناء الاستقرار النفسي والعاطفي، خاصة في أوقات الضغط أو التغييرات المفاجئة. وفي الوقت نفسه، يلعب الحضور الهادئ للوالدين دوراً محورياً في مساعدة الطفل على تطوير القدرة على التحمّل والتكيّف، أو ما يُعرف بـالمرونة النفسية.
الجهاز العصبي للطفل يعمل وفق مبدأ التنظيم الخارجي قبل أن يتمكن من تنظيم نفسه ذاتيًا. هذه الحاجة تجعل الروتينات اليومية شبه ضرورة بيولوجية؛ لأنّها تمنح الدماغ إحساساً واضحاً بما سيأتي لاحقً، وتقلّل من القلق الناتج عن المفاجآت وعدم اليقين، وتعلّم الطفل أنّ العالم مكان مفهوم ويمكن توقعه.
وعندما يعرف الطفل مثلاً متى سيأكل، أو متى سينام، أو ماذا سيحدث قبل الخروج من المنزل، فإنّ دماغه يدخل في حالة من الأمان العصبي وهي شرط أساسي للهدوء والتعلم؛ لأنّ الفوضى وغياب النظام يؤثر على الطفل، لأنّهما يرهقان الجهاز العصبي للطفل، ويرفعان مستويات هرمونات التوتر، ويسببان نوبات بكاء وانفعالات سريعة، ويقلّلان من قدرة الطفل على التركيز والانضباط.
الأنشطة الصغيرة التي نمارسها يومياً، برغم بساطتها، قادرة على إعادة ضبط الجهاز العصبي للطفل؛ السبب هو أن هذه الأنشطة تمنح الطفل شعوراً بالسيطرة على جزء من يومه، وتقدّم إشارات للحواس تساعد الدماغ على العودة إلى حالة الاتزان، وتخلق لحظات ارتباط دافئة مع الوالدين.
وهذه الأنشطة ليست ترفاً، بل أدوات لتنظيم الجهاز العصبي؛ لأنّها قابلة للتوقع والتكرار، وبما أنّها تحفّز الجهاز المسؤول عن التهدئة، ولأنّها تمنح الطفل خبرة نجاح وإنجاز ولو كانت صغيرة، ولأنّها تعيد التواصل بين الطفل وجسمه، وبين الطفل وبيئته.
والملاحظة المهمة هي أنّ هذه النشاطات ليست لتلهية الطفل بل لدعمه في أوقات الأزمات. والكثير من الآباء يخلطون بين النشاط العلاجي والنشاط الذي يهدف فقط لتمضية الوقت، فالأنشطة المهدّئة تهدف إلى خفظ التوتر وتوفير مساحة للتعبير غير اللفظي وبناء مسار عصبي يساعد على الصمود.
هناك أدعية مختصرة وأذكار وأعمال بسيطة يمكن أن تكون عاملا مهما لرفع التوتر والقلق، ويمكن أن تكون هذه الأعمال أفضل الروتينات الصغيرة التي يمكن للطفل العمل بها. فقد روي عن أميرالمؤمنين عليه السلام أنّه قال: «ذِكْرُ اللَّهِ جَلَاءُ الصُّدُورِ وَطُمَأْنِينَةُ الْقُلُوبِ»(1).
منها ذكر الحوقلة وهو «لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ»، فقد روي عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: «إِذَا حَزَنَكَ أَمْرٌ مِنْ سُلْطَانٍ أَوْ غَيْرِهِ فَأَكْثِرْ مِنْ قَوْلِ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ؛ فَإِنَّهَا مِفْتَاحُ الْفَرَجِ وَكَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ »(2).
ومنها الاجتماع في محل والتحدث معا، فإنّها من أبسط الأمور التي يمكن أن تسيطر على توتر الأطفال في الأزمات. وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: «ما اجتَمَعَ قَومٌ في بَيتٍ مِن بُيوتِ اللّه ِيَتلُونَ كتابَ اللّه، ويَتَدارَسُونَهُ بينَهُم إلاّ نَزَلَت علَيهِمُ السَّكينَةُ، وغَشِيَتهُمُ الرَّحمَةُ، وحَفَّتهُمُ الملائكةُ، وذَكَرَهُمُ اللّه فيمَن عِندَهُ»(3).
ومنها لبس الثياب النظيف والجديد، فقد روي عن أميرالمؤمنين عليه السلام أنّه قال: «النَّظِيفُ مِنَ الثِّيَابِ يُذْهِبُ الْهَمَّ وَ الْحَزَنَ وَهُوَ طَهُورٌ لِلصَّلَاةِ»(4). وأيضا الاستحمام وغسل الرأس، فقد روي: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ قَدِ اغْتَمَّ، فَأَمَرَهُ جَبْرَئِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ يَغْسِلَ رَأْسَهُ بِالسِّدْرِ... مَنْ وَجَدَ هَمًّا وَلَا يَدْرِي مَا هُوَ فَلْيَغْسِلْ رَأْسَهُ»(5).
المراسي الحسية هي ببساطة أي شيء يمكن للطفل أن يتفاعل معه بحواسه الشم، واللمس، والذوق، والسمع، والبصر؛ ليعود إلى حالة الاسترخاء والتوازن العصبي.
والشم هو أقرب الحواس إلى الدماغ العاطفي، مما يعني أن الروائح قادرة على إحداث تأثير فوري وقوي على المزاج والذاكرة؛ لذا فإنّ رائحة معينة قد تعيد للطفل ذكرى سعيدة وآمنة مثل رائحة حلوى معينة، أو رائحة بيت الجدة. كذلك بعض الروائح تمنح إحساساً بالهدوء مثل اللافندر، وأخرى بالنشاط مثل الحمضيات.
وحاسة اللمس هي من أوائل الحواس التي يطورها الطفل، وهي أساسية للشعور بالارتباط والأمان. والتجارب الحسية المتنوعة تساعد في إدراك العالم وتنظيمه؛ لذا فالحضن والتدليك اللطيف يعززان إفراز الأوكسيتوسين، وهرمون الارتباط والأمان. وأيضا الضغط اللطيف أو الألعاب الحسية التي تتطلب لمساً معيناً يمكن أن تهدئ الطفل.
يميل الأطفال، خصوصاً في مراحل النمو الأولى، إلى الشعور بالضعف أمام القرارات الكبيرة التي يتخذها البالغون. عندما يُمنحون فرصة الاختيار، تحدث عدة أمور إيجابية، منها الشعور بالتحكم. حتى لو كان الاختيار يتعلق بملابسه أو طعامه، فإنّ القدرة على اتخاذ قرار يمنحهم إحساساً بأنهم يمتلكون جزءاً من حياتهم. وهذا الإحساس بالتحكم ضروري جداً في الأوقات التي يشعرون فيها بفقدان السيطرة، مثل الأزمات والحروب.
ومنها تنمية الاستقلال وتقليل المقاومة. كل خيار يتخذه الطفل هو خطوة نحو الاستقلال، يتعلمون من خلالها أنّ لديهم القدرة على الفعل والتأثير، مما يبني ثقتهم بأنفسهم. وفي طول هذا الاستقلال، عندما يشعر الطفل بأنّ لديه رأياً مسموعاً، وأنّ خياراته محترمة، يصبح أكثر استعداداً للتعاون. الأمر الذي يقلل من المعارك اليومية والمشادات اللفظية حول أمور بسيطة.
لكن من المهم أن ندرك أن منح الخيارات ليس مناسباً لكل المواقف، فمثلا: لا ينبغي أبداً تقديم خيار يتعلق بسلامة الطفل أو سلامة الآخرين، وعلى سبيل المثال: هل تريد أن تركب السيارة بدون حزام أم مع حزام؟ الإجابة يجب أن تكون واضحة: يجب أن تركب دائماً مع حزام الأمان. كما أنّها ما إذا كان هناك قرار واحد ضروري ويجب اتخاذه، فلا ينبغي تقديم خيارات مربكة. أو في لحظات الغضب الشديد أو الحزن، قد لا يكون الطفل في حالة تسمح له باتخاذ قرارات منطقية. ففي هذه الحالات الأفضل، بل الأولى التركيز على تقديم الأمان والطمأنينة.
1) غرر الحكم ودرر الكلم (لعبد الواحد التميمي الآمدي) / المجلد: 1 / الصفحة: 189 / الناشر: مكتب الإعلام الإسلامي – قم / الطبعة: 1.
2) بحار الأنوار (للعلامة المجلسي) / المجلد: 78 / الصفحة: 201 / الناشر: مؤسسة الوفاء – بيروت / الطبعة: 2.
3) ميزان الحكمة (للري شهري) / المجلد: 9 / الصفحة: 338 / الناشر: دار الكتب الإسلامية – طهران / الطبعة: 1.
4) الكافي (لمحمد بن يعقوب الكليني) / المجلد: 6 / الصفحة: 444 / الناشر: دار الكتب الإسلامية – طهران / الطبعة: 4.
5) الدعوات (لقطب الدين الراوندي) / المجلد: 1 / الصفحة: 120 / الناشر: مدرسة الإمام المهدي – قم / الطبعة: 1.