دعاء الامام الحسين عليه السلام يوم عرفة - فيديو (مكتوبة) - ميثم التمار

|1

دعاء الامام الحسين عليه السلام يوم عرفة(مكتوبة)

ميثم التمار

 

أعوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ  
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ  

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكَ يَا سَيِّدِي وَيَا مَوْلاَيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ  
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكَ يَا مَوْلاَيَ وَابْنَ مَوْلاَيَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ  
مَا خَابَ مَنْ تَمَسَّكَ بِكُمْ، وَأَمِنَ مَنْ لَجَأَ إِلَيْكُمْ  
أَنْتُمُ النَّهْجُ الْقَوِيمُ، وَالصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ  
يَا لَيْتَنَا كُنَّا مَعَكُمْ فَنَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً  

أَحْرَمَ الْحُجَّاجُ عَنْ لَذَّاتِهِمْ بَعْضَ الشُّهُورِ  
وَأَنَا الْمُحْرِمُ عَنْ لَذَّاتِهِ كُلَّ الدُّهُورِ  
كَيْفَ لاَ أُحْرِمُ دَأْباً نَائِِحاً هَدْيَ السُّرُورِ  
وَأَنَا فِي مَشْعَرِ الْحُزْنِ عَلَى رَزْءِ الْحُسَيْنِ  
حَقَّ لِلشَّارِبِ مِنْ زَمْزَمَ حُبِّ الْمُصْطَفَى  
أَنْ يَرَى حَقَّ بَنِي حَرَمٍ مُعْتَكِفاً  
وَيُوَاسِي وَإِلاَّ فَادَّعِ عَنْكَ الصَّفَا  
وَهُوَ مِنْ أَكْبَرِ حُوبٍ عِنْدَ رَبِّ الْحَرَمَيْنِ  
فَمِنَ الْوَاجِبِ عَيْناً لُبْسُ سِرْبَالِ الأَسَى  
وَاتِّخَاذُ النَّوَائِحِ وِرْداً كُلَّ صُبْحٍ وَمَسَا  
وَاشْتِعَالُ الْقَلْبِ أَحْزَاناً تُذِيبُ الأَنْفُسَا  
وَقَلِيلٌ تَتْلَفُ الأَرْوَاحُ فِي رَزْءِ الْحُسَيْنِ  

لَسْتُ أَنْسَاهُ طَرِيداً عَنْ جِوَارِ الْمُصْطَفَى  
لاَئِذاً بِالْقُبَّةِ النَّوْرَاءِ يَشْكُو الأَسَفَا  
قَائِلاً: يَا جَدُّ رَسْمُ الصَّبْرِ مِنْ قَلْبِي عَفَا  
بِبَلاَءٍ أَنْقَضَ الظَّهْرَ وَأَوْهَى الْمَنْكِبَيْنِ  
صَبَّتِ الدُّنْيَا عَلَيْنَا حَاصِباً مِنْ شَرِّهَا  
لَمْ نَذُقْ فِيهَا هَنِيئاً بُلْغَةً مِنْ بِرِّهَا  
هَا أَنَا مَطْرُودُ رِجْسٍ نَائِمٍ فِي بَرِّهَا  
تَارِكاً بِالرَّغْمِ مِنِّي دَارَ سُكْنَى الْوَالِدَيْنِ  
ضُمَّنِي عِنْدَكَ يَا جَدَّاهُ فِي هَذَا الضَّرِيحِ  
عَلَّنِي مِنْ بَلْوَى زَمَانِي أَسْتَرِيحُ  
ضَاقَ بِي يَا جَدُّ مِنْ فَرْطِ الأَسَى كُلُّ فَسِيحٍ  
فَعَسَى طَوْدُ الأَسَى يَنْدَكُّ بَيْنَ الدَّكَّتَيْنِ  

جَدِّ صَفْوُ الْعَيْشِ بَعْدَكَ قَدْ تَكَدَّرْ  
وَأَشَابَ الْهَمُّ رَأْسِي قَبْلَ إِبَّانِ الْمَشِيبِ  
فَعَلاَ مِنْ دَاخِلِ الْقَبْرِ بُكَاءٌ وَنَحِيبِ  
وَنِدَاءٌ بِافْتِجَاعٍ: يَا حَبِيبِي يَا حُسَيْنِ  
أَنْتَ يَا رَيْحَانَةَ الْقَلْبِ حَقِيقٌ بِالْبَلاَءِ  
إِنَّمَا الدُّنْيَا أُعِدَّتْ لِبَلاَءِ النُّبَلاَءِ  
لَكِنَّ الْمَاضِيَ قَلِيلٌ فِي الَّذِي قَدْ أَقْبَلاَ  
فَاتَّخِذْ دِرْعَيْنِ مِنْ صَبْرٍ وَحَزْمٍ سَابِغَيْنِ  
وَلَدِي حُسَيْن...  
سَتَذُوقُ الظُّلْمَ ضَامِياً فِي كَرْبَلاَءِ  
وَسَتَبْقَى فِي ثَرَاهَا عَافِراً مُجَدَّلاَ  

وَكَأَنِّي بِلَئِيمِ الأَصْلِ شِمْرٍ قَدْ عَلاَ  
صَدْرَكَ الطَّاهِرَ بِالسَّيْفِ يَحُزُّ الْوَدَجَيْنِ  
وَكَأَنِّي بِالأَيَامَى مِنْ بَنَاتِي تَسْتَغِيثُ  
تَسْتَعْطِفُ الْقَوْمَ وَقَدْ عَزَّ الْمُغِيثُ  
قَدْ بَرَى أَجْسَامَهُنَّ الضَّرْبُ وَالسَّيْرُ الْحَثِيثُ  
بَيْنَهَا السَّجَّادُ فِي الأَصْفَادِ مَغْلُولَ الْيَدَيْنِ  

فَبَكَى قُرَّةُ عَيْنِ الْمُصْطَفَى وَالْمُرْتَضَى  
رَحْمَةً لِلآلِ لاَ سَخَطاً لِمَا حَتُومِ الْقَضَا  
بَلْ هُوَ الْقُطْبُ الَّذِي لَمْ يَخْطُ عَنْ سَمْتِ الرِّضَا  
مُقْتَدَى أُمَّةٍ وَالِيهِ شَرْقُهَا وَالْمَغْرِبُ  
حِينَ نَبَّأَ إِلاَهَ الْغَرْبِ مَا قَالَ النَّبِي  
أَظْلَمَ الأُفْقُ عَلَيْهِمْ بِقَتَامِ الْكُرَبِ  
فَكَأَنْ لَمْ يَسْتَبِينُوا مَشْرِقاً مِنْ مَغْرِبِ  
غَشِيَتْهُمْ ظُلُمَاتُ الْحُزْنِ مِنْ أَجْلِ الْحُسَيْنِ  

وَسَرَى بِالأَهْلِ وَالصَّحْبِ بِمَلْحُوبِ الطَّرِيقِ  
يَقْطَعُ الْبَيْدَاءَ مُجِدّاً قَاصِداً الْبَيْتَ الْعَتِيقِ  
فَأَتَتْهُ كُتُبُ الْكُوفَةِ بِالْعَهْدِ الْوَثِيقِ  
نَحْنُ أَنْصَارُكَ فَاقْدِمْ سَتَرَى قُرَّةَ عَيْنِ  
بَيْنَمَا السِّبْطُ بِأَهْلِيهِ مُجِدّاً فِي الْمَسِيرِ  
فَإِذَا الْهَاتِفُ يَنْعَاهُمْ وَيَدْعُو وَيُشِيرُ  
قُدَّامَ مَطَايَاهُمْ مَنَايَاهُمْ تَسِيرُ  
سَاعَةً إِذْ وَقَفَ الْمَهْرُ الَّذِي تَحْتَ الْحُسَيْنِ  
فَعَلاَ صَهْوَتَهُ ثَانٍ فَأَبَى أَنْ يَرْحَلاَ  
فَدَعَا فِي صَحْبِهِ: يَا قَوْمِ مَا هَذِهِ الْفَلاَ؟  
قِيلَ: هَذِهِ كَرْبَلاَءْ، قَالَ: كَرْبٌ وَبَلاَءْ  
خَيِّمُوا إِنَّ بِهَذِهِ الأَرْضِ مَلْقَى الْعَسْكَرَيْنِ  

هَا هُنَا تُنْتَزَعُ الأَرْوَاحُ مِنْ أَجْسَادِهَا  
بِظُباً اعْتَادَتْ بِالأَجْسَادِ عَنْ أَغْمَادِهَا  
وَبِهَذِهِ تُحْمَلُ الأَمْجَادُ فِي أَصْفَادِهَا  
فِي وِثَاقِ الطُّلَقَاءِ الأَدْعِيَاءِ الْوَالِدَيْنِ  
وَبِهَذِهِ تَئَيَّمُ الزَّوْجَاتُ مِنْ أَزْوَاجِهَا  
وَبِهَذِهِ تَشْرَبُ الأَبْطَالُ مِنْ أَوْدَاجِهَا  
وَتَهَاوَى أَنْجُمُ الأَبْرَارِ عَنْ أَبْرَاجِهَا  
غَائِبَاتٍ فِي ثَرَى الْبَوْغَاءِ مَحْجُوبَاتِ بَيْنِ  

وَأَطَلَّتْ جُنُودٌ كَالْجَرَادِ الْمُنْتَشِرِ  
مَعَ شِمْرٍ وَابْنِ سَعْدٍ كُلِّ كَذَّابٍ أَشِرِ  
فَاصْطَلَى الْجَمْعَانِ نَارَ الْحَرْبِ فِي يَوْمٍ عَسِرِ  
وَاسْتَدَارَتْ فِي رَحَى الْهَيْجَاءِ أَنْصَارُ الْحُسَيْنِ  
يَحْسَبُونَ الْبِيضَ إِذْ تَلْبَسُ فَيْضَ الْقُلَلِ  
بِيضَ أُنْسٍ يَتَمَايَلْنَ بِحُمْرِ الْحُلَلِ  
فَيَذُوقُونَ الْمَنَايَا كَمَذَاقِ الْعَسَلِ  
شَاهَدُوا الْجَنَّةَ كَشْفاً وَرَأَوْهَا رَأْيَ عَيْنِ  

بِأَبِي أَنْجُمَ سَعْدٍ فِي هُبُوطٍ وَصُعُودٍ  
طَلَعَتْ فِي فَلَكِ الْمَجْدِ وَغَابَتْ فِي اللُُّحُودِ  
سَعِدَتْ بِالذَّبْحِ وَالذَّابِحِ مِنْ بَعْضِ السُّعُودِ  
كَيْفَ لاَ تَسْعَدُ فِي حَالِ اقْتِرَانٍ بِالْحُسَيْنِ  
بِأَبِي أَقْمَارَ تَمٍّ خُسِفَتْ بَيْنَ الصَّفَاحِ  
وَشُمُوساً مِنْ رُؤُوسٍ فِي بُرُوجٍ مِنْ رِمَاحِ  
وَنُفُوساً مَنَعَتْ أَنْ تَرِدَ الْمَاءَ الْمُبَاحِ  
جَرَّعَتْ كَأْسَ أُوَامٍ وَحِمَامٍ قَاتِلَيْنِ  

عِنْدَ هَذَا اللَّحْدِ حُسَيْنٌ فَرْداً بَيْنَ الْجُمُوعِ  
يَنْظُرُ الآلَ فَيَذْرِي مِنْ أَمَاقِيهِ الدُُّمُوعِ  
فَانْتَضَى الذَّبَّ عَنْهُمْ وَرَهَفَ الْحَدَّ لَمُوعِ  
غَرْمُهُ يُغْرِي لِلضَّرْبِ نَمَارَ الصَّفْحَتَيْنِ  
فَاتِحاً مِنْ مَجْلِسِ التَّوِدِيعِ لِلأَحْبَابِ بَاب  
فَاحْتَسَوْا مِنْ ذَلِكَ التَّوِدِيعِ لِلأَوْصَابِ صَاب  
مُوصِلُ الأُخْتِ الَّتِي كَانَتْ لَهَا الآدَابُ دَاب  
زَيْنَبُ الطُّهْرِ بِأَمْرٍ وَبِنَهْيٍ نَافِذَيْنِ  

أَوْصَى سَيِّدَتِي وَمَوْلاَتِي زَيْنَبَ:  
أُخْتُ يَا زَيْنَبُ أُوصِيكِ وَصَايَا فَاسْمَعِي  
إِنَّنِي فِي هَذِهِ الأَرْضِ مُلاَقٍ مَصْرَعِي  
فَاصْبِرِي فَالصَّبْرُ مِنْ خِيمِ كِرَامِ الْمُتْرَعِ  
كُلُّ حَيٍّ سَيُنَحَّى عَنِ الأَحْيَاءِ حِينِ  
فِي جَلِيلِ الْخَطْبِ يَا أُخْتِي اصْبِرِي الصَّبْرَ الْجَمِيلِ  
إِنَّ خَيْرَ الصَّبْرِ مَا كَانَ عَلَى الْخَطْبِ الْجَلِيلِ  
وَاتْرُكِي اللَّطْمَ عَلَى الْخَدِّ وَإِعْلاَنَ الْعَوِيلِ  
ثُمَّ لاَ أَكْرَهُ أَنْ يَسْقِيَ دَمْعُ الْعَيْنِ وَرْدَ الْوَجْنَتَيْنِ  

اِجْمَعِي شَمْلَ الْيَتَامَى بَعْدَ فَقْدِي وَانْظِمِي  
أَطْعِمِي مَنْ جَاعَ مِنْهُمْ ثُمَّ أَرْوِي مَنْ ظَمِي  
وَاذْكُرِي أَنِّي فِي حِفْظِهِمْ ظَلَّ دَمِي  
لَيْتَنِي بَيْنَهُمْ كَالأَنْفِ بَيْنَ الْحَاجِبَيْنِ  
أُخْتُ اِئْتِينِي بِطِفْلِي أَرَهُ قَبْلَ الْفِرَاقِ  
فَأَتَتْ بِالطِّفْلِ لاَ يَهْدَأُ وَالدَّمْعُ مُرَاقِ  
يَتَلَوَّى ظَمَأً وَالْقَلْبُ مِنْهُ فِي احْتِرَاقِ  
غَائِرَ الْعَيْنَيْنِ طَاوِي الْبَطْنِ ذَاوِي الشَّفَتَيْنِ  

فَبَكَى لَمَّا رَآهُ يَتَلَظَّى بِالأُوَامِ  
بِدُمُوعٍ هَامِيَاتٍ تُخْجِلُ السُّحْبَ السِّجَامِ  
وَنَحَى الْقَوْمَ وَفِي كَفَّيْهِ ذَيَّاكَ الْغُلاَمِ  
وَهُمَا مِنْ ظَمَأٍ قَلْبُهُمَا كَالْجَمْرَتَيْنِ  
فَدَعَا فِي الْقَوْمِ: يَا لَلَّهِ لِلْخَطْبِ الْفَضِيعِ  
أَنْبِئُونِي أَأَنَا الْمُذْنِبُ أَمْ هَذَا الرَّضِيعُ؟  
لاَحِظُوهُ فَعَلَيْهِ شَبَهُ الْهَادِي الشَّفِيعِ  
لاَ يَكُنْ شَافِعُكُمْ خَصْماً لَكُمْ فِي النَّشْأَتَيْنِ  

عَجِّلُوا نَحْوِي بِمَاءٍ أَسْقِهِ هَذَا الْغُلاَمِ  
فَحَشَاهُ مِنْ أُوَامٍ فِي اضْطِرَامٍ وَكُلاَمٍ  
فَاكْتَفَى الْقَوْمُ عَنِ الْقَالِ بِتَكْلِيمِ السِّهَامِ  
وَإِذَا بِالطِّفْلِ قَدْ خَرَّ صَرِيعاً لِلْيَدَيْنِ  
فَالْتَقَطَ مِمَّا هَمَا مِنْ مَنْحَرِ الطِّفْلِ دَمَا  
وَرَمَاهُ صَاعِداً يَشْكُو إِلَى رَبِّ السَّمَا  
فَيُنَادِي: يَا حَكِيمُ أَنْتَ خَيْرُ الْحُكَمَا  
فَجَعَ الْقَوْمُ بِهَذَا الطِّفْلِ قَلْبَ الْوَالِدَيْنِ  

وَأَغَارَ السِّبْطُ لِلْجَلِيبِ مَأْمُونِ الْعِذَارِ  
إِذْ أَثَارَ الضَّمْرُ الْعَثِيرَ بِالرَّكْضِ فَثَارِ  
يَحْسَبُ الْحَرْبَ عَرُوساً وَلَهَا الرُّؤُوسُ نِثَارِ  
ذَكَّرَ الْقَوْمَ بِبَدْرٍ وَبِأُحُدٍ وَحُنَيْنِ  
بَطَلٌ فَرْدٌ مِنَ الْجَمْعِ عَلَى الأَبْطَالِ طَالِ  
أَسَدٌ يَفْتَرِسُ الأُسْدَ عَلَى الأَعْجَالِ جَالِ  
مَا لَهُ غَيْرُ إِلَهِ الْعَرْشِ فِي الأَهْوَالِ وَالِ  
مَا سَطَا فِي فِرْقَةٍ إِلاَّ تَوَلَّتْ فِرْقَتَيْنِ  
مَا لَهُ فِي حَوْمَةِ الْهَيْجَاءِ فِي الْكَرِّ شَبِيهٌ  
غَيْرُ مَوْلاَنَا عَلِيّ... يَا عَلِيُّ يَا عَلِي  
وَالْفَتَى سِرُّ أَبِيهِ  
غَيْرَ أَنَّ الْقَوْمَ بِالْكَثْرَةِ كَانُوا مُتْعِبِيهِ  
وَهُوَ ضَامٍ شَفَتَاهُ أَضْحَتَا نَاشِفَتَيْنِ  

عِلَّةُ الإِيجَادِ بِالنَّفْسِ عَلَى الأَمْجَادِ جَادِ  
مَا وَنَى قَطُّ وَلاَ عَنْ عُصْبَةِ الإِلْحَادِ حَادِ  
كَمْ لَهُ فِيهِمْ سِنَانٌ خَارِقُ الأَكْبَادِ بَادِ  
وَحُسَامٌ يَخْسِفُ الْعَيْنَ وَيَبُرُّ الأَخْدَعَيْنِ  
دَأْبُهُ الذَّبُّ إِلَى أَنْ شَبَّ فِي الْقَلْبِ الأُوَامُ  
وَحَكَى جُثْمَانُهُ الْقُنْفُذَ مِنْ رَشْقِ السِّهَامِ  
وَتَوَالَى الضَّرْبُ وَالطَّعْنُ عَلَى اللَّيْثِ الْهُمَامِ  
وَعَرَاهُ مِنْ نَزِيفِ الدَّمِ ضَعْفُ السَّاعِدَيْنِ  

فَتَدَنَّى الْغَادِرُ الْبَاغِي سِنَانٌ بِالسِّنَانِ  
أَجَرَكُمُ اللَّهُ يَا شِيعَةَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، الْيَوْمَ خُرُوجُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ...  
فَتَدَنَّى الْغَادِرُ الْبَاغِي سِنَانٌ بِالسِّنَانِ  
طَعَناً صَدْرَ إِمَامِي فَهَوَى وَاهِي الْجَنَانِ  
أَشْرَقَتْ تَبْكِي عَلَيْهِ أَسَفاً حُورُ الْجِنَانِ  
وَبَكَى الْكُرْسِيُّ وَالْعَرْشُ عَلَيْهِ آسِفَيْنِ  

مَا دَرَوْا إِذْ خَرَّ عَنْ ظَهْرِ الْجَوَادِ الرَّامِحِ  
أَحُسَيْنٌ خَرَّ أَمْ بُرْجُ السِّمَاكِ السَّابِحِ  
أَمْ هُوَ الْبَدْرُ وَقَدْ حَلَّ بِسَعْدِ الذَّابِحِ  
أَمْ هُوَ الشَّمْسُ وَأَيْنَ الشَّمْسُ مِنْ نُورِ الْحُسَيْنِ؟  
أَيُّ عَيْنٍ بِقَانِي الدَّمْعِ لاَ تَنْهَرِقَانِ  
وَحَبِيبُ الْمُصْطَفَى بِالتُّرْبِ مَخْضُوباً بِقَانِ  
دَمُهُ وَالطِّينُ فِي مَنْحَرِهِ مُخْتَلِطَانِ  
دَمُهُ وَالطِّينُ فِي مَنْحَرِهِ مُخْتَلِطَانِ  
وَلَهُ قَدْرٌ تَعَالَى فَوْقَ هَامِ الشَّرَطِ  

لَهْفَ نَفْسِي إِذْ نَحَى أَهْلُ الْفَسَاطِيطِ الْحِصَانِ  
ذَاهِلاً مُنَفَجِعاً يَصْهَلُ مَذْعُورَ الْجَنَانِ  
مَائِلَ السَّرْجِ عِثَارَ الْخَاطِ فِي فَضْلِ الْعِنَانِ  
خَاضِبَ الْمَفْرَقِ وَالْخَدَّيْنِ مِنْ نَحْرِ الْحُسَيْنِ  

أَيُّهَا الْمَهْرُ تَوَقَّفْ لاَ تَحُمْ حَوْلَ الْخِيَامِ  
وَاتْرُكِ الْعَوِيلَ كَيْ لاَ يَسْمَعَ الآلُ الْكِرَامِ  
كَيْفَ تَسْتَقْبِلُهُمْ تَعْثُرُ فِي فَضْلِ اللِّجَامِ  
وَهُمْ يَنْتَظِرُونَ الآنَ إِقْبَالَ الْحُسَيْنِ  

مَرَقَ الْمَهْرُ وَجِيعاً عَالِياً مِنْهُ الْعَوِيلُ  
يُخْبِرُ النِّسْوَانَ أَنَّ السِّبْطَ فِي الْبَوْغَاءِ جَدِيلُ  
وَدَمُ الْمَنْحَرِ جَارٍ خَاضِبَ الْجِسْمِ يَسِيلُ  
نَابِعاً مِنْ ثَغْرَةِ النَّحْرِ كَمَا تَنْبَعُ عَيْنِ  

خَرَجَتْ مُذْ سَمِعَتْ زَيْنَبُ إِعْوَالَ الْجَوَادِ  
خَرَجَتْ... اللَّهُ أَكْبَرُ  
خَرَجَتْ مُذْ سَمِعَتْ زَيْنَبُ إِعْوَالَ الْجَوَادِ  
تَحْسَبُ السِّبْطَ أَتَى بِالَّذِي هُوَ الْمُرَادُ  
مَا دَرَتْ أَنَّ أَخَاهَا عَافِراً فِي بَطْنِ وَادِي  
وَدَمُ الأَوْدَاجِ مِنْهُ خَاضِبٌ لِلْمَنْكِبَيْنِ  

مُذْ وَعَتْ مَا لاَحَ مِنْ حَالِ الْجَوَادِ الصَّاهِلِ  
صَرَخَتْ صَرْخَةً مَزَّقَتِ الْجَيْبَ بِلُبٍّ ذَاهِلِ  
وَبَدَتْ مِنْ دَاخِلِ الْخَيْمَاتِ آلُ الْفَاضِلِ  
مُحْرَقَاتٍ بِسَوَادِ الْحُزْنِ مِنْ فَقْدِ الْحُسَيْنِ  

وَغَدَتْ كُلٌّ مِنَ الدَّهْشَةِ تَهْوَى وَتَقُومُ  
أَنْجُمٌ تَهْوِي وَلَكِنْ مَا تَهَاوَتْ لِلرُّجُومِ  
وَحَقِيقٌ بَعْدَ كَسْفِ الشَّمْسِ أَنْ تَبْدُوَ النُّجُومُ  
يَتَسَابَقْنَ إِلَى مَوْضِعِ مَا خَرَّ الْحُسَيْنِ  

عَظَّمَ اللَّهُ لَكُمُ الأَجْرَ يَا شِيعَة...  
فَإِذَا بِالشِّمْرِ جَاثٍ فَوْقَ صَدْرِ الطَّاهِرِ  
يَهْبُرُ الأَوْدَاجَ مِنْهُ بِالْحُسَامِ الْبَاتِرِ  
فَتَسَاقَطْنَ عَلَيْهِ بِفُؤَادٍ طَائِرِ  
بِافْتِجَاعٍ قَائِلاَتٍ: خَلِّ يَا شِمْرُ الْحُسَيْنِ  

رَأْسَ مَنْ تَقْطَعُ يَا شِمْرُ بِهَذَا الصَّارِمِ؟  
لَيْسَ مَنْ تَفْرِي وَرِيدَهُ بِكَبْشٍ جَائِمِ!  
إِنَّ ذَا سِبْطُ النَّبِيِّ الْقُرَشِيُّ الْهَاشِمِي  
أَبَوَاهُ خِيرَةُ اللَّهِ فَذَا ابْنُ الْخَيْرَتَيْنِ  
ارْفَعِ الصَّارِمَ عَنْ ذَبْحِ الإِمَامِ الْوَاهِبِ  
عِصْمَةُ الرَّاهِبِ فِي الدَّارِ وَمَآلُ الْهَارِبِ  
كَيْفَ تَفْرِي نَحْرَ سِبْطِ الْمُصْطَفَى بِالْقَاضِبِ  
وَهُوَ دَأْباً يُكْثِرُ التَّقْبِيلَ فِي نَحْرِ الْحُسَيْنِ؟  

كَانَ يُؤْذِيهِ بُكَاهُ وَهُوَ فِي الْمَهْدِ رَضِيعُ  
بِابْنِهِ قِدْماً فَدَاهُ وَهُوَ ذُو الشَّأْنِ الرَّفِيعُ  
لَيْتَهُ الآنَ يَرَاهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ!  
وَهُوَ فِي التُّرْبِ صَرِيعٌ يَتَلَظَّى بِظَمَاهُ  
حَافِصاً بِالْقَدَمَيْنِ  

كَمْ بِهِ مِنْ مَلَكٍ فِي الْمَلأِ الأَعْلَى عَتِيقٌ  
وَأَبُو يُمْنَاهُ هُدَى يَسَارٍ لِدَمِ الْعُسْرِ بَرِيقٌ  
وَعَلَى النَّاسِ لَهُ عَهْدٌ مِنَ اللَّهِ وَثِيقٌ  
إِنَّهُ الْحُجَّةُ فِي الأَرْضِ، مَوْلاَيَ مَوْلاَيَ...  
تَقُولُ لَهُ: يَا شِمْرُ بِاللَّهِ دَعْ خَلِّي  
تَرَى مَا لِي قَلْبٌ وَاللَّهِ أَصُدُّ لِي  
تَذْبَحُ حُسَيْنَ لَيْتَنِي كُنْتُ وِقَاكَ  

وَغَدَتِ الأَمْلاَكُ تَبْكِي خُصُوصاً عُتَقَا  
مَا دَرَى الْمَلْعُونُ شِمْرٌ أَيَّ صَدْرٍ قَدْ رَقَا  
صَدْرَ مَنْ دَاسَ فَخَاراً فَوْقَ فَرْقِ الْفَرْقَدَيْنِ  

بَيْنَمَا زَيْنَبُ قَرْحَى الْجَفْنِ وَالْهَامُ ثَكُولُ  
تَذْرِفُ الدَّمْعَ وَفِي أَحْشَائِهَا الْحُزْنُ يَجُولُ  
تَنْدُبُ النَّدْبَ بِقَلْبٍ وَاجِفٍ وَهِيَ تَقُولُ:  
قَدْ أَصَابَتْنِي بِنُورِ الْعَيْنِ حُسَّادِي بِعَيْنِ  
زَيْنَبُ تَنْعَى الْحُسَيْنِ:  

وَذَبِيحاً مِنْ قَفَاهُ بِالْحُسَامِ الْبَاتِرِ  
وَصَرِيعاً بِعَرَاهُ مَا لَهُ مِنْ سَاتِرِ  
وَكَسِيراً صَلَوَاهُ بِصَلِيبِ الْحَافِرِ  
وَرَضِيضاً قَدَمَاهُ وَالْقَرَا وَالْمَنْكِبَيْنِ  

حِيرَة حِيرَة وَاللَّهِ حِيرَتِي حُسَيْن حِيرَة  
دَلِّينِي الْوَجْهَ يَا صَوْبَ أُدِيرَهْ  
خُوَيَّة خُوَيَّة بُو عَلِي يَا خُوَيَّة  
أَنَا مَا مَاشِيَة لِهَسَّهْ أَسِيرَة  
وَأَمْشِي شْلُونْ مِنْ دِيرَة لِدِيرَة  

إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا آلَ مُحَمَّدٍ أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ.

 

 (قرائت دعای شریف عرفه امام حسین علیه‌السلام)

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ.  

رَوَى بِشْرٌ وَبَشِيرٌ ابْنَا غَالِبٍ الأَسَدِيِّ قَالاَ: كُنَّا مَعَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عِشِيَّةَ عَرَفَةَ، فَخَرَجَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ مِنْ فُسْطَاطِهِ مُتَذَلِّلاً خَاشِعاً، فَجَعَلَ يَمْشِي هَوْناً هَوْناً، حَتَّى وَقَفَ هُوَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ وَوَلَدِهِ وَمَوَالِيهِ فِي مَيْسَرَةِ الْجَبَلِ، مُسْتَقْبِلَ الْبَيْتِ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ كَاسْتِطْعَامِ الْمِسْكِينِ، ثُمَّ قَالَ:

"الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَيْسَ لِقَضَائِهِ دَافِعٌ، وَلاَ لِعَطَائِهِ مَانِعٌ، وَلاَ كَصُنْعِهِ صُنْعُ صَانِعٍ، وَهُوَ الْجَوَادُ الْوَاسِعُ، فَطَرَ أَجْنَاسَ الْبَدَائِعِ، وَأَتْقَنَ بِحِكْمَتِهِ الصَّنَائِعَ، لاَ تَخْفَى عَلَيْهِ الطَّلاَئِعُ، وَلاَ تَضِيعُ عِنْدَهُ الْوَدَائِعُ، أَتَى بِالْكِتَابِ الْجَامِعِ، وَبِشَرْعِ الإِسْلاَمِ النُّورِ السَّاطِعِ، وَلِلْخَلِيقَةِ صَانِعٌ، وَهُوَ الْمُسْتَعَانُ عَلَى الْفَجَائِعِ، جَازِي كُلِّ صَانِعٍ، وَرَائِشُ كُلِّ قَانِعٍ، وَرَاحِمُ كُلِّ ضَارِعٍ، وَمُنْزِلُ الْمَنَافِعِ وَالْكِتَابِ الْجَامِعِ بِالنُّورِ السَّاطِعِ، وَهُوَ لِلَّدَعَوَاتِ سَامِعٌ، وَلِلْكُرُبَاتِ دَافِعٌ، وَلِلدَّرَجَاتِ رَافِعٌ، وَلِلْجَبَابِرَةِ قَامِعٌ، فَلاَ إِلَهَ غَيْرُهُ، وَلاَ شَيْءَ يَعْدِلُهُ، وَلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ، اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

اللَّهُمَّ إِنِّي أَرْغَبُ إِلَيْكَ، وَأَشْهَدُ بِالرُّبُوبِيَّةِ لَكَ، مُقِرّاً بِأَنَّكَ رَبِّي، وَأَنَّ إِلَيْكَ مَرَدِّي، ابْتَدَأْتَنِي بِنِعْمَتِكَ قَبْلَ أَنْ أَكُونَ شَيْئاً مَذْكُوراً، وَخَلَقْتَنِي مِنَ التُّرَابِ، ثُمَّ أَسْكَنْتَنِي الأَصْلاَبَ، آمِناً لِرَيْبِ الْمَنُونِ، وَاخْتِلاَفِ الدُّهُورِ وَالسِّنِينَ، فَلَمْ أَزَلْ ظَاعِناً مِنْ صُلْبٍ إِلَى رَحِمٍ، فِي تَقَادُمٍ مِنَ الأَيَّامِ الْمَاضِيَةِ، وَالْقُرُونِ الْخَالِيَةِ، لَمْ تُخْرِجْنِي لِرَأْفَتِكَ بِي، وَلُطْفِكَ لِي، وَإِحْسَانِكَ إِلَيَّ فِي دَوْلَةِ أَئِمَّةِ الْكُفْرِ، الَّذِينَ نَقَضُوا عَهْدَكَ، وَكَذَّبُوا رُسُلَكَ، لَكِنَّكَ أَخْرَجْتَنِي رَأْفَةً مِنْكَ وَتَحَنُّناً عَلَيَّ لِلَّذِي سَبَقَ لِي مِنَ الْهُدَى، الَّذِي لَهُ يَسَّرْتَنِي وَفِيهِ أَنْشَأْتَنِي، وَمِنْ قَبْلِ ذَلِكَ رَؤُفْتَ بِي بِجَمِيلِ صُنْعِكَ وَسَوَابِغِ نِعَمِكَ، فَابْتَدَعْتَ خَلْقِي مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى، وَأَسْكَنْتَنِي فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ بَيْنَ لَحْمٍ وَدَمٍ وَجِلْدٍ، لَمْ تُشْهِدْنِي خَلْقِي، وَلَمْ تَجْعَلْ إِلَيَّ شَيْئاً مِنْ أَمْرِي، ثُمَّ أَخْرَجْتَنِي لِلَّذِي سَبَقَ لِي مِنَ الْهُدَى إِلَى الدُّنْيَا تَامّاً سَوِيّاً، وَحَفِظْتَنِي فِي الْمَهْدِ طِفْلاً صَبِيّاً، وَرَزَقْتَنِي مِنَ الْغِذَاءِ لَبَناً مَرِيّاً، وَعَطَفْتَ عَلَيَّ قُلُوبَ الْحَوَاضِنِ، وَكَفَّلْتَنِي الأُمَّهَاتِ الرَّوَاحِمَ، وَكَلأْتَنِي مِنْ طَوَارِقِ الْجَانِّ، وَسَلَّمْتَنِي مِنَ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، فَتَعَالَيْتَ يَا رَحِيمُ يَا رَحْمَنُ.

حَتَّى إِذَا اسْتَهْلَلْتُ نَاطِقاً بِالْكَلاَمِ، أَتْمَمْتَ عَلَيَّ سَوَابِغَ الإِنْعَامِ، وَرَبَّيْتَنِي زَائِداً فِي كُلِّ عَامٍ، حَتَّى إِذَا اكْتَمَلَتْ فِطْرَتِي، وَاعْتَدَلَتْ مِرَّتِي، أَوْجَبْتَ عَلَيَّ حُجَّتَكَ بِأَنْ أَلْهَمْتَنِي مَعْرِفَتَكَ، وَرَوَّعْتَنِي بِعَجَائِبِ حِكْمَتِكَ، وَأَيْقَظْتَنِي لِمَا ذَرَأْتَ فِي سَمَائِكَ وَأَرْضِكَ مِنْ بَدَائِعِ خَلْقِكَ، وَنَبَّهْتَنِي لِشُكْرِكَ وَذِكْرِكَ، وَأَوْجَبْتَ عَلَيَّ طَاعَتَكَ وَعِبَادَتَكَ، وَفَهَّمْتَنِي مَا جَاءَتْ بِهِ رُسُلُكَ، وَيَسَّرْتَ لِي تَقَبُّلَ مَرْضَاتِكَ، وَمَنَنْتَ عَلَيَّ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ بِعَوْنِكَ وَلُطْفِكَ.

ثُمَّ إِذْ خَلَقْتَنِي مِنْ خَيْرِ الثَّرَى، لَمْ تَرْضَ لِي يَا إِلَهِي نِعْمَةً دُونَ أُخْرَى، وَرَزَقْتَنِي مِنْ أَنْوَاعِ الْمَعَاشِ، وَصُنُوفِ الرِّيَاشِ، بِمَنِّكَ الْعَظِيمِ الأَعْظَمِ عَلَيَّ، وَإِحْسَانِكَ الْقَدِيمِ إِلَيَّ، حَتَّى إِذَا أَتْمَمْتَ عَلَيَّ جَمِيعَ النِّعَمِ، وَصَرَفْتَ عَنِّي كُلَّ النِّقَمِ، لَمْ يَمْنَعْكَ جَهْلِي وَجُرْأَتِي عَلَيْكَ أَنْ دَلَلْتَنِي عَلَى مَا يُقَرِّبُنِي إِلَيْكَ، وَوَفَّقْتَنِي لِمَا يُزْلِفُنِي لَدَيْكَ، فَإِنْ دَعَوْتُكَ أَجَبْتَنِي، وَإِنْ سَأَلْتُكَ أَعْطَيْتَنِي، وَإِنْ أَطَعْتُكَ شَكَرْتَنِي، وَإِنْ شَكَرْتُكَ زِدْتَنِي، كُلُّ ذَلِكَ إِكْمَالاً لأَنْعُمِكَ عَلَيَّ وَإِحْسَانِكَ إِلَيَّ، فَسُبْحَانَكَ سُبْحَانَكَ، مِنْ مُبْدِئٍ مُعِيدٍ، حَمِيدٍ مَجِيدٍ، تَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُكَ، وَعَظُمَتْ آلاَؤُكَ، فَأَيُّ نِعَمِكَ يَا إِلَهِي أُحْصِي عَدَداً وَذِكْراً؟ أَمْ أَيُّ عَطَايَاكَ أَقُومُ بِهَا شُكْراً؟ وَهِيَ يَا رَبِّ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصِيَهَا الْعَادُّونَ، أَوْ يَبْلُغَ عِلْماً بِهَا الْحَافِظُونَ، ثُمَّ مَا صَرَفْتَ وَدَرَأْتَ عَنِّي اللَّهُمَّ مِنَ الضُّرِّ وَالضَّرَّاءِ، أَكْثَرُ مِمَّا ظَهَرَ لِي مِنَ الْعَافِيَةِ وَالسَّرَّاءِ، وَأَنَا أَشْهَدُ يَا إِلَهِي بِحَقِيقَةِ إِيمَانِي، وَعَقْدِ عَزَمَاتِ يَقِينِي، وَخَالِصِ صَرِيحِ تَوْحِيدِي، وَبَاطِنِ مَكْنُونِ ضَمِيرِي، وَعَلاَئِقِ مَجَارِي نُورِ بَصَرِي، وَأَسَارِيرِ صَفْحَةِ جَبِينِي، وَخَرْقِ مَسَارِبِ نَفْسِي، وَخَذَارِيفِ مَارِنِ عِرْنِينِي، وَمَسَارِبِ صِمَاخِ سَمْعِي، وَمَا ضَمَّتْ وَأَطْبَقَتْ عَلَيْهِ شَفَتَايَ، وَحَرَكَاتِ لَفْظِ لِسَانِي، وَمَغْرَزِ حَنَكِ فَمِي وَفَكِّي، وَمَنَابِتِ أَضْرَاسِي، وَمَسَاغِ مَطْعَمِي وَمَشْرَبِي، وَحِمَالَةِ أُمِّ رَأْسِي، وَبُلُوغِ حَبَائِلِ بَارِعِ عُنُقِي، وَمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ تَامُورُ صَدْرِي، وَحَمَائِلِ حَبْلِ وَتِينِي، وَنِيَاطِ حِجَابِ قَلْبِي، وَأَفْلاَذِ حَوَاشِي كَبِدِي، وَمَا حَوَتْهُ شَرَاصِيفُ أَضْلاَعِي، وَحِقَاقُ مَفَاصِلِي، وَقَبْضُ عَوَامِلِي، وَأَطْرَافُ أَنَامِلِي، وَلَحْمِي وَدَمِي وَشَعْرِي وَبَشَرِي وَعَصَبِي وَقَصَبِي وَعِظَامِي وَمُخِّي وَعُرُوقِي وَجَمِيعُ جَوَارِحِي، وَمَا انْتَسَجَ عَلَى ذَلِكَ أَيَّامَ رِضَاعِي، وَمَا أَقَلَّتِ الأَرْضُ مِنِّي، وَنَوْمِي وَيَقَظَتِي وَسُكُونِي وَحَرَكَاتِ رُكُوعِي وَسُجُودِي، أَنْ لَوْ حَاوَلْتُ وَاجْتَهَدْتُ مَدَى الأَعْصَارِ وَالأَحْقَابِ لَوْ عُمِّرْتُهَا أَنْ أُؤَدِّيَ شُكْرَ وَاحِدَةٍ مِنْ أَنْعُمِكَ مَا اسْتَطَعْتُ ذَلِكَ إِلاَّ بِمَنِّكَ الْمُوجَبِ عَلَيَّ بِهِ شُكْرَكَ أَبَداً جَدِيداً وَثَنَاءً طَارِفاً عَتِيداً.

أَجَلْ، وَلَوْ حَرَصْتُ أَنَا وَالْعَادُّونَ مِنْ أَنَامِكَ أَنْ نُحْصِيَ مَدَائِنَ إِنْعَامِكَ، سَالِفَهُ وَآنِفَهُ، مَا حَصَرْنَاهُ عَدَداً، وَلاَ أَحْصَيْنَاهُ أَمَداً، هَيْهَاتَ أَنَّى ذَلِكَ وَأَنْتَ الْمُخْبِرُ فِي كِتَابِكَ النَّاطِقِ، وَالنَّبَإِ الصَّادِقِ: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا﴾، صَدَقَ كِتَابُكَ اللَّهُمَّ وَإِنْبَاؤُكَ، وَبَلَّغَتْ أَنْبِيَاؤُكَ وَرُسُلُكَ مَا أَنْزَلْتَ عَلَيْهِمْ مِنْ وَحْيِكَ، وَشَرَعْتَ لَهُمْ وَبِهِمْ مِنْ دِينِكَ، غَيْرَ أَنِّي يَا إِلَهِي أَشْهَدُ بِجُهْدِي وَجِدِّي، وَمَبْلَغِ طَاقَتِي وَوُسْعِي، وَأَقُولُ مُؤْمِناً مُوقِناً: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً فَيَكُونَ مَوْرُوثاً، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي مُلْكِهِ فَيُضَادَّهُ فِيمَا ابْتَدَعَ، وَلاَ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ فَيُرْفِدَهُ فِيمَا صَنَعَ، فَسُبْحَانَهُ سُبْحَانَهُ! لَوْ كَانَ فِيهِمَا آِلهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا وَتَفَطَّرَتَا، سُبْحَانَ اللَّهِ الْوَاحِدِ الأَحَدِ الصَّمَدِ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ، الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْداً يُعَادِلُ حَمْدَ مَلاَئِكَتِهِ الْمُقَرَّبِينَ، وَأَنْبِيَائِهِ الْمُرْسَلِينَ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى خِيَرَتِهِ مُحَمَّدٍ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ، وَآلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ الْمُخْلِصِينَ وَسَلَّمَ.

ثُمَّ انْدَفَعَ فِي الْمَسْأَلَةِ وَاجْتَهَدَ فِي الدُّعَاءِ وَقَالَ وَعَيْنَاهُ سَالَتَا دُمُوعاً:

اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي أَخْشَاكَ كَأَنِّي أَرَاكَ، وَأَسْعِدْنِي بِتَقْوَاكَ، وَلاَ تُشْقِنِي بِمَعْصِيَتِكَ، وَخِرْ لِي فِي قَضَائِكَ، وَبَارِكْ لِي فِي قَدَرِكَ، حَتَّى لاَ أُحِبَّ تَعْجِيلَ مَا أَخَّرْتَ، وَلاَ تَأْخِيرَ مَا عَجَّلْتَ. اللَّهُمَّ اجْعَلْ غِنَايَ فِي نَفْسِي، وَالْيَقِينَ فِي قَلْبِي، وَالإِخْلاَصَ فِي عَمَلِي، وَالنُّورَ فِي بَصَرِي، وَالْبَصِيرَةَ فِي دِينِي، وَمَتِّعْنِي بِجَوَارِحِي، وَاجْعَلْ سَمْعِي وَبَصَرِي الْوَارِثَيْنِ مِنِّي، وَانْصُرْنِي عَلَى مَنْ ظَلَمَنِي، وَأَرِنِي فِيهِ ثَأْرِي وَمَآرِبِي، وَأَقِرَّ بِذَلِكَ عَيْنِي.

اللَّهُمَّ اكْشِفْ كُرْبَتِي، وَاسْتُرْ عَوْرَتِي، وَاغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي، وَاخْسَأْ شَيْطَانِي، وَفُكَّ رِهَانِي، وَاجْعَلْ لِي يَا إِلَهِي الدَّرَجَةَ الْعُلْيَا فِي الآخِرَةِ وَالأُولَى.

اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ كَمَا خَلَقْتَنِي فَجَعَلْتَنِي سَمِيعاً بَصِيراً، وَلَكَ الْحَمْدُ كَمَا خَلَقْتَنِي فَجَعَلْتَنِي خَلْقاً سَوِيّاً رَحْمَةً بِي، وَقَدْ كُنْتَ عَنْ خَلْقِي غَنِيّاً، رَبِّ بِمَا بَرَأْتَنِي فَعَدَّلْتَ فِطْرَتِي، رَبِّ بِمَا أَنْشَأْتَنِي فَأَحْسَنْتَ صُورَتِي، رَبِّ بِمَا أَحْسَنْتَ إِلَيَّ وَفِي نَفْسِي عَافَيْتَنِي، رَبِّ بِمَا كَلأْتَنِي وَوَفَّقْتَنِي، رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَهَدَيْتَنِي، رَبِّ بِمَا أَوْلَيْتَنِي وَمِنْ كُلِّ خَيْرٍ أَعْطَيْتَنِي، رَبِّ بِمَا أَطْعَمْتَنِي وَسَقَيْتَنِي، رَبِّ بِمَا أَغْنَيْتَنِي وَأَقْنَيْتَنِي، رَبِّ بِمَا أَعَنْتَنِي وَأَعْزَزْتَنِي، رَبِّ بِمَا أَلْبَسْتَنِي مِنْ سِتْرِكَ الصَّافِي، وَيَسَّرْتَ لِي مِنْ صُنْعِكَ الْكَافِي، صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَأَعِنِّي عَلَى بَوَائِقِ الدُّهُورِ، وَصُرُوفِ اللَّيَالِي وَالأَيَّامِ، وَنَجِّنِي مِنْ أَهْوَالِ الدُّنْيَا وَكُرُبَاتِ الآخِرَةِ، وَاكْفِنِي شَرَّ مَا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ فِي الأَرْضِ، اللَّهُمَّ مَا أَخَافُ فَاكْفِنِي، وَمَا أَحْذَرُ فَقِنِي، وَفِي نَفْسِي وَدِينِي فَاحْرُسْنِي، وَفِي سَفَرِي فَاحْفَظْنِي، وَفِي أَهْلِي وَمَالِي فَاخْلُفْنِي، وَفِيمَا رَزَقْتَنِي فَبَارِكْ لِي، وَفِي نَفْسِي فَذَلِّلْنِي، وَفِي أَعْيُنِ النَّاسِ فَعَظِّمْنِي، وَمِنْ شَرِّ الْجِنِّ وَالإِنْسِ فَسَلِّمْنِي، وَبِذُنُوبِي فَلاَ تَفْضَحْنِي، وَبِسَرِيرَتِي فَلاَ تُخْزِنِي، وَبِعَمَلِي فَلاَ تَبْتَلِنِي، وَنِعَمَكَ فَلاَ تَسْلُبْنِي، وَإِلَى غَيْرِكَ فَلاَ تَكِلْنِي.

إِلَهِي إِلَى مَنْ تَكِلُنِي؟ إِلَى قَرِيبٍ فَيَقْطَعُنِي؟ أَمْ إِلَى بَعِيدٍ فَيَتَجَهَّمُنِي؟ أَمْ إِلَى الْمُسْتَضْعَفِينَ لِي وَأَنْتَ رَبِّي وَمَلِيكُ أَمْرِي؟ أَشْكُو إِلَيْكَ غُرْبَتِي وَبُعْدَ دَارِي وَهَوَانِي عَلَى مَنْ مَلَّكْتَهُ أَمْرِي، إِلَهِي فَلاَ تُحْلِلْ عَلَيَّ غَضَبَكَ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ غَضِبْتَ عَلَيَّ فَلاَ أُبَالِي سُبْحَانَكَ، غَيْرَ أَنَّ عَافِيَتَكَ أَوْسَعُ لِي، فَأَسْأَلُكَ يَا رَبِّ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الأَرْضُ وَالسَّمَاوَاتُ، وَكُشِفَتْ بِهِ الظُّلُمَاتُ، وَصَلُحَ بِهِ أَمْرُ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ، أَنْ لاَ تُمِيتَنِي عَلَى غَضَبِكَ، وَلاَ تُنْزِلْ بِي سَخَطَكَ، لَكَ الْعُتْبَى، لَكَ الْعُتْبَى حَتَّى تَرْضَى قَبْلَ ذَلِكَ.

لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ رَبَّ الْبَلَدِ الْحَرَامِ، وَالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ، وَالْبَيْتِ الْعَتِيقِ، الَّذِي أَحْلَلْتَهُ الْبَرَكَةَ، وَجَعَلْتَهُ لِلنَّاسِ أَمْناً، يَا مَنْ عَفَا عَنْ عَظِيمِ الذُّنُوبِ بِحِلْمِهِ، يَا مَنْ أَسْبَغَ النَّعْمَاءَ بِفَضْلِهِ، يَا مَنْ أَعْطَى الْجَزِيلَ بِكَرَمِهِ، يَا عُدَّتِي فِي شِدَّتِي، يَا صَاحِبِي فِي وَحْدَتِي، يَا غِيَاثِي فِي كُرْبَتِي، يَا وَلِيِّي فِي نِعْمَتِي، يَا إِلَهِي وَإِلَهَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ، وَرَبَّ جَبْرَئِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ، وَرَبَّ مُحَمَّدٍ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ وَآلِهِ الْمُنْتَجَبِينَ، وَمُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ وَالْفُرْقَانِ، وَمُنْزِلَ كَاف هَا يَاء عَيْن صَاد، وَطَه وَيَاسِين وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ. أَنْتَ كَهْفِي حِينَ تُعْيِينِي الْمَذَاهِبُ فِي سَعَتِهَا، وَتَضِيقُ بِي الأَرْضُ بِرُحْبِهَا، وَلَوْلاَ رَحْمَتُكَ لَكُنْتُ مِنَ الْهَالِكِينَ، وَأَنْتَ مُقِيلُ عَثْرَتِي، وَلَوْلاَ سِتْرُكَ إِيَّايَ لَكُنْتُ مِنَ الْمَفْضُوحِينَ، وَأَنْتَ مُؤَيِّدِي بِالنَّصْرِ عَلَى أَعْدَائِي، وَلَوْلاَ نَصْرُكَ إِيَّايَ لَكُنْتُ مِنَ الْمَغْلُوبِينَ، يَا مَنْ خَصَّ نَفْسَهُ بِالسُّمُوِّ وَالرِّفْعَةِ، فَأَوْلِيَاؤُهُ بِعِزِّهِ يَعْتَزُّونَ، يَا مَنْ جَعَلَتْ لَهُ الْمُلُوكُ نِيرَ الْمَذَلَّةِ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ، فَهُمْ مِنْ سَطَوَاتِهِ خَائِفُونَ، يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ، وَغَيْبَ مَا تَأْتِي بِهِ الأَزْمِنَةُ وَالدُّهُورُ، يَا مَنْ لاَ يَعْلَمُ كَيْفَ هُوَ إِلاَّ هُوَ، يَا مَنْ لاَ يَعْلَمُ مَا هُوَ إِلاَّ هُوَ، يَا مَنْ لاَ يَعْلَمُهُ إِلاَّ هُوَ، يَا مَنْ كَبَسَ الأَرْضَ عَلَى الْمَاءِ وَسَدَّ الْهَوَاءَ بِالسَّمَاءِ، يَا مَنْ لَهُ أَكْرَمُ الأَسْمَاءِ، يَا ذَا الْمَعْرُوفِ الَّذِي لاَ يَنْقَطِعُ أَبَداً، يَا مُقَيِّضَ الرَّكْبِ لِيُوسُفَ فِي الْبَلَدِ الْقَفْرِ، وَمُخْرِجَهُ مِنَ الْجُبِّ، وَجَاعِلَهُ بَعْدَ الْعُبُودِيَّةِ مَلِكاً، يَا رَادَّهُ عَلَى يَعْقُوبَ بَعْدَ أَنِ ابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ، يَا كَاشِفَ الضُّرِّ وَالْبَلْوَى عَنْ أَيُّوبَ، وَمُمْسِكَ يَدَيْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ ذَبْحِ ابْنِهِ بَعْدَ كِبَرِ سِنِّهِ وَفَنَاءِ عُمُرِهِ، يَا مَنِ اسْتَجَابَ لِزَكَرِيَّا فَوَهَبَ لَهُ يَحْيَى وَلَمْ يَدَعْهُ فَرْداً وَحِيداً، يَا مَنْ أَخْرَجَ يُونُسَ مِنْ بَطْنِ الْحُوتِ، يَا مَنْ فَلَقَ الْبَحْرَ لِبَنِي إِسْرَائِيَلَ فَأَنْجَاهُمْ وَجَعَلَ فِرْعَوْنَ وَجُنُودَهُ مِنَ الْمُغْرَقِينَ، يَا مَنْ أَرْسَلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ، يَا مَنْ لَمْ يَعْجَلْ عَلَى مَنْ عَصَاهُ مِنْ خَلْقِهِ، يَا مَنِ اسْتَنْقَذَ السَّحَرَةَ مِنْ بَعْدِ طُولِ الْجُحُودِ وَقَدْ غَدَوْا فِي نِعْمَتِهِ يَأْكُلُونَ رِزْقَهُ وَيَعْبُدُونَ غَيْرَهُ وَقَدْ حَادُّوهُ وَنَادُّوهُ وَكَذَّبُوا رُسُلَهُ، يَا اللَّهُ يَا اللَّهُ يَا بَدِيعُ، يَا بَدِيعاً لاَ نِدَّ لَكَ، يَا دَائِماً لاَ نَفَادَ لَكَ، يَا حَيّاً حِينَ لاَ حَيَّ، يَا مُحْيِيَ الْمَوْتَى، يَا مَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ، يَا مَنْ قَلَّ لَهُ شُكْرِي فَلَمْ يَحْرِمْنِي، وَعَظُمَتْ خَطِيئَتِي فَلَمْ يَفْضَحْنِي، وَرَآنِي عَلَى الْمَعَاصِي فَلَمْ يَشْهَرْ نِي، يَا مَنْ حَفِظَنِي فِي صِغَرِي، يَا مَنْ رَزَقَنِي فِي كِبَرِي، يَا مَنْ أَيَادِيهِ عِنْدِي لاَ تُحْصَى، وَنِعَمُهُ لاَ تُجَازَى، يَا مَنْ عَارَضَنِي بِالْخَيْرِ وَالإِحْسَانِ وَعَارَضْتُهُ بِالإِسَاءَةِ وَالْعِصْيَانِ، يَا مَنْ هَدَانِي لِلإِيمَانِ مِنْ قَبْلِ أَنْ أَعْرِفَ شُكْرَ الإِمْتِنَانِ، يَا مَنْ دَعَوْتُهُ مَرِيضاً فَشَفَانِي، وَعُرْيَاناً فَكَسَانِي، وَجَائِعاً فَأَشْبَعَنِي، وَعَطْشَاناً فَأَرْوَانِي، وَذَلِيلاً فَأَعَزَّنِي، وَجَاهِلاً فَعَرَّفَنِي، وَوَحِيداً فَكَثَّرَنِي، وَغَائِباً فَرَدَّنِي، وَمُقِلاَّ فَأَغْنَانِي، وَمُنْتَصِراً فَنَصَرَنِي، وَغَنِيّاً فَلَمْ يَسْلُبْنِي، وَأَمْسَكْتُ عَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ فَابْتَدَأَنِي، فَلَكَ الْحَمْدُ وَالشُّكْرُ، فَلَكَ الْحَمْدُ وَالشُّكْرُ، فَلَكَ الْحَمْدُ وَالشُّكْرُ، يَا مَنْ أَقَالَ عَثْرَتِي، وَنَفَّسَ كُرْبَتِي، وَأَجَابَ دَعْوَتِي، وَسَتَرَ عَوْرَتِي، وَغَفَرَ ذُنُوبِي، وَبَلَّغَنِي طَلِبَتِي، وَنَصَرَنِي عَلَى عَدُوِّي، وَإِنْ أَعُدَّ نِعَمَكَ وَمِنَنَكَ وَكَرَائِمَ مِنَحِكَ لاَ أُحْصِيهَا، يَا مَوْلاَيَ، أَنْتَ الَّذِي مَنَنْتَ، أَنْتَ الَّذِي أَنْعَمْتَ، أَنْتَ الَّذِي أَحْسَنْتَ، أَنْتَ الَّذِي أَجْمَلْتَ، أَنْتَ الَّذِي أَفْضَلْتَ، أَنْتَ الَّذِي أَكْمَلْتَ، أَنْتَ الَّذِي رَزَقْتَ، أَنْتَ الَّذِي وَفَّقْتَ، أَنْتَ الَّذِي أَعْطَيْتَ، أَنْتَ الَّذِي أَغْنَيْتَ، أَنْتَ الَّذِي أَقْنَيْتَ، أَنْتَ الَّذِي آوَيْتَ، أَنْتَ الَّذِي كَفَيْتَ، أَنْتَ الَّذِي هَدَيْتَ، أَنْتَ الَّذِي عَصَمْتَ، أَنْتَ الَّذِي سَتَرْتَ، أَنْتَ الَّذِي غَفَرْتَ، أَنْتَ الَّذِي أَقَلْتَ، أَنْتَ الَّذِي مَكَّنْتَ، أَنْتَ الَّذِي أَعْزَزْتَ، أَنْتَ الَّذِي أَعَنْتَ، أَنْتَ الَّذِي عَضَدْتَ، أَنْتَ الَّذِي أَيَّدْتَ، أَنْتَ الَّذِي نَصَرْتَ، أَنْتَ الَّذِي شَفَيْتَ، أَنْتَ الَّذِي عَافَيْتَ، أَنْتَ الَّذِي أَكْرَمْتَ، تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ، فَلَكَ الْحَمْدُ دَائِماً، وَلَكَ الشُّكْرُ وَاصِباً أَبَداً.

ثُمَّ أَنَا يَا إِلَهِي الْمُعْتَرِفُ بِذُنُوبِي فَاغْفِرْهَا لِي، أَنَا الَّذِي أَسَأْتُ، أَنَا الَّذِي أَخْطَأْتُ، أَنَا الَّذِي هَمَمْتُ، أَنَا الَّذِي جَهِلْتُ، أَنَا الَّذِي غَفَلْتُ، أَنَا الَّذِي سَهَوْتُ، أَنَا الَّذِي اعْتَمَدْتُ، أَنَا الَّذِي تَعَمَّدْتُ، أَنَا الَّذِي وَعَدْتُ وَأَنَا الَّذِي أَخْلَفْتُ، أَنَا الَّذِي نَكَثْتُ، أَنَا الَّذِي أَقْرَرْتُ، أَنَا الَّذِي اعْتَرَفْتُ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ وَعِنْدِي وَأَبُوءُ بِذُنُوبِي فَاغْفِرْهَا لِي، يَا مَنْ لاَ تَضُرُّهُ ذُنُوبُ عِبَادِهِ، وَهُوَ الْغَنِيُّ عَنْ طَاعَتِهِمْ، وَالْمُوَفِّقُ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْهُمْ بِمَعُونَتِهِ وَرَحْمَتِهِ، فَلَكَ الْحَمْدُ إِلَهِي وَسَيِّدِي.

أَمَرْتَنِي فَعَصَيْتُكَ، وَنَهَيْتَنِي فَارْتَكَبْتُ نَهْيَكَ، فَأَصْبَحْتُ لاَ ذَا بَرَاءَةٍ لِي فَأَعْتَذِرُ، وَلاَ ذَا قُوَّةٍ فَأَنْتَصِرُ، فَبِأَيِّ شَيْءٍ أَسْتَقْبِلُكَ يَا مَوْلاَيَ؟ أَبِسَمْعِي، أَمْ بِبَصَرِي، أَمْ بِلِسَانِي، أَمْ بِيَدِي، أَمْ بِرِجْلِي؟ أَلَيْسَ كُلُّهَا نِعَمَكَ عِنْدِي وَبِكُلِّهَا عَصَيْتُكَ؟ يَا مَوْلاَيَ فَلَكَ الْحُجَّةُ وَالسَّبِيلُ عَلَيَّ، يَا مَنْ سَتَرَنِي مِنَ الآبَاءِ وَالأُمَّهَاتِ أَنْ يَزْجُرُونِي، وَمِنَ الْعَشَائِرِ وَالإِخْوَانِ أَنْ يُعَيِّرُونِي، وَمِنَ السَّلاَطِينِ أَنْ يُعَاقِبُونِي، وَلَوْ أَطَّلَعُوا يَا مَوْلاَيَ عَلَى مَا اطَّلَعْتَ عَلَيْهِ مِنِّي إِذاً مَا أَنْظَرُونِي، وَلَرَفَضُونِي وَقَطَعُونِي، فَهَا أَنَا ذَا يَا إِلَهِي بَيْنَ يَدَيْكَ يَا سَيِّدِي خَاضِعٌ ذَلِيلٌ حَصِيرٌ حَقِيرٌ، لاَ ذَا بَرَاءَةٍ فَأَعْتَذِرُ، وَلاَ ذَا قُوَّةٍ فَأَنْتَصِرُ، وَلاَ ذُو حُجَّةٍ فَأَحْتَجُّ بِهَا، وَلاَ قَائِلٌ لَمْ أَجْتَرِحْ وَلَمْ أَعْمَلْ سُوءاً، وَمَا عَسَى الْجُحُودُ وَلَوْ جَحَدْتُ يَا مَوْلاَيَ يَنْفَعُنِي، كَيْفَ وَأَنَّى ذَلِكَ وَجَوَارِحِي كُلُُّهَا شَاهِدَةٌ عَلَيَّ بِمَا قَدْ عَمِلْتُ، يَقِيناً غَيْرَ ذِي شَكٍّ أَنَّكَ سَائِلِي مِنْ عَظَائِمِ الأُمُورِ، وَأَنَّكَ الْحَكَمُ الْعَدْلُ الَّذِي لاَ تَجُورُ، وَعَدْلُكَ مُهْلِكِي وَمِنْ كُلِّ عَدْلِكَ مَهْرَبِي، فَإِنْ تُعَذِّبْنِي يَا إِلَهِي فَبِذُنُوبِي بَعْدَ حُجَّتِكَ عَلَيَّ، وَإِنْ تَعْفُ عَنِّي فَبِحِلْمِكَ وَجُودِكَ وَكَرَمِكَ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الْمُسْتَغْفِرِينَ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الْمُوَحِّدِينَ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الْخَائِفِينَ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الْوَجِلِينَ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الرَّاجِينَ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الرَّاغِبِينَ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الْمُهَلِّلِينَ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ السَّائِلِينَ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الْمُكَبِّرِينَ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ رَبِّي وَرَبُّ آبَائِيَ الأَوَّلِينَ.

اللَّهُمَّ هَذَا ثَنَائِي عَلَيْكَ مُمَجِّداً، وَإِخْلاَصِي لِذِكْرِكَ مُوَحِّداً، وَإِقْرَارِي بِآلاَئِكَ مُعَدِّداً، وَإِنْ كُنْتُ مُقِرّاً أَنِّي لَمْ أُحْصِهَا لِكَثْرَتِهَا وَسُبُوغِهَا وَتَظَاهُرِهَا وَتَقَادُمِهَا إِلَى حَادِثٍ مَا لَمْ تَزَلْ تَتَعَهَّدُنِي بِهِ مَعَهَا مُنْذُ خَلَقْتَنِي وَبَرَأْتَنِي مِنْ أَوَّلِ الْعُمُرِ مِنَ الإِغْنَاءِ بَعْدَ الْفَقْرِ، وَكَشْفِ الضُّرِّ، وَتَسَبُّبِ الْيُسْرِ، وَدَفْعِ الْعُسْرِ، وَتَفْرِيجِ الْكَرْبِ، وَالْعَافِيَةِ فِي الْبَدَنِ، وَالسَّلاَمَةِ فِي الدِّينِ، وَلَوْ رَفَدَنِي عَلَى قَدْرِ ذِكْرِ نِعْمَتِكَ جَمِيعُ الْعَالَمِينَ مِنَ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ مَا قَدَرْتُ وَلاَ هُمْ عَلَى ذَلِكَ، تَقَدَّسْتَ وَتَعَالَيْتَ مِنْ رَبٍّ كَرِيمٍ، عَظِيمٍ رَحِيمٍ، لاَ تُحْصَى آلاَؤُكَ، وَلاَ يَبْلُغُ ثَنَاؤُكَ، وَلاَ تُكَافَى نَعْمَاؤُكَ، صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَأَتْمِمْ عَلَيْنَا نِعَمَكَ، وَأَسْعِدْنَا بِطَاعَتِكَ، سُبْحَانَكَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ.

اللَّهُمَّ إِنَّكَ تُجِيبُ الْمُضْطَرَّ، وَتَكْشِفُ السُّوءَ، وَتُغِيثُ الْمَكْرُوبَ، وَتَشْفِي السَّقِيمَ، وَتُغْنِي الْفَقِيرَ، وَتَجْبُرُ الْكَسِيرَ، وَتَرْحَمُ الصَّغِيرَ، وَتُعِينُ الْكَبِيرَ، وَلَيْسَ دُونَكَ ظَهِيرٌ، وَلاَ فَوْقَكَ قَدِيرٌ، وَأَنْتَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ، يَا مُطْلِقَ الْمُكَبَّلِ الأَسِيرِ، يَا رَازِقَ الطِّفْلِ الصَّغِيرِ، يَا عِصْمَةَ الْخَائِفِ الْمُسْتَجِيرِ، يَا مَنْ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَلاَ وَزِيرَ، صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَأَعْطِنِي فِي هَذِهِ الْعَشِيَّةِ أَفْضَلَ مَا أَعْطَيْتَ وَأَنَلْتَ أَحَداً مِنْ عِبَادِكَ مِنْ نِعْمَةٍ تُولِيهَا، وَآلاَءٍ تُجَدِّدُهَا، وَبَلِيَّةٍ تَصْرِفُهَا، وَكُرْبَةٍ تَكْشِفُهَا، وَدَعْوَةٍ تَسْمَعُهَا، وَحَسَنَةٍ تَتَقَبَّلُهَا، وَسَيِّئَاتٍ تَتَغَمَّدُهَا، إِنَّكَ لَطِيفٌ بِمَا تَشَاءُ خَبِيرٌ، وَعَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

اللَّهُمَّ إِنَّكَ أَقْرَبُ مَنْ دُعِيَ، وَأَسْرَعُ مَنْ أَجَابَ، وَأَكْرَمُ مَنْ عَفَا، وَأَوْسَعُ مَنْ أَعْطَى، وَأَسْمَعُ مَنْ سُئِلَ، يَا رَحْمَنَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَرَحِيمَهُمَا، لَيْسَ كَمِثْلِكَ مَسْؤُولٌ، وَلاَ سِوَاكَ مَأْمُولٌ، دَعَوْتُكَ فَأَجَبْتَنِي، وَسَأَلْتُكَ فَأَعْطَيْتَنِي، وَرَغِبْتُ إِلَيْكَ فَرَحِمْتَنِي، وَوَثِقْتُ بِكَ فَنَجَّيْتَنِي، وَفَزِعْتُ إِلَيْكَ فَكَفَيْتَنِي.

اللَّهُمَّ فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ وَنَبِيِّكَ وَعَلَى آلِ بَيْتِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ أَجْمَعِينَ، وَتَمِّمْ لَنَا نَعْمَاءَكَ، وَهَنِّئْنَا عَطَاءَكَ، وَاكْتُبْنَا لَكَ شَاكِرِينَ، وَلآلاَئِكَ ذَاكِرِينَ، آمِينَ آمِينَ رَبَّ الْعَالَمِينَ.

اللَّهُمَّ يَا مَنْ مَلَكَ فَقَدَرَ، وَقَدَرَ فَقَهَرَ، وَعُصِيَ فَسَتَرَ، وَاسْتُغْفِرَ فَغَفَرَ، يَا غَايَةَ الطَّالِبِينَ الرَّاغِبِينَ، وَمُنْتَهَى أَمَلِ الرَّاجِينَ، يَا مَنْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً، وَوَسِعَ الْمُسْتَقِيلِينَ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَحِلْماً.

اللَّهُمَّ إِنَّا نَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ فِي هَذِهِ الْعَشِيَّةِ الَّتِي شَرَّفْتَهَا وَعَظَّمْتَهَا بِمُحَمَّدٍ نَبِيِّكَ وَرَسُولِكَ، وَخِيَرَتِكَ مِنْ خَلْقِكَ، وَأَمِينِكَ عَلَى وَحْيِكَ، الْبَشِيرِ النَّذِيرِ، السِّرَاجِ الْمُنِيرِ، الَّذِي أَنْعَمْتَ بِهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَجَعَلْتَهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.

اللَّهُمَّ فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا مُحَمَّدٌ أَهْلٌ لِذَلِكَ مِنْكَ يَا عَظِيمُ، فَصَلِّ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ الْمُنْتَجَبِينَ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ أَجْمَعِينَ، وَتَغَمَّدْنَا بِعَفْوِكَ عَنَّا، فَإِلَيْكَ عَجَّتِ الأَصْوَاتُ بِصُنُوفِ اللُّغَاتِ، فَاجْعَلْ لَنَا اللَّهُمَّ فِي هَذِهِ الْعَشِيَّةِ نَصِيباً مِنْ كُلِّ خَيْرٍ تَقْسِمُهُ بَيْنَ عِبَادِكَ، وَنُوراً تَهْدِي بِهِ، وَرَحْمَةً تَنْشُرُهَا، وَبَرَكَةً تُنْزِلُهَا، وَعَافِيَةً تُجَلِّلُهَا، وَرِزْقاً تَبْسُطُهُ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.

اللَّهُمَّ انْقَلِبْنَا فِي هَذَا الْوَقْتِ مُنْجِحِينَ مُفْلِحِينَ مَبْرُورِينَ غَانِمِينَ، وَلاَ تَجْعَلْنَا مِنَ الْقَانِطِينَ، وَلاَ تُخْلِنَا مِنْ رَحْمَتِكَ، وَلاَ تَحْرِمْنَا مَا نُؤَمِّلُهُ مِنْ فَضْلِكَ، وَلاَ تَجْعَلْنَا مِنْ رَحْمَتِكَ مَحْرُومِينَ، وَلاَ لِفَضْلِ مَا نُؤَمِّلُهُ مِنْ عَطَائِكَ قَانِطِينَ، وَلاَ تَرُدَّنَا خَائِبِينَ، وَلاَ مِنْ بَابِكَ مَطْرُودِينَ، يَا أَجْوَدَ الأَجْوَدِينَ، وَأَكْرَمَ الأَكْرَمِينَ، إِلَيْكَ أَقْبَلْنَا مُوقِنِينَ، وَلِبَيْتِكَ الْحَرَامِ آمِّينَ قَاصِدِينَ، فَأَعِنَّا عَلَى مَنَاسِكِنَا، وَأَكْمِلْ لَنَا حَجَّنَا، وَاعْفُ عَنَّا وَعَافِنَا، فَقَدْ مَدَدْنَا إِلَيْكَ أَيْدِيَنَا فَهِيَ بِذِلَّةِ الاِعْتِرَافِ مَوْسُومَةٌ.

اللَّهُمَّ فَأَعْطِنَا فِي هَذِهِ الْعَشِيَّةِ مَا سَأَلْنَاكَ، وَاكْفِنَا مَا اسْتَكْفَيْنَاكَ، فَلاَ كَافِيَ لَنَا سِوَاكَ، وَلاَ رَبَّ لَنَا غَيْرُكَ، نَافِذٌ فِينَا حُكْمُكَ، مُحِيطٌ بِنَا عِلْمُكَ، عَدْلٌ فِينَا قَضَاؤُكَ، اقْضِ لَنَا الْخَيْرَ، وَاجْعَلْنَا مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ، اللَّهُمَّ أَوْجِبْ لَنَا بِجُودِكَ عَظِيمَ الأَجْرِ، وَكَرِيمَ الذُّخْرِ، وَدَوَامَ الْيُسْرِ، وَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا أَجْمَعِينَ، وَلاَ تُهْلِكْنَا مَعَ الْهَالِكِينَ، وَلاَ تَصْرِفْ عَنَّا رَأْفَتَكَ وَرَحْمَتَكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.

اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا فِي هَذَا الْوَقْتِ مِمَّنْ سَأَلَكَ فَأَعْطَيْتَهُ، وَشَكَرَكَ فَزِدْتَهُ، وَثَابَ إِلَيْكَ فَقَبِلْتَهُ، وَتَنَصَّلَ إِلَيْكَ مِنْ ذُنُوبِهِ كُلِّهَا فَغَفَرْتَهَا لَهُ، يَا ذَا الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ.
اللَّهُمَّ وَنَقِّنَا وَسَدِّدْنَا وَوَفِّقْنَا وَاعْصِمْنَا وَاقْبَلْ تَضَرُُّعَنَا، يَا خَيْرَ مَنْ سُئِلَ، وَيَا أَرْحَمَ مَنِ اسْتُُرْحِمَ، يَا مَنْ لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ إِغْمَاضُ الْجُفُونِ، وَلاَ لَمْحُ الْعُيُونِ، وَلاَ مَا اسْتَقَرَّ فِي الْمَكْنُونِ، وَلاَ مَا انْطَوَتْ عَلَيْهِ مُضْمَرَاتُ الْقُلُوبِ، أَلاَ كُلُّ ذَلِكَ قَدْ أَحْصَاهُ عِلْمُكَ، وَوَسِعَهُ حِلْمُكَ، سُبْحَانَكَ وَتَعَالَيْتَ عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوّاً كَبِيراً، تُسَبِّحُ لَكَ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرَضُونَ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ، فَلَكَ الْحَمْدُ وَالْمَجْدُ وَعُلُوُّ الْجَدِّ، يَا ذَا الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ، وَالْفَضْلِ وَالإِنْعَامِ، وَالأَيَادِي الْجَسَامِ، وَأَنْتَ الْجَوَادُ الْكَرِيمُ الرَّؤُوفُ الرَّحِيمُ.

اللَّهُمَّ أَوْسِعْ عَلَيَّ مِنْ رِزْقِكَ الْحَلاَلِ، وَعَافِنِي فِي بَدَنِي وَدِينِي، وَآمِنْ خَوْفِي، وَعَتِّقْ رَقَبَتِي مِنَ النَّارِ. اللَّهُمَّ لاَ تَمْكُرْ بِي، وَلاَ تَسْتَدْرِجْنِي، وَلاَ تَخْدَعْنِي، وَادْرَأْ عَنِّي شَرَّ فَسَقَةِ الْجِنِّ وَالإِنْسِ.

ثُمَّ رَفَعَ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَعَيْنَاهُ مَاطِرَتَانِ كَأَنَّهُمَا مِزْنَتَانِ وَقَالَ بِصَوْتٍ عَالٍ:  
يَا أَسْمَعَ السَّامِعِينَ، يَا أَبْصَرَ النَّاظِرِينَ، يَا أَسْرَعَ الْحَاسِبِينَ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ السَّادَةِ الْمَيَامِينِ، وَأَسْأَلُكَ اللَّهُمَّ حَاجَتِي الَّتِي إِنْ أَعْطَيْتَنِيَهَا لَمْ يَضُرَّنِي مَا مَنَعْتَنِي، وَإِنْ مَنَعْتَنِيَهَا لَمْ يَنْفَعْنِي مَا أَعْطَيْتَنِي، أَسْأَلُكَ فَكَاكَ رَقَبَتِي مِنَ النَّارِ، أَسْأَلُكَ فَكَاكَ رَقَبَتِي مِنَ النَّارِ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ وَحْدَكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ، لَكَ الْمُلْكُ وَلَكَ الْحَمْدُ، وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، يَا رَبِّ يَا رَبِّ يَا رَبِّ...  
يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَخَيْرَ الْغَافِرِينَ، اسْتَجِبْ لَنَا دُعَاءَنَا، وَاقْضِ حَوَائِجَنَا، وَعَافِنَا وَاعْفُ عَنَّا، وَاشْفِ مَرْضَانَا، وَأَغْنِ عَائِلَنَا، وَاحْفَظْ بَلَدَنَا وَبِلاَدَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ سُوءٍ، وَارْحَمِ الشُّهَدَاءَ جَمِيعاً وَأَسْكِنْهُمْ فَسِيحَ جَنَّاتِكَ مَعَ أَنْصَارِ الْحُسَيْنِ، وَاحْفَظْ زُوَّارَ الْحُسَيْنِ يَا اللَّهُ، وَأَرْجِعْهُمْ إِلَى أَهَالِيهِمْ مُنْجِحِينَ مُفْلِحِينَ قَدِ اسْتَوْجَبُوا غُفْرَانَ الذُّنُوبِ وَكَشْفَ الْكُرُوبِ وَسَتْرَ الْعُيُوبِ، بِحُرْمَةِ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَلاَ تَحْرِمْهُمْ وَلاَ تَحْرِمْنَا زِيَارَةَ الْحُسَيْنِ مَا أَبْقَيْتَنَا وَبَقِيَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.  
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى خِيَرَتِهِ مِنْ خَلْقِهِ مُحَمَّدٍ وَآلِ بَيْتِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَإِلَى أَرْوَاحِ الأَمْوَاتِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، وَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَمَنْ مَاتَ عَلَى الْهُدَى وَالإِيمَانِ، الشُّهَدَاءِ جَمِيعاً وَالْعُلَمَاءِ كَافَّةً، نُهْدِي لَهُمْ ثَوَابَ الْفَاتِحَةِ مَعَ الصَّلَوَاتِ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ.

التعليقات

Loading...