حياة أبي الحسن الأشعري ومراحل تطوّر مذهبه

ميلاده ونشأته العلميّة

اختلف المترجمون لأبي الحسن الأشعري في تاريخ مولده ووفاته؛ فقيل إنّه وُلد سنة ٢٦٠ هـ أو ٢٧٠ هـ، والمشهور أنّه وُلد سنة ٢٦٠ هـ بالبصرة، أمّا وفاته فقيل إنّها كانت سنة ٣٢٤ هـ أو ٣٣٠ هـ، وقيل غير ذلك. وقد اتّفق المترجمون على أنّه درس علم الكلام على أبي علي الجبّائي، أحد أبرز شيوخ المعتزلة في البصرة.

وقد نقلت المصادر مناظرات جرت بين الأشعري وأستاذه قبل رجوعه عن الاعتزال، تكشف عن مناقشته بعض الأصول الكلاميّة التي كان يتبنّاها المعتزلة.

مناظراته مع الجبّائي

١. مسألة الصلاح والأصلح

تتناول المناظرة الأولى وجوب رعاية الله تعالى للصلاح أو الأصلح في عباده. فقد سأل الأشعري أستاذه عن ثلاثة إخوة: مؤمن تقي، وكافر فاسق، وصغير ماتوا جميعاً؛ فأجاب الجبّائي بأنّ المؤمن في درجات الجنّة، والكافر في دركات النار، والصغير من أهل السلامة.

ثمّ سأله عن إمكان بلوغ الصغير منزلة أخيه المؤمن، فأجاب بالنفي، لأنّ تلك المنزلة كانت نتيجة الطاعات. ولما افترض الأشعري اعتراض الصغير بأنّه لم يُمهل ليطيع، أجاب الجبّائي بأنّ الله علم أنّه لو عاش لعصى. عندئذٍ سأله الأشعري عن سبب عدم رعاية مصلحة الأخ الكافر، مع علم الله بحاله أيضاً، فلم يجد الجبّائي جواباً مقنعاً بحسب الرواية.

ويناقش المؤلّف هذه المناظرة، مؤكّداً أنّ أفعال الله تعالى منزّهة عن العبث واللغو، وأنّ العقل والنقل يدلان على ارتباط أفعاله بالحِكَم والمصالح. ويستشهد بقوله تعالى: ﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾، وقوله: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا ﴾. كما يوضّح أنّ بعض المصالح ظاهر يدركه الإنسان، وبعضها خفيّ لا يحيط به علمه المحدود، فلا يصحّ إخضاع جميع أفعال الكون لتقديرات العقل البشري القاصر.

٢. توقيفيّة أسماء الله تعالى

تنقل رواية أخرى أنّ الجبّائي سُئل عن جواز تسمية الله تعالى بـ « العاقل »، فمنع ذلك لأنّ العقل مشتقّ ـ بحسب تفسيره ـ من العقال والمنع، والمنع محال على الله. فاعترض الأشعري بأنّ هذا القياس يقتضي منع إطلاق اسم « الحكيم » أيضاً، لاشتراك مادّته اللغويّة مع معنى المنع. وأجاب بأنّ أسماء الله تؤخذ من الإذن الشرعي، لا من القياس اللغوي؛ ولذلك يطلق عليه « الحكيم » لوروده في الشرع، ولا يطلق عليه « العاقل » لعدم وروده.

ويلاحظ المؤلّف على هذه الرواية أنّها لا تنسجم مع ما نُقل عن انقطاع صلة الأشعري بالجبّائي بعد رجوعه عن الاعتزال، وأنّه من المستبعد أن يجهل الجبّائي مبدأ توقيفيّة أسماء الله. كما يذكر أنّ لفظ « الحكيم » يحتمل معنى العلم والفقه والإتقان، ولا يلزم إرجاعه إلى معنى المنع.

المغالاة في فضائل الأشعري

يرى المؤلّف أنّ الموقف الصحيح يقتضي الابتعاد عن الغلوّ في الفضائل كما يقتضي اجتناب إنكار الفضائل الثابتة؛ فكلاهما إفراط أو تفريط.

ويعرض مثالين ممّا نُقل في فضائل الأشعري:

  • الصلاة بوضوء العتمة عشرين سنة: ينقل ابن عساكر رواية تفيد أنّ الأشعري كان يصلّي الصبح بوضوء صلاة العشاء قرابة عشرين سنة. ويستبعد المؤلّف ظاهر هذه الرواية، لما يلزم منها من السهر المستمرّ طوال هذه المدّة، وما في ذلك من مخالفة للمألوف وعدم مراعاة حاجة الإنسان إلى النوم والراحة، فضلاً عن أنّ الشرع لا يندب إلى هذا السلوك.

  • الإنفاق بسبعة عشر درهماً في السنة: تنقل رواية أنّ نفقة الأشعري السنويّة كانت سبعة عشر درهماً، مع أنّه ألّف كتباً كثيرة، قيل إنّها قاربت المائة، وبلغ بعضها أحجاماً كبيرة. ويرى المؤلّف أنّ هذا المبلغ لا يتناسب مع نفقات حياته وتأليفاته، ويرجّح أنّ الألف سقط من بعض النسخ، وأنّ الصحيح سبعة عشر ألف درهم في السنة، مستنداً إلى ما نقله ابن كثير.

رجوعه عن الاعتزال وأسبابه

تذكر المصادر أنّ الأشعري أعلن توبته من الاعتزال في جامع البصرة، وتبرّأ من بعض أقواله السابقة، ومنها القول بخلق القرآن، ونفي رؤية الله بالأبصار، ونسبة أفعال الشرّ إلى الإنسان على نحو ما كان يقرّره المعتزلة.

وقد حاول بعض المترجمين تفسير رجوعه برؤى مناميّة رأى فيها النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم يأمره بنصرة السنّة والرجوع عمّا كان عليه. غير أنّ المؤلّف يرفض الاعتماد على هذه المنامات بوصفها تفسيراً تاريخيّاً كافياً؛ إذ لا تصلح الرؤى وحدها حجّة لإثبات التحوّل العقدي، كما أنّ الروايات الواردة في هذا الشأن متعارضة في تصويرها لبداية الشكّ وطبيعة الرجوع.

ويناقش المؤلّف كذلك الرواية التي تزعم أنّ الأشعري بقي على الاعتزال أربعين سنة، ثمّ اعتزل الناس خمسة عشر يوماً، وبعدها أعلن رجوعه وقدّم كتباً ألّفها في تلك المدّة. ويرى أنّ هذا النقل بعيد؛ لأنّ تأليف تلك الكتب في أيّام قليلة غير معقول، ولأنّ كتابيه « الإبانة » و « اللمع » يختلفان اختلافاً جوهريّاً في عرض العقائد والاستدلال عليها، فضلاً عن الإشكال الزمني المتعلّق بتاريخ مولده ووفاة أستاذه الجبّائي سنة ٣٠٣ هـ.

الحوافز المحتملة لرجوعه

يؤكّد المؤلّف أنّ السبب الحقيقي لتحوّل الأشعري لا يُعلم على وجه القطع، لكنّه يطرح عاملين محتملين:

١. الضغط العبّاسي على المعتزلة

شهدت الدولة العبّاسيّة تحوّلاً في موقفها من المعتزلة؛ فبعد ازدهارهم في عهد المأمون والمعتصم والواثق، تغيّر ميزان القوّة في عهد المتوكّل، وارتفع شأن أهل الحديث، واستمرّ التضييق على الاتجاهات العقليّة في مراحل لاحقة. وقد تزامن إعلان الأشعري رجوعه عن الاعتزال مع هذه الظروف، ممّا يجعل تأثير البيئة السياسيّة ومساندة السلطة لأهل الحديث عاملين محتملين في تحوّله.

ولا يدّعي المؤلّف أنّ الضغط السياسي كان السبب الوحيد، بل يرى أنّه ربما هيّأ الأرضيّة المناسبة لانتقال الأشعري إلى منهج أهل الحديث.

٢. محاولة إصلاح عقائد أهل الحديث

يرجّح المؤلّف أنّ الأشعري ربما أراد إصلاح بعض العقائد السائدة بين أهل الحديث، ولا سيّما ما يراه المؤلّف من نزعات التجسيم والتشبيه والجبر. وكان انضمامه إليهم، وإعلانه موافقتهم في الأصل، وسيلة تمكّنه من التأثير فيهم وتعديل بعض آرائهم من الداخل.

وبحسب هذا التحليل، حاول الأشعري الجمع بين بعض الموروثات الحديثيّة والاستدلال الكلامي، فنجح في تعديل مسائل، لكنه أبقى مسائل أخرى، منها القول بقدم القرآن، وإثبات رؤية الله تعالى بالأبصار في الآخرة، والقول بخلق الله أفعال العباد مع إثبات الكسب لهم، وإثبات الصفات الخبريّة كاليد والوجه والعين من غير تكييف.

ملامح المذهب الأشعري

١. عدم عزل العقل عن مجال العقائد

تميّز منهج الأشعري عن منهج أهل الحديث التقليديّين بمنحه العقل دوراً في البحث الكلامي. فبينما اعتمد المعتزلة على البراهين العقليّة، مع تأويل النصوص التي رأوا تعارضها معها، تمسّك أهل الحديث بظواهر الكتاب والسنّة، ورفض كثير منهم الخوض في الكلام والاستدلال العقلي.

أمّا الأشعري فقرّر أنّ الكتاب والسنّة هما المصدر الأساسي للعقيدة، مع الاستفادة من البراهين العقليّة في الدفاع عنها. وقد ألّف رسالة في استحسان الخوض في علم الكلام، مخالفاً بذلك موقف الحنابلة المتشدّدين في رفضه.

ومع ذلك، يرى المؤلّف أنّ الأشعري لم يأخذ بالتحسين والتقبيح العقليّين، فاقترب في هذه المسألة من أهل الحديث، وابتعد عن المعتزلة والعدليّة. ويناقش المؤلّف هذا الموقف، خصوصاً ما يتعلّق بإثبات عدل الله تعالى ونفي القبيح عنه.

٢. اتخاذ منهج وسط بين أهل الحديث والمعتزلة

لم يكن تحوّل الأشعري، وفق تحليل المؤلّف، انتقالاً كاملاً إلى منهج أهل الحديث من دون تعديل، بل سعى إلى تكوين منهج يجمع بعض عناصر الطرفين.

ففي مسألة الصفات الخبريّة، أثبت الأشعري صفات كالوجه واليدين والاستواء على العرش، مع قوله إنّها بلا كيف، محاولاً تجنّب التشبيه والتجسيم. وفي مسألة أفعال الإنسان، أثبت أنّ الله هو الخالق، وأنّ العبد كاسب لفعله، وهو ما عُرف لاحقاً بنظريّة الكسب. كما قال برؤية الله في الآخرة من غير تحديد أو تكييف.

ويرى المؤلّف أنّ هذه المحاولة أسهمت في إنشاء مذهب كلاميّ متميّز، غير أنّ نجاحها في الجمع بين الاتجاهين كان نسبيّاً، ولم يخلُ من بقاء بعض المسائل التي ينتقدها المؤلّف.

انتشار المذهب الأشعري

لا يرى المؤلّف أنّ المذهب الأشعري انتشر انتشاراً واسعاً منذ ظهوره، بل يشير إلى أنّ انتشاره الكبير جاء بعد وفاة مؤسّسه بمدّة، ولا سيّما منذ القرن السادس الهجري، حتى أصبح لاحقاً مذهباً واسع الانتشار في الأقطار الإسلاميّة.

وقد أسهم عدد من العلماء في نشر المذهب وتطويره، ومن أبرزهم أبو بكر الباقلاني، وابن فورك، وأبو إسحاق الإسفرائيني، وعبد القاهر البغدادي، وإمام الحرمين الجويني، وأبو حامد الغزالي، وغيرهم. وقد شرح هؤلاء العقائد الأشعريّة، ونظّموها، وأضافوا إليها، ودافعوا عنها بالحجج العقليّة.

ويستدلّ المؤلّف على تأخّر انتشار المذهب بما نقله ابن عساكر نفسه من أنّ جمهوراً كبيراً من المسلمين في عصره لم يكونوا يتّبعون الأشعري، وبما يذكره من أنّ الحنابلة لم يقبلوه دائماً ضمن طبقاتهم، رغم إعلانه موافقته لأحمد بن حنبل.

كما يشير إلى أنّ الشافعيّة والمالكيّة وغيرهما حاولوا نسب الأشعري إلى مذاهبهم الفقهيّة، مع أنّ مذهبه الفقهي لم يثبت على وجه التحقيق. ويخلص إلى أنّ الخدمة التي قدّمها في مواجهة بعض اتجاهات التجسيم والتشبيه كانت نسبيّة، وأنّ بعض الاتجاهات اللاحقة عادت إلى آراء ينتقدها المؤلّف بشدّة.

مؤلّفاته والمقارنة بين « الإبانة » و « اللمع »

بلغت الكتب المنسوبة إلى الأشعري في بعض الفهارس نحو ثمانية وتسعين كتاباً، لكنّ أكثرها لم يصل إلينا. ومن أبرز الكتب الباقية:

  • « الإبانة عن أصول الديانة »: يعرض فيه الأشعري عقائد أهل الحديث، ويصرّح بالتمسّك بكتاب الله وسنّة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، وبما كان عليه أحمد بن حنبل. ويرى المؤلّف أنّ هذا الكتاب أقرب إلى نصرة المنهج الحنبلي، وأنّ فيه إثباتاً للصفات الخبريّة، والاستواء على العرش، وبعض الروايات التي يرى أنّ ظاهرها يوهم التجسيم.

  • « مقالات الإسلاميين »: يبحث في الفرق الإسلاميّة وآرائها.

  • « اللمع في الردّ على أهل الزيغ والبدع »: يعرض فيه الأشعري مسائل كلاميّة، ويستدلّ عليها بالبراهين العقليّة، ويقدّم معالجة مختلفة لبعض المسائل التي لم يفصّلها في « الإبانة ».

ويؤكّد المؤلّف أنّ المقارنة بين « الإبانة » و « اللمع » تكشف اختلافاً واضحاً في طريقة عرض العقائد. ففي « الإبانة » يكثر التأكيد على موافقة أحمد بن حنبل وأهل الحديث، وتُثبت الصفات الخبريّة بعبارة « بلا كيف »، كما يُصرّح بأنّ أفعال العباد مخلوقة لله. أمّا « اللمع » فيركّز على الاستدلال العقلي، ويصرّح بتنزيه الله عن الجسميّة ومشابهة الحوادث، ويضيف إلى خلق الله للأفعال نظريّة كسب العبد.

أبرز المسائل في كتاب « اللمع »

١. التحسين والتقبيح العقليّان

يرفض الأشعري أن يكون العقل حاكماً على أفعال الله بالحسن والقبح، ويرى أنّ كلّ ما يفعله الله تعالى عدل، حتى لو كان في حكم العقل ظلماً، وأنّنا لا نقول إنّه يفعل بعض الأمور إلا لأنّه أخبرنا بأنّه لا يفعلها. ويناقش المؤلّف هذا الموقف، ويرى أنّ إثبات امتناع الكذب على الله لا يستقيم من دون الاعتراف بحكم العقل بقبح الكذب، وهو ما يناقض إنكار التحسين والتقبيح العقليّين.

٢. الاستطاعة والقدرة

يرى الأشعري أنّ قدرة الإنسان تكون مقارنة للفعل، لا متقدّمة عليه، بينما تكون قدرة الله قديمة. وينتقد المؤلّف هذا التفريق، معتبراً أنّه لا يوضّح سبب اختلاف القدرة الإلهيّة عن قدرة الإنسان في هذه المسألة، وأنّه لا ينسجم مع الوجدان الإنساني الذي يشهد بقدرة الإنسان على القيام والمشي قبل وقوعهما.

٣. حقيقة الإيمان ومرتكب الكبيرة

يعرّف الأشعري الإيمان بالتصديق، ويرى أنّ مرتكب الكبيرة من أهل القبلة مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته؛ فلا هو كافر كما تقول الخوارج، ولا هو في منزلة بين المنزلتين كما تقول المعتزلة.

٤. الوعد والوعيد

يعالج الأشعري ما يبدو من تعارض بين الآيات التي تتوعّد الفجّار بالعذاب، والآيات التي تبشّر أهل الإيمان والحسنة بالأمن والنجاة، محاولاً الجمع بين دلالاتها.

ويخلص المؤلّف من المقارنة إلى أنّ تلامذة المدرسة الأشعريّة اعتمدوا بصورة أكبر على المنهج الكلامي الذي يظهر في «اللمع»، فطوّروه وأقاموا بناءً كلاميّاً بين منهج أهل الحديث والمعتزلة.

تفسير اختلاف الكتابين

يطرح المؤلّف احتمالاً مفاده أنّ الأشعري ألّف « الإبانة » في مرحلة سابقة، بهدف كسب قبول أهل الحديث والتمكّن من التأثير فيهم، ثمّ ألّف « اللمع » بعد أن تهيّأت الظروف لعرض منهجه الكلامي بصورة أوضح. ويذكر أنّ بعض الباحثين يفسّرون الاختلاف بأنّ « اللمع » يمثّل المرحلة الناضجة الأخيرة من تطوّره الفكري، بينما يرى باحثون آخرون أنّ « الإبانة » كُتبت في مرحلة متأخّرة تحت تأثير الحنابلة. ويعرض المؤلّف هذه الاحتمالات مع تأكيد تحليله الخاصّ لاختلاف الكتابين.

دفاع الأشعري عن علم الكلام

ألّف الأشعري رسالة في استحسان الخوض في علم الكلام، ردّ فيها على من عدّ البحث في مسائل الجسم والحركة والسكون والجوهر والصفات الإلهيّة بدعة، بحجّة أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم وأصحابه لم يخوضوا فيها بالتفصيل.

واستدلّ الأشعري بأنّ عدم ورود نصّ خاصّ في كلّ مسألة لا يعني تحريم البحث فيها؛ إذ إنّ أصول كثير من المسائل العقليّة موجودة في القرآن والسنّة. واستشهد بآيات التوحيد، وبالحجج القرآنيّة في إثبات البعث، ونفي الشريك عن الله، وتنزيهه عن مشابهة المخلوقات.

كما بيّن أنّ القرآن والسنّة يشتملان على أصول الاستدلال، ومنها ردّ المتشابه إلى النظير، وإلزام الخصم بما يقرّ به، وكشف المغالطات. ولذلك رأى أنّ المسائل العقليّة ينبغي أن تُردّ إلى أصولها العقليّة والحسيّة، كما تُردّ الأحكام الشرعيّة إلى أصولها السمعيّة، من دون الخلط بين المجالين.

وردّ كذلك على من يمنع الكلام في مسألة خلق القرآن أو يضلّل المتكلّمين فيها بحجّة أنّ النبيّ لم يتكلّم فيها بصيغتها الاصطلاحيّة؛ إذ إنّ هذا المنطق، بحسب حجّته، يلزم أصحابه بترك كثير من المسائل الفقهيّة التي بحثها العلماء بعد عصر النبيّ، مع أنّهم لم يردوا في كلّ واحدة منها نصوص خاصّة.

وجه تسمية علم الكلام

يناقش المؤلّف الأقوال التي تفسّر تسمية علم العقائد بـ « علم الكلام »، ومنها أنّ مباحثه كانت تُعنون بعبارة «الكلام في كذا»، أو أنّه يورث القدرة على مناقشة الخصوم، أو أنّه أكثر العلوم نزاعاً، أو أنّ أدلّته قويّة.

ويرى أنّ هذه التفسيرات لا تكفي؛ لأنّ بعضها مشترك بين هذا العلم وغيره. كما يذكر قولاً يربط التسمية بالخلاف حول خلق القرآن أو قدمه، ثمّ يعترض عليه بأنّ الخلافات الإسلاميّة سبقت هذه المسألة، ومنها الخلاف في الخلافة بعد النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، وحكم مرتكب الكبيرة، وحقيقة الإيمان، ومسألة الجبر والاختيار.

ويطرح احتمالاً آخر، هو أنّ تسمية المتكلّمين ارتبطت بالمعتزلة؛ إذ اشتهروا بالبحث العقلي والدفاع عن عقائدهم بالاستدلال والبيان، ثمّ أُطلق اسم المتكلّمين على من برع في هذا المجال.

الخلاصة

يعرض المقال حياة أبي الحسن الأشعري، ورجوعه عن الاعتزال، والعوامل المحتملة التي أسهمت في تحوّله، ثمّ يتناول ملامح مذهبه وانتشاره ومؤلّفاته، مع تركيز خاصّ على المقارنة بين كتابي « الإبانة » و « اللمع ».

ويرى المؤلّف أنّ الأشعري حاول إنشاء منهج وسط بين المعتزلة وأهل الحديث، فاستفاد من العقل في الدفاع عن العقيدة، مع احتفاظه بعدد من الآراء التي يراها المؤلّف قريبة من منهج أهل الحديث. كما يذهب إلى أنّ « الإبانة » و « اللمع » يعكسان اختلافاً واضحاً في طريقة عرض العقائد، وأنّ المدرسة الأشعريّة اللاحقة اعتمدت بصورة أساسيّة على المنهج الكلامي والاستدلال العقلي، وطوّرته حتى أصبح من أبرز المذاهب العقديّة في العالم الإسلامي.

 

التعليقات

Profile of User
Loading...

محتوى ذو صلة