ما هي الفلسفة الحقيقة لوجود الإنسان و ما هي العلّة من خلقه ؟
الجواب من الشيخ حسن الجواهري:إنّ العلّة من خلق الإنسان والفلسفة الحقيقيّة لوجوده هي ما عبّر عنه القرآن الكريم بقوله : ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) [ الذاريات : 56 ] ، أيّ انّ غرض الخلقة هو كون الخلق عابدين لله تعالى ، لا كون الله معبوداً.
وهذا الفرض « وهو كون الخلق عابدين » أمر يستكمل به الإنسان ، وترتفع به حاجة الإنسان فيثاب على عبادته وينتفع بها. ولنا أن نقول : إنّ خلق الإنسان لأجل كونه عابداً لله ، وغرض العبادة المعرفة الحاصلة بها لله والخلوص لله ، فهذه المعرفة لله والخلوص له هو الغرض الاقصى ، والعبادة تكون غرضاً متوسطاً.
وبهذا يتبيّن أنّ الغرض من الخلقة : العبادة التي يكون غرضها معرفة الله والخلوص له ، فإذا كان الإنسان يسعى إلى العبادة ، والعبادة تسعى به إلى معرفة الله والخلوص له ، فقد وصل الإنسان إلى الكمال وهو العلّة من الخلقه ، وهذه الغاية تحصل في الكون ؛ لأنّ بعض المخلوقين يعبدون الله وبعبادته يصلون إلى معرفته والخلوص له فقد حصلت الغاية من سرّ الخلقة والعلّة لها.
ويمكن القول : بأنّ العلّة من الخلقة هو العبادة ، والعبادة هو المثول بين يدي ربّ العالمين بذلّ العبودية وفقر المملوكيّة قبال العزّة المطلقة والغنى المحض ، فإنّ عرف الإنسان ذلك فقد كمل واهتدى ، وإذا اهتدى الناس فقد صلح العالم ، ولذلك قال تعالى : ( قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ ) [ الفرقان : 77 ] ، حيث بدّل العبادة بالدعاء.
إذاً حقيقة العبادة نصب العبد نفسه في مقام الذلّ والعبوديّة وتوجيه وجهه إلى مقام الخالق ، وهذه المعرفة الحاصلة من العبادة هي التي فُسّرت بها العبادة ، فإذا انقطع الإنسان من كل شيء وعن نفسه وذكر به وتوجّه إليه فقد عرف نفسه وعرف ربّه وبذلك صار مهتدياً صالحاً ، فإذا كان كلّ الناس كذلك ، فقد وجد المجتمع الصالح ووجدت الجنّة في الأرض.
الايمان بالله أمر فطري جبلي ، ولا ينكر الخالق العظيم القادر المدبّر الحكيم الحيّ الذي لا يموت إلّا من خالف فطرته ووجدانه ، لانّ من ينظر بعين البصيرة الى أصغر جزء من أجزاء بدنه يرى فيها الحياة وآثار القدرة الإلهيّة والحكمة المتعلّقة بايجاده ، والذي قال الله تعالى عنه : ( الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ ) [ الأعلى : ٢ ـ ٣ ] ؛ فكلّ شيء في هذا العالم يسير نحو غرض وهدف خاص في ضمن الهدف الأساسي من خلقة العالم ، وكلّ موجود انّما وجد لأجل علّة وحكمة ، ولا يكون وجود شيء اعتباطاً وبلا غرض في هذا العالم ، فان قانون العليّة والمعلوليّة حاكم على كلّ الكائنات ، وهذا القانون يكشف عن حكمة جاعلها ومدبّرها ، ولأجل ذلك استفاد العلماء التجربيّون من قانون العليّة والمعلوليّة الساري في جميع الموجودات ، في الاكتشافات والاختراعات وأنواع مظاهر الحياة المدنيّة.
والعجيب انّك لما ترى طائرة تطير في السماء ولا تسقط على الأرض ، تقرّ وتذعن انّ صانعه شخص عالم حكيم ، قد لاحظ جميع مصاديق قانون العليّة والمعلوليّة ، وعلم بكلّ خواصّ وصفات اجزاء الطائرة ، ثمّ ركبها لكي نتمكّن من الطيران في السماء ، واذا قال لك أحد انّ الطائرة وجدت نتيجة بعض الحوادث الكونيّة كالزلازل والهزّات الأرضيّة والانفجارات الحاصلة في الكرات السماويّة ، أو في نفس الأرض تضحك وتستهزء القائل بذلك ؛ فكيف ننكر وجود خالق مدبّر للعالم ولخصوص الانسان ، وقد خلقه لغاية وحكمة ومصلحة ، وهي الوصول الى التكامل الانساني ؟!