ما حكم من قصد حال توجّهه لزيارة المعصوم بطلب قضاء الحاجة منه بلا فصل ؟
لا بأس أن يقصد بتوجّهه إلى المعصوم أن يقضي حاجته بإذن الله تعالى وبالقدرة التي يفيضها الله عليه ، فانّ الله تعالى كما أعطى للدواء خاصيّة الشفاء وجعله سبباً وعلّة لعلاج المرض كذلك أعطى القدرة لأوليائه على التصرّف في الكون ، ويعبّر عنه بالولاية التكوينيّة.
ولكنّ المعصوم عليه السّلام لا يتصرّف بحوله وقدرته بل يحتاج في كلّ آن إلى الله تعالى ليفيض عليه القدرة ، فالفاعل والسبب في الحقيقة هو الله تعالى والمعصوم واسطة في الفيض الربّاني كما هو الحال في الأسباب التكوينيّة ، فانّ مسبّب الأسباب هو الله تعالى والدواء إنّما يؤثّر بإرادة الله ومشيئته.
والآيات القرآنيّة تدلّ بوضوح على هذا الأمر قال الله تعالى : ( فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا ) (1) ، بعد أن قال في آية أُخرى الله يدبّر ذلك ( يُدَبِّرُ الأَمْرَ ) (2).
وقال تعالى مخاطباً عيسى بن مريم عليه السّلام : ( وَتُبْرِىءُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوتَى بِإِذْنِي ) (3) ، ولم يقل وأبرء الأكمه بدعائك يا عيسى ، وإنّما نسب الإبراء والإخراج إلى عيسى لكن بإذن الله وقدرته التي أعطاها لعيسى بن مريم.
وقال تعالى : ( وَمَا نَقَمُواْ إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ ) (4).
الهوامش
1. النازعات : 5.
2. السجدة : 5.
3. المائدة : 110.
4. التوبة : 74.
قال الأخفش : ولما كانت الأصنام غير ممتنعة ممّا يريد الله بها كانت في معنى العباد فان التعبيد هو التذليل قوله ( فادعوهم ) ، أي فادعوهم في مهماتكم ولكشف الأسواء عنكم ، ( فليستجيبوا لكم ) ، أي هم عاجزون عن الاستجابة لكم ، وهذا يدلّ على أنّهم ليسوا آلهة وأرباباً ، إذ لو كانوا آلهة كما تقولون لتمكّنوا من الإستجابة لكم وكشف الضرّ عنكم.
الجواب ٢ : ليس طلب الرزق طلباً للدنيا ، فان الرزق أعمّ من المال والمقام والعلم والأولاد والأزواج وسائر النعم الإلهيّة التي يتمكّن الإنسان بإصلاح أمر آخرته بالإستفادة منها ، تقول اللهمّ ارزقني علماً نافعاً وعملاً صالحاً وعقلاً كاملاً ، فهل هذا طلب الدنيا ؟
مضافاً إلى انّ خصوص طلب المال من الله تعالى أيضاً لا يدلّ على حبّ الدنيا أو طلب الدنيا ، إذ يمكن ان يصرف ذلك المال في أمر معاشه ونفقة عياله الذين يجب الإنفاق عليهم ، بل في أداء ديون الناس وقضاء حوائج المؤمنين وبناء المساجد والمدارس والمستشفيات ونحو ذلك من الأمور الخيريّة التي لا يتمكّن الفقير من القيام بها ، بل يكفي ان يطلب المال من الله لكي لا يحتاج إلى الناس في تحصيل نفقته ونفقة عياله.
وقد رأى بعض الزهّاد ـ محمّد بن المنكدر ـ الإمام الباقر عليه السلام في مزرعته في حرارة الصيف والعرق يسيل على وجهه وهو يأمر العمّال وينهاهم ، فتقدّم لكي ينصح الإمام عليه السلام فقال : شيخ من شيوخ قريش يطلب الدنيا في مثل هذه الساعة ؟ فقال له الإمام عليه السلام ـ ما مضمونه ـ : إنّني أرى نفسي الآن في حال العبادة حيث أسعى لتحصيل ما أعيش به ولا احتاج إلى أمثالك. فقال محمّد بن المنكدر : أردت أن أنصحه فنصحني.