من سماحة السيّد جعفر علم الهدى
عمدة الدليل على عصمة الانبياء وخصوصاً النبيّ (صلّى الله عليه وآله) هو العقل من جهات متعدّدة ، ومع هذا الدليل العقلي القطعي لابدّ من تأويل كلّ آية أو حديث يظهر منه إرتكاب الأنبياء مايخالف العصمة .
وإليك بعض الأدلّةالعقلية على عصمة الأنبياء :
1ـ لولم يكن النبيّ معصوماً لانتفى الوثوق بقوله ، فلا يطاع ، ولا يقبل أحد منه قولاً ، ويصيرنصبه عبثاً ولغواً .
2 ـ لو جاز عليه الخطأ خارجاً مع لزوم اتّباعه عقلاً ، كان الأمر باتّباعه قبيحاً بحكم العقل ، بل يلزم اجتماع الضدين فيه ، لوجوب متابعته ؛ لأنّه نبيّ مطاع ، و وجوب مخالفته ؛ لأنّه أخطأ .
3 ـ لوجاز على النبيّ الخطأ لاحتاج إلى مَن يسدّده ، وذلك المسدِّد إمّا أن يكون معصوماً ، فهو المطلوب ؛ لأنّه هو النبيّ في الحقيقة ، وإمّا أن لايكون معصوماً ، فيحتاج إلى مسدّد آخر ، وهلّم جرّاً .
4 ـ إنّ من أغراض النبوّة إقامة العدل ، ومنع الظلم ، فلو صدرت من النبيّ المعصية لانتفى غرض النبوّة ؛ لأنّ المعصية ظلم .
5 ـ إنّ النبيّ أُسوة وقدوة ، فلو صدر منه الكذب والمعصية لاقتدى به الناس ، وانتفت فائدة البعثة والنبوّة .
6 ـ النبيّ هادٍ وحافظ للشرع ، وحجّة الله على الخلق ، فلو جاز عليه الكذب والخطأ لأدّى ذلك إلى التضليل ، فكان نصبه قبيحاً .
7 ـ النبيّ راعٍ لأُمّته ، ومسؤول عن رعيته ، وصدور الذنب من الراعي أفحش من ذنب الرعية ، فيصير بذلك أسوء حالاً من رعيته ، ولا يليق للرئاسة الشرعية عليهم .
8 ـ النبيّ أمين ، والعاصي خائن ، ولايؤتمن الخائن .
9 ـ لوكان النبيّ لايؤمن عليه من الخطأ ، أو السهو ، أو النسيان ، أو العصيان كان اختياره للنبوّة ترجيحاً للمرجوح على الراجح ؛ إذ في الأُمّة مَن لايكون كذلك ، أو ترجيحاً بلا مرجّح ، وهو قبيح.
10 ـ لولم يكن النبيّ مأموناً من الخطأ و الكذب ، لزم أن يأمر بما لم يوح إله ، أو يترك شيئاً ممّا أُوحي إليه ، وهو نقص للغرض ، قبيح على الحكيم تعالى .
هذا مضافاً إلى الآيات الدالّة على عصمة الأنبياء بنحو عامّ مثل قوله تعالى : { وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ } {البقرة/124} .
وقوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ } {الأنبياء/101} .
وقوله تعالى : { وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ } {الدخان/32}.
وقوله تعالى : { وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ } {ص/47}.
وأمّا الآيات الدالّة على خصوص عصمة النبيّ محمّد (صلّى الله عليه وآله) فهي كثيرة :
منها : قوله تعالى : { وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى } {النجم/ 3 ـ 4} .
ومنها : آية التطهير التي نزلت بحقّ الخمسة الطيّبة : « محمّد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين (صلوات الله عليهم أجمعين) » : { إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا }{الأحزاب/33} .
وأمّا قوله تعالى : { عَفَا اللّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ } {التوبة/43} . فهو مجرّد عتاب على ترك الأولى ، وليس فيه دلالة على صدور المعصية .
قال في تفسير الصافي : « ويجوز العتاب من الله فيما غيره أولى لاسيّما للأنبياء ».
وليس كما قال جار الله الزمخشري من علماء السنّة : « أنّه كناية عن الجناية » .
١ : العصمة من المعاصي والذنوب.
٢ : العصمة من الخطأ والنسيان والغفلة والسهو.
أمّا الثانية ، فيمكن أن تكون غير اختياريّة ، بمعنى انّ النبي أو الإمام الذي جعله الله حجّة على العباد خلقه الله تعالى بنحو لا تخطأ ولا يغفل ولا ينسى لكي يتمكّن من تبليغ الرسالة وبيان الأحكام الإلهيّة ، بل حكمة الله تعالى تقتضي ان يكون الأنبياء والرسل مجبولين على عدم الخطأ والنسيان ، ومجبورين ومسيرين من هذه الناحية ، فيختلفون عن سائر البشر ممّن يحتمل في حقّه الخطأ والنسيان والغفلة.
وأمّا العصمة من الذنوب والمعاصي فلا تتنافي مع الإرادة والاختيار ، فالنبي أو الإمام يترك المعصية والذنب باختياره وارادته ، ولا يكون مجبوراً ومسيراً ، وذلك لانّ الله تعالى أعطاه العلم الكامل والإرادة القويّة والغرم الأكيد والتوفيق الإلهي.
وهذه الأمور تقتضي العصمة من الذنوب بمعنى تركها اختياراً ، فالنبي له علم كامل بعظمة الله وقدرته وكبريائه وجلاله وانعامه واحسانه ، كما انّ له علم كامل بقبح الذنوب والمعاصي ووجود المفسدة في ذاتها ، وله علم كامل بقبح مخالفة أمر الله تعالى ونهيه والاتيان بما يكرهه المولى العلي القدير ، وهذا العلم يدعوه الى ان يترك المعصية والمخالفة بارادته في اختياره.
وبعبارة أخرى حكمة الله اقتضت ان يكون الانسان سواء كان نبيّاً ورسولاً أو غيره مختاراً في أفعاله وتصرّفاته لكي يتكامل بسبب الأفعال الاختياريّة ، ويكتسب الفضيلة بالعمل الصادر منه بارادته واختياره ، لكن الله تعالى أعطى للأنبياء والرسل وحججه على العباد علماً كاملاً وتوفيقاً الهيّاً ومعرفة تامّة بحيث يترك المعصية بارادته ، ولأجل علمه الكامل بقبح الذنوب والمعاصي ، كالذي يرى النار بعينه ، ويتمكّن ان يمدّ الى النار فتحرقه ، لكنّه لعلمه الكامل بان النار محرقة لا يمدّ يده باختياره وارادته. ولذلك صار ذلك فضيلة وكمالاً للنبي والإمام عليه السلام حيث ترك المعصية باختياره.