أرجو أن توضّحوا لي موقف مولانا أمير المؤمنين عليه السّلام من ما يسمّى في التاريخ حروب الردّة ؟ وما هو موقفه أيضاً من حروب الفتوحات الإسلاميّة ؟ وأيّ المصادر التاريخيّة يمكن الرجوع بالقراءة إليها لفهم تلك المرحلة بشكل واضح ؟
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى:يظهر بعد التحقيق الدقيق أنّ حروب الردّة غالباً كانت حروب ضد المسلمين المخلصين الذين امتنعوا من قبول الخلفاء الغاصبين ؛ لأنّهم سمعوا تصريحات النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم بخلافة عليّ عليه السّلام ، وقد بايعوه على الخلافة في غدير خمّ ، فلمّا سمعوا بغصب الخلافة أعلنوا سخطهم ، وعدم قبولهم للحكومة الغاصبة ، وامتنعوا من أداء الزكاة ، فاتّهمتهم السلطات الغاصبة بالإرتداد ، وأرسلوا الجيوش لمحاربتهم ، وإجبارهم على قبول خلافتهم.
مضافاً : إلى أنّ الغاصبين كانوا يستفيدون من هذه الحروب فائدة أُخرى ، وهي إبعاد الصحابة ، خصوصاً الناقمين منهم من المدينة ليخلوا لهم الجوّ السياسي ، ويستحكموا أركان حكمهم الغاصب حيث إنّه بعد أخذ البيعة من الصحابة طوعاً أو كرهاً ارتفعت أصوات المعارضين ، وأعلنوا عن مخالفتهم ، وصاروا يميلون إلى الخليفة الشرعي الذي نصبه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في غدير خمّ ، وكان كلّ يوم يأتيهم بعض الصحابة و يعترض عليهم ، ويحتجّ بحديث الغدير وأمثاله ، فرأوا إنّ خير طريقة لدفع المعارضة هو إرسالهم إلى ميادين القتال بعنوان حروب الردّة ، أو بعنوان الجهاد.
وأمّا أمير المؤمنين عليه السّلام فقد كان جليس بيته ، ولا يتدخّل في شؤونهم ، نعم كان يعظهم وينصحهم ويذكّرهم بفضائله ومناقبه ، وتصريحات النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم بشأن إمامته و خلافته ، وكان يحتجّ عليهم بالأدلّة الدامغة لكي يثبت للعالم إنّه إنّما صبر عن مطالبة حقّه ولم يقاتلهم ـ و كان يمكنه القضاء عليهم لوحده ـ حرصاً على مصير الإسلام ، وحفظاً لكيان الإسلام ؛ إذ لو قاتلهم وقضى عليهم لم يبق من المسلمين إلّا نفر يسير ، يموت الإسلام بموتهم ، ولذلك ورد في روايات عن الأئمّة المعصومين عليهم السّلام إنّ عليّاً عليه السّلام إنّما ترك قتالهم بسبب آية في كتاب الله ، وهي قوله تعالى : ( لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ) [ فتح :25 ] ، فقد كانت ودائع مؤمنين في أصلاب القوم ، ترك عليّ عليه السّلام قتالهم وقتلهم ؛ لأجل تلك الودائع .
نعم الإمام عليه السّلام كان حريصاً على حفظ مصالح المسلمين ، فحينما كان الخلفاء يشاورونه في القضايا السياسيّة ، أو يسألونه عن الأحكام الإلهيّة ، والمعارف الحقّة كان يبيّن لهم كلّ ما يحتاجون إليه ، وكان يرشدهم إلى الصواب حتّى قال عمر بن الخطّاب : « لو لا عليّ لهلك عمر » أو « لا جعلني الله لمعضلة ليس لها أبو الحسن » ، وليس ذلك لأجل قبوله خلافتهم ، بل لحرصه على كيان الإسلام ، ومصالح المسلمين ، ولذا نراه كثيراً ما يخطط لهم ويرشدهم في الخفاء ، فكانوا يعملون بإرشاداته ، ويظهرون للناس أنّ ذلك من تدابيرهم وسياستهم ، وكان الإمام لا يهتم بذلك ؛ لأنّ غرضه كان خدمة الإسلام والمسلمين.
ويشهد لما ذكرناه ما رواه جابر الجعفي عن الباقر عليه السّلام أنّه أتى يهودي أمير المؤمنين عليه السّلام) في منصرفه عن وقعة نهروان ، فسأله عن المواطن السبعة التي يمتحن الله به أنبيائه وأوليائه ؟ فقال عليه السّلام في كلامه : « وأمّا الرابعة : فإنّ القائم بعد صاحبه ـ يعني عمر بعد أبي بكر ـ كان يشاورني في موارد الأمور ومصادرها ، فيصدرها عن أمري ، ويناظرني في غوامضها ، فيمضيها عن رأيي ، لا يعلمه أحد ، ولا يعلمه أصحابي ، ولا يناظرني غيره ... ».
فالولاية لله ورسوله والمؤمنين فانا اقدر اقول من رسول الله مولاه فانا
مولاه لاني من المؤمنين وولاية المؤمنين مرتبطة بولاية الله ورسوله والاية واضحة
أمّا قوله تعالى : ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) [ المائدة : ٥٥ ] ، فقد نزلت في الإمام علي عليه السلام ، وباتّفاق المفسّرين ورواة الحديث تقريباً من السنّة والشيعة حيث تصدّق بخاتمه على السائل وهو في حال الصلاة ، فولاية الله ورسوله ثابته للإمام علي عليه السلام.
وقد أشار الى هذه الولاية ـ وهي السلطة ووجوب الطاعة ـ حسّان بن ثابت الأنصاري شاعر رسول الله صلّى الله عليه وآله ، فقد قال حينما نزلت هذه الآية :
أبا حسن تفديك نفسي ومهجتي * وكل بطيء في الهوى ومسارع
فأنت الذي أعطيت مذ كنت راكعاً * فدتك نفوس القوم يا خير راكع
فأنزل فيك الله خير ولاية
ثم هل من المعقول أن يجمع النبي صلّى الله عليه وآله الآلاف من المسلمين في غدير خم ، ثمّ يخطب ويقول : ألست أولى بكم من أنفسكم ؟ قالوا : نعم. قال : اللهمّ اشهد. ثمّ يقول : من كنت مولاه فعلي مولاه. ويقصد به مدح علي وتشجيعه أو حتّى وجوب محبّته ومودّته ، فالمراد من المولى هو ما ذكره النبي صلّى الله عليه وآله « ألست أولى بكم من أنفسكم » وقد فهم المسلمون هذا المعنى ، حتّى قال عمر لعلي عليه السلام : بخّ بخّ لك يا علي أصبحت ولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة ، فهل أنت أعلم بمراد النبي صلّى الله عليه وآله من عمر بن الخطاب وسائر الصحابة الذين هنّئوا عليّاً عليه السلام بهذه المناسبة ؟ بل في بعض روايات غدير خم انّ النبي أمر المسلمين بمبايعة علي عليه السلام حتّى زوجاته.
فراجع جزء الأوّل من كتاب الغدير للشيخ الأميني ان كنت طالباً للحقّ والحقيقة.