كيف نبني التسامح وكيف نواجه مشاعر الكراهيّة ومع من يكون التسامح وما مجالاته ؟
الجواب من السيّد علي الحائري:أمّا التسامح يُعتبر من الأخلاق الحسنة التي أكّد عليها الإسلام كثيراً ، وهو من مظاهر حُسن الخُلق الذي أعتبره علماء الأخلاق من الفضائل ، وما يقابلها من التشدّد والتعنّت خلق رذيل.
فلابدّ للمؤمن من أن يروّض نفسه على أن يتاسمح في علاقاته مع الآخرين ، وأن يترك جانب التشديد في الموضع الذي ينبغي فيه التسامح ، وأن يكون على ثقةٍ من أنّه كلّما ازداد تسامحه مع الناس ازداد تسامح الله تعالى معه.
وترويض النفس على التسامح أمر قد لا يحصل للإنسان بسهولة ، بل لابدّ من الممارسة الطويلة بدءاً من الأمور الصغيرة التي يسهل على النفس التسامح فيها إلى أن يتقوّى الإنسان من هذه الناحية ، فيصبح قادراً على المسامحة في الأمور الكبيرة والجليلة.
وأفضل فترة في حياة الإنسان لبناء التسامح ، وتعويد النفس عليه فترة الشباب ، فكلّما يطعن الإنسان في السنّ تصعب عليه عمليّة بناء النفس أكثر من ذي قبل ، وهذا هو القانون الحاكم على النفس الإنسانيّة ، فهي كما قال الشاعر :
النفس كالطفل إن تُهمله شَبَّ * على حبَّ الرضاع وإن تَعظمه يَنفطم
أمّا مع مَن يكون التسامح ؟ فالجواب هو أنّ التسامح مع الجميع أمر مطلوب ، سواء مع مَن هو أخ لك في الدين ، أو نظير لك في الخلق والإنسانيّة ، وإن كان تتأكّد أهميّته مع الصنف الأوّل.
نعم يُستثنى من ذلك الكافر المحارب الذي يعيش حالة حرب مع المسلمين ، فلا يحسن بالمسلم أن يكون رحيماً به ، متسامحاً معه ، بل ينبغي أن يكون شديداً عليه.
قال الله تعالى : ( مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّـهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ) [ الفتح : 29 ].
وقال تعالى : ( لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّـهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّـهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّـهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) [ الممتحنة : 8 ـ 9 ].
أمّا مجالات التسامح فهي بشكل عامّ عبارة عن الأمور المباحة والمحلّلة شرعاً ، والتي لا يوجد فيها تكليف إلزامي شرعي من إيجاب أو تحريم ، فلا تسامح في ترك واجب ولا في فعل حرام أبداً.
فالؤمن الملتزم يجب عليه أن لا يتسامح في الواجبات والمحرّمات وأن لا يتعصّب لها كما يتعصّب لإهتماماته الدنيويّة الصغيرة ، وعلى الأساس يجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فإنّ هذين الواجبين يمثّلان التشديد على كلّ مَن يتعدّى حدود الله تعالى ، فيترك واجباً شرعيّاً أو يقوم بعمل محرّم ، فلا تسامح مع هذا الإنسان في هذا الجانب من سلوكه ، والله العالم.
هل من الخلق لما الصحابي معاوية بن حديج يسبَّ الإمام علياً ، وأنَّ الإمام الحسن بن علي قام بتوبيخه بشدّة لذلك .؟ هل من الخلق كما قال ابن تيمية في منهاج السنة عن علي : إنَّ كثيراً من الصحابة والتابعين كانوا يبغضونه ويسبونه ويقاتلونه ؟ هل من الخلق ماورد في المعجم الكبير للطبراني : فصعد عمرو المنبر فذكر عليًّا ووقع فيه ، ثم صعد المغيرة بن شعبة فحمد الله وأثنى عليه ، ثم وقع في عليٍّ رضي الله عنه . والرواية صحيحة السند.؟ هل من الخلق ماورد في المستدرك على الصحيحين : فقام إليه زيد بن أرقم فقال : يا مغيرة ألم تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن سب الأموات ، فلم تسب علياً وقد مات.؟
هل هذه اخلاق مسلمين مؤمنين متقين ؟
أما قرأت قول النبي صلى الله عليه وآله : في صحيح مسلم ، قال صلى الله عليه وسلم : في أصحابي اثنا عشر منافقاً ، فيهم ثمانية لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط.؟
ثم بعد ذلك تقولون انتم تسبون الصحابة وتذهبون وتفجرون انفسكم في مساجدنا. فهذه اسمها عبادة الصحابة وتقديس الصحابة وهذا شرك بالله العظيم.