من سماحة السيّد جعفر علم الهدی
المشار إليه بقوله : { هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ } ، هو النزاع والقتال الذي وقع بين القبطي والإسرائيلي ، لا ما صدر من موسى ؛ فإنّ الرجل كان كافراً مهدور الدمّ .
ففي الحديث عن الرضا (عليه السّلام) أنّه سئل عن هذه الآية : { فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ } ، مع أنّ الأنبياء معصومون ؟
فقال : « فقضى عليه بحكم الله تعالى ذكره ، فوكزه فمات ».
{ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ } . قال (عليه السّلام) : « يعني الاقتتال الذي وقع بين الرجلين ، لا ما فعله موسى من قتله » .
{ قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي } . قال (عليه السّلام) : « يقول : وضعت نفسي غير موضعها بدخول المدينة » .
{ فَاغْفِرْ لِي } . قال (عليه السّلام) : « يعني استرني من أعدائك لئلا يظفروا بي فيقتلوني » .
وبهذا التفسير الوارد عن الإمام الرضا (عليه السّلام) يظهر أنّ ما جرى بين موسى والقبطي لم يكن منافياً للعصمة ، كما أنّ كلام موسى (عليه السّلام) ليس منافياً للعصمة ؛ فإنّ موسى (عليه السّلام) ظلم نفسه ، واختار مالم يكن في مصلحته حيث دخل المدينة مع أنّه خرج منها خائفاً من القتل ، فلمّا رأى الإسرائيلي والقبطي يقتتلان ، قال : هذا الاقتتال من عمل الشيطان ، ولمّا كان مؤموراً شرعاً بالتدخل ، ونصرة المسلم على الكافر ، فضرب القبطي ، فمات من ضربته ، وقد كان كافراً مهدور الدمّ ، ليس على موسى (عليه السّلام) أثم في قتله ، لكنّ أصل الاقتتال كان من عمل الشيطان ، ولذا قال : { هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ}.
واننا نجد ان معالجة تلك الشبهات من خلال تبريرات وتفسيرات لا تفي بالغرض ولا يقتنع من اصابه الشك والحيرة بعد قراءة الايات التي تتحدث عن معصية الانبياء وتوبتهم وندمهم عما اقترفوه
والسؤال لماذا كان اسلوب القران يثير الشك وهو كتاب هداية ؟
حديث يصرح بأن القرآن لا يكفي للهداية لوحده ، بل لا بدّ من الرجوع الى العترة الطاهرة لفهم القرآن الكريم وتفسيره وشرحه لأجل الاهتداء بالقرآن ، فالحديث يكذب قول من قال : « حسبنا كتاب الله ».
فانّ الهداية لا تتمّ الّا بالأخذ بتعاليم القرآن من خلال الرجوع الى العترة الطاهرة.
وقد صرّح القرآن الكريم انّ فيه آيات محكمات ، تكون صريحة أو ظاهرة في المراد ، وفيه آيات متشابهات ، ولا يعرفها إلّا الله ورسوله والأئمّة الأطهار من أهل البيت الذين هم الراسخون في العلم : ( وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ).
وأمّا الآيات الواردة في الأنبياء والرسل ، فقد فسّرها الأئمّة الأطهار عليهم السلام بنحو لا يتنافي مع عصمة الأنبياء من الذنوب والخطأ والنسيان. ولعلّ حكمة الله تعالى شاءت ان تؤكّد على كون الأنبياء والرسل من جنس البشر ، وانّه يجري عليهم صفات البشر ، حتّى لا يتوهّم انّهم ملائكة ، أو يحصل لدى أتباعهم أو من يقرأ أحوالهم الغلوّ فيهم ، فيعتقدون الألوهيّة والربوبيّة بالنسبة اليهم. مثلاً من يقرأ في حقّ يوسف ( وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا ) ، يعلم بأنّ يوسف وان كان نبيّاً لكنّه من جنس البشر ، ولا يتوهّم انّه ملك أو اله وخالق لا يتأثّر بالجمال والأنوثة ، بل هو بشر ، ولو لا العصمة و ( بُرْهَانَ رَبِّهِ ) لكان يقدم على المعصية.