الجواب من السيّد علي الحائري: نعم إنّ ذلك مرهون بوثوق الشخص من نفسه بتحقيق العدل بين الزوجات. قال الله تعالى : ( وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً ) [ النساء : 3 ] . وقد شرح فقهائنا رضوان الله عليهم في الكتب الفقهيّة والرسائل العمليّة تفاصيل هذا العدل الأُسري وكيفيّة قيام الزوج بتحقيق العدل بين أزواجه ، وحاصل عبارة عن منح حقوقهنّ والتقسيم بينهنّ بالنحو الذي لا يضيع حقّ أيّ واحدة منهنّ. وأمّا العدل المنفي في قوله تعالى : ( وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ) [ النساء : 129 ] ، فقد فُسّر بالعدل في الحبّ والميل القلبي تجاههنّ ، فإنّ ذلك ممّا لا يستطيع الإنسان عادة تحقيقه وايجاد التساوي بينهنّ في حبّه لهنّ ، بل من الطبيعي أن يزداد حبّه لبعضهنّ على حبّه للبعض الآخر ، ولذا فليس من الواجب على الزوج العدل بينهنّ في الحبّ والميل ، لكن مع ذلك يجب عليه أن لا يميل كلّ الميل نحو بعضهنّ ويذر في البعض الآخر كالمعلّقة ، لا هي محفوظة بهذا الزوج ولا هي خلّية كي تتمكّن من الزواج بغيره ، قال الله تعالى : ( فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ ) [ النساء : 129 ] .
الجواب من السيّد علي الحائري: نعم إنّ من خصائص الشريعة الإسلاميّة أنّها سمحة سهلة ، فيها اليسر وليس فيها العسر والحرج والضرر : قال تعالى : ( يُرِيدُ اللَّـهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ) [ البقرة : 185 ] . وقال تعالى : ( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) [ الحج : 78 ] . وعن النبيّ صلّى الله عليه وآله : « لا ضرر ولا ضرار في الإسلام » . إلاّ أنّ هذا لا يعني أنّ هذه الشريعة لم تشرّع العنف في الموضع الذي ينبغي فيه تشريع العنف ، وذلك إنطلاقاً من اليسر والرفق نفسه ، فالرفق بالمجتمع يتطلّب أحياناً اتّخاذ موقف عنيف من الفرد فيما إذا كان هذا الفرد يهدّد من خلال عمله أمن المجتمع من الناحية الاقتصاديّة أو الأخلاقيّة أو السياسيّة أو غيرها. فالقتل عمل يهدّد أمن المجتمع بلا إشكال ، والرفق بالمجتمع يتطلّب اتّخاذ العنف تجاه القاتل ، قال تعالى : ( وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ) [ البقرة : 179 ] . والزنا عمل يهدّد أمن المجتمع من الناحية الأخلاقيّة ، فينبغي للشريعة التي تريد اليسر بالمجتمع والرفق وعدم الضرر أن تشرّع التشريع المناسب ، وأن تتّخذ موقفاً عنيفاً تجاه الزاني والزانية ، قال الله تعالى : ( الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّـهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ ) [ النور : 2 ] . واتّهام المرأة المحصنة بالزنا عمل يهدّد كذلك الأمن الأخلاقي والعائلي بلا إشكال ، فلا يصحّ للشريعة السمحة التي تريد بالمجتمع اليسر ، وعدم الاحراج والاضرار أن تقف مكتوفة الأيدي أمام مثل هذا العمل ، وأن تترك السبيل لكلّ شخص في أن يقول ما يحبّ دون أيّ محاسبة ، وأن يقذف هذا وذاك بالزنا ثمّ لا يُثبت ذلك في المحكمة أمام الحاكم العادل ، بل لا بدّ من اتّخاذ العنف بشأنه ، لأنّ هذا العنف بالفرد هو الرفق بالمجتمع بعينه وهو اليسر وعدم الاحراج ، قال تعالى : ( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) [ النور : 4 ] . والسرقة عمل يهدّد الأمن الاقتصادي كذلك ، إذن فهو يطلّب العنف بالسارق تحقيقاً لما تتوخّاه الشريعة من اليسر والرفق الاجتماعي ، قال تعالى : ( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللَّـهِ وَاللَّـهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) [ المائدة : 38 ] . وهكذا يتضحّ لنا أنّ اليسر والرفق وإن كان أحد المقاصد الكبرى في الشريعة ، لكنّ هذا ليس معناه اليسر والرفق بالفرد دائماً حتّى ولو كان على حساب اليسر والرفق بالآخرين. وعلى هذا الأساس تقوم التشريعات الإسلاميّة في باب الحدود والتعزيرات عموماً. إذن فيصحّ القول بأنّ العنف ممّا يجب تشريعه أحياناً ، وذلك تحقيقاً لليسر ، لكنّ يبقى لنا أن نؤكّد مرّة أُخرى على أنّ العنف ليس هو سيّد الموقف في التشريع الإسلامي ، وليس هو الأصل في التشريعات والأحكام الإسلاميّة بل هو علاج لحاجة طارئة فهو تشريع استثنائي ، وإن كان ممّا لا بدّ منه ولا غنى للشرعة عنه أبداً. أمّا أنّنا كيف نحوّل مجتمعنا إلى مجتمع الأُخوة الإيمانيّة والمحبّة والرفق ؟ فالجواب هو أنّ هذا ممّا لا يتحقّق بالنحو الكامل إلّا في الظرف الذي يطبّق فيه الإسلام بالكامل ، فإنّ الأحكام الإسلاميّة وإن لم تكن ارتباطيّة بالمعنى الأصولي ، بمعنى أن إمتثال كلّ حكم ليس مشروطاً بإمتثال حكم آخر ، لكنّها ارتباطيّة بالمعنى الآخر ، وهو أنّها لا تعطي ثمارها إلّا فيما إذا طبّقت بأجمعها ، فهي رسالة وشريعة ووصفة إلهيّة واحدة لا تتجزأ من هذه الناحية ، فلا تتوقّع من المجتمع الذي لا يطبّق الكثير من تشريعات الإسلام وأحكامه أن يتحوّل إلى المجتمع الذي يتوخّى الإسلام صنعه ، أيّ مجتمع الأُخوة والمحبّة والرفق أنّ هذا التوقّع من قبيل أن نتوقّع في الماء جذوة نار. والسلام عليكم.
الجواب من السيّد علي الحائري: 1 ـ فيما يتعلّق بالمقطع الأوّل من السؤال ينبغي أن نقول : لا ، ليس للإستبداد ـ بمعناه الحقيقي ـ أيّ جذر ديني ، وليس في الدين استبداد بهذا المعنى أبداً ، فإنّ الإستبداد معناه أن تفرض رأيك على الآخرين دون أن يتمّ لك ـ مسبقاً ـ الحقّ في فرض رأيك عليهم ، أمّا إذا تمّ لك مسبقاً الحقّ في ذلك فليس من الإستبداد حينئذٍ أن تفرض رأيك عليهم ، بل هو إعمال لحقّك المفروض. فإذا اتّفقتَ مثلاً في صفقة تجاريّة معيّنة مع شخص آخر على أن ينفّذ كلّ شروطك فسوف يكون من الطبيعي حينئذٍ أن يحقّ لك فرض رأيك وأوامرك عليه. ولا يقال عنك في هذه الحالة أنّك مستبدّ مادام قد تمّ لك مسبقاً ـ من خلال الاتّفاق الذي جرى بينكما ـ أن تُملي عليه شروطك ، وأن تأمره بما تحبّ. هذا مثال بسيط وساذج ضربناه لك أيّها السائل العزيز لتكون على بصيرة من معنى « الإستبداد ». وعلى هذا الضوء نأتي إلى الدين والشريعة لنرى هل يوجد هناك شوب استبداد بهذا المعنى ؟ وهل أنّ الشريعة فرضت علينا رأي مَن ليس له الحقّ في أن يَفرض رأيه علينا ؟ كلّا ثمّ كلّا ، لأنّ الشريعة لا تفرض على الإنسان سوى أوامر الله تبارك وتعالى ، والدين لا يوجب إطاعة غير الله تعالى وحتّى النبيّ والإمام ومَن دونهما ـ من الأولياء ـ إنّما تجب إطاعتهم ، لأنّ الله تعالى قد أمر باطاعتهم ، فلو لم يكن قد أمر الله تعالى بإطاعة النبيّ وأولي الأمر كما كانت إطاعة النبيّ ولا إطاعة أولي الأمر واجبة. إذن فالولاية في الأصل إنّما هي لله تعالى ، فالله هو الوليّ الحقيقي دون غيره ، ولا ولاية حقيقية لغيره بتاتاً بمعنى أنّ الملزِم ـ في الأصل ـ إنّما هو أمر الله تعالى لا غير. ومن الواضح أنّ الله تعالى قد تمّ الحقّ له مسبقاً في فرض أوامره علينا وليس في هذا الفرض أيّ استبداد. وهذا الحقّ ـ أعني حقّ الطاعة له تبارك وتعالى ـ ندركه نحن البشر بعقولنا ووجداننا ، فكما أدركنا وجوده وأدركنا خالقيّته لنا وللكون ، كذلك ندرك بعقلنا ووجداننا أنّه المولى والوليّ وتجب طاعته ، فإذا فرض علينا شيئاً لم يكن هذا من الإستبداد أصلاً ، لأنّ الإستبداد كما عرفتَ عبارة عن فرض الرأي من قِبَل مَن ليس له الحقّ في فرض الرأي ، بينما الله تعالى له الحقّ في فرض الرأي علينا ، والعقل والوجدان هو الذي يُعطيه هذا الحقّ. وعلى هذا الأساس يتّضح الجواب على المقطع الثاني من السؤال : 2 ـ إنّ الشورى أساساً ليست ملزِمة ، أيّ ليست لها الولاية شرعاً ، فلا يجب على الإنسان المسلم أن يخضع لما تنتجه الشورى أو الأكثريّة بوصفه نتيجة الشورى أو بوصفه رأي الأكثريّة ، هذا ممّا لم يدلّ عليه دليل بل الدليل على خلافه ، فإنّ الإلزام والولاية كما قلنا إنّما هو في الأصل لله تعالى ، وقد نصب الله تعالى النبيّ ومِن بعده الإمام وليّاً على الناس. قال الله : ( النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ) [ الأحزاب : 6 ] . وقال النبيّ صلّى الله عليه وآله : « مَن كنت مولاه فعلي مولاه » . ومن بعده الإمام عليه السلام إلى عصر غيبته تأتي الولاية للفقهاء الذين تتوفّر فيهم الشروط المقرّرة في الفقه. هذه سلسلة مراتب الولاية بدأً بولاية الله تعالى وإنتهاءً بولاية الفقيه ـ على الخلاف الفقهي الدائر حول حدود هذه الولاية الثابتة للفقيه ، فإنّ أصل ولايته أمر مسلّم لا إشكال ولا خلاف فيه فقهيّاً ، إنّما الخلاف في حدودها ـ. إذن فالولاية ولزوم الطاعة والخضوع للأوامر ليست للشورى ولا للأُمّة ولا للأكثريّة ولا لأهل الحلّ والعقد ، وإنّما هي لله تعالى ولمَن نصبه الله تعالى فقط. نعم الشورى والاستنارة بآراء الآخرين أمر لا ريب في فائدته ولذا جاء التأكيد عليه في النصوص : ( وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ) [ آل عمران : 159 ] ، و ( وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ ) [ الشورى : 38 ] ، لكن الإلزام لا يستفاد من هذه النصوص ، والله العالم ، والسلام عليكم.
الجواب من السيّد علي الحائري: 1 ـ أمّا أننا كيف نتعامل مع التعدّد والتنوّع الديني ، فالجواب هو أنّ المسلم الذي يعيش في ظلّ دولة إسلاميّة عليه أن يتعامل مع هذه الظاهرة كما كان يتعامل معها المسلمون في عصر التشريع حينما كانوا يعيشون في ظلّ دولة إسلاميّة على رأسها النبيّ صلّى الله عليه وآله أو الإمام المعصوم عليه السلام ، وفي ذلك تختلف حالة الحرب عن حالة السلم ، ولكلّ منهما حكمه الخاصّ المذكور في الفقه. أمّا المسلم الذي لا يعيش في ظلّ دولة إسلاميّة ، فعليه أن يتعامل مع هذه الظاهرة كما كان يتعامل معها المسلمون تاريخيّاً في الفترات الأخيرة ، فإنّ هذه الظاهرة كانت ولا تزال من الظواهر الاجتماعيّة الملاصقة والملازمة للمجتمعات البشريّة ، وكما قلتم : « أمراً لا مفرّ منه ». 2 ـ أمّا الموقف من اتباع الديانات الأُخرى فيختلف باختلاف هؤلاء الأتباع ، فإن كانوا من أهل الكتاب جرت عليهم أحكام أهل الكتاب ، وإن لم يكونوا من أهل الكتاب جرت عليهم أحكام سائر الكفّار ، وكلّ ذلك مشروح في الفقه.
الجواب من السيّد علي الحائري: أمّا التسامح يُعتبر من الأخلاق الحسنة التي أكّد عليها الإسلام كثيراً ، وهو من مظاهر حُسن الخُلق الذي أعتبره علماء الأخلاق من الفضائل ، وما يقابلها من التشدّد والتعنّت خلق رذيل. فلابدّ للمؤمن من أن يروّض نفسه على أن يتاسمح في علاقاته مع الآخرين ، وأن يترك جانب التشديد في الموضع الذي ينبغي فيه التسامح ، وأن يكون على ثقةٍ من أنّه كلّما ازداد تسامحه مع الناس ازداد تسامح الله تعالى معه. وترويض النفس على التسامح أمر قد لا يحصل للإنسان بسهولة ، بل لابدّ من الممارسة الطويلة بدءاً من الأمور الصغيرة التي يسهل على النفس التسامح فيها إلى أن يتقوّى الإنسان من هذه الناحية ، فيصبح قادراً على المسامحة في الأمور الكبيرة والجليلة. وأفضل فترة في حياة الإنسان لبناء التسامح ، وتعويد النفس عليه فترة الشباب ، فكلّما يطعن الإنسان في السنّ تصعب عليه عمليّة بناء النفس أكثر من ذي قبل ، وهذا هو القانون الحاكم على النفس الإنسانيّة ، فهي كما قال الشاعر : النفس كالطفل إن تُهمله شَبَّ * على حبَّ الرضاع وإن تَعظمه يَنفطم أمّا مع مَن يكون التسامح ؟ فالجواب هو أنّ التسامح مع الجميع أمر مطلوب ، سواء مع مَن هو أخ لك في الدين ، أو نظير لك في الخلق والإنسانيّة ، وإن كان تتأكّد أهميّته مع الصنف الأوّل. نعم يُستثنى من ذلك الكافر المحارب الذي يعيش حالة حرب مع المسلمين ، فلا يحسن بالمسلم أن يكون رحيماً به ، متسامحاً معه ، بل ينبغي أن يكون شديداً عليه. قال الله تعالى : ( مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّـهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ) [ الفتح : 29 ] . وقال تعالى : ( لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّـهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّـهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّـهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) [ الممتحنة : 8 ـ 9 ] . أمّا مجالات التسامح فهي بشكل عامّ عبارة عن الأمور المباحة والمحلّلة شرعاً ، والتي لا يوجد فيها تكليف إلزامي شرعي من إيجاب أو تحريم ، فلا تسامح في ترك واجب ولا في فعل حرام أبداً. فالؤمن الملتزم يجب عليه أن لا يتسامح في الواجبات والمحرّمات وأن لا يتعصّب لها كما يتعصّب لإهتماماته الدنيويّة الصغيرة ، وعلى الأساس يجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فإنّ هذين الواجبين يمثّلان التشديد على كلّ مَن يتعدّى حدود الله تعالى ، فيترك واجباً شرعيّاً أو يقوم بعمل محرّم ، فلا تسامح مع هذا الإنسان في هذا الجانب من سلوكه ، والله العالم.
الجواب من السيّد علي الحائري: 1 ـ أمّا مجال العقيدة وحدودها : فعبارة عمّا يسمّى بـ « أصول الدين » ، وهي : أ ـ وجود الخالق والصانع ، وهو تبارك وتعالى ، وواحدانيّته. ب ـ وجود اليوم الآخر « القيامة ». ج ـ وجود النبوّة والوحي والأنبياء. د ـ وجود الإمامة والأئمّة. فالعقيدة تعني إذن الإيمان والتصديق بوجود الله تبارك وتعالى وبأنّه الأحد الذي لا شريك له في الخالقيّة والأُلوهيّة ، وبوجود يوم القيامة ، وبنبوّة النبيّ الأعظم محمّد بن عبد الله صلّى الله عليه وآله ، وبإمامة علي ابن أبي طالب والأئمّة الأحد عشر من ولده عليهم أفضل الصلاة والسلام. 2 ـ أمّا العلاقة بين « العقيدة » و « الشريعة » ، فهي علاقة بين « البنية التحتيّة الأساسيّة » و « البناء الفوقي » ، فالشريعة بمعنى التشريعات مبنيّة على العقيدة. إذن ، فالعقيدة تشكّل القاعدة الفكريّة لكلّ التشريعات والأحكام. 3 ـ طبعاً إنّ العقيدة هي التي تفرز بين المؤمن المؤمن والكافر. 4 ـ نعم تتغيّر القيم عند الإنسان بحسب عقيدته ولذا قلنا مراراً أنّ العقيدة هي أهمّ ما في الإنسان. والله العالم ، والسلام عليكم.
الجواب من السيّد علي الحائري: لاحجّيّة للأحلام من الناحية الشرعيّة كما لا حجّيّة لكلام مَن يفسّر الأحلام ولا يوجد للأحلام ضابط يرجع إليه ، نعم قد تكون الرؤيا صادقة وقد يكون تفسير المنام وتأويله صحيحاً حقّاً لكن التمييز بين الرؤيا الصادقة وغيرها ، ولا سبيل إليه ، والله العالم.
الجواب من السيّد علي الحائري: فالجواب هو : أنّ حاجة الإنسان إلى « الدين » حاجة ثابتة في حياة الإنسان ، لا تتغيّر ولا تزول ما دام الإنسان يعيش على ظهر هذا الكوكب ، فإنسان عصر الكهرباء والفضاء بحاجة ماسّة إلى « الدين » كما كان إنسان عصر الطاحونة اليدويّة بحاجة إليه ، فإنّ « الدين » هو الوحيد القادر على إشباع بعض الحاجات الثابتة في كيان الإنسان والمخلوقة معه دائماً مهما تطوّرت حياته ونمت سيطرته على الطبيعة ووسائل عيشه فهو يشبع حاجة الإنسان الذي يزاول اليوم عمليّة تحريك الآلة بقوّة « الذّرة » ، كما يُشبع حاجة الإنسان الذي كان يحرث الأرض بمحراثه اليدوي. والسؤال الذي نواجهه هنا هو أنّه ما هو هذا الدور الإيجابي الفعّال الثابت للدين في حياة الإنسان ؟ وما هي تلك الحاجة أو الحاجات الثابتة في الإنسان ، والتي لا علاج لها إلّا « الدين » ؟ هل هناك حقّاً حاجة ثابتة في حياة الإنسان منذ القديم منذ أن بدأ « الدين » دوره التربوي للإنسان وظلّت هذه الحاجة حاجة إنـسانيّة حيّة ثابتة باستمرار إلى يومنا هذا ، وسوف تبقى حاجة إنـسانيّة ثابتة ما دامت الإنسانيّة ثابتة وموجودة ؟ وقـد يبدو في النظرة الأولى أن افتراض حاجة ثابتة من هذا القبيل ليس مقبولاً ، ولاينطبق على واقع حياة الإنسان حينما نقارن بين إنسان اليوم وإنسان الأمس البعيد ، لأنّنا نجد أنّ الإنسان يبتعد ـ باستمرار ـ في طريقة حياته ومشاكلها ، وعوامل تطوّر حياته عن الإنسان القديم. وهذا الابتعاد المستمرّ يفرض تـحوّلاً أساسيّاً في كلّ حاجاته وهمومه ومتطلّباته ، وبالتالي في طريقة علاج الحاجات وتنظيمها ، فكيف بإمكان « الدين » أن يؤدّي دوراً حقيقياً على هذه الساحة الممتدّة زمنياً مـن حياة الإنسانيّة ، على الرغم من التطوّر الكبير في الوسائل وأساليب الحياة ؟ إلّا أنّ هذه النظرة خاطئة ، لأنّ التطوّر الذي حصل إنّما يفرض التغيّر في علاقة الإنسان بالطبيعة ، وما تتّخذه هذه العلاقة من أشكال مادّية ، فالزراعة مثلاً التي تمثّل علاقة الإنسان المزارع بالأرض تتطوّر ـ شكلاً ومضموناً ـ من الناحية المادّية تبعاً للتطوّر الكبير الذي حصل في الوسائل وأساليب الحياة. لكن تبقى علاقة الإنسان بربّه ، وعلاقة الإنسان بالإنسان ، وفي كلتا هاتين الـعلاقتين نجد أنّ الإنسان دائماً وعلى مسار التاريخ يعيش عدداً من الحاجات والمشاكل الثابتة التي يواجهها إنسان عصر الزيت ، وإنسان عصر الكهرباء على السواء. و « الدين » علاج ثابت لحاجات ثابتة من هذا النوع ولمشاكل ليست ذات طبيعة مـرحلية ، بل تواجه الإنسان باستمرار , ولا يزال هذا العلاج الذي يعبّر عنه « الدين » حيّاً في أهدافه حتّى اليوم ، وشرطاً أساسيّاً في تغلّب الإنسان على مشاكله ونجاحه في ممارساته الحضارية. فإنسان عصر الفضاء والذّرة إذا أراد إشباع كلّ حاجاته والتغلّب على كلّ مشاكله فلا محيص له عن « التديّن » ، وإدخال « الدين » في صميم حياته. وفيما يلي نشير إلى بعض الحاجات والمشاكل في حياة الانسان والدور الذي يمارسه « الدين » في إشباع تلك الحاجات والتغلّب على هذه المشاكل. ونركّز في هذا العجالة وفي هذا البحث المحدود على حاجتين أساسيتين من حاجات الإنسان الثابتة دائماً وفي كلّ العصور : الأولى : حاجة الإنسان إلى الارتباط بالمطلق ، فإنّ « الدين » يكرّس علاقة الإنسان بربّه ، وهذه العلاقة لا يستغني عنها الإنسان أبداً مهما تطوّرت حياته من الناحية المادّية ، فهي من الحاجات الثابتة للإنسان في مسيرته وتحرّكه وتكامله. ولنوضحّ كيف أنّ هذه العلاقة حاجة دائميّة للإنسان ؟ وكيف أنّ « الدين » يكرّس هذه العلاقة ؟ إذا لاحظنا الأدوار التاريخيّة المختلفة لحياة الإنسان وجدنا أنّ هناك مشاكل متنوّعة يعاني منها الإنسان على مرّ التاريخ في تحرّكه ، ولكنّنا إذا تجاوزنا السطح ونفذنا إلى عمق المشكلة وجوهرها إستطعنا أن نحصّل على مشكلة رئيسيّة ذات حدين أو جانبين. فهي من زاوية تعبّر عن مشكلة « الضياع » و « اللّا انتماء » ، وهذا يمثّل الجانب السلبي من المشكلة ، ومن زاوية اُخرى تعبّر عن مشكلة « الغلوّ في الانتماء والانتساب » ، أيّ مشكلة تحويل الإنسان الحقائق النسبيّة التي ينتمي إليها إلى حقائق مطلقة ، وهذا يمثّل الجانب الإيجابي من المشكلة. وقد أطلقت الشريعة الإسلاميّة على المشكلة الأولى اسم « الإلحاد » ، باعتبار أنّ الإلحاد المثل الواضح لمشكلة ضياع الإنسان ، ولا انتمائه. وأطلقت على المشكلة الثانية اسم « الشرك » و « الوثنية » ، باعتبار أنّ الشرك هو المثل الواضح أيضاً لمشكلة غلوّ الإنسان في انتماءه « مشكلة تحويل الحقيقة النسبيّة إلى حقيقة مطلقة ». وفي الحقيقة إنّ جهاد الإسلام المستمرّ ضدّ « الإلحاد » وضدّ « الشرك » هو جهاد ضدّ هاتين المشكلتين بكامل بُعديهما التاريخيّين. وهاتان المشكلتان تلتقيان في نقطة واحدة أساسيّة وهي إعاقة حركة الإنسان في تطوّره وتكامله عن الاستمرار الخلّاق المبدع الصالح ، لأنّ مشكلة « الضياع » تعني بالنسبة إلى الإنسان أنّه صيرورة مستمرة تائهة لا تنتمي إلى « مطلق » يسند إليه الإنسان نفسه في مسيرته الشاقّة الطويلة المدى ، ويستمدّ من إطلاقه وشموله العون والمدد والرؤية الواضحة للهدف ، ويربط من خلال ذلك « المطلق » حركته بالكون ، بالوجود كلّه ، بالأزل والأبد ، ويجدّد موقعه منه. فالتحرّك الضائع بدون « مطلق » هو في الواقع تحرّك عشوائي كريشة في مهبّ الريح ، تنفعل بالعوامل من حولها ، وتتأثر بها ولا تؤثّر فيها. وما من إبداع وعطاء في مسيرة الإنسان الكبرى على مرّ التاريخ إلّا وهو مرتبط بالاستناد إلى « مطلق » ، والالتحام معه في سير هادف. غير أنّ هذا الارتباط بالمطلق نفسه يواجه من ناحية أُخرى الجانب الآخر من المشكلة ، أيّ مشكلة « الغلوّ في الانتماء والارتباط » من خلال تحويل « النسبيّ » إلى « مطلق » وهي مشكلة تواجه الإنسان باستمرار ، وذلك حينما ينسج الإنسان ولاءه لقضيّة من القضايا ـ من قبيل قضية « العشيرة » أو « الوطن » أو « العنصر والدم » أو « اللون » أو « الحزب » أو « المال » أو « السلطة » أو أيّ قضيّة أُخرى ـ لكي يمدّه هذا الولاء بالقدرة على الحركة ومواصلة السير ، إلّا أنّ هذا الولاء يتجمّد تدريجيّاً ويتجرّد عن ظروفه النسبيّة التي كان صحيحاً ضمنها وينتزع الذهن البشري من هذا « النسبيّ » الذي انتمى إليه ومنح ولاءه له « مطلقاً » لا حدّ له ، فيقدّم الإنسان حينئذٍ بالاستجابة إلى كلّ مطالب هذا « النسبيّ » الذي تحوّل لديه إلى « مطلق » ، وبالتعبير الديني يتحوّل إلى « إله » يُعبد بدلاً عن « حاجة » يُستجاب لإشباعها. وحينما يتحوّل « النسبيّ » إلى « مطلق » و « إله » يُعبد ، يُصبح بنفسه سبباً في تطويق حركة الإنسان وتجميد قدراته على التطوّر والإبداع يُصبح سبباً لإقعاد الإنسان عن ممارسة الإنسان دوره الطبيعي المفتوح في المسيرة. قال الله تعالى في القراآن الكريم : ( لَّا تَجْعَلْ مَعَ اللَّـهِ إِلَـٰهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولًا ) [ الإسراء : 22 ] . وهذه حقيقة صادقة على كلّ « الآلهة » التي صنعها الإنسان عبر التاريخ سواء ما كان قد صنعه في المرحلة الوثنيّة من العبادة أو في المراحل اللاحقة ، فنحن نجد سلسلة من « الآلهة » التي أعاقت الإنسان عن التقدّم الصالح بسبب قيام الإنسان نفسه بتأليهها والتعامل معها كـ « مطلق » فابتدائاً من « العشيرة والقبيلة » ، ومروراً بـ « اللون » و « العنصر والدّم » و « الوطن » وما إلى ذلك ، وانتهاءاً بـ « العلم » ، كلّها آلهة مصطنعة ومن نسيج ذهن الإنسان نفسه. نعم من « القبيلة » التي كان الإنسان البدوي يمنحها ولاءه باعتبارها حاجة واقعيّة بحكم ظروف حياته الخاصّة ثمّ غلا هذا الإنسان في ولاءه للقبيلة ، فتحوّلت عنده إلى « مطلقٍ » ، لا يُبصر شيئاً إلّا من خلالها تجرّد هذا « النسبيّ » عن تلك الظروف النسبيّة التي كان صحيحاً ومقبولاً في ضمنها وانتزع ذهن الإنسان منه « مطلقاً » ، لا حدّ للاستجابة إلى مطالبه ، فأصبحت « القبيلة » بذلك مُعيقة له عن التقدّم والنموّ والتكامل ، وعلى حدّ تعبير القرآن الكريم قعدت به مذموماً مخذولاً. إلى « العلم » الذي منحه الإنسان الحديث ـ بحقّ ـ ولاءه ، لأنّه شقّ له طريق السيطرة على الطبيعة ، ولكن هذا الإنسان غلا ـ أحياناً ـ في ولاءه لـ « العلم » ، فتحوّل إلى ولاء مطلق ، تجاوز به حدوده ، وانتزع الإنسان المفتون بالعلم من « العلم » « مطلقاً » و « آلهاً » يعبده ويقدّم له فروض الطاعة والولاء ويرفض من أجله كلّ القيم والحقائق التي لا تمتدّ يدّ « العلم » إليها ولا يمكن قياسها بالأمتار أو رؤيتها بـ « المجهر ». فكلّ محدود ونسبيّ إذا نسج الإنسان منه في مرحلة ما « مطلقاً » يرتبط به على هذا الأساس ، يصبح في مرحلة رشدٍ ذهنيٍ جديدٍ قيداً على الذهن الذي صنعه ، بحكم كونه محدوداً ونسبياً. فلابدّ للإنسانيّة في مسيرته من « مطلق ». هذا أوّلاً. ولابدّ من أن يكون مطلقاً حقيقيّاً يستطيع أن يستوعب المسيرة الإنسانيّة ويهديها سواء السبيل مهما تقدّمت المسيرة وامتدّت على خطّها الطويل ، ويستطيع أيضاً أن يمحو من طريق المسيرة الإنسانيّة كلّ « الآلهة » الذين يطوّقون المسيرة ويعيقونها. هذا ثانياً. وبهذين الأمرين تعالج المشكلة التي ذكرناها بكلا جانبيها ، السلبي « الضياع » والإيجابي « الغلوّ ». وهذا العلاج يتمثّل في ما قدّمته السماء إلى الأرض من عقيدة « الإيمان باللّه » بوصفه « المطلق » الذي يمكن أن يربط الإنسان المحدود مسيرته وحركته به دون أن يسبّب له أيّ تناقض على الطريق الطويل. فالإيمان باللّه يعالج الجانب السلبي من المشكلة ويرفض الضياع والإلحاد واللّا انتماء ، لأنّ الإيمان باللّه تعالى يضع الإنسان في موضع المسؤولية وينيط « الكون » بحركته وتدبيره ، ويجعله خليفة اللّه في الأرض. و « الخلافة » تستبطن « المسؤوليّة » ، والمسؤولية تضع الإنسان بين قطبين ، بين « مستخلفٍ » يكون الإنسان مسؤولاً أمامه ، و « جزاءٍٍ » يتلقّاه الإنسان تبعاً لتصرّفه ، أيّ بين « اللّه » و « اليوم الآخر » ، بين « المبدأ » و « المعاد » ، بين الأزل والأبد ، والإنسان يتحرّك في هذا المسار تحرّكاً مسؤولاً هادفاً. والإيمان باللّه تعالى يعالج الجانب الإيجابي من المشكلة ـ مشكلة الغلوّ في الانتماء التي تفرض المحدوديّة على الإنسان ، وتشكّل عائقاً عن تقدّمه في مسيرته ـ وذلك على الوجه التالي : أوّلاً : إنّ هذا الجانب من المشكلة كان ينشأ من تحويل المحدود والنسبيّ إلى مطلق وذلك من خلال عمليّة تصعيد ذهني وتجريد للنسبيّ من ظروفه وحدوده. وأمّا « المطلق » الذي يقدّمه الإيمان باللّه تعالى للإنسان فهو لم يكن من نسيج مرحلةٍ من مراحل الذهن الإنساني ليصبح في مرحلة رشدٍ ذهنيٍ جديدٍ قيداً على الذهن الذي صنعه ، ولم يكن وليد حاجة محدودة لفردٍ أو لفئةٍ كي يتحوّل ـ بسبب انتصابه مطلقاً بلا حدود ـ إلى سلاح بيد ذاك الفرد أو تلك الفئة لضمان استمرار مصالحها اللّا مشروعة. فاللّه تبارك وتعالى مطلق لا حدود له ، ويستوعب ـ بصفاته الثبوتيّة ـ كلّ المُثُل العليا للإنسان الخليفة على الأرض ، من إدراك وعلم وقدرة وقوّة وعدل وغنى. وهذا يعني أنّ الطريق إلى الله تعالى لا حدّ له ، فالسير نحوه يفرض التحرّك النسبيّ نحو المطلق باستمرار وتدرّج بدون توقّف. قال الله تعالى في القرآن الكريم : ( يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ ) [ الإنشقاق : 6 ] . ويعطي لهذا التحرّك مُثُله العليا المنتزعة من الإدراك والعلم والقدرة والعدل وغيرها من صفات ذلك المطلق الذي تكدح المسيرة الإنسانيّة نحوه. فالسير نحو مطلقٍ ، كلّه علم وكلّه قدرة وكلّه عدل وكلّه غنى ، معناه أن تكون المسيرة الإنسانيّة كفاحاً متواصلاً باستمرار ضدّ كلّ جهل وعجز وظلم وفقر. وما دامت هذه هي أهداف المسيرة المرتبطة بهذا المطلق فهي إذن ليست تكريساً للإله ، وإنّما هي جهاد مستمرّ من أجل الإنسان وكرامته وتحقيق تلك المُثُل العليا له. قال تعالى : ( وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ) [ العنكبوت : 6 ] . ( فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَلِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ) [ الزمر : 41 ] . وعـلـى العكس من ذلك المطلقات الوهميّة والآلهة المزيّفة ، فإنّها لا يمكن أن تستوعب المسيرة بكلّ تطلّعاتها ، لأنّ هذه المطلقات المصطنعة وليدة ذهن الإنسان العاجز أو حاجة الإنسان الفقير أو ظلم الإنسان الظالم ، فهي مرتبطة ارتباطاً عضوياً بالجهل والعجز والظلم ولا يمكن أن تبارك كفاح الإنسان المستمرّ ضدّها. ثانياً : إنّ الارتباط باللّه تعالى بوصفه « المطلق » المستوعب لكلّ تطلّعات المسيرة الإنسانيّة ، يعني في الوقت نفسه رفض كلّ تلك المطلقات الوهميّة الكاذبة والآلهية المصطنعة التي كانت تشكّل ظاهرة « الغلوّ في الانتماء » ، ويعني : خوض حـرب مستمرّة ونضال دائم ضدّ كلّ ألوان الوثنية والتأليه المصطنع. وبهذا يتحرّر الإنسان من سراب تلك المطلقات الكاذبة التي تقف حاجزاً دون سيره نحو اللّه وتزوّر هدفه النزيه ، وتطوّق مسيرته التكامليّة اللّا محدودة. تأمّل في القرآن الكريم حيث يقول في الآيات الشريفة البديعة الرائعة التالية : ( وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّـهَ عِندَهُ ) [ النور : 39 ] . ( مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّـهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ) [ يوسف : 40 ] . ( أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّـهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ) [ يوسف : 39 ] . ( ذَٰلِكُمُ اللَّـهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ ) [ فاطر : 13 ] . ونـحـن إذا لاحظنا الشعار الرئيسي الذي طرحته السماء بهذا الصدد : « لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ » ، نجد أنّه قد قُرن فيه بين ربط الإنسان بالمطلق الحقّ وبين رفض كلّ مطلق كاذب ومصطنع. وجاء تاريخ المسيرة الإنسانيّة في واقع الحياة على مرّ الزمن ليؤكّد الارتباط العضوي بين هذاالرفض وذلك الربط والشدّ الوثيق الواعي إلـى اللّه تعالى ، فبقدر ما يبتعد الإنسان عن « الإله الحقّ » ينغمس في متاهات « الآلهة » و « الأرباب المتفرّقين ». فالرفض والإثبات المندمجان في « لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ » هما وجهان لحقيقة واحدة ، وهي حقيقة لا تستغني عنها المسيرة الإنسانيّة على مدى خطّها الطويل ، لأنّها الحقيقة الجديرة بأن تُنقِذ المسيرة من « الضياع » وتساعد على تفجير كلّ طاقاتها المُبدِعة وتحرّرها من كلّ « مطلق » كاذب معيق. والإنسان وُلِد مشدوداً بطبيعته إلى المطلق ، لأنّ علاقته بالمطلق أحد مقوّمات نجاحه وتغلّبه على مشاكله ولا توجد تجربة أشمل وأوسـع مـن تـجربة « الإيمان » في حياة الإنسان ، فإنّ « الإيمان » كان ظاهرة ملازمة للإنسان منذ أبعد العصور وفي كلّ مراحل التاريخ ، وهذا التلازم الاجتماعي المستمرّ بين « الإنسان » و « الإيمان » يبرهن ـ تجريبيّاً ـ على أنّ النزوع إلى « المطلق » والتطلّع إليه اتّجاه أصيل في الإنسان مهما اختلفت أشكال هذا النزوع ، وتنوّعت طرائقه ودرجات وعيه. إذن فالإيمان باللّه تعالى والشعور العميق بالتطلّع نحو الغيب والانشداد إلى المطلق ، غريزة متجذّرة في الإنسان وضرورة ثابتة وحاجة مستمرّة في مسيرته ، إذ لا مسيرة بدون « مطلق » تنشدّ المسيرة إليه وتستمدّ منه مُثُلها ولا « مطلق » يستطيع أن يستوعب المسيرة على امتدادها الطويل ، سوى « المطلق الحقّ » تبارك وتعالى وما سواه من مطلقات مصطنعة يشكّل حتماً بصورة وأُخرى عائقاً عن نموّ المسيرة. فالارتباط بالمطلق الحقّ حاجة ثابتة ورفض غيره من المطلقات المصطنعة حاجة ثابتة أيضاً. ولا ارتباط بالمطلق الحقّ بدون تعبير عملي عن هذا الارتباط يؤكّده ويرسخه باستمرار ، وهذا التعبير العملي هو التديّن. هذه جهة من جهات حاجة الإنسان والمجتمع إلى التديّن وحاجة من حاجات الإنسان الثابتة دائماً ، والتي لا يُشبعها سوى « الدين ». كانت هذه هي الحاجة الأولى من الحاجتين الأساسيتين للإنسان اللتين وعدنا بالتركيز عليهما وهي حاجة الإنسان إلى الارتباط بالمطلق وعلاقته بربّه المطلق الحقّ ، وقد رأينا أنّ الإنسان لا يستغني أبداً مهما تطوّرت حياته المادّية عن هذا الارتباط وهذه العلاقة ، ورأينا أنّ الدين والتديّن هو الذي يكرّس هذه العلاقة ، ولا طريق آخر لإشباع هذه الحاجة الإنسانيّة الدائمة. الثانية : حاجة الإنسان إلى الإحساس والشعور الداخلي بالمسؤوليّة تجاه التزاماته الاجتماعيّة. فنحن إذا لاحظنا الإنسانيّة في أيّ فترة ٍمن تاريخها نجد أنّها تتّبع نظاماً معيّناً في حياتها وطريقة محدّدة في توزيع « الحقوق » و « الواجبات » بين الناس ، ونجد أيضاً أنّه بقدر ما يتوّفر لدى الإنسانيّة من « ضمانات » لالتزام الناس بذاك النظام ، وتطبيقه في حياته تكون الإنسانيّة أقرب إلى الاستقرار وتحقيق الأهداف العامّة المتوخّاة من ذلك النظام. فكلّ نظام اجتماعي فاقدٍ لـ « ضمان التنفيذ » محكوم عليه بالفشل مُسبقَاً مهما أُوتي من عناصرة القوّة. هذه حقيقة تصدق على المستقبل والماضي على السواء ، ولا يختلف فيها إنسان عصر الفضاء والذرّة عن إنسان عصر الآلة اليدويّة ، لأنّها من الحقائق الثابتة في مسيرة الإنسان على المدى الطويل. و « ضمان التنفيذ » على قسمين : فهناك ضمانات موضوعيّة كالعقوبات التي توضع تأديباً للفرد الذي يتجاوز حدوده وهناك ضمان ذاتي نابع من ذات الإنسان وداخله ، وهو الإحساس والشعور الداخلي بالمسؤوليّة تجاه التزاماته الاجتماعيّة ، وما يُفرض عليه من « واجبات » وما يحدّد له من « حقوق ». والقسم الأوّل ـ أيّ الضمان الموضوعي ـ وإن كان له دور كبير في السيطرة على سلوك الأفراد وضبطه ، حيث إنّه لا شكّ في أنّ العقوبات التي توضع لتأديب الأفراد المتجاوزين عن حدودهم ، والمتخلّفين عن تطبيق النظام لها الأثر الواضح في الحدّ من التجاوزات والتخلّفات. إلّا أن هذا القسم من الضمان لا يكفي وحده في كثير من الأحيان ما لم ينضمّ إليه القسم الثاني ، وهو الضمان الذاتي الذي ينبثق من الشعور الداخلي لكلّ فرد بالمسؤولية ، لأنّ الرقابة الخارجية على الفرد ـ المتمثّلة في قوى الأمن والجيش والبوليس والقضاء والعقوبات من السجن وغيره ـ مهما كانت دقيقة وشاملة لا يمكن عادةً أن تضمن الإحاطة بكلّ الأمور التي تقع في المجتمع واستيعاب كلّ الوقائع التي تحدث من قبل الأفراد ، فما لم يشعر كلّ فرد من داخله بالمسؤولية تجاه واجباته والتزاماته ، وتجاه حقوقه وحقوق الآخرين لا يتحقّق الاستقرار التامّ والأمن الكامل في المجتمع ، هذا واضح جدّاً ، ولا يمكن إنكاره وتجاوزه. وهذا الشعور الداخلي بالمسؤوليّة لا يتحقّق ـ من الناحية العمليّة الحيّة ـ في حياة الإنسان ما لم يكن الإنسان مؤمناً برقابة لا يعزب عن علمها مثقال ذرّة في السماوت ولا في الأرض ، وهذه الرقابة الشاملة إنّما تتواجد في حياة الإنسان نتيجةً لارتباطه بـ « المطلق الحقّ العليم القدير الذي أحاط علمه بكلّ شيء » ، فإنّ هذا الارتباط بنفسه يوفّر للإنسان هذه الرقابة ويهيّء بذلك إمكانيّة نشوء الشعور الداخلي بالمسوؤليّة. وإذا نشأ هذا الشعور الداخلي بالمسؤوليّة في كيان كلّ فرد ونما واعتاد الفرد على التصرّف بموجبه ، كان هذا الفرد هو المواطن الصالح في المجتمع وهو الإنسان الذي لا يتخلّف عن أداء حقوق الآخرين المشروعة ، ولا يتجاوز حدوده ولا يتعدّي على أحد ، لا بسبب خوفه من ردّ الفعل الاجتماعي على هذا التخلّف والتجاوز والتعدّي بل بسبب الخوف من الله العليم القدير الذي يعلم كلّ شيء ويقدر على كلّ شيء ، وهذا هو الأساس المتين والصحيح للمواطنة الصالحة. فلا يكفي ـ لكي يكون الفرد مواطناً صالحاً ـ أن لا يتخلّف خوفاً من ردّ الفعل الاجتماعي على تخلّفه بل إنّما تتحقّق المواطنة الصالحة بأن لا يتخلّف الإنسان عن أداء حقوق الآخرين بدافعٍ من الإحساس والشعور الداخلي بالمسؤوليّة ، وذلك لأنّ الخوف من ردّ الفعل الاجتماعي على التخلّف لو كان وحده هو الأساس لالتزامات المواطنة الصالحة في المجتمع الصالح لأمكن التهرّب من الواجبات في حالات كثيرة حينما يكون بإمكان الفرد أن يُخفي تخلّفه أو يفسّره تفسيراً كاذباً لا يطابق الواقع أو يحمي نفسه من ردّ الفعل الاجتماعي بشكل وآخر فلا يوجد في هذه الحالات ضمان سوى الشعور الداخلي بالمسؤوليّة. ولعلّ هذا هو أحد أسرار تشريع العبادات في الشريعة حيث إنّ العبادة واجب غيبيّ بمعنى أنّ ضبطها بالمراقبة من خارج أمر مـسـتحيل فلا يمكن أن تنجح أيّ إجراءات خارجية لغرض الإتيان بها ، لأنّها متقوّمة بالقصد النفسي والربط الروحي للعمل باللّه تعالى ، وهذا أمر لا يدخل في حساب الرقابة الموضوعيّة من خارج ولا يمكن لأيّ إجراء قانوني أن يكفّل تحقيقه ، وإنّما الرقابة الوحيدة الممكنة في هذا المجال هي الرقابة الناتجة عن الارتباط بالمطلق الغيب الذي لا يعزب عن علمه شيء ، والضمان الوحيد الممكن هنا هو الشعور الداخلي بالمسؤوليّة. وهذا يعني أنّ الإنسان الذي يمارس العبادة يباشر واجباً يـخـتلف عن أيّ واجب أو مشروع اجتماعي آخر ، فحين يقترض مالاً من شخص ويوفّي دينه أو حين يعقد صفقة تجاريّة وينفّذ شروطها وحين يستعير مالاً من غيره ثمّ يعيده إليه ، يباشر بذلك واجباً يدخل في نطاق الرقابة الاجتماعيّة رصده أيّ يمكن للمراقبة الخارجيّة أن ترصد هذا الواجب وتضمن حصوله وتحقّقه. وبهذا قد يتخّذ الفرد القرار بالقيام بهذا الواجب خوفاً من المراقبة الخارجيّة وتحسّباً لردّ الفعل الاجتماعي على التخلّف عن أداءه. وأمّا الواجب العبادي الغيبي الذي لا يعلم مدى مدلوله النفسي إلّا اللّه تبارك وتعالى فهو واجب لا يمكن للمراقبة الخارجية رصده ، ولذا فهو لا يصدر من الفرد إلّا نتيجةً للشعور الداخلي بالمسؤوليّة ، وخوفاً من الله تعالى. والحاصل أنّ الشعور الداخلي بالمسؤوليّة يترسّخ من خلال الممارسات العباديّة ويألف الإنسان العمل على أساس هذا الشعور ويكون الشعور ضماناً قوًياً لالتزام الفرد بما عليه من واجبات. هذا هو في الواقع نبذة من أسرار « الدين » وحاجة الفرد والمجتمع إلى التديّن ، وقد يتاح لنا في فرصة أُخرى الكلام عن أسراره الاخرى. والسّلام عليكم.
الجواب من السيّد علي الحائري: إنّ الشريعة لم تسمح للمكلّف بأن يقلّد في العقائد الدينيّة الأساسيّة ، وذلك لأنّ المطلوب شرعاً في أصول الدين هو أن يحصل للإنسان العلم واليقين بربّه ونبيّه ومعاده ودينه وإمامه ، فلابدّ لكلّ إنسان من أن يتحمّل بنفسه مسؤوليّة عقائده الدينيّة الأساسيّة بدلاً من أن يقلّد فيها ، ويحمّل غيره مسؤليّتها. وقد عنّف القرآن الكريم ـ بأشكال مختلفة ـ أولئك الذين يبنون عقائدهم الدينيّة ومواقفهم الأساسيّة من الدين ـ سواء في القبول أو الرفض ـ على التقليد للآخرين بدافع الحرص على طريقة الآباء مثلاً ، ووراثتها منهم والتعصّب لهم أو بدافع الكسل عن البحث والهروب من تحمّل المسؤوليّة. وليس تحصيل العلم واليقين بأصول الدين أمراً صعباً ، لأنّ هذه الأصول محدودة عدداً أوّلاً ، وليست كثيرة ومنسجمة مع فطرة الناس ثانياً بحيث يكون تحصيل العلم واليقين بها أمراً ميسوراً غالباً ، وهي من ناحية ثالثة ذات أهمّية قصوى في حياة الإنسان. فلذا كان من الطبيعي أن تكلّف الشريعة كلّ إنسان ببذل الجهد مباشرة في البحث عن هذه الأصول واكتشاف حقائقها ، وحتّى لو كان تحصيل العلم واليقين بأصول الدين صعباً على الإنسان ، فإنّه مع ذلك يجب عليه بذل الجهد لتذليل الصعوبة مهما كانت حتّى لو استغرق ذلك شطراً من عمره ، لأنّ عقيدة الإنسان هي أهمّ ما في « الإنسان » ، وليكن على ثقة بأنّه لو بذل جهده في هذا الطريق فسوف يفتح الله تعالى عينه على الحقيقة ويهديه إليها ، قال تعالى : ( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ) [ العنكبوت : 69 ] . ولا ننسى بهذا الصدد نقطة أُخرى وهي عبارة عن اختلاف مستويات الناس الفكريّة والثقافيّة ، فالإنسان الأمّي الجاهل يختلف في مستواه الفكري والثقافي عن الإنسان العالم ، ولذا فلا يجب على كلّ إنسان سوى النظر والبحث في أصول الدين بالقدر الذي يتناسب مع مستواه ويصل به إلى قناعة كاملة بالحقيقة تطمئن بها نفسه ويعمر بها قلبه ويتحمّل مسؤوليّتها المباشرة أمام ربّه. هذا هو الطريق للتعقّل والتدبّر في الدين وعدم التقليد في أصوله ، وهو أن تبذل جهدك في البحث عنها إلى أن يحصل لك اليقين بها ، ويزول عن نفسك كلّ شك وريب.
الجواب من السيّد علي الحائري: إنّ هذا التقسيم عقائدي قبل أن يكون فقهيّاً وهو تقسيم منبثق من صميم القرآن ، فإذا كان « الدين » هو الأصل والقاعدة وكانت « العقيدة » هي الركيزة الأساسيّة في كيان الإنسان ، وأهمّ عنصر من العناصر التي تتركّب منها شخصيّته. إذن فمن الطبيعي أن يكون « الإسلام » هو الحدّ الفاصل بين إنسان وإنسان ، لأنّ « الدين » عند الله تعالى ليس سوى « الإسلام ». قال الله تعالى : ( إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّـهِ الْإِسْلَامُ ) [ آل عمران : 19 ] . وقال تعالى أيضاً : ( وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) [ آل عمران : 85 ] . وكلمة « الإسلام » في الأصل وإن كانت تعني « التسليم » ، إلّا أنّ التسليم لله تعالى بعد أن بعث الرسول الأعظم محمّد بن عبد الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لا يعني إلّا الإيمان بهذه الشريعة فقط دون غيرها من الشرائع السابقة ـ كاليهوديّة والنصرانيّة ـ. فالبشريّة جمعاء مدعوّة ـ منذ بعثة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى يوم القيامة ـ إلى الإيمان بالدين الذي جاء به هذا النبيّ وإلى اتّباعه في حلاله وحرامه. أمّا الإيمان بالأديان الأُخرى السابقة على بعثته صلّى الله عليه وآله وسلّم فليس تسليماً وانقياداً لله تعالى. إذن تقسيم العالم إلى « دار الكفر » و « دار الإسلام » تقسيم مبدئي ثابت قديماً وحديثاً وليس أمراً فقهيّاً فرعيّاً ثانويّاً قابلاً للنقاش كي يصحّ لنا السؤال عن أنّه هل تجاوز الواقع المعاصر هذا التصوّر ، وهذا التقسيم ؟ إنّ الواقع المعاصر لا يمكنه أن يتجاوز هذا التصوّر إلّا إذا تخلّى عن عقيدته ودينه واعترف بالتنوّع والتعدّد الديني ، ورأى أنّ كلّ الأديان السماويّة مقبولة عند الله تعالى ، بينما لاحظنا أنّ القرآن الكريم ينصّ على أنّ غير الإسلام ليس مقبولاً عند الله تعالى ، والله العالم.
الجواب من السيّد علي الحائري: نستميحكم العُذر سلفاً لنصحّح المقطع من سؤالكم : « ما هي أسس العلاقة بين المسلمين وإخوانهم في الإنسانيّة ؟ ». إنّ هذا التعبير يشمل على فكرة خاطئة وهي عبارة عن تصوّر أنّ غير المسلمين هم « إخوة » للمسلمين ، بينما الواقع ليس كذلك ، فنحن إنّما نعتبر الآخرين إخوةً لنا فيما إذا اعتبرهم الله تعالى إخوةً لنا ، ومن الواضح أنّ الله تعالى لم يعتبر غير المسلم أخاً للمسلم ولم يعترف بأيّ أُخوة بين المسلم وغير المسلم ، وإنّما الأُخوة المعترف بها رسميّاً من قبل الله تعالى في القرآن والسنّة مختصّة بالمؤمنين. قال الله تعالى : ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ) [ الحجرات : 10 ] . ولم يقل : إنّما الناس إخوة !!! نعم غير المسلم نظير المسلم في الخلق ، أيّ يشبهه في كونه إنساناً كما جاء التعبير بذلك في عهد الإمام أمير المؤمنين عليّ عليه الصلاة والسلام إلى واليه على مصر مالك الأشتر رضوان الله عليه : « الناس صنفان إمّا أخ لك في الدين ، أو نظير لك في الخلق » . وعلى هذا الضوء فالصيغة الصحيحة للسؤال هي : « ما هي أسس العلاقة بين المسلمين وبين سائر الناس ؟ ». ونحن قد سبق أن أجبنا على هذا السؤال في بعض الأسئلة الموجّهة إلينا ، فلا نطيل المقام بإعادة ذلك ، وعليه يمكنكم مراجعة الجواب المذكور في هذا الموقع ، وشكراً.
الجواب من السيّد علي الحائري: المحنة في الدنيا ابتلاء ، وفي الآخرة عقوبة. أمّا أنّها في الدنيا ابتلاء ، فلأنّ الدنيا ليست دار الجزاء أساساً ، ولم تُصمّم بالشكل الذي يؤهّلها لكي تكون محلّاً مناسباً لمنح المثوبات والعقوبات ، وإعطاء كلّ شخص جزاءه المناسب له ، بل هي دار الابتلاء والامتحان والعمل والزرع ، أمّا الحصاد ففي الآخرة. طبعاً هذه المحنة التي يواجهها الإنسان في الدنيا من دون أن يكون السبب في إيجادها. أمّا المحنة الناتجة من العمل الذي قام به الإنسان فهي أثر عمله شاء أم أبى ، فإنّ الدنيا يسوده نظام العلّية وهي دار الأسباب والمسبّبات ، فلكلّ عمل نتيجته طبيعيّة وحتميّة ، فإذا كانت المحنة نتيجته طبيعية لعمل الإنسان فهي لا امتحان وابتلاء إلهي ولا عقوبة إلهيّة. وأمّا أنّ المحنة في الآخرة عقوبة ، فلأنّ الآخرة هي دار الجزاء أساساً وليست دار العمل والابتلاء ، فكلّ محنة يواجهها الإنسان هناك هي في الواقع لون من ألوان العقوبة الإلهيّة ، والله العالم.
الجواب من السيّد علي الحائري: سبق أن تحدّثنا شيئاً ما ـ في الجواب على بعض الأسئلة الموجّهة إلينا ـ عن الحبّ من وجهة نظر الإسلام ، ونضيف هنا إلى أنّ « الحبّ في الله » هو أفضل أنواع الحبّ المرغوب فيه كما أنّ « البغض في الله » هو أفضل أنواع البغض المرغوب فيه. وعلى هذا الأساس كان « التوليّ » و « التبيريّ » من فروع الدين ، فتوليّ أولياء الله تعالى والتبريّ من أعدائه واجبان مهمّان إلى جنب الصلاة والزكاة والحجّ وغيرها ، بمعنى أن تحبّ مَن يحبّه الله تعالى وتبغض مَن يبغضه الله تعالى. أمّا حبّ أعداء الله تعالى فهو الحبّ المرفوض ، قال تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ ) [ الممتحنة : 1 ] . وقال أيضاً : ( لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ ) [ المجادلة : 22 ] . وقال تعالى : ( وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِّلَّـهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ) [ التوبة : 114 ] . إذن ليس الحبّ هو المطلوب والمرغوب فيه دائماً كما أنّ البغض ليس هو المرفوض دائماً ، ومن هنا نستنتج أنّ الإسلام قد ضبط عاطفة الحبّ هذه من خلال جعل المقياس عبارة عن رضا لله تعالى. فأقوى أنواع الحبّ ـ كحبّ النساء والبنين والمال ـ يجب أن يقاس بهذا المقياس وأن يتقيّد به ، فلا يطغى في الإنسان إلى الدرجة التي يغلب فيها الحبّ الله تعالى ورضاه : ( إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى ) [ العلق : 6 ـ 7 ] . عصمنا الله وإيّاكم منه.
الجواب من السيّد علي الحائري: لم يمنع الإسلام المرأة عن الخروج من البيت ولا عن التعلّم ولا عن المشاركة في الحياة السياسيّة أبداً. نعم على المرأة المتزوّجة أن تستأذن زوجها في الخروج من البيت ، وفلسفة ذلك واضحة ، فإنّ إدارة الحياة الزوجيّة جعلت في الإسلام بيد الزوج ، قال تعالى : ( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ ) [ النساء : 34 ] ، والسبب في ذلك هو أنّ الرجل أقوى في الإدارة من المرأة ، هذا أوّلاً. ثانياً لأنّ الرجل هو المموّل للحياة الزوجيّة ، فمن الطبيعي أن يكون المدير هو الفرد الأقوى إدارةً والمموّل الذي يُنفق ويتكفّل مصاريف الحياة الزوجيّة ، لاحظوا الآية الشريفة : ( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّـهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ) [ النساء : 34 ] . فإذا كانت الإدارة بيد الزوج ، فمن الطبيعي أن لا تخرج من البيت بدون الإذن المدير ، وأين هذا من منع الإسلام المرأة عن الخروج من البيت ؟ أمّا أنّ المشكلة أين تكمن ، فالجواب هو أنّها لا تكمن في عدم وضوح الموقف الشريعة بل تكمن في الأسباب والعوامل الأُخرى التي أشرتم في السؤال إلى بعضها ، والله العالم.