الجواب من السيّد علي الحائري: لا ، ليس الإسلام هو المسؤول عن تخلّف المسلمين بل هم المسؤولون عن ذلك : ( وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) [ النحل : 118 ] . ( إِنَّ اللَّـهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ) [ الرعد : 11 ] . ( سُنَّةَ اللَّـهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّـهِ تَبْدِيلًا ) [ الأحزاب : 62 ] . فالإسلام نظير الوصفة الطبيّة الكاملة التي يمنحها الطبيب للمريض ، فأيّ تخلّف في تطبيق هذه الوصفة بالشكل الكامل يكون المريض هو المسؤل عنه ، وتخلّف المسلمين يعود سببه إلى تخلّفهم عن تطبيق الإسلام تطبيقاً كاملاً وشاملاً لكلّ جوانب حياتهم ، فأيّ تعثّر في المجرى التكاملي للأُمّة الإسلاميّة مسبّب في الحقيقة عن تعثّر الأُمّة في التمسّك بالشريعة والالتزام التامّ بها. رزقنا الله تعالى وإيّاكم التوفيق للتمسّك بالقرآن الكريم والعترة الطاهرة.
الجواب من السيّد علي الحائري: حرّيّة الإعتقاد هي إحدى الحرّيات التي نادت بها الديمقراطيّة تحت عنوان « الحرّية الفكريّة » واحتلّت موقعاً مهمّاً الأنظمة القائمة على أساس الديمقراطيّة ، وهذه الحرّية تعني في الحضارة الغربيّة السماح لأيّ فرد في أن يفكّر كيفما شاء ويعتقد بما شاء ويُعلن عن أفكاره وإعتقاداته ويدعو إليها كما يشاء شريطة أن لا يمسّ نفس فكرة « الحرّية » والأسس التي ترتكز عليها ، ولهذا الشرط نرى أن المجتمعات الديمقراطيّة تسعى إلى مناوئة الأفكار الفاشية التي تعارض أصل « الحرّية » ومحاربتها والتحديد من حريّتها أو القضاء عليها نظراً إلى أنّ هذه الأفكار تعارض ـ بالصميم ـ القاعدة الفكريّة التي تقوم عليها فكرة الحريّة والأسس الديمقراطيّة. أمّا الإسلام فهو يختلف عن الديمقراطيّة في هذا الموقف ، وذلك بسبب إختلافه عن الديمقراطيّة في طبيعة القاعدة الفكريّة التي يتبنّاها وهي « التوحيد » ، وربط الكون كلّه بربّ واحد ، فهو يسمح للفكر الإنساني بالإنطلاق والإعلان عن نفسه ما لم يتمرّد على هذه القاعدة الفكريّة ، لأنّها الأساس الحقيقي في رأي الإسلام لتوفير الحرّية للإنسان ومنحه شخصيّته الحرّة الكريمة التي لا تذوب أمام الشهوات ولا تركع بين يدي الأصنام. إذن فكلّ من الحضارة الغربيّة والإسلام يسمح بالحرّية الفكريّة بدرجة معيّنة ، فالديمقراطية تسمح بأيّ فكر ما لم يكن فكراً فاشياً وكتاتورياً ، والإسلام يسمح لأيّ فكر ما لم يكن فكراً إلحادياً. ويسيء البعض فهم القرآن الكريم في هذه الآية : ( لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ) [ البقرة : 256 ] . فيظنّ أنّ الإسلام قد كفّل للإنسان حريّة « التديّن » و « عدم التديّن » حيث منع في هذه الآية من الإكراه على الدين والتديّن ، وهذا يعني أنّه أقرّ الحرّية الدينيّة أخذاً بمبدأ الحرّية الشخصيّة الذي تؤمن به الحضارات الحديثة ، فإنّ الحرّية الدينيّة في الحقيقة تعبّر في جانبها العقائدي عن « الحرّية الفكريّة » ، وتعبّر في جانبها العملي الذي يتّصل بالشعائر والسلوك عن « الحرّية الشخصيّة ». هذا ما قد يفهم البعض من الآية الشريفة إلّا أنّ هذا الفهم خاطئ مائة بالمائة ، لأنّ الإسلام الذي جاء لتحرير الإنسان من عبوديّة الأصنام على أساس « التوحيد » لا يمكن أن يأذن للإنسان بالتنازل عن أساس حرّيته ، والانغماس في عبوديات الأرض وأصنامها كما أنّ الإسلام لا يعتبر « التوحيد » أمراً يرتبط بالسلوك الشخصي الخاصّ للإنسان كما تراه الحضارات الغربيّة ، بل يعتبر الإسلام « التوحيد » هي القاعدة الأساسيّة لكيانه الحضاري كلّه ، فكما لا يمكن للديمقراطيّة الغربيّة مهما آمنت بالحرّية الشخصيّة أن تسمح للأفراد بمعارضة فكرة « الحرّية » نفسها من خلال تبنّي أفكار فاشية و دكتاتوريّة ، كذلك لا يمكن للإسلام أن يقرّ أيّ تمرّد على قاعدته الرئيسيّة « التوحيد » من خلال السماح للإنسان بعدم التديّن وعدم الإيمان بالله وباليوم الآخرة ، وإنّما يهدف القرآن الكريم في هذه الآية الشريفة إلى نفي الإكراه في الدين نظراً إلى عدم الحاجة إلى الإكراه مادام قد تبيّن الرشد من الغيّ وتميّز الحقّ عن الضلال ، فلا حاجة إلى إكراهٍ مادام المنار واضحاً والحجّة قائمة والفرق بين الظلام والنور لائحاً لكلّ إنسان يريد لنور حقّاً. بل نقول أكثر من ذلك نقول : لا يمكن الإكراه على « الدين » ، لأنّ « الدين » ليس عبارة عن كلمات تردّدها الشفاه ، ولا هو عبارة عن طقوس تقليديّة تؤدّيها العضلات كي يكون أمراً قابلاً للإكراه وإنّما هو عقيدة وكيان ومنهج في التفكير ، وهذا أمر لا يقبل الإكراه بتاتاً ، أيّ أنّ من المستحيل أن يحصل للإنسان الإيمان بشيء يكرهه ، ولا يرضى به ، والمطلوب شرعاً في أصول الدين هو الإيمان بهذه الأصول. وكلمة « الإيمان » تعني بحسب مدلولها العرفي مجموع أمرين : أحدهما : الخضوع فكريّاً تجاه حقيقة من الحقائق بمعنى أن يخضع فكر الإنسان وعقله لتلك الحقيقة ، وهذا يتمثّل في حصول القطع واليقين للإنسان بتلك الحقيقى ، وهذا اليقين إنّما يحصل للإنسان عن طريق الإستدلال المنطقي والبرهنة على تلك الحقيقة ، فإنّ الفكر والعقل والإدراك إنّما يستسلم للدليل والبرهان ولا يستسلم للقوّة والإكراه. وثانيهما : الخضوع قلبيّاً أمام تلك الحقيقة بمعنى أن يستسلم قلبه لها ، وهذا يتمثّل في عدم الإنكار وعدم الجحود بتلك الحقيقة وعدم العناد لها ، فليس كلّ مَن كان على علم ويقين بحقيقة من الحقائق يُعتبر مؤمناً بها ، ما لم تستسلم روحه ، ويخضع قلبه لها ولا يجحدها ، فكم تحدّث القرآن الكريم عن الذين جحدوا بالحقيقة رغم كونهم على يقين بها : ( وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ) [ النمل : 14 ] . فقد يكفر القلب رغم أن العقل والفكر مستسلم. وأمامنا « الشيطان » ، فإنّ قصّته كما جاءت في القرآن الكريم مَثَل واضح لكفر القلب رغم استسلام الفكر ، لأنّ الشيطان كان على علم ويقين بأصول الدين فهو من الناحية الفكريّة كان خاضعاً للتوحيد ، لأنّه الذي قال : ( خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ) [ ص : 76 ] ، فهو يعلم بوجود الصانع والخالق. وكان أيضاً خاضعاً ـ فكرياً ـ للمعاد ، لأنّه الذي قال : ( أَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) [ ص : 79 ] . وكان أيضاً على يقين بالنبوّة والأنبياء والأوصياء وعصمتهم لقوله : ( فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ) [ ص : 82 ـ 83 ] . حيث استثنى المعصومين وهم الأنبياء والأئمّة عليهم السلام عن دائرة عمله وإغوائه. إذن فالأمر الأوّل : ـ وهو الخضوع الفكري ـ كان حاصلاً للشيطان تجاه أصول الدين ، لكن بالرغم من ذلك لم يُعدّ ضمن « المؤمنين » بل اعتبره القرآن الكريم من « الكافرين » حيث قال تعالى : ( وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ) [ البقرة : 34 ] . من هنا نعلم أنّ استسلام الفكر والإدراك وحده للحقيقة لا يكفي في صيرورة الإنسان مؤمناً بتلك الحقيقة بل لابدّ من استسلام الروح والقلب لها أيضاً ، فلا يقوم قلبه بمحاربة فكره وإدراكه ولا يجحد ولا يعاند ، وهذا هو الذي فقده الشيطان فكان من الكافرين. إذن الإيمان يستبطن مجموع عنصرين : اليقين ، وعقد القلب. وبالرغم من أنّ العنصرالأوّل ليس مقدوراً واختياريّاً للإنسان بصورة مباشرة ، أيّ أنّ حصول العلم واليقين للإنسان بحقيقة من الحقائق أمر ليس بيد الإنسان فقد تحصل القناعة الكاملة له بالحقيقة ، وقد لا تحصل نتيجة وجود بعض الشبهات العالقة بذهنه إلّا أنّه مع ذلك أمر مقدور له بصورة غير مباشرة ، وذلك عن طريق قيام الإنسان بالفحص الكامل عن الحقيقة والتفكير الجادّ وبذل الجهد في سبيل الوصول إلى القناعة الكاملة بها وإزاحة الشبهات عن وجهها ، ولذا كان تكليف الشريعة الإنسان بتحصيل العلم واليقين والقناعة الكاملة بأصول الدين تكليفاً معقولاً ومنطقيّاً وطبيعيّاً ، لأنّ الطريق مفتوح للإنسان أمام تحصيل اليقين بهذه الأصول ، وذلك من خلال الفحص والبحث والسؤال وبذل الجهد حتّى وإن واجه الإنسان صعوبات في هذا الطريق ، فإنّ عليه تذليل الصعوبات في هذا المجال ، لأنّ أصول الدين تشكّل « العقيدة الأساسيّة » للإنسان و « العقيدة هي » أهمّ ما في الإنسان من خصائص ، والإنسان جدير بأن يجاهد في سبيل تحصيل أهمّ خصيصة من خصائصه ، وقد وعد الله تعالى كلّ مَن جاهد في سبيله بأن يهديه السبيل : ( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ) [ العنكبوت : 69 ] . إذن المعرفة بأصول الدين والإعتقاد واليقين بها أمر يمكن حصوله ويحصل عادةً من خلال التفكير والبحث والفحص والإستدلال فيما إذا اتّصف الإنسان بالموضوعيّة في التفكير والإنصاف في البحث. وقد تتّفق للإنسان حالة نادرة فلا يصل إلى القناعة كاملة بالحقيقة ، وبالتالي لا يحصل له الإيمان بأصول الدين أو ببعضها بالرغم من بذل الجهد الكافي في هذا المضمار ، وحينئذٍ فلا شكّ في أنّ مثل هذا الشخص معذور عند الله تعالى عقلاً وشرعاً. وأمّا عقلاً ، فلأنّه لم يألُ جهداً في سبيل الحصول على القناعة الكاملة حسب الفرض ، فقد بذل غاية جهده وقصارى ما يمكنه بهذا الصدد ، فبَحَثَ وسَألَ وفَحَصَ وناقش لكنّه لم ينته إلى التصديق الجازم ، والإيمان بأصول الدين نتيجة وجود بعض الشبهات التي لم يجد ـ حقّاً وواقعاً ـ إلى حلّها سبيلاً ، فالعقل والوجدان يعذره ويحكم ببرائته ولا يدينه. وأمّا شرعاً ، فلقوله تعالى : ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ) [ الإسراء : 15 ] . والعقل رسول باطني كما أنّ الرسول عقل ظاهري ، فإذا لم يهتد بعقله وإدراكه إلى الحقيقة يكون كمن لم يُبعث إليه رسل فلا يدان. إلّا أن هذا لا يعني ـ طبعاً ـ أنّه يُعتبر مسلماً له ما للمسلمين ما لم يُظهر الإسلام ، ويكفّ بتاتاً عن الإعلان عن أفكاره وعقائده المضادّة للدين يضمرها في نفسه ، فإذا التزم بالكفّ عن نشر شبهاته وبثّها في المجتمع فهو ، أمّا إذا لم يلتزم بذلك وأعلن في المجتمع عن جحوده وإنكاره لحقيقة أساسيّة من حقائق الدين وأصل من أصوله فحينذاك قد ترى الدولة الإسلاميّة والحاكم الإسلامي أن تتّخذ إجراءً عنيفاً بشأنه وتعاقبه بما تراه ، وذلك حذراً من قيامه بإضلال الآخرين ، لأنّه حينئذٍ كالغُدّة السرطانيّة في جسم المجتمع لابدّ من محاربتها أو اجتثاثها كي تعود الصحّة والعافية إلى جسم المجتمع. وهذا الإجراء من قِبَل الدولة والحاكم الإسلامي وهو اتّخاذ العنف بشأن هذا الشخص في مثل هذه الحالة لا يتنافى مع ما قلناه من أنّ الشخص معذور عند الله تعالى في عدم إيمانه ، لأنّ هذا الإجراء لم يكن نتيجة عدم إيمانه بل كان نتيجة ما قام به عملاً في المجتمع الإسلامي من الإضلال وبثّ السّموم. وعلى كلّ حال فالعقيدة لها مسارها الطبيعي إلى النفس ولا يمكن إكراه الإنسان على أن يعتقد واقعاً بحقيقة من الحقائق ، فقد لاحظنا أنّ للإعتقاد والإيمان عنصرين : اليقين وعقد القلب ، ومن الواضح أنّ كلا العنصرين يستحيل أن يحصل عن طريق الإجبار والإكراه. ومن هنا نرى أنّ الإسلام لم يُجبر الناس الذين انضووا تحت حكمه على اعتناق هذا الدين بالقوّة ، وإن كان يفتح لهم طريق الاعتقاد به من خلال تحبيذ العقائد لهم ووعدهم بالجزاء الأُخروي وتحذيرهم من العقاب بعد أن يؤكّد لهم صلاحيّته كدين وشريعة للحياة ويعرض عليهم قوانينه وتشريعاته الموافقة للفطرة الإنسانيّة بصورة تامّة. وقد سلك الإسلام بالفعل هذا السلوك مع الكفّار من أهل الكتاب فلم يكرههم على الإسلام بل سمح لهم بالتعايش في كنف الدولة الإسلاميّة وممارسة الطقوس العباديّة الخاصّة بهم ضمن شروط معيّنة وبإزاء دفع « الجزية » للدولة الإسلاميّة وفقاً لما تحدّده ، واكتفى منهم بحدٍّ عقائديٍ أدنى وهو الإيمان بالله واليوم الآخر ، والإنصياع لتعاليم دين سماوي. قال تعالى في القرآن الكريم : ( قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّـهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ) [ التوبة : 29 ] . وعلى هذا الأساس ارتفع الشعار القرآني : ( لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ) [ البقرة : 256 ] . وقال تعالى : ( وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ) [ يونس : 99 ] . إذن بالنسبة إلى أهل الكتاب لا يوجد أيّ إكراه ٍ على إعتناق « الإسلام ». وأمّا الإجراء الذي يتّخذه الإسلام بشأن الكفّار من المشركين حيث لا يقبل منهم سوى « الإسلام » ، فهو أيضاً ليس « إكراهاً في الدين » بالمعنى الحقيقي للكلمة ، فإنّ الإكراه في العقيدة أمر غير ممكن كما قلناه ويستحيل حصول الإيمان من خلال الإكراه : ( أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ) [ يونس : 99 ] . والمستحيل مستحيل بلا إستثناء ، فموقف الإسلام من المشركين لا يختلف ـ من هذه الناحية ، أيّ : من ناحية عدم الإكراه على العقيدة ـ عن موقفه أهل الكتاب فهو لا يكره أيّاً منهما على إعتناق الإسلام والإعتقاد والإيمان به ، وإنّما يكتفي الإسلام من المشركين بإظهار الإسلام من خلال النطق بالشهادتين ـ الشهادة لله تعالى بالتوحيد ، وللنبيّ الأعظم محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم بالرسالة ـ. فكلّ إنسان يُعلن هادتين الشهادتين ويقول : « أشهد أن لا إلّا الله ، وأنّ محمّداً رسول الله » ، فهو مسلم عمليّاً ويدخل في زمرة المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم ، حتّى وإن كان هذا النطق بالشهادتين والإعلان عنهما مجرّد تظاهر لا واقع له ، فنحن حتّى لو علمنا بأنّ هذا الإنسان الذي يتلفّظ بالشهادتين لا يؤمن قلباً بمدلول الشهادتين ومعناهما ولا يعتقد واقعاً بالتوحيد والرسالة ، فإنّه مع ذلك يُعتبر مسلماً من الناحية العمليّة وعلينا أن نتعامل معه كما نتعامل مع أيّ مسلم آخر وتُطبّق عليه كلّ أحكام المسلم ما دام هو نفسه قد أعلن الشهادتين ، ولم يعلن بعد ذلك تكذيبه للشهادتين ولم يعلن أيضاً اعتقادات دينيّة أُخرى تتعارض مع هادتين الشهادتين بصورة صريحة لا تقبل التأويل. أمّا إذا أعلن بعد الإقرار بالشهادتين تكذيبه لهما أو أعلن اعتقاده بعقائد دينيّة أُخرى تتعارض بصورة صريحة مع الإسلام أو الشهادتين فهو كافر ، وتُطبّق عليه أحكام الكفّار. ومن هنا نرى أنّ كلّ مَن ينسب نفسه إلى الإسلام ، ولكنّه في نفس الوقت يُعلن اعتقاده بعقائد تنافي الإسلام يُعتبر كافراً. ومن نماذج هذا القسم « الغُلاة » و « النواصب » ، فإنّ هؤلاء وإن نسبوا أنفسهم إلى الإسلام وتشهّدوا الشهادتين وأقرّوا بهما ولم يعلنوا تكذيبهم لهما ، لكنّهم مع ذلك كفّار من الناحية الفقهيّة ولا تُطبّق عليهم أحكام المسلم . فهم وإن انتحلوا الإسلام لكنّهم محكومون بالكفر ، لأنّ « الغُلاة » هم الذين يُغالون في بعض الأنبياء أو الأئمّة من أهل البيت عليهم السلام ، فيرفعونهم إلى درجة الأُلوهيّة ـ ممّا يتعارض ويتنافى مع الشهادة الأولى ـ « لا إله إلّا الله » ـ أو يرفعونهم إلى درجة الرسالة ـ ممّا يتعارض ويتنافى مع الشهادة الثانية ـ ، و « النواصب » هم الذين ينصبون العداء ويُظهرون البُغض لأهل البيت عليهم السلام الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً ممّا يتعارض مع شرط الإسلام ، فإنّ شرط الإقرار بالرسالة دفع أجر الرسالة ، ومودّة ذوي القربى « أهل البيت عليهم السلام » هي أجر الرسالة : ( قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ) [ الشورى : 23 ] ، وهذا ممّا اتّفق عليه المسلمون سنّةً وشيعةً وطفحت به نصوصهم وأحاديثهم كما لا يخفى على المتتبّع. وعلى كلّ حال فلنعُد إلى ما كنّا بصدده وهو أنّ موقف الإسلام من المشركين أيضاً ليس إكراهاً على الدين والعقيدة وإنّما موقفه منهم هو أنّه لا يقبل منهم سوى الاعتراف بالإسلام حتّى وإن كان صورياً ومجرّد تظاهر لا واقع له. وقد تسأل عن فائدة هذا الإجراء الذي يتّخذه الإسلام بشأن الكافر فيكتفي منه بهذا الإعتراف حتّى وإن كان صورياً بالرغم من أنّ هذا ليس هو « الدين » واقعاً. والجواب على هذا السؤال هو : أنّ هذا الاعتراف حتّى وإن كان صورياً وظاهرياً سوف يجمّد كلّ نشاط ضدّ الدين في المجتمع ، فإنّ هذا الإنسان الذي تظاهر بالإسلام سوف لن يتمكّن بعد ذلك من القيام بأيّ نشاط ضدّ الدين ، ولن يستطيع أن يمارس أيّ دعوة نحو ما يضمره من الكفر والشرك في المجتمع الإسلامي ، إذ لو قام بذلك لأصبح مرتدّاً تطبّق عليه أحكام « المرتدّ » التي من جملتها الإعدام ضمن شروط معيّنة فقهيّاً. إذن سوف يبقى شركه وكفره مقتصراً على نفسه وفي نطاق إدراكه وقلبه وضميره فقط ، دون أن ينعكس في المجتمع على نشاطاته ، وهذا المقدار يكفي للإسلام رادعاً له عن قتله مادام لا يشكّل وجوده على المجتمع الإسلامي. يبقى علينا أن نتساءل عن سرّ الفارق بين موقف الإسلام من المشركين وبين موقفه من أهل الكتاب ، حيث اكتفى من هؤلاء بالجزية وبقاءهم على دينهم وعقائدهم ، بينما لم يقبل من المشركين إلّا الاعتراف بالإسلام ، فما هو الفرق ؟ الجواب أنّ « الشرك » و « الإلحاد » بطبيعته لا يلتقي بالإسلام في أيّ وادٍ وطريق ، لأنّ الإختلاف بينهما ليس في تفاصيل العقيدة وفروعها وفي النظام الذي يسود ويحكم ، بل الاختلاف بينهما إنّما هو في أساس العقيدة في التوحيد والإيمان بالله تعالى في تحطيم مبدأ « الصنميّة » و « الإلحاد » بأيّ شكل كان ، فالشرك من وجهة نظر الإسلام إنحراف عن الفطرة الإنسانيّة وتجاوز على قاعدته الفكريّة الأساسيّة وهي التوحيد ، فكيف يمكن أن يرضى من المشركين بالبقاء على شركهم وإلحادهم وعبادتهم للأصنام مع أنّ أُولى مهمّاته تطهير الأرض من الأصنام ـ على اختلاف أشكالها ـ فكرةً ومظهراً ؟ وهذا على العكس من أهل الكتاب حيث إنّ الإختلاف معهم ليس في القاعدة الفكريّة الأساسيّة « التوحيد والإيمان بالله تعالى » : ( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّـهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّـهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ) [ آل عمران : 64 ] . إذن فموقف الإسلام من الكفّار بشكل عامّ ـ بقسميهم المشركين وأهل الكتاب ـ مرتكز على ركيزة واحدة ، وهي عبارة عن الإخضاع لسيادته والإنضواء تحت حكمه وقيادته في المجتمع وليس مرتكزاً على الإكراه على اعتناقه كدين وعقيدة. وممّا يرشدنا إلى ذلك هو أنّ الدولة الإسلاميّة كانت تلاحظ وجود المنافقين في المجتمع الإسلامي ، ونحن نعلم أنّ « المنافقين » هم الذين يُظهرون الإسلام ولكنّهم يُبطنون الكفر ، كما حدّث الله تعالى عنهم في قوله : ( إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّـهِ وَاللَّـهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّـهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ) [ المنافقون : 1 ] . فلقد كان النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم يعلم بذلك ولكنّه بالرغم من ذلك فقد أجرى عليهم حكم الإسلام ، لأنّهم كانوا مضوين تحت سيطرة الدولة الإسلاميّة وخاضعين لسيادتها كما كان يعلم بوجود عناصر قلقة وشاكّة في إسلامها وغير مؤمنة به كدين وعقيدة ، ومع ذلك حاول أن يتألّفها. وهكذا نخلص إلى أنّ الإسلام لم يمارس الإكراه على الدين والعقيدة بل مارس الإكراه على الخضوع لسيادته وحاكميته ، وذلك حفظاً لكيانه وصوناً لسلامة دولته ومجتمعه. وقد تمثّل هذا الإخضاع بالنسبة إلى أهل الكتاب في فرض الجزية عليهم ، وبالنسبة إلى غيرهم من الكفّار في إظهار الشهادتين والإعلان عنهما ، وكلّ من هذين ـ الجزية والتلفّظ بالشهادتين ـ مظهر من مظاهر الخضوع للدولة الإسلاميّة وسيادتها. وهذا الإخضاع يستهدف من وجهة نظر الإسلام فتح المجال أمامهم كي يعيشوا أجواء الحياة الإسلاميّة ويتعرّفوا على خصائص الشريعة ويلمسوها من قريب ويتفاعلوا معها ، وبذلك تتهيّأ لهم فرص الوصول إلى القناعة الكاملة والإيمان الحقيقي. ومن المعطيات الثورية للحرّية الفكريّة للإسلام الحرب التي شنّها الإسلام على التقليد في العقيد وجمود الفكر والاستسلام للأساطير أو لآراء الآخرين دون وعي وتمحيص. وإذا أردنا تلخيص النتائج التي انتهينا إليها في هذا البحث ، في كما يلي : 1 ـ إنّ « الإعتقاد » ليس أمراً قابلاً للإكراه والتحميل ويستحيل فيه ذلك. 2 ـ إنّ « حرّية الإعتقاد » بمعناها الغربي تعني أن يكون الإنسان حُرّاً في أن لا يدين بدين وعقيدة أصلاً وأن لا يكون مكلّفاً بالإيمان أبداً. وهذا المعنى من حرّية الإعتقاد لا يوافق عليه الإسلام كما لا يوافق عليه العقل والوجدان السليم ، فليس الإنسان حُرّاً في أن يهتمّ بالعقيدة أو لا يهتمّ بها. 3 ـ إنّ الإنسان مكلّف ـ من وجهة نظر الإسلام وكذلك من وجهة نظر العقل والوجدان السليم ـ بالبحث والفحص والتأمّل والتفكير الجادّ في العقائد الدينيّة الأساسيّة ـ وهي التوحيد والنبوّة والإمامة والمعاد ـ وبذل غاية جهده في سبيل الوصول إلى الحقيقة بالنسبة إلى كلّ واحدة من هذه العقائد الأساسيّة ، فإنّ العقيدة هي أهمّ ما في الإنسان. 4 ـ إنّ الإنسان إذا بذل غاية جهده في سبيل الوصول إلى الحقيقة في عقيدة من العقائد الأساسيّة ، ولكنّه لم يصل إليها من دون تقصير من ناحيته ، كان معذوراً. 5 ـ إنّ هذا الإنسان بالرغم من كونه معذوراً لكنّه ليس حرّاً في نشر ما لديه من الشبهات التي أعاقته عن الوصول إلى الحقيقة ، وبثّ ذلك في المجتمع. 6 ـ إنّه إذا قام بالنشر والبثّ كان للدولة الإسلاميّة ، والحاكم الإسلامي اتّخاذ إجراءٍ رادعٍ بشأنه. 7 ـ إنّ هذا الإجراء الرادع ليس ناتجاً من عدم إيمانه بل هو نابع عن نشاطه المحظور. 8 ـ إنّ موقف الإسلام من الكفّار بشكل عامّ ليس هو الإكراه على اعتناق « الإسلام » كدين وعقيدة بل هو عبارة عن الإخضاع لسيادته والإنضواء تحت حكمه ، حفظاً لكيانه وصوناً لسلامة دولته ومجتمعه. كان هذا موجزاً عن موقف الإسلام من « حرّية الإعتقاد » ، والله العالم ، والسلام عليكم.
الجواب من السيّد علي الحائري: العبّاس سلام الله عليه ليس إماماً ، وبعض الروايات تدلّ على أنّه عليه السلام كان له ابن. أمّا عن زواج الإبن وسلالته واستشهاده مع أبيه فلم نعثر على شيء بهذا الصدد ، والله العالم. وبإمكانكم مراجعة كتاب : [ قمر بني هاشم ] للسيّد عبد الرزّاق المقرّم.
الجواب من السيّد علي الحائري: خالفوا أمر النبيّ صلّى الله عليه وآله لأسباب عديدة من أهمّها أنّهم وسائر من كان بالمدينة حين رحيل الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله عاشوا ـ منذ اللحظات الأولى من رحيله صلّى الله عليه وآله ـ جوّ الإرهاب والتخويف الذي خلّفه الحزب المتآمر ـ والحاكم في ما بعد ـ للسيطرة على الوضع بيد حديديّة ، فإذا كان عمر في اللحظة الأولى من وفاة النبيّ صلّى الله عليه وآله قائماً على باب المسجد واقفاً شاهراً سيفه يتهدّد ويتوّعد الناس وهو يقول : إنّ رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ لم يمت لكنّه ذهب إلى ربّه كما ذهب نبيّ الله موسى ـ عليه السلام ـ ، وإنّه سيعود ويقطع أيدي وأرجل رجال يزعمون إنّه مات. وكان لا يدع أحداً يدخل إلى الدار ، كي لا تتبيّن حقيقة الحال ، ولا يتّضح لدى المسلمين أن النبيّ صلّى الله عليه وآله قد مات ، ولا يفكّر أحد في ترتيب الخلافة إلى أن يأتي صاحبه أبو بكر وقد كان خارج المدينة ، فلمّا أتى قرأ على الناس قوله تعالى : ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّـهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّـهُ الشَّاكِرِينَ ) (1) ، ثمّ ذهبا إلى سقيفة بني ساعدة ، وجرى هناك ما جرى من غسل الدماغ وتحريف المفاهيم وبيان أفضليّة المهاجرين وأفضليّة قريش وأفضليّة عشيرة النبيّ صلّى الله عليه وآله والتخويف والتهديد بالقتل لمَن لا يبايع ... إلى آخر الأحداث التي سجّلها المؤرّخون ـ سنّة وشيعة ـ. (2) أقول : إذا كان الأمر كذلك فأنّى للأنصار ـ ورئيسهم سعد بن عبادة مريض مسجّى ، وهو مضافاً إلى ذلك يَطمع أو يُطمع في شأنه أن يكون خليفة ـ أن يقاوموا ذاك الجوّ من الأرهاب الفكري والسياسي. وأمّا الشورى فهي كذب محض فلم تكن البيعة بالشورى ، ولم تكن عامّة في بداية الأمر لكنّها شيئاً فشيئاً اتّسعت رقعتها وشملت المسلمين ، فهي فلتة كما قالها أصحابها. ( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ) (3). الهوامش 1. آل عمران : 144. 2. راجع صحيح البخاري / المجلّد : 3 / الصفحة : 172 ـ 173 / الناشر : دار الاحياء التراث العربي. راجع صحيح البخاري / المجلّد : 5 / الصفحة : 7 ـ 8. راجع صحيح البخاري / المجلّد : 8 / الصفحة : 209 ـ 211. راجع صحيح البخاري / المجلّد : 9 / الصفحة : 100 ـ 101. راجع مسند أحمد / المجلّد : 1 / الصفحة : 55 / الناشر : دار الفكر. 3. الشعراء : 227.
الجواب من السيّد علي الحائري: أركان الإسلام تنقسم إلى أصول وفروع : فالأصول عبارة عن : « التوحيد بالمعنى الشامل للعدل أيضاً » و « النبوّة بامتدادها الشامل للإمامة أيضاً » و « المعاد ». والفروع عبارة عن : « الصلاة » و « الصوم » و « الزكاة » و « الخمس » و « الحجّ » و « الجهاد » و « الأمر بالمعروف » و « النهي عن المنكر » و « التوليّ » و « التبريّ ».
الجواب من السيّد علي الحائري: الرواية الأولى والثانية وكذلك الرواية الثالثة التي وردت فيها جملة : « لا أحبّ ذلك » مرتبطة بتحليل الأَمَة ، والروايتان الأخيرتان مرتبطتان بوطي المرأة في الدّبر ، وهاتان مسألتان فقهيّتان مطروحتان في الفقه. المسألة الاولى : مسألة تحليل الأمة ، ولا موضوع لها في عصرنا الحاضر ؛ إذ لايوجد حاليّاً عبيد وإماء ، أمّا في العصر الذي كان يوجد فيه عبيد وإماء كان لابدّ من تشريع أحكامٍ بشأنهم ، فمن جملة الأحكام المشرَّعة في الشريعة الإسلامية بشأن الإماء هو أنّ مَن مَلَكَ أمةً جاز له وطؤها ، وجاز له أيضاً تحليلها لغيره ، فمِلك الأمة خطّ موازٍ لخطّ النكاح في الشريعة بمعنى أنّ المرأة الأجنبيّة لا تحلّ للانسان إلّا عن أحد طريقين : عقد النكاح والزواج ـ سواء الدائم والمنقطع ـ هذا هو الطريق الأوّل : وهو خطّ النكاح ، أمّا الطريق الثاني : فهو ملك اليمين : أيّ أن يتملك الإنسان أَمَةً أو إماءاً ـ فيما إذا كان يوجد في المجتمع عبيد وإماء ـ فإنّه إذا ملك الأمة حلّت له بدون الحاجة إلى إجراء عقد النكاح والزواج ، بل لا معنى لأن يتزوّجها مالكها إلّا إذا أعتقها وحرّرها من الرّقّية فأصبحت حُرّةً ؛ فإنّه حينئذٍ يتزوّجها بعقد الزواج كما يتزوّج الحرائر ، وقد ورد ملك اليمين كخطٍّ موازٍ لخطّ الزواج في العديد من الآيات الشريفة في القرآن الكريم ، من قبيل قوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ ) [ الأحزاب : 50 ] ، وغيرها من الآيات . وعلى أيّ حال فمالك الأمة كما يجوز له أن يبيع أمته لغيره ويملّكه رقبتها ، كذلك يجوز له أن يحلّلها لغيره ، أيّ أن يحلّل له فرجها ، والاستمتاع بها دون أن يملّكه رقبتها ، فالروايات الثلاثة الأولى مرتبطة بهذه المسألة الفقهية التي لا موضوع لها في عصرنا الحاضر ، وطبعاً للمسألة شروط خاصّة مذكورة في الفقه. أمّا المسألة الثانية : فهي مسألة وطي المرأة ـ زوجةً كانت أم أَمَةً ـ في دبرها ، وإتيانها من خلفها ، وهي أيضاً مسألة فقهيّة مطروحة في الفقه ، واختلف الفقهاء في حكمها ، فمنهم مَن حرّم الوطي في الدبر ، ومنهم مَن أجاز ، ومنهم مَن فَصَّل بين فرض رضاها بذلك ، وفرض عدم رضاها به ، فأجاز في الفرض الأوّل ، ومَنَع في الفرض الثاني ، والسبب في اختلاف فتاوى الفقهاء هو اختلاف الروايات. وعلى الإنسان أن يراجع فتوى المرجع الذي يقلّده لكِي يعرف حكم هذه المسألة ، والروايتان الأخيرتان تعتبران من الروايات الدالة على جواز ذلك ، لكن توجد أيضاً روايات أُخرى معارضة لها ، ففهم هذه الروايات بأجمعها ومعالجة التعارض بينها أمر لا يتمكّن منه إلّا ذووا الاختصاص في الفقه ، وهم الفقهاء ، وعلى سائر الناس أن يراجعوا الفقهاء الأخصّائيين لمعرفة أحكامهم ، والله المسدّد.
الجواب من السيّد علي الحائري: الاختلاف والخصام الذي أشير إليه في السؤال وكذلك الانتقاص من شأن المرأة ممّا لا يقرّ به الإسلام بل يرفضه رفضاً باتاً ، فلقد كان الناس أُمّة واحدة ثمّ اختلفوا فلذا بعث الله النبيين مبشّرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب لتحقّق العدالة ويقوم القسط بينهم ويزول الاختلاف والخصام الذي يتنافى مع القسط والعدل ، ولقد أقرّ الإسلام وأكّد على مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة ورفض أيّ انتقاص لشأن المرأة. وطبعاً يجب أن نميّز بين « المساواة » وبين « المماثلة » ، فالمساواة التي ينادي بها الإسلام بين الرجل والمرأة لا تعني مماثلة الرجل للمرأة في الحقوق والواجبات بل تعني أنّهما متساويان في الحقوق والواجبات المتناسبة مع طبيعة كلّ واحد منهما ، وعلى هذا الأساس فلا أصل لما سمّيتموه بالتفسير الذكوري والتفسير النسوي. ونحن نرى أنّ المنهج الأسلم لاستيعاب المفاهيم القرآنيّة عبارة عن الاستفادة من الدروس الحوزويّة في التفسير وفي سائر المعارف الإسلاميّة والقرآنيّة ، وهي غنيّة ومتوفّرة ، والحمد لله والسّلام عليكم.
الجواب من السيّد علي الحائري: لا علاقة لذلك بالنزعة العنصريّة أبداً ، فالعنصريّة هي النزعة التي تميّز الناس وترجّح بعضهم على بعض على أساس الدّم ، والعنصر الذي ينتمون إليه فيفضَّل مثلاً العنصر الآري على غيره ، وهذا ممّا لا يقرّ به الإسلام ويشجبه تماماً. أمّا مسألة حرمة زواج المسلمة من الكافر فهي عبارة عن ترجيح عقيدة على عقيدة وتفضيل مبدأ على مبدأ ، فالإسلام يرى أنّ أهمّ ما في الإنسان هو عقيدته ومبدؤه ويحاول الاجتناب عن كلّ ما يمكن أن يشكّل خطراً على المبدأ والعقيدة ويوجب الانحراف ، والمرأة عادةً تتأثّر بأفكار زوجها ، فإذا كان الزوج كافراً فمن الطبيعي أن يُتوقّع تأثّر الزوجة المسلمة بالتدريج بأفكاره ، وهذا ممّا لا يمكن للإسلام ـ الذي يرى أنّ الإيمان أهمّ شيء في الإنسان ـ أن يقبله ، فالقضية بعيدة كلّ البعد عن النزعة العنصريّة بل هي تمثّل النزعة العقيديّة والمبدأيّة في الإسلام ، واللّه العالم.
الجواب من السيّد علي الحائري: الإسلام دين شامل لكلّ جوانب الحياة وله موقف ورأي في كلّ الشؤون التي تمسّ الإنسان ومنها الشأن العامّ والشأن السياسي ، ومن الطبيعي جدّاً بالنسبة إلى كلّ مسلمٍ أن يحتكم إلى الشارع في كلّ شؤونه ، ويدعو أيضاً إلى الاحتكام إليه في كلّ الشؤون ، وليس هذا شيئاً قد ظهر في الآونة الأخيرة ـ كما توهّم السائل ـ بل الإسلام يمتاز بالشموليّة. قال تعالى : ( وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ) [ إبراهيم : 34 ] . وعن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله : « ما من شيء يقرّبكم إلى الجنّة ويبعدكم عن النار إلّا وقد أمرتكم به ، وما من شيء يبعدكم عن الجنّة ويقرّبكم إلى النار إلّا وقد نهيتكم عنه » . ويقول تعالى في الشأن العام والشأن السياسي : ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّـهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ) [ الأحزاب : 36 ] . وقال تعالى : ( فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) [ النساء : 65 ] . وقال تعالى : ( أَطِيعُوا اللَّـهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ) [ النساء : 59 ] . إذن لا مجال للديمقراطيّة ـ بمعناها الغربي ـ ولا للشورى ورأي الأمّة أو الأكثريّة في النظام السياسي الإسلامي وليست الأُمّة مصدر السلطات ولا الشورى ملزمة ، والمسلم لا يحتكم إلى رأي الجمهور ولا إلى الأكثريّة في تحديد النظام السياسي ، بل يحتكم إلى الكتاب والسنّة ، وقد عيّن الكتاب والسنّة النبيّ صلّى اللّه عليه وآله على رأس النظام السياسي فقال : ( النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ) [ الأحزاب : 6 ] ، ومن بعده الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه أفضل الصلاة والسّلام بالنصوص الكثيرة من القرآن والسنّة ، ومن بعده أحد عشر إماماً أوّلهم الحسن ثمّ الحسين ، ثمّ الأئمّة التسعة من ولد الحسين سلام اللّه عليهم أجمعين ، ونصّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله على عددهم في الحديث المتّفق عليه بين المسلمين فقال : « الأئمّة من بعدي اثنا عشر » ، وفي عصر غيبة الإمام الثاني عشر ـ كما في عصرنا الحاضر ـ أرجع الإسلام الناس إلى الفقهاء ، فهم ولاة الأمر في عصر الغيبة وهم الذين يحدّدون شكل الحكومة وسائر ما يرتبط بالجانب السياسي للمجتمع الإسلامي ، نعم قد يرى الفقيه الوليّ المتصدّي للجانب السياسي والحكومي المصلحة في أخذ رأي الناس أو التشاور مع مجموعة من الأخصّائيين وأهل الخبره في جانب من الجوانب ، فله ذلك والمجال مفتوح أمامه ، فتكون الشورى حينئذٍ من أجل تنضيج الفكرة الموجودة عنده ، لكنّها ليست ملزمة له ولا لغيره ، بل القرار النهائي يتّخذه وليّ الأمر ـ نبيّاً أو إماماً أو نائب إمام ـ ( وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّـهِ ) [ آل عمران : 159 ] فالعزم عزمه والقرار قراره ، وعلى الجميع أن يتّبعوه ويطيعوه. وصفوة القول هي أنّ الأكثريّة ليست مقياساً للحقّ ولا هي أقرب إلى الحقّ ولا هي مصدر السلطة ولا هي ملزمة ، وكذلك الشورى ورأي الأُمّة ، واللّه العالم.
الجواب من السيّد علي الحائري: إنّما يُحكّم العرف عندنا في فهم النصوص الشرعيّة ، وبالتالي في استنباط الأحكام الشرعيّة من مصادرها المقرّة ـ وهي عبارة عن القرآن الكريم والسنّة الشريفة ـ فالمناسبات العرفيّة المرتكزة في ذهن العرف تُلقي الضوء على الآية أو الرواية ، وبالتالي تجعلها ظاهرة عرفاً في معنى معيّن ، ويكون هذا الظهور العرفي حجّةً لدى الفقيه كما هو المقرّر في علم « أصول الفقه » ، فليس العرف بنفسه مصدراً للفتوى واستنباط الحكم الشرعي عندنا ، وإنّما المصدر هو الكتاب والسنّة ، غاية الأمر أنّ العرف ممّا يُستعان به في فهم الحكم الشرعي من مصدره ، والسّلام عليكم.
الجواب من السيّد علي الحائري: قبل الإجابة على الأسئلة الواردة أعلاه أودّ التنبيه على أمور ثلاثة : الأوّل : أنّ من الآداب التي ينبغي أن يلتزم بها كلّ مسلمٍ هو أن يصف الله بما هو وصف هو نفسه به ، ونحن نرى أنّه تبارك وتعالى وصف نفسه في القرآن الكريم بـ ( الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ) حيث قال في آية الكرسي : ( وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ) (1) ؛ فلماذا تقولون : صدق الله العظيم ؟!! الثاني : أنّ الرواية الأخرى القائلة : « كتاب الله وسنّتي » ليست ممّا اتّفق عليه الفريقان ، بل المتّفق عليه بين السنّة والشيعة هي الرواية الأولى القائلة : « كتاب الله وعترتي أهل بيتي » (2). الثالث : أنّ المستحب شرعاً عند ذكر إسم النبيّ هو الصلاة عليه وعلى آله ، أمّا الصلاة عليه فقط فهي الصلاة البتراء التي نهى صلّى الله عليه وآله عنها ؛ فلماذا تقولون : يقول النبيّ محمّد « صلّى اللّه عليه وسلّم » ؟ أليست هذه هي الصلاة البتراء المنهيّ عنها بإجماع المسلمين قاطبة ؟ والآن ندخل في صميم الموضوع ، ونحاول الإجابة على الأسئلة بالقدر الممكن في المقام : أمّا عن السؤال الأوّل ف هو أنّ عترة النبيّ صلّى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام هم : عليّ وفاطمة والحسن والحسين والأئمّة التسعة من ذريّة الحسين وولده. وهم : علي بن الحسين السجّاد زين العابدين ، ومحمّد بن علي الباقر ، وجعفر بن محمّد الصادق ، وموسى بن جعفر الكاظم ، وعلي بن موسى الرضا ، ومحمّد بن علي التقي الجواد ، وعلي بن محمّد الهادي النقيّ ، والحسن بن علي العسكري ، ومحمّد بن الحسن المهدي القائم المنتظر. هؤلاء فقط هم عترته وأهل بيته المقصودون في هذا الحديث « حديث الثقلين ». وأمّا عن السؤال الثاني ف هو أنّ وجه الوصيّة بالعترة وأهل البيت عليهم السّلام هو أمر الله تبارك وتعالى نبيّه صلّى اللّه عليه وآله بذلك ، والنبيّ صلّى اللّه عليه وآله لا يأتي بشيء من عنده : ( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ) (3) ؛ وقد صَرَّح صلّى الله عليه وآله في الحديث المتّفق عليه بين المسلمين كلّهم بأنّ الأئمّة من بعدي اثنا عشر (4). إذن هؤلاء هم العترة وهم أهل البيت وهم الأئمّة وهم خلفاؤه الحقيقيّون الذين وصّانا بهم النبيّ صلّى الله عليه وآله بأمرٍ من الله تبارك وتعالى ، بوصفهم امتداداً للنبيّ صلّى اللّه عليه وآله في كلّ الصفات والخصوصيّات ما عدا النبوّة والوحي ، إذ لا نبيّ بعده صلّى الله عليه وآله ، فهو خاتم الرّسل والنبييّن قطعاً ، والشريعة الإسلاميّة هي خاتمة الشرائع ، والرسالة المحمّدية هي آخر رسالةٍ نزلت من السماء للبشريّة كلّها إلى يوم القيامة ، وحلال محمّد صلّى الله عليه وآله حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة ، إلّا أنّ حلاله وحرامه لا يُعرف حقّاً إلّا من خلال الكتاب والعترة ؛ فالكتاب وحده لا يكفي ، إذ ليست فيه تفاصيل التشريعات والأحكام. فمقولة : « حسبنا كتاب الله » (5) مقولة خاطئة ، وتُنبئ عن سوء فهم للشريعة وللقرآن. هذا بالاضافة إلى أنّ القرآن نفسه بحاجة إلى مَن يفسّره ويشرحه للأُمّة ، إذ فيه آيات محكمات هنّ أمّ الكتاب ، وفيه أيضاً آيات متشابهات لابدّ من شرحها وبيان المقصود منها ، وهذا ممّا لا يعلمه إلّا العترة وأهل البيت الذين أكّدت الأحاديث الكثيرة على أنّهم ورثة علم رسول الله وخزّان الوحي وتراجمته. وأمّا عن السؤال الثالث ف هو أنّه لا يوجد هناك أيّ نزاع وخلاف بين المسلمين في حبّهم ، ولا ينكر أحد وجوب مودّتهم بوصفهم ذوي القربى الذين فرض الله تعالى مودّتهم وجعلها أجر الرسالة ، ( قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) (6) ؛ فالمسلمون قاطبة مجمعون على مودّتهم. نعم هناك شرذمة قليلة تعاديهم وتعادي شيعتهم ، وهم النواصب ـ خذلهم الله تعالى ـ ، وهم محكومون بالكفر عندنا وإن انتحلوا الإسلام. وأمّا عن السؤال الرابع ف أنّ حبّهم وإن كان فرضاً وواجباً كما قلنا إلّا أن الذي أكّد عليه الحديث المذكور أعلاه ـ وهو حديث الثقلين ـ ليس عبارة عن حبّهم فحسب ، بل هو عبارة عن « الأخذ بالكتاب وبالعترة » أو « التمسّك بهما » على اختلاف النقل. ومن الواضح أنّ الأخذ والتمسّك بالشيء لا يتحقّق من خلال حبّه فقط ، بل يتحقّق من خلال اتّباعه والسير على منهجه وخطّه ، والعمل بما يقوله ويأمر به ، والارتداع عمّا ينهى عنه. فكما أنّ التمسّك بالقرآن لا يكون بحبّ القرآن بل بالعمل بالقرآن ، كذلك التمسّك بالعترة فلابدّ من العمل بأقوالهم واتّباع أفعالهم. ومن هنا كانت « السُنّة » عندنا أوسع دائرةً من السنّة النبويّة ؛ فهي تشمل أيضاً سنّة العترة أيّ أقوالهم وأفعالهم وكلّ ما أقرّوه وأمضوه ؛ فإنّ ذلك كلّه حجّة عندنا. وأمّا عن السؤال الخامس والأخير ف نعم ، بالإمكان جعل حبّ العترة هو المحور الرئيسي الذي يصلح أن يكون مدخلاً للتقارب وتوحيد الصف بين المسلمين ، وهذا ما نؤكّد عليه دائماً. والسّلام عليكم. الهوامش 1. البقرة : 255. 2. مسند أحمد / المجلّد : 3 / الصفحة : 14 و 17 / الناشر : دار الفكر. 3. النجم : 3 ـ 4. 4. بحار الأنوار « للمجلسي » المجلّد : 8 / الصفحة : 366 / الناشر : مؤسسة الوفاء ـ بيروت / الطبعة : 2. 5. صحيح البخاري / المجلّد : 5 / الصفحة : 11 ـ 12 / الناشر : دار إحياء التراث العربي. 6. الشورى : 23.
الجواب من السيّد علي الحائري: هو أنّ هذه المشكلة محلولة لدى فقهائنا من خلال « علم الرجال » الذي هو أحد العلوم التي يستند إليها الإجتهاد والاستنباط وتعتمد عليها الفقاهة ، فالفقيه لا يكون فقيهاً إلّا بعد أن يتقن جملةً من العلوم ويقضي شطراً كبيراً من عمره في الإمعان فيها ، ومن جملة هذه العلوم « علم الرجال » الذي يتكفّل إثبات الوثاقة أو عدم الوثاقة في كلّ طبقات الرواية إلى أن يصل السند إلى الأئمّة عليهم السلام. وهناك ضوابط ومقاييس لإثبات الوثاقة في كلّ راوٍ من الرواة وفي كلّ طبقة من الطبقات ، وهناك أيضاً ضوابط ومعايير لاعتماد الفقيه على رواية من الروايات في مجال فهم الحكم الشرعي واستنباطه أو عدم اعتماده على رواية في هذا المجال ، كلّ هذا ممّا تتطلبه عمليّة الاستنباط والاجتهاد وهي عمليّة تخصّصية تحتاج إلى دراسةٍ حوزويّة متقنة في الحوزات العلميّة وعلى يد أساتذة من أهل الفنّ والاختصاص في هذا المجال ، ولا يتاح ذلك لكلّ أحد فكما لا يمكن لكلّ إنسان أن يمارس « الطبابة » ، لأنّ الطبّ علم واختصاص ويتوقّف على دراسة متقنة وطويلة الأمد ، كذلك لا يمكن لكلّ إنسان أن يمارس « الاجتهاد ». إذن فالواجب على أمثال الأخ العزيز السائل مراجعة الفقهاء والمجتهدين وذوي الإختصاص واتّباعهم في معرفة الحكم الشرعي وليس الواجب عليه أن يجتهد هو ويستنبط كِي يواجه هذه المشكلة ، تماماً كما يراجع الطبيب الأخصّائي في معرفة المرض وعلاجه من دون أن يمارس هو شخصيّاً عمليّة « الطبابة » ، فالواجب عليه التقليد لا الاجتهاد.
الجواب من السيّد علي الحائري: نعم يعترف الإسلام بعاطفة « الحبّ » ، وبدورها الأساسي في دفع الإنسان وتحريكه حتّى ورد في بعض الروايات : « وهل الدّين إلّا الحبّ » ؟ غير أنّ الإسلام لا يحبّذ الحبّ الأعمى غير الهادف ولا الحبّ القائم على أساس لا مبدئي ، بل يؤكّد على الحبّ المبنيّ على القيم والمبادئ ، وقد رفع الإسلام شأن الحبّ والمودّة حتّى جعل أجر الرسالة النبويّة مودّة ذوي القربى « أهل بيته الطاهرين » : ( قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) [ الشورى : 23 ] . فحبّ أهل بيت النبيّ صلّى اللّه عليه وآله فرض وواجب على جميع المسلمين نصّ عليه القرآن الكريم في أكثر من آية ، وأكّدت عليه النصوص الكثيرة من السنّة الشريفة ، وهذا اللون من الحبّ هو من أرقى أنواع الحبّ والولاء لأنّه يقوم على أساسٍ مبدأي ويستهدف غايةً مقدّسةً. أمّا أنّه قائم على أساس مبدئي ، فلأنّ حبّهم سلام اللّه عليهم يمثّل حبّ كلّ الصفات الحسنى والفضائل الجمّة المتوفرة فيهم من « العلم » ، و « الوعي » ، و « الشجاعة » ، و « العدالة » ، و « الوفاء » ، و « الصدق » ، و « الزهد » وغيرها من الحسنات التي يتمتّعون بها ، وعلى رأسها « العبودية المخلصة للّه وحده » ، وكذلك « الجهاد » و « التضحيته » ، و « نكران الذات » ، و « مقارعة الظلم والفساد » ، و « الدفاع عن المظلومين والمحرومين والمستضعفين ». فنحن حينما نحبّ عليّاً أو الحسين أو أيّ واحد من الأئمّة عليهم أفضل الصلاة والسّلام إنّما نحبّهم لأنّهم عباد مخلصون للّه تعالى ومضحّون في سبيله وباذلون أنفسهم في مرضاته ومعارضون للظلم والفساد والطغيان ومدافعون عن حقوق المظلومين وعالمون بكلّ الشؤون والمتطلّبات اللازمة لتوفير الحياة السعيدة للإنسان في هذه الدنيا وفي الآخرة ، ولأنّهم مستجمعون لكلّ الصفات الحسنة التي يعشقها الإنسان ويحاول الاتّصاف بها في حياته ، فحبّهم إذن حبّ لتلك الصفات. هذا هو الحبّ القائم على أسس ومبادئ. وأمّا أنّ هذا الحبّ هو حبّ هادف ، فلأنّ الهدف والغاية من حبّ أهل البيت عليهم السّلام ومودّة ذوي القربى اتخاذهم سبيلاً إلى اللّه تعالى ووسيلةً إلى رضوانه ، فأجر الرسالة في الواقع إنّما هو في صالح الإنسان المحبّ لهم والمُوالي ويعود بالنفع عليه لا عليهم : ( قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ ) [ سبأ : 47 ] ، ( قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَن شَاء أَن يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا ) [ الفرقان : 57 ] ، « فَكانُوا هُمُ السَّبيلَ اِلَيْكَ وَالْمَسْلَكَ اِلى رِضْوانِكَ » [ دعاء الندبة ] . ثمّ إنّ هناك نقطة أُخرى في مسألة « الحبّ » لابدّ من أخذها بعين الاعتبار والاهتمام بها وعدم إهمالها وهي عبارة عن المحافظة على جانب الاعتدال في هذه العاطفة ، فإنّ لها القابليّة في أن تتطرّف في الإنسان وتذهب به إلى حدّ بحيث يعمى بصره فلا يرى شيئاً سوى ما يحبّ أو مَن يحبّ ، ولذا ورد في بعض النصوص : « مَن أحبّ شيئاً أعمى بصره » ، فينبغي للإنسان أن يلقّن نفسه دائماً أن لا يتطرّف في حبّه للأفراد أو الجماعات أو الأشياء إلى حدّ يعمى بصره عن رؤية السلبيّات والنواقص ، عصمنا اللّه وأيّاكم ، والسّلام عليكم.
الجواب من السيّد علي الحائري: في ما يتعلّق بالسؤال الأوّل نقول : إنّ المقصود بالعقل والتعقّل الذي جاء التأكيد عليه كثيراً في النصوص الشرعيّة من الكتاب والسنّة عبارة عن التأمّل والتعقّل في كلّ ما يرتبط بمبدأ الكون وبمعاده ونهايته ، فالعقل السليم هو الذي يربط هذا الكون بخالقه وبدايته ويربطه أيضاً بنهايته واليوم الآخر الذي يجازى فيه الإنسان على ما قام به في حياته : « العقل ما عبد به الرحمن واكتسب به الجنان ». وفي ما يتعلّق بالسؤال الثاني نقول : إنّ النزعة العقليّة التي نؤكد عليها عبارة عن تحكيم العقل في فهم أصول الدين ومعرفتها ، والبرهنة عليها بالمقدار الذي تحصل للإنسان القناعة الكاملة بها ، والوثوق الشخصي بمحتوياتها ، وكذلك تحكيم العقل في فهم النصوص الشرعيّة من القرآن الكريم والسنّة الشريفة ، لكن يجب أن نلتفت إلى نكته هامّة بهذا الصدد وهي أنّ العقل وإن كنّا نؤمن به كمصدر من مصادر الفتوى حيث إنّ الدليل العقلي حجّة ويجوز العمل به ، لكن هذا لا يعني سوى أنّ العقل حجّة في فهم الأحكام واستنباط التشريعات ، وليس معنى ذلك أنّ العقل حجّة في إدراك ملاكات الأحكام وفلسفتها والهدف منها بالضبط ، فملاكات الأحكام لا سبيل إلى معرفتها إلّا الشارع نفسه ، ولذا ورد في الأخبار : « إنّ دين اللّه لا يصاب بالعقول » . وأمّا عن السؤال الثالث : فالجواب هو أنّ كلّ مسلك واتّجاه يحاول الجمود على ظواهر النصوص الشرعيّة من دون الاستعانة في فهمها بالعقل فهو في الواقع يعطّل وظيفة العقل ويجمّد دوره المسموح له به من قبيل المسلك الظاهري لدى « السُنّة » ، ومن قبيل المسلك الأخباري لدى « الشيعة ». فنحن إذن في الوقت الذي لا نسمح فيه للعقل بإدراك ملاكات الشريعة لا نجمّد أيضاً دوره الأساسي في فهم الشريعة من نصوصها واستنباط الأحكام من مصادرها ، واللّه العالم.