الجواب من السيّد علي الحائري: على فرض صحّة سند هذه الرواية وصدور هذا الكلام من المعصوم عليه السلام ، لعلّ المقصود به هو أنّ الزهراء سلام الله عليها هي في الواقع همزة الوصل بين « النبوّة » و « الإمامة » ، كما أنّ الأئمّة عليهم السلام هم همزة الوصل بين « الله تعالى » والناس. فقوله : نحن حجج الله عليكم ، وأُمّنا فاطمة حجّة الله علينا (1) ، يريد التأكيد على هذا الدور المهمّ الذي منحت الصدّيقة سلام الله عليها به. فلعلّ الكثير من الأمور كان يأخذها الأئمّة عليهم السلام من « مصحف فاطمة » الموجود بأيديهم ، والذي يحتوي على الحقائق التي أخذتها الزهراء سلام الله عليها من أبيها رسول الله صلّى الله عليه وآله ، وأملته على الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام ، فكتبه بخطّه. (2) ونجد في بعض الروايات أحياناً استشهاد الأئمة عليهم السلام بهذا المصحف ، واستدلالهم على بعض الأمور بوجوده في « مصحف فاطمة ». (3) والله العالم. الهوامش 1. أطيب البيان « للسيد عبدالحسين الطيب » / المجلّد : 13 / الصفحة : 225 / الناشر : انتشارات اسلام / الطبعة : 2. 2. راجع : الكافي « للشيخ الكليني » / المجلّد : 1 / الصفحة : 240 / الناشر : دار الكتب الإسلاميّة / الطبعة : 3. بصائر الدرجات « لمحمد بن الحسن الصفار » / الصفحة : 173 ـ 175 / الناشر : مؤسسة الأعلمي. دلائل الإمامة « لمحمد بن جرير الطبري » / الصفحة : 104 ـ 107 / الناشر : مؤسسة البعثة / الطبعة : 1. الوافي « للفيض الكاشاني » / المجلّد : 3 / الصفحة : 581 / الناشر : مكتبة أمير المؤمنين علي عليه السلام / الطبعة : 1. بحار الأنوار « للشيخ المجلسي » / المجلّد : 22 / الصفحة : 545 ـ 546 / الناشر : مؤسسة الوفاء / الطبعة : 2. 3. راجع : الكافي « للشيخ الكليني » / المجلّد : 1 / الصفحة : 240 / الناشر : دار الكتب الإسلاميّة / الطبعة : 3. الكافي « للشيخ الكليني » / المجلّد : 1 / الصفحة : 242 / الناشر : دار الكتب الإسلاميّة / الطبعة : 3. بصائر الدرجات « لمحمّد بن الحسن الصفار » / الصفحة : 174 / / الناشر : مؤسسة الأعلمي. الوافي « للفيض الكاشاني » / المجلّد : 3 / الصفحة : 579 ـ 580 / الناشر : مكتبة أمير المؤمنين علي عليه السلام / الطبعة : 1. بحار الأنوار « للشيخ المجلسي » / المجلّد : 26 / الصفحة : 38 / الناشر : مؤسسة الوفاء / الطبعة : 2.
الجواب من السيّد علي الحائري: لأنّهم ليسوا المشركين فلا تشملهم الآية الشريفة ، نعم هم كفّار لكنّهم ليسوا مشركين بل هم من أهل الكتاب ويختلفون عن المشركين في كثير من الأحكام ، ومنها هذا الحكم المذكور في السؤال. والله العالم.
الجواب من السيّد علي الحائري: إنّما يتمّ ذلك من خلال الرجوع إلى الفقهاء في أخذ معالم الدين والتمييز بين الدين وغيره ، فهم المحاور والمراجع والأخصّائيون في شؤون الدّين ، فإنّ استخراج الحكم الشرعي من مصدره الأساسي ـ وهو القرآن الكريم والسنّة الشريفة ـ ليس عمليّة ميسورة لكثير من الناس بل هي عملية معقّدة وبحاجة إلى جهد علمي وذلك نتيجة الفاصل الزمني والابتعاد عن عصر نزول القرآن الكريم وصدور السنّة الشريفة ، فيزداد هذا الجهد العلمي ضرورةً وتتنوّع وتتعمّق ـ أكثر فأكثر ـ متطلّباته وحاجاته كلّما ابتعد الإنسان عن زمان صدور النصّ الشرعي ـ كتاباً وسنّةً ـ وامتدّ الفاصل الزمني بينه وبنبيّه بكلّ ما يحمله هذا الامتداد من مضاعفات كضياع جملة من الأحاديث ولزوم تمحيص الأسانيد وتغيّر كثير من أساليب التعبير وقرائن التفهيم والملابسات التي تكتنف الكلام ودخول شيء كثير من الدسّ والإفتراء في مجاميع الروايات ، كلّ هذا يتطلّب عناية بالغة في التمحيص والتدقيق. هذا إضافةً إلى أن تطوّر الحياة يفرض عدداً كبيراً من الوقائع والحوادث الجديدةً التي لم يرد فيها نصّ خاصّ من كتاب أو سنّة ، فلا بدّ من استنباط حكمها على ضوء القواعد العامّة ، ومجموعة ما بأيدينا ممّا أعطانا الشارع من أصول وتشريعات. كلّ ذلك وغير ذلك ممّا لا يمكن استيعابه في هذا الحديث الموجز أدّى إلى أن أصبح التعرّف على الحكم الشرعي وفهم الدين في كثير من الحالات عملاً علميّاً معقّداً وفنّاً تخصيصيّاً يعجز عنه عامّة الناس ، لأنّه بحاجة إلى جهد وعناء وبحث ودارسة طويلة الأمد. نعم في بعض الحالات التي يكون الحكم الشرعي فيها واضحاً كلّ الوضوح لا يحتاج الأمر إلى الجهد العلمي المذكور ، لكن « الدين » لا يقتصر على ذاك البعض ، بل يمتدّ ليشمل كلّ أبعاد وجود الإنسان وكلّ مناحي حياته بوصفه « الدين القيّم » عل توجيه الحياة الإنسانيّة ، وبوصفه أشرف رسالات السماء وخاتمها ، والمنسجم مع فطرة الإنسان : ( صِبْغَةَ اللَّـهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّـهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ ) [ البقرة : 138 ] ، ( فِطْرَتَ اللَّـهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ) [ الروم : 30 ] . هذا هو شأن فهم « الدين » في عصورنا البعيدة عن عصر النصّ والتشريع. ولم يشذّ فهم الدين في هذا الجانب عن سنّة الحياة في سائر نواحيها ، فأيّ مجال من مجالات الحياة إذا لاحظناه نجد أن ممارسته تتطلّب معرفة معيّنة ، وأنّ جزءاً من هذه المعرفة قد يكون واضحاً ومتيّسراً لعموم الناس ، لكنّ الجزء الأكبر منها غير واضح ويتطلّب جهداً علميّاً ، ومعاناة في الدرس والبحث. خذ إليك مثلاً : المجال الصحّي ، فكلّ إنسان يعلم ـ بحكم التجربة الساذجة في حياته ـ إنّه إذا تعرض إلى مناخ بارد وفجأة فقد يصاب بأعراض حُمّى ، ولكن كثيراً من أساليب الوقاية والعلاج لا يعرفها الإنسان إلّا عن طريق الطبيب ، ولا يعرف الطبيب إلّا من خلال البحث والجهد العلمي ، وهكذا الحال في مجال التعمير والبناء ، وفي مجال الزراعة والصناعة على اختلاف فروعها. ومن هنا وجد كلّ إنسان إنّه لا يمكن عمليّاً أن يتحمّل بمفرده ووحده مسؤوليّة البحث والجهد العلمي الكامل في كلّ ناحية من نواحي الحياة ، لأنّ هذا عادة أكبر من قدرة الفرد وعمره من ناحية ولا يتيح له التعّمق في كلّ تلك النواحي بالدرجة الكبيرة من ناحية أُخرى ، فاستقرّت المجتمعات البشريّة على أن تخصّيص لكلّ مجال من مجالات المعرفة والبحث عدد من الناس ، فيكتفي كلّ فرد في غير مجال اختصاصه بما يعلم على البديهة ويعتمد في ما زاد عن ذلك بين الناس على ذوي الاختصاص محمّلاً لهم المسؤلية في تقدير الموقف ، وكان هذا لوناً من تقسيم العمل بين الناس سار عليه الإنسان بفطرته منذ أبعد العصور. ولم يشذّ الإسلام عن ذلك بل جرى على نفس الأساس الذي أخذ به الإنسان في كلّ مناحي حياته ، فوضع مبدأي « الإجتهاد » و « التقليد » ، فـ « الإجتهاد » هو التخصّص في علوم الشريعة ، و « التقليد » هو الإعتماد على المتخصّصين ، فكلّ إنسان يريد التعرّف على الدين والشريعة وأحكامها يعتمد : أوّلاً : على ما يعلمه بالبداهة والوضوح من الدين. وثانياً : على المجتهد المتخصّص في علوم الشريعة فيرجع إليه في فهم ما لا يعرفه بالبداهة من الدين. ولم يكلّف الإسلام كلّ إنسان بـ « الإجتهاد » ومعاناة البحث والجهد العلمي من أجل التعرّف على الحكم الشرعي ، وذلك من أجل توفير الوقت وتوزيع الجهد الإنساني على كلّ حقول الحياة. كما لم يأذن الإسلام لغير المتخصّص المجتهد بأن يحاول التعرّف المباشر على الدين والشريعة وأحكامها من القرآن الكريم والسنّة الشريفة ، ويعتمد على محاولته هذه يثق بها ، انّ هذا ممّا لا يجوز له ويكون من قبيل أن يحاول الإنسان التعرّف المباشر على المرض وطريق علاجه من دون أن يكون قد درس شيئاً من علم الطبّ ، بل الواجب على غير المجتهد المتخصّص أن يتعرّف على الدين وأحكامه بصورة غير مباشرة ، أيّ عن طريق التقليد والإعتماد على العلماء والمجتهدين المتخصّصين في علوم الشريعة. وبهذا كان التقليد أمراً واجباً مفروضاً في الدين. وعلى هذا الأساس يكون « التقليد » في الواقع عبارة عن تحميل المسؤوليّة لذوي الإختصاص والمعرفة ، الأمر الذي جرت عليه سنّة الحياة في سائر المجالات كالمجال الصحّي الذي تقدّمت الإشارة إليه. وإنّما سمّي تقليد المجتهد « تقليداً » ، لأنّ المكلّف يضع عمله كالقلادة في رقبة المجتتهد الذي يقلّده تعبيراً رمزياً عن تحميله مسؤوليّته هذا العمل أمام الله سبحانه وتعالى ، وليس « التقليد » هو التعصّب الأعمى والإعتقاد بما يعتقده الآخرون جهلاً وبدون دليل. ففرق كبير بين أن يُبدي شخص رأياً معيّناً فتسارع أنت إلى اليقين ، والإعتقاد بذلك الرأي بدون ان تعرف دليلاً عليه وبدون أن يكون ذاك الشخص من ذوي الإختصاص والمعرفة بذاك الأمر ، وبين أن يبدي شخص رأياً فتتّبعه أنت وتحمّله مسؤوليّة هذا الرأي بحكم كونه من ذوي الإختصاص والمعرفة ، فالأوّل هو « التقليد المذموم عقلاً وشرعاً » ، الثاني هو « التقليد الصحيح الذي جرت عليه سنّة الحياة ، ويؤكّده العقل والشرع ». وقد احتاطت الشريعة لـ « التقليد » احتياطاً كبيراً ، ففرضت على الإنسان أن يقلّد أعلم المتخصّصين في حالة اختلاف آرائهم وأن لا يقلّد إلّا مَن كان عادلاً لا يميل عن الشرع إلى هواه خطوةً واحدة في صغير الأمور وكبيرها ، وذلك لكي يضمن المقلّد عن هذا الطريق أكبر درجة ممكنة من الصواب في رأي مرجعه الديني ومجتهده المتخصّص الذي يرجع إليه في فهم « الدين ». وأمرت الشريعة الإنسان بالعدول إلى الأكفأ والأعلم في اللحظة التي يجد فيها مَن هو أعلم و أكفأ من مجتهده الذي كان يقلّده ، كلّ ذلك للابتعاد بالتقليد عن معنى المتابعة العمياء ، والمتعصّب المذموم. وعلى ذلك جرت سنّة المؤمنين والمسلمين منذ عصور الأئمّة عليهم السّلام إلى يومنا هذا ، فقد كان الأئمّة عليهم السّلام يوجّهون السائلين من أبناء البلاد والأمصار الأُخرى إلى اتّباع الفقهاء من أبناء مدرستهم والرجوع إليهم ، وتقليدهم في فهم الشريعة وأحكامها ، ولا يرون لهم عذراً في التسامح في ذلك : « لا عذر لأحد من موالينا في التشكيك في ما يرويه عنّا ثقاتنا » . وفي الوقت الذي أوجبت فيه الشريعة « التقليد » بالمعنى الذي ذكرناه ، وذلك في فروع الدين من الحلال والحرام ، نرى أنّها حرّمت « التقليد » حتّى بهذا المعنى في أصول الدين فلا يجوز للإنسان أن يقلّد في عقائده الدينيّة الأساسيّة أحداً حتّى ولو كان من ذوي الاختصاص والمعرفة ، ولم تسمح الشريعة للإنسان بأن يتّبع غيره في رأي يُبديه في أصول الدين بدون أن يعرف دليله عليه ويثق هو شخصيّاً بذاك الرأي ، فالمطلوب شرعاً في أصول الدين هو أن يحصل لكلّ شخص العلم واليقين بربّه ونبيّه ومعاده وإمامه ، وأن يتحمّل بنفسه مسؤوليّة عقائده الدينيّة الأساسيّة ، بدلاً عن أن يقلّد فيها ويحمّل غيره مسؤوليّتها. وأصول الدين محدودة عدداً من ناحية ، ومنسجمة مع الفطرة والعقل على نحو تكون الرؤية الباشرة الواضحة ميسورة فيها للإنسان غالباً من ناحية أُخرى ، وذات أهمّية قصوى في حياة الإنسان من ناحية ثالثة ، فلذا كان تكليف الشريعة كلّ إنسان ببذل الجهد المباشر في البحث عنها واكتشاف حقائقها أمراً طبيعياً ، ولا يواجه غالباً صعوبة كبيرة ولا يؤثّر على المجرى العملي لحياة الإنسان. وحتّى إذا واجه أحياناً صعوبات فالإنسان جدير ببذل الجهد لتذليل تلك الصعوبات فيجب عليه بحكم العقل أن يجهد لكي يصل إلى الحقيقة ، وذلك لأنّ المسألة مسألة عقيدة ، والعقيدة هي أهمّ شيء في كيان الإنسان وشخصيّته وإذا جهد وبذل ما في وسعه فسوف يصل إلى الحقيقة إن شاء الله تعالى : ( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ) [ العنكبوت : 69 ] . هذا هو مبدأ « الإجتهاد » ، وهذا هو مبدأ « التقليد ». وهذان المبدأن مستمرّان لا ينقطعان ، ومتجدّدان لا يجمدان مادام العصر عصر غيبة الإمام المعصوم عليه أفضل الصلاة والسّلام وعجّل الله فرجه ، وذلك لأنّ مصادر الشريعة محفوظة ـ ولله الحمد ـ إلى يومنا هذا في « القرآن الكريم » كاملاً ، و بدون أيّ نقصان ، وكذلك في عدد كبير من أحاديث « السنّة الشريفة ». إذن فمن الطبيعي أن يستمرّ « الإجتهاد » كتخصّص علمي في فهم تلك المصادر واستخراج الشريعة والدين منها ، ومن الطبيعي أيضاً أن تنمو خبرات المجتهدين وتتراكم لفتاتهم وانتباهاتهم على مرّ الزمن وتكون للمجتهد المتأخّر زمنيّاً رصيداً أكبر وعمقاً أوسع بالإستنباط. وهذا من الأسباب التي تدعوا إلى عدم جواز جمود المقلّدين على رأي فقيه من فقهاء عصر الغيبة طيلة قرن أو قرون ، لأنّ ذلك كالجمود على رأي طبيب من الأطبّاء طيلة قرن أو قرون رغم نموّ الطبّ بعده وتراكم الخبرات لدى الأطبّاء خلال تلك المدّة. ومن هنا كانت رابطة المقلّد بالمرجع الديني رابطةً حيّة متجدّدة باستمرار ويزيدها قدسيّة ما يتمثّل في المرجع من نيابة عامّة عن الإمام الغائب عليه أفضل الصلاة والسّلام. وحينما وضعت الشريعة هذين المبدأين ـ الإجتهاد والتقليد ـ كمبدئين مستمرّين مادام « الكتاب » و « السنّة » ، وفرضت « المجتهد » محوراً ومرجعاً للناس في شؤون الدين ، استعملت كلّ الأساليب الكفيلة بإنجاح هذين المبدئين وأدائهما لرسالتهما الدينيّة باستمرار : فمن ناحية نرى أنّ الشريعة أوجبت « الإجتهاد » وجوباً كفائيّاً على المسلمين ، ومعنى الوجوب الكفائي هو أنّه إذا قام به البعض وبلغوا درجة الإجتهاد سقط الوجوب عن الآخرين ، وإذا أهمل المسلمون جيمعاً هذا الواجب فلم يتوفّر في المجتمع الإسلامي مجتهد واجد للشروط يرجع إليه الناس في شؤون الدين كان الجميع آثمين مستحقّين للعقوبة الإلهيّة الأُخرويّة. والعدد الواجب توفّره في المجتمع من المجتهدين ليس محدَّداً شرعاً بل يتحدّد وفقاً للحاجة. هذا عن ايجاب الشريعة للإجتهاد وحثّها على طلب العلم ودراسة علوم الشريعة ، قال الله تبارك وتعالى : ( فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) [ التوبة : 122 ] . ومن ناحية أُخرى نرى أنّ الشريعة حثّت على التمسّك بالعلماء والسؤال منهم ، قال تعالى : ( فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ) [ النحل : 43 ، الأنبياء : 7 ] . وقدّمت العلماء إلى الناس بوصفهم ورثةً للأنبياء ، فقد جاء في الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله أنّ « العلماء ورثة الأنبياء » [ الكافي : 1 : 34 ، الحديث 1 ] . وجاء عنه صلّى الله عليه وآله أنّه قال : « اللهم ارحم خلفائي » . فقيل : يا رسول الله ، ومَن خلفاؤلك ؟ قال : « الذين بأتون من بعدي يروون عنّي حديثي وسنتّي فيعلّمونها الناس من بعدي » [ وسائل الشيعة 18 : 66 ] . وفي رواية عن الإمام أمير المؤمنين علي عليه أفضل الصلاة والسّلام أنّه قال : « مجاري الأمور و الأحكام على أيدي العلماء بالله ، الأمناء عل حلاله وحرامه » [ تحف العقول : 238 ] . إلى غير ذلك من الأحادث الروايات . ورغّبت الشريعة ـ بشتّى الأساليب ـ في التقرّب من العلماء والإستفادة منهم حتّى جعلت النظر إلى وجه العالم عبادة ، للترغيب في الرجوع إليهم والأخذ منهم. وبقدر عظمة المسؤوليّة التي أناطتها الشريعة بالعلماء شدّدت عليهم وتوقّعت منهم سلوكاً عامراً بالتقوى والإيمان والنزاهة ، نقيّاً من كلّ ألوان الاستغلال للعلم لكي يكونوا ورثة الأنبياء حقّاً. فقد جاء عن الإمام الحسن العسكري عليه السّلام في هذا الصدد قوله : « فأمّا مَن كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظاً لدينه مخالفاً لهواه مطيعاً لأمر مولاه فللعوامّ أن يقلّدوه » . [ تفسير الإمام العسكري : 300 ] وفي رواية عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال : « مَن استأكل بعلمه افتقر » . فقيل له : إنّ في شيعتك قوماً يتحمّلون علومك ويبثّونها في شيعتكم يتلقون منهم الصلة. فقال : « ليس أولئك بمستأكلين إنّما ذاك الذي يفتي بغير علم ولا هدى من الله ليبُطل به الحقوق طمعاً في حطام الدين » . [ وسائل الشيعة 18 : 102 ] . وفي حديث عن الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله أنّه قال : « الفقهاء أمناء الرسل ما لم يدخول في الدنيا » . [ الكافي 1 : 46 ] . وأخيراً فقد جاء في الأحاديث التأكيد على أنّ مبدأ الإجتهاد أضافة إلى استمراره شرعاً ـ كما لاحظنا ـ مستمرّ عملاً وواقعاً وأنّ الدين لن يعدم ولن يفقد أبداً العلماء القادرين عل استيعابه والتفقّه فيه وتفهيمه للآخرين ورفع الشبهات عنه والدفاع عن حوزته. فقد جاء في الحديث الشريف عن رسول الله صلّى الله عليه وآله أنّه قال : « يحمل هذا الدين في كلّ قرن عدون ينفون عنه تأويل المبطلين وتحرف الغالين وانتحال الجاهلين كما ينفي الكير خبث الحديد » . [ وسائل الشيعة 18 : 109 ] . وصفوة القول هي أنّ التفريق بين ما هو دين ثابت وما هو ليس كذلك لا سبيل إليه عادة سوى الرجوع إلى الأخصائيين في شؤون الدين. والله العالم ، والسّلام عليكم.
الجواب من السيّد علي الحائري: قد تطلق كلمة « البدعة » ويقصد بها معناها العام الشامل لأمرين كلاهما محرّم في الشريعة : أحدهما : هو الكذب والإفتراء الذي يعني إدخال ما ليس من الدين في الدين بمعنى أن تنسب إلى الدين وإلى الشريعة أمراً لم يقرّه الدين حقّاً ولم تقل به الشريعة ، فإنّ هذا كذب وإفتراء ، وهو محرّم شرعاً ، قال الله تبارك وتعالى : ( آللَّـهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّـهِ تَفْتَرُونَ ) [ يونس : 59 ] ؟ وثانيهما : هو التشريع الذي يعني إدخال ما لم يعلم كونه من الدين في الدين ، بمعنى أن تنسب إلى الدين والشارع أمراً لا تعلم يقيناً إنّه ممّا أقرّه الشرع بل تحتمل عدم كونه من الدين ، فإنّ هذا الإسناد تشريع وحرام شرعاً ، قال الله تبارك وتعالى : ( أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّـهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ) [ البقرة : 80 ] ؟ هذه هي البدعة المحرّمة وهي الضلالة بعينها. أمّا الخلاف الفقهي الدائر بين الفقهاء في المسائل الفقهية فهو ليس داخلاً في دائرة « البدعة » بل هو خلاف دائر بين الأخصّائيين في شؤون الدين حول أمر معيّن ، فيراه أحد طرفي الخلاف أنّه من الدين بينما يراه الطرف الآخر أنّه ليس من الدين وكلّ من طرفي الخلاف يعتقد بما يراه ويثق به يقيناً ، فلا هذا الطرف كاذب أو مشرِّع ولا ذاك الطرف ، لأنّ الطرف الأوّل الذي يرى أنّ هذا الأمر من الدين قاطع وجازم بذلك وهو من المتخصّصين في الشريعة حسب المفروض. إذن فقطعه هذا يبرّر له إسناد ما يراه إلى الشارع ، فإنّ القطع بالحكم الشرعي موضوع لجواز إسناد ذاك الحكم إلى الشارع والإفتاء به حتّى وإن لم يكن ذاك الحكم ثابتاً في الشريعة واقعاً وكان قطع هذا المجتهد المتخصّص خاطئاً وغير مطابق للواقع ، فإنّ هذا الإسناد والإفتاء ليس كذباً وإفتراءاً في نظر هذا الشخص بل هو بحكم إحرازه أنّ هذا من الدين يحرز أنّ الإفتاء به وإسناده إلى الشارع ليس كذباً وإفتراءاً. إذن فالطرف الأوّل قاطع وجازم بأنّه ليس كاذباً ومفترياً كذلك هو جازم بأنّه ليس مشرّعاً ، لأنّ التشريع المحرّم ـ كما لاحظنا ـ عبارة عن إسناد ما لم يعلم كونه من الدين إلى الدين ، بينما الطرف الأوّل حينما يسند الأمر المعيّن إلى الشارع يعلم إنّه من الدين ، فإسناده وإفتاؤه ليس إسناداً وإفتاءاً لما لا يُعلم. هذا هو الحال الطرف الأوّل من طرفي الخلاف وهو الذي يرى أنّ هذا الأمر من الدين فلا هو كاذب ولا هو مشرّع. وكذلك حال الطرف الثاني الذي ينكر كون هذا الأمر من الدين ، فإنّ إنكاره هذا ليس في نظره ورأيه كذباً وإفتراءاً على الشارع ، لأنّه قاطع بذلك كما قلنا ، وقطعه يبرّر له ذلك تماماً كما لاحظنا في الطرف الأوّل ، وليس إنكاره تشريعاً أيضاً ، لأنّه ليس ممّا لا يعلم كما قلنا. إذن فالخلاف الفقهي بين الفقهاء في مسألةٍ معيّنة لا يتمّ إلى « البدعة » بصلة أبداً ، بل هو كالخلاف الدائر بين الأطبّاء في مسالة طبيّة معيّنة ، فكما أنّ الخلاف الطبّي لا يُعتبر إدخالاً لما ليس من الطبّ في الطبّ ، كذلك الخلاف الفقهي. وأمّا السبيل للتمييز بين ما هو ابتداع في الدين وما هو اجتهاد فقهي فهو عبارة عن التخصّص في علوم الشريعة ، وبذل الجهد العلمي وتحمّل عناء البحث والدرس الطويل الأمد إلى أن يصبح الإنسان من ذوي الإختصاص والمعرفة لكي يكون قادراً عل التمييز بين الأمرين ، وبدون ذلك لا يتيسّر التفريق بينهما ، ولا تخلو محاولة التفريق حينئذٍ من خطر الإنحراف الذي يهدّده ، والله العاصم ، والسّلام عليكم.
الجواب من السيّد علي الحائري: نعم ، كان موجوداً في البيت كما ترويه الروايات (1) ، وهو الذي سمح لها بفتح الباب ، وحاشا للزهراء سلام الله عليها أن تقوم بعملٍ لا يرضى به الإمام أمير المؤمنين عليه أفضل الصلاة والسلام. والهدف معارضة تلك الخلافة الغاصبة ، وشجب تلك البيعة المشؤومة ، ورفض البيعة غير المشروعة ، والإعلان عن مخالفة عليّ عليه السّلام لما قرّروه من خلافة أبي بكر. ولعلّ السّبب والحكمة في ترشيح الزهراء سلام الله عليها للقيام بهذا الدور في ذاك الظرف الحسّاس ، ما كانت تتمتّع به من مكانة خاصّة عند المسلمين باعتبارها حبيبة المصطفى صلى الله عليه وآله ، فكان من الطبيعي أن يُتوقّع ارتداع المهاجمين على دارها ، ورجوعهم عن مداهمة البيت عندما يواجهون الزهراء سلام الله عليها خلف الباب ، حتّى أنّهم عارضوا عمر بن الخطّاب حينما هَدَّد أن يحرق الدار على مَن فيها ، وقالوا له : إنّ فيها فاطمة ، لكن مَن كان يتوقّع أن يجيب على هذا الاعتراض بقوله : وإنْ (2) ، يعني حتّى وإن كانت فيها فاطمة. وأمّا سكوت الإمام سلام الله عليه ، وعدم قيامه بأيّ دفاعٍ وردّ فعلٍ ؛ فلأنّّه كان مأموراً من قِبَل النبيّ صلّى الله عليه وآله بالسكوت والصبر (3). فسلام الله على الزهراء وعلى أبيها وبعلها وبنيها. الهوامش 1. راجع : كتاب سليم بن القيس الهلالي / الصفحة : 148 ـ 150 / الناشر : دليل ما. تفسير العياشي / المجلّد : 2 / الصفحة : 66 ـ 67 / الناشر : المكتبة العلميّة الإسلاميّة ـ تهران. أنساب الأشراف « للبلاذري » / المجلّد : 1 / الصفحة : 586 / الناشر : معهد المخطوطات بجامعة الدول العربيّة. الإمامة والسياسة « لابن قتيبة الدينوري » / المجلّد : 1 / الصفحة : 30 ـ 31 / الناشر : الشريف الرضي ـ قم. 2. الإمامة والسياسة « لابن قتيبة الدينوري / المجلّد : 1 / الصفحة : 30 / الناشر : الشريف الرضي ـ قم : قال : وإن أبا بكر رضي الله عنه تفقد قوماً تخلفوا عن بيعته عند علي كرم الله وجهه ، فبعث إليهم عمر ، فجاء فناداهم وهم في دار علي ، فأبوا أن يخرجوا فدعا بالحطب وقال : والذي نفس عمر بيده لتخرجن أو لأحرقنها على من فيها ، فقيل له : يا أبا حفص ، إن فيها فاطمة ؟ فقال : وإنْ ، ... راجع : أبهى المداد « لابن عطية » / المجلّد : 1 / الصفحة : 474 / الناشر : مؤسسة الأعلمي. بحار الأنوار « للشيخ المجلسي » / المجلّد : 28 / الصفحة : 356 / الناشر : مؤسسة الوفاء / الطبعة : 2. 3. راجع : كتاب سليم بن القيس الهلالي / الصفحة : 150 / الناشر : دليل ما. كتاب سليم بن القيس الهلالي / الصفحة : 134 ـ 136 / الناشر : دليل ما. خصائص الأئمّة « للسيد الرضي » / الصفحة : 72 ـ 73 / الناشر : مجمع البحوث الإسلاميّة. نهج البلاغة « للسيد الرضي » / الصفحة : 48 / الناشر : مركز البحوث الإسلاميّة / الطبعة : 1.
الجواب من السيّد علي الحائري: نحن وإن كنّا نؤمن بأنّ الدليل العقلي حجّة ويجوز العمل به ، لكنّنا لم نجد حكماً واحداً يتوقّف إثباته على الدليل العقلي بالمعنى الذي يختلف الأصوليّون مع الأخباريّين في أنّه هل يسوغ العمل به أم لا ؟ بل كلّ حكمٍ يثبت بالدليل العقلي فهو ثابت في نفس الوقت بكتابٍ أو سنّة. وأمّا الإجماع فهو ليس مصدراً من مصادر الاستنباط إلى جانب القرآن والسنّة ، ولا يُعتمد عليه إلّا من أجل كونه وسيلة من وسائل إثبات الدليل الشرعي الصادر عن الشارع ، وتوضيح هذا المطلب موكول إلى علم الأصول. إذن : فالمصدران الوحيدان هما القرآن والسنّة ، ونبتهل إلى الله تعالى أن يجعلنا من المتمسّكين بهما ، ومَن استمسك بهما فقد استمسك بالعروة الوثقى لاانفصام لها والله سميع عليم ، وقد قال النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم : « إنّي تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلّوا أبداً كتاب الله وعترتي أهل بيتي » . (1) وأمّا عمل أخيكم وهو اتّباع أحد الفقهاء فلابدّ من أن يكون مطابقاً للموازين الفقهيّة التي تعرفونها للتقليد واتّباع الفقيه ، فلا بدّ من توفر الشروط اللازمة في ذاك الفقيه ، وإلّا فهو عمل غير سائغ وليس احتياطاً ، بل هو الهلاك بعينه ، والله العالم. الهوامش 1. راجع : مسند أحمد / المجلّد : 3 / الصفحة : 14 ، 17 ، 26 ، 59 / الناشر : دار الفكر. راجع : سنن الترمذي / المجلّد : 5 / الصفحة : 662 / الحديث : 3786 / الناشر : دار احياء التراث العربي ـ بيروت. راجع : صحيح مسلم / المجلّد : 4 / الصفحة : 1874 / الحديث : 37 / الناشر : دار الفكر ـ بيروت. راجع : الخلاف / المجلّد : 1 / الصفحة : 27 / الناشر : مؤسسة النشر الاسلامي. راجع : المعتبر / المجلّد : 1 / الصفحة : 23 / الناشر : مؤسسة سيّد الشهداء عليه السلام.
الجواب من السيّد علي الحائري: نعم هي أحاديث صحيحة عند الفريقين ، فنكاح المتعة ممّا أحلّه القرآن الكريم وكذلك السنّة النبوية الشريفة ، وطبّقه المسلمون في عهد النبيّ صلّى الله عليه وآله ، وكذلك في عهد أبي بكر. أمّا القرآن الكريم : فقد قال تعالى : ( فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ) (1). وأمّا السنّة النبويّة : وكذلك تطبيق المسلمين لهذا القانون فيكفيكم في ذلك الرجوع إلى نفس قول عمر بن الخطّاب ، حينما أراد أن يحرّم ذلك حيث قال : « متعتان كانتا على عهد رسول الله أنا اُحرّمهما واُعاقب عليهما » (2). والسّلام عليكم. الهوامش 1. النساء : 24. 2. راجع : مسند أحمد / المجلّد : 1 / الصفحة : 52 / الناشر : دار الفكر. راجع : سسن الكبرى « للبيهقي » / المجلّد : 7 / الصفحة : 206 / الناشر : دار الفكر. راجع : كنز العمال « للحسام الدين الهندي » / المجلّد : 16 / الصفحة : 519 ـ 523 / الناشر : مؤسسة الرسالة / الطبعة : 5. راجع : أحكام القرآن « للجصاص » / المجلّد : 2 / الصفحة : 152 / الناشر : دار الفكر.
الجواب من السيّد علي الحائري: الحلّ يا أخي العزيز هو ما أشرت إليه أنت بنفسك ، وهو أنّ تثق بعدم وجود أيّ مشكلة لديك سوى الوسواس الذي يلعب في عقلك على حدّ تعبيرك فأيّ مشكلة هذه ؟ هل الرؤيا حجّة ؟ طبعاً لا ، سَل جميع الفقهاء في ذلك فسوف لا تحصل على واحد منهم يُفتي بأنّ الرؤيا حجّة ، فكيف يجوز لك أن تعتمد على مثل هذه الأحلام وترتّب عليها الأثر وتصبح شاكّاً في دينك وفي عقيدتك ؟ إنّ الأرزاق بيد الله تبارك وتعالى وعليك أن تتوكّل على الله وتعتمد عليه وتثق به فلا ابن سيرين ، ولا مَن هو أكبر من ابن سيرين يمكنه أن يتحكّم في الأرزاق بغير إذن الله تبارك و تعالى ولا أحد يعلم الغيب إلّا الله تبارك وتعالى ، ومَن علّمه الله علم الغيب ، وهم الأئمّة عليهم السلام ، والأئمّة عليهم السلام لم يُخبروا عن أنّك سوف تصبح فقيراً ـ والعياذ بالله ـ ، فكن واثقاً بالله ومتوكّلاً عليه ، ولا يكن همّك سوى أن تعمل بواجباتك وتكاليفك التي فرضها الله عليك من الصلاة والصوم والزكاة والخمس والحجّ وغيرها ، وفقنا الله وإيّاكم لما يحبّ ويرضى ، والسلام عليكم.
الجواب من السيّد علي الحائري: لا شكّ في أنّ خروج الإمام الحسين عليه الصلاة والسلام كان ثورة في وجه « الجاهلية الثانية » التي أعادها الحكم الأموّي باسم الإسلام حينما أصبح مثل يزيد شارب الخمور ، وراكب الفجور ، وقاتل النفس المحترمة ، والمعلِن للكفر ، خليفة لرسول الله صلّى الله عليه وآله (1). وحينما كانت الأمّة الإسلامية قد ماتت إرادها ، ولم تكن قادرة على التغيير رغم أنّها كانت تدرك الإنحراف الذي حصل ، والخطر الذي يهدّد الدين ؛ ذلك لأنّها كانت تعاني من مرض « فقدان الإرادة » الذي قد يصيب الفرد ، وقد يصيب المجتمع والأمّة على العموم ، فالمجتمع آنذاك كان كما صوّره الفرزدق للإمام الحسين عليه السلام : « قلوبُهم معك ، وسيوفُهم عليك » (2) ، فقلوبهم تحبّ التغيير وإزاحة كابوس الكفر والجاهليّة المخيّم على الإسلام والمسلمين والمتمثّل بـيزيد ، لكن هذه القلوب فاقدة للإرادة والتصميم والعزم بحيث تُمسك بالسيوف وتجرّدها في وجه هذا الكابوس ، بل هي على العكس تصبح الأداء الطيّعة لللنظام الجاهلي الحاكم ، وتقف في وجه مَن يريد التغيير حتّى ولو كان الثائر الحسين بن علي بن أبي طالب سبط رسول الله صلّى الله عليه وآله وسيّد شباب أهل الجنّة. ولقد أجاد جعفر الحلّي رحمه الله حين قال : لم أدرِ أين رجال المسلمين مضوا وكيف صار يزيد بينهم ملكا العاصر الخمر من لؤم بعنصره ومن خساسة طبع يعصر الودكا لئن جرت لفظة التوحيد في فمه فسيفه بسوى التوحيد ما فتكا قد أصبح الدين منه يشتكي سقماً وما إلى أحد غير الحسين شكا الهوامش 1. راجع : مقتل الحسين عليه السلام « لعبد الرزاق المقرّم » / الصفحة : 129 / الناشر : مؤسسة الخرسان للمطبوعات. اللهوف في قتلى الطفوف « للسيد ابن طاووس » / الصفحة : 26 / الناشر : أنوار الهدى / الطبعة : 1. بحار الأنوار « للعلّامة المجلسي » / المجلّد : 44 / الصفحة : 338 / الناشر : مؤسسة الوفاء / الطبعة : 2. 2. الأغاني « لأبي الفرج الأصفهاني » / المجلّد : 21 / الصفحة : 257 / الناشر : دار إحياء التراث العربي. راجع : دلائل الإمامة « لمحمّد بن جرير الطبري » / الصفحة : 182 / الناشر : مؤسسة البعثة / الطبعة : 1. مقتل الحسين عليه السلام « لعبد الرزاق المقرّم » / الصفحة : 177 / الناشر : مؤسسة الخرسان للمطبوعات. مدينة العاجز « للسيد هاشم البحراني » / المجلّد : 3 / الصفحة : 451 / الناشر : مؤسسة المعارف الإسلامية / الطبعة : 1. 3. الانتصار « للعاملي » / المجلّد : 8 / الصفحة : 305 / الناشر : دار السيرة / الطبعة : 1. راجع : الأعلام الشرقية في المائة الرابعة عشرة الهجرية « لزكي محمد مجاهد » / المجلّد : 2 / الصفحة : 698 / الناشر : دار الغرب الإسلامي / الطبعة : 2.
الجواب من السيّد علي الحائري: هل عليّ عليه السلام بايع أبا بكر إجتهاداً أم عصمة ؟ لا شكّ من الناحية التاريخيّة في أنّ عليّاً عليه أفضل الصلاة والسلام لم يبايع أبا بكر بيعةً حقيقيّةً ، فلقد امتنع عليه السلام عن البيعة قطعاً ، لكنّه بعد ذلك أُجبِر وأُكرِه على البيعة ، فتمّ نتيجة الإجبار والإكراه عمل صوري قد يُطلق عليه لفظ « البيعة » مجازاً وتسامحاً ، وإلّا فلا شكّ في أنّ المعنى الحقيقي للبيعة لم يتحقق ؛ ذلك لأنّ « البيعة » عقد ، ولها طرفان ، وبحاجة إلى قصد و إنشاء ، ولا معنى للعقد مع الإجبار والإكراه ، فأصل البيعة بمعناها الحقيقي لم يتمّ ، وإنّما الذي حصل هو أنّه عليه الصلاة والسلام أُكرِه على إجراء البيعة شكلياً وصورياً ، وإلّا فسوف يُقتَل لا محالة كما صرّح بذلك عمر بن الخطّاب ، فحقن دمه بهذا العمل الصوري الشكلي ، وهذا منه ليس اجتهاداً بمعنى ما يصدر من رأي يجوز فيه الخطأ ، بل هو عمل صادر عن معصوم ، ويقتضيه واجبه الشرعي ، وتكليفه الإلهي في مثل هذا الظرف ، والله العالم.
الجواب من السيّد علي الحائري: أنّ طريق إثبات النبوّة وتحصيل اليقين بالعقيدة والإيمان بها لا ينحصر بالممعاجز ، لأنّ المطلوب عقلاً في أصول الدين هو أن يحصل للإنسان العلم واليقين بربّه وبنبيّه ومعاده ودينه وإمامه وأن يتحمّل بنفسه مسؤوليّة هذه العقائد الأساسيّة بدلاً عن أن يقلّد غيره فيها ويحمّله مسؤوليّتها ، فالتقليد في أصول الدين حرام وقد عنّف القرآن الكريم بأشكال مختلفة أولئك الذين يقلّدون الآخرين في عقائدهم الأساسيّة ، وهذه العقائد محدودة ومنسجمة مع الفطرة بحيث تكون الرؤية المباشرة الواضحة ميسورة فيها غالباً ، فلذا يجب على كلّ إنسان أن يبذل الجهد المباشر في البحث عنها واكتشاف حقائقها ولا توجد غالباً صعوبة كبيرة ، وحتّى لو واجه صعوبة أحياناً فمن الجدير بالإنسان تذليل تلك الصعوبة ، لأنّ عقيدة الإنسان هي أهمّ ما فيه ، والله تعالى سوف يهديه : ( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ) [ العنكبوت : 69 ] . ومن الواضح أنّ الناس يختلفون في مستوياتهم الفكريّة والثقافيّة فلا يجب على كلّ إنسان سوي النظر والبحث في أصول الدين بالمقدار الذي يتناسب مع مستواه ، ويصل به إلى قناعة كاملة بالحقيقة تطمئنّ به نفسه ويعمر بها قلبه ويتحمّل مسؤوليّتها المباشرة أمام ربّه ، وذلك من أيّ طريق كان ، وإن لم يكن من المعاجز فقد يحصل للإنسان اليقين بالعقيدة من خلال كلمة أو جملة أو موقف عملي معيّن أو أيّ شيء آخر ، فالمهمّ هو الإيمان وهو متقوّم باليقين العقلي والخضوع القلبي ، والله العالم.
الجواب من السيّد علي الحائري: فالجواب هو أنّه لا يقاس الثاني بالأوّل أبداً ، فمن وجهة نظر الإسلام لا شكّ في أنّ الأوّل هو الأفضل ، بل أنّ الثاني لا فضل له أبداً فهو والمنتحر سيّان ، فهل للمنتحر فضيلة ؟ طبعاً لا ، كذلك الإنسان المادّي الذي عبّرتم عنه بأنّه ضحّي من أجل مبدئة ، إذ أيّ مبدأ هذا الذي ضحّى من أجله ؟ هل المادّية مبدأ ؟ وهل أنّ مَن يقتل نفسه في سيبل المادّية وأهدافها يُعتبر مضحّياً من وجهة نظر العقل والوجدان ؟ من الواضح أنّ العقل والوجدان لا يقرّ المادّية ولا يقبلها ، بل العقل والوجدان بكامل وجوده ينادي بأعلى صوته « آمنتُ بالله وباليوم الآخر » ، فكيف يمكن أن نسمّي هذا الإنسان المادّي الذي لا يعرف الله والقيامة ولم يقترب بعمله نحو الله تعالى أنّه ضحّى من أجل المبادئ والقيم ؟ بل انّ العقل والوجدان يعتبر هذا الإنسان قد انتحر وأهدر دمه بنفسه من دون الحصول على أجر ، والله العالم.
الجواب من السيّد علي الحائري: وأمّا السؤال القائل إنّ الله تعالى هل خلق الناس لكي يستعبدهم ؟ فالجواب نعم إنّه تعالى خلقهم لكي يحصلوا على ما كان لهم الحقّ الطبيعي في الحصول عليه وهو الكمال المناسب لهم ، ويرى الإسلام أنّ الكمال المناسب للإنسان يكمن في العبودية المخلصة لله وحده : ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) [ الذاريات : 56 ] ، ففي هذه العبوديّة ينطوي التحرّر من كلّ الأغلال والقيود وبدونها لا يحصل الإنسان على الحرّية الحقيقة ، وهذا هو الفارق الأساسي والمائز الجوهري بين الحرّية التي ينادي بها الإسلام والحرّية الغربيّة. وللمزيد من التوضيح والبسط لهذه النقطة يمكنكم الرجوع إلى جوابنا عن السؤال القائل : ما هو موقف الإسلام من الديمقراطيّة وحقوق الإنسان ؟ وبذلك يتضّح لكم الجواب على سؤالكم الآخر أيضاً وهو أنّه : لماذا يهدّد الله بالعذاب من لا يؤمن به ؟
الجواب من السيّد علي الحائري: وأمّا يوم القيامة فهو يوم الجزاء ، والجنّة والنار يمثّلان الجزاء العادل الذي يلقاه الإنسان الصالح والإنسان غير الصالح إزاء ما قام به من عمل في هذه الدنيا ولم يجد جزاءه هنا ، وهذا ما يدلّنا عليه العقل السليم والوجدان. فكلّنا نؤمن ـ بعقلنا الفطري البديهي ـ بوجود قيم ومبادئ عامّة للسلوك والتصرّف وهي القيم التي تؤكّد أنّ « العدل » حقّ وخير ، وأنّ « الظلم » باطل وشرّ ، وأنّ مَن يعدل في سلوكه جدير بالإحترام والمثوبة ، ومَن يظلم ويعتدي جدير بعكس ذلك. فهذه القيم التي نؤمن بها بعقلنا ووجداننا يدعونا إلى العدل والإستقامة والأمانة الصدق والوفاء ونحوها من صفات ، وتشجب الصفات المضادّة لها ، وأيضاً هذه القيم تطالب بالجزاء المناسب لكلّ من هذه الصفات ، فإنّ العقل الفطري السليم يدرك أنّ الظالم والخائن جدير بالمؤاخذة ، وأنّ العادل الأمين الذي يضحّي في سبيل العدل والأمانة جدير بالمثوبة ، وكلّ واحد منّا يجد في نفسه ووجدانه دافعاً من تلك القيم إلى مؤاخذة الظالم المنحرف وتقدير وتكريم العادل المستقيم ، ولا يحول دون تنفيذ هذا الدافع عند أحد إلّا عجزه عن اتّخاذ الموقف المناسب أو تحيّزه الشخصي ، وما زلنا نؤمن بأنّ الله سبحانه وتعالى عادل مستقيم في سلوكه وقادر على الجزاء المناسب ثواباً وعقاباً ، فلا يوجد ما يحول دون تنفيذه عزّ وجلّ لتلك القيم التي نؤمن بها بعقولنا وتطبيقه تعالى لتلك القيم في شكل الجزاء العادل ، فتلك القيم هي التي تفرض الجزاء ، وتحدّد المردود المناسب للسلوك الصالح الشريف والسلوك الشائن البغيض ؛ فمن الطبيعي أن نؤمن ، ونستنتج من ذلك أنّ الله سبحانه يجازي المحسن على إحسانه ، وينتصف للمظلوم من ظالمه ، ولكنّنا نلاحظ في نفس الوقت أنّ هذا الجزاء كثيراً ما لا يتحقّق في هذه الحياة الدنيا على الرغم من أنّ الله سبحانه وتعالى قادر على ذلك ، وما تقدّم خير دليل ـ بعد أخذ المعلومات السابقة بعين الإعتبار ـ على وجود يوم للجزاء في المستقبل يجد فيه العامل الذي ضحّى مثلاً من أجل هدف كبير ، ولم يقطف ثمار تضحيته ، والظالم الذي أفلَتَ من العقاب العاجل ، وعاش على دماء المظلومين وحطامهم ، يجد هذا وذاك في ذلك اليوم جزاء هما العادل ، وهذا هو يوم القيامة الذي يجسّد كلّ تلك القيم التي آمنّا بها بعقولنا ، وبدون وجود يوم القيامة لا يكون لتلك القيم معنى ، فالذي ينكر يوم القيامة يجب أن يرفع يده عن تلك القيم أيضاً.