الجواب من السيّد علي الحائري: الدليل على نبوّة نبيّنا محمّد بن عبد الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وعلى أنّ الدين الذي جاء به ـ وهو الإسلام ـ هو الدين الحقّ الذي دعت البشريّة منذ البعثة النبويّة وإلى يوم القيامة إلى الالتزام والإيمان والعمل به عبارة عن نفس الدليل الذي نثبت به وجود اللّه تبارك وتعالى كما ذكره سيّدنا الاُستاذ الشهيد السعيد آية الله العظمى السيّد محمّد باقر الصدر رضوان اللّه عليه وهو دليل علمي استقرائي وبنفس المناهج العلميّة التي نستخدمها في الإستدلال على الحقائق المختلفة في حياتنا الإعتياديّة وحياتنا العلميّة ، ولنمثّل لذلك أوّلاً بمثالين ثمّ نعرّج على نبوّة النبيّ الأعظم محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم ، والرسالة التي أعلنها على العالم باسم السّماء ، والمثالان أحدهما من حياتنا الإعتياديّة والآخر من حياتنا العلميّة : فالمثال الأوّل : للفكرة من حياتنا الإعتياديّة هو أنّك إذا تسلّمت رسالةً من أحد أقاربك ، وكان هذا القريب صبيّاً يدرس في مدرسة إبتدائيّة بأحد الأرياف ، فلاحظتَ أنّ الرسالة قد كُتبت بلغةٍ حديثة وبعبارات مركّزة وبليغة وبقدرة فنّية فائقة على تنسيق الأفكار وعرض أدقّ المعاني بصورة مثيرة ، فسوف تستنتج أن شخصاً مثقّفاً واسع الاطّلاع ، قويّ العبارة قد أملى الرسالة على هذا الصبيّ ، أو شيئاً من هذا القبيل. وإذا أردنا أن نحلّل هذا الإستنتاج والإستدلال نجد أن بالإمكان تجزئه إلى الخطوات التالية : الأولى : أنّ كاتب الرسالة صبيّ ريفي ، ويدرس في مدرسة إبتدائيّة. الثانية : أنّ الرسالة تتميّز بأسلوب بليغ ودرجة كبيرة من الإجادة الفنّية وقدرة فائقة على تنسيق الأفكار وعرض أدقّ المعاني وأرفعها. الثالثة : أنّ الاستقراء يثبت في الحالات المماثلة أنّ صبيّاً بتلك المواصفات لا يمكنه أن يصوغ رسالة بهذه المواصفات. الرابعة : يستنتج من ذلك أنّ الرسالة إذاً من نتاج شخص آخر استطاع ذلك الصبيّ أن يستفيد منه بنحو من الأنحاء ، ويسجّله في رسالته. والمثال الثاني : للفكرة من حياتنا العلميّة هو الدليل العلمي الذي أثبت به العلماء « الإلكترون » ، فقد درس بعض العلماء نوعاً معيّناً من « الأشعّة » وَلَّدها في أنبوبة مغلقة ، ثمّ سلّط على وسط الأنبوبة قطعة مغناطيس على شكل نعل الفرس ، فلاحظ إنّ « الأشعة » تميل إلى القطب الموجب من المغناطيس ، وتبتعد عن القطب السالب منه ، وكرّر التجربة في ظروف مختلفة حتّى تأكّد من أنّ تلك « الأشعّة » تنجذب بالمغناطيس ، وأنّ القطب الموجب في المغناطيس هو الذي يجذبها ، ولمّا كان هذا العالم يعرف من خلال استقرائه ودراساته للإشعاعات الأخرى ـ كالضوء الاعتيادي ـ أنّها لا تتأثّر بالمغناطيس ولا تنجذب إليه ، وأنّ المغناطيس يجذب الأجسام لا « الأشعة » أمكنه أن يدرك أن انجذاب الأشعّة المعيّنة التي كان يُجري عليها تجاربه وميلها إلى القطب الموجب من المغناطيس لا يمكن أن يُفسّر على أساس المعلومات المفترضة ، ومن هنا أكشف عاملاً إضافيّاً وحقيقةً جديدة ، وهي أنّ هذه الأشعّة تتألّف من أجسام دقيقة سالبة موجودة في جميع المواد ، لأنّها تنبعث من مختلف المواد ، وسمّيت هذه الجسميات بـ « الإلكترونات ». هذان مثالان لفكرة واحدة ، وهي أنّه كلّما لوحظت ظاهرة معيّنة ضمن عوامل وظروف محسوسة ، ولوحظ من خلال الإستقراء أنّ هذه العوامل والضروف المحسوسة لا تؤدّي ـ في الحالات المماثلة ـ إلى نفس الظاهرة ، فيدلّ ذلك على وجود عامل آخر غير منظور لابدّ من إفتراضه لتفسير تلك الطاهرة . وبكلمة أُخرى : أنّ النتيجة إذا جاءت أكبر من الظروف والعوامل المحسوسة ـ بحكم الإستقراء للحالات الممثلة ـ كشفت عن وجود شيء غير منظور وراء تلك الظروف والعوامل المحسوسة. وهذا ما يصدق تماماً على نبوّّة الرسول الأعظم محمّد بن عبد الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ورسالاته ، ودينه ـ الإسلام ـ ؛ وذلك ضمن الخطوات التالية : الأولى : أنّ هذا الشخص الذي أعلن هذه الرسالة المتمثّلة في « القرآن الكريم » و « الشريعة الإسلاميّة » ينتسب إلى شبه الجزيرة العربيّة التي كانت من أشدّ أقطار الأرض تخلّفاً في ذلك الحين من الناحية الحضاريّة والفكريّة والاجتماعيّة والسياسيّة والإقتصاديّة . وينتمي إلى الحجاز بالذات من أقطار تلك الجزيرة ، والحجاز قطر لم يمرّ حتّّى تاريخياً بمثل الحضارات التي نشأت قبل ذلك بمئات السنين في مواضع أُخرى محدّدة من تلك الجزيرة ، ولم يعرف أيّ تجربة اجتماعيّة متكاملة ، ولم ينل هذا القطر من ثقافة عصره ـ على الرغم من انخفاضها عموماً ـ شيئاً يذكر ، ولم ينعكس على أدبه وشعره شيء ملحوظ من أفكار العالم ، وتيّاراته الثقافيّة وقتئذٍ ، وكان منغمساً من الناحية العقائديّة في فوضى الشرك والوثنية ، ومفكّكاً اجتماعيّاً ، تسيطر عليه عقلية « العشيرة » ، وتلعب فيه الإنتماءاتُ إلى هذه العشيرة أو تلك دوراً أساسيّاً في أكثر أوجه النشاط بكلّ ما يؤدّي إليه ذلك من التناقضات ، وألوان الغزو والصراع الرخيص. ولم يكن البلد الذي نشأ فيه هذا الرسول قد عرف أيّ شكل من أشكال الحكم سوى ما يفرضه الولاء للقبيلة من مواصفات. ولم يكن وضع القوى المنتجة ، والظروف الاقتصاديّة في ذاك القطر من العالم يتميّز عن أكثر بقاع العالم المتخلّف حينذاك. وحتّى القرارة والكتابة ـ بوصفهما من أبسط أشكال الثقافة ـ كانت حالةً نادرةً نسبياً في تلك البيئة ؛ إذ كان المجتمع أمّياً على العموم : ( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ) [ الجمعة : 2 ] . وكان شخص النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم يمثّل الحالة الاعتياديّة من هذه الناحية ، فلم يكن قبل البعثة يقرأ ولا يكتب ، ولم يتلقّ أيّ تعليم منظّم أو غير منظم : ( وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ ) [ العنكبوت : 48 ] . وهذا النصّ القرآني دليل واضح على مستوى ثقافة الرسول قبل البعثة ، وهو دليل حاسم حتّى في حقّ مَن لا يؤمن بربّانيّة القرآن ؛ لأنّه ـ على أيّ حال ـ نصّ أعلنه النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم على بني قومه ، وتحدّث به إلى أعرف الناس بحياته وتاريحه ، فلم يعترض أحد على ما قال ، ولم ينكر أحد ما ادّعى. بل نلاحظ أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم لم يساهم قبل البعثة حتّى في ألوان النشاط الثقافي الذي كان شائعاً في قومه من شعر وخطابة ، ولم يُؤثَر عنه أيّ تميّز عن أبناء قومه سوى تميّزه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عنهم في التزاماته الخُلقية ، وأمانته ، ونزاهته وصدقه ، وعفّته. وقد عاش أربعين سنة قبل البعثة في قومه دون أن يحسّ الناس من حوله بأيّ شيء يميّزه عنهم سوى ذلك السلوك النظيف النزيه ، ودون أن تبرز في حياته أيّ بذور عمليّة أو اتّجاهات جادّة نحو عمليّة التغيير الكبرى التي طلع بها على العالم فجأةً بعد أربعين عاماً من عمره الشريف : ( قُل لَّوْ شَاءَ اللَّـهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ) [ يونس : 16 ] . وكان النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم قد ولد في مكّة ، وظلّ فيها طيلة الفترة التي سبقت البعثة ، ولم يغادرها إلى خارج الجزيرة العربية إلّا في سفرتين قصيرتين : أحداهما مع عمّه أبي طالب وهو صبيّ في أوائل العقد الثاني ، والأخرى بأموال خديجة وهو في أواسط العقد الثالث. ولم يتيسّر له بحكم عدم تعلّمه القراءة والكتابة أن يقرأ شيئاً من النصوص الدينية اليهوديّة أو المسيحيّة ، كما لم يتسرّب إليه أيّ شيء ملحوظ من تلك النصوص عن طريق البيئة ؛ لأنّ مكّة كانت وثنيّة في أفكارها وعاداتها ، ولم يتسرّب إليها الفكر الديني المسيحي أو اليهودي ، ولم يدخل الدين إلى حياتها بشكل من أشكالها ، وحتّى أولئك الحنفاء الذين رفضوا عبادة الأصنام من عرب مكّة لم يكونوا قد تأثّروا باليهوديّة أو المسيحيّة ، ولم ينعكس شيء من الأفكار اليهوديّة والمسيحيّة على ما خلّفه قسّ بني ساعدة أو غيره من تراثٍ أدبي وشعري. ولو كان النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم قد بذل أيّ جهد للاطلاع على مصادر الفكر اليهودي والمسيحي للوحظ ذلك ؛ إذ في بيئة ساذجة ومنقطعة الصلة بمصادر الفكر اليهودي والمسيحي ، ومعقّدة ضدّها لا يمكن أن تمرّ محاولة من هذا القبيل دون أن تلفت الأنظار ، ودون أن تترك بصماتها على كثير من التحرّكات والعلاقات. هذه هي الخطوة الأولى في الدليل. الثانية : أنّ الرسالة التي طلع بها النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم على العالم ، والتي هي متجسّدة في القرآن ، والشريعة الإسلاميّة تميّزت بخصائص كثيرة : منها : أنّها جاءت بنمط فريد من الثقافة الإلهيّة عن الله سبحانه وتعالى وصفاته وعلمه وقدرته ، ونوع العلاقات بينه وبين الإنسان ، ودور الأنبياء في هداية البشريّة ، ووحدة رسالتهم ، وما تميّزوا به من قيم ومُثُل ، وسنن اللّه تعالى مع أنبيائه ، والصراع المستمرّ بين الحقّ والباطل ، والعدل والظلم ، والارتباط الوثيق المستمرّ لرسالات السماء بالمظلومين والمضطهدين ، وتناقضها المستمرّ مع أصحاب المصالح والامتيازات غير المشروعة. وهذه الثقافة الإلهيّة الفريدة المطروحة في الإسلام ، وفي القرآن لم تكن فقط أكبر من الوضع الفكري والديني لمجتمع وثني منغمس في عبادة الأصنام ـ مجتمع الجزيرة العربيّة ـ بل كانت أكبر من كلّ الثقافات الدينيّة التي عرفها العالم يومئذٍ ، حتّى أنّ أيّ مقارنة تبرز بوضوح أنّها جاءت لتصحّح ما في تلك الثقافات من أخطاء ، وتعدّل ما أصابها من إنحراف ، وتعيدها إلى حكم الفطرة ، والعقل السليم. وقد جاء كلّ ذلك على يد إنسان أمّي في مجتمع وثنيّ شبه معزول عن العالم ، لا يعرف عن ثقافة عصره وكتبه الدينيّة شيئاً يذكر ، فضلاً عن أن يكون بمستوى القيمومة والتصحيح والتطوير. ومنها : أنّها جاءت بقيم ومفاهيم عن الحياة ، والإنسان ، والعمل ، والعلاقات الاجتماعيّة ، وجسّدت تلك القيم والمفاهيم في تشريعات وأحكام ، وكانت تلك القيم والمفاهيم ، وهذه التشريعات والأحكام ـ حتّى من وجهة نظر مَن لا يؤمن بربّانيّتها ـ من أنفس ، ومن أروع ما عرفه تاريخ الإنسان من قيم حضاريّة ، وتشريعات اجتماعيّة. فابنُ مجتمع القبيلة ظهر على مسرح العالم والتاريخ فجأةً لينادي بوحدة البشريّة ككلّ ، وابنُ البيئة التي كرّست ألواناً من التمييز والتفضيل على أساس العرق والنسب والوضع الاجتماعي ظهر ليحطّم كلّ تلك الألوان ، ويعلن أنّ الناس سواسية كأسنان المشط و ( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ) [ الحجرات : 13 ] ، وليحوّل هذا الإعلان إلى حقيقة يعيشها الناس أنفسهم ، ويرفع المرأة الموءودة إلى مركزها الكريم كإنسان تكافئ الرجل في الإنسانيّة والكرامة. وابن الصحراء التي لم تكن تفكّر إلّا في همومها الصغيرة ، وسدّ جوعتها ، والتفاخر بين أبنائها ضمن تقسيمها العشائري ظهر ليقودها إلى حمل أكبر الهموم ، ويوحدّها في معركة تحرير العالم ، وإنقاذ المظلومين في شرق الدنيا وغربها من إستبداد كسرى وقيصر. وابن ذلك الفراغ الشامل سياسيّاً وإقتصاديّاً بكلّ ما يعجّ به من تناقضات الربا والإحتكار والاستغلال ظهر فجأةًً ليملأ ذلك الفراغ ، ويجعل من ذلك المجتمع الفارغ مجتمعاً ممتلئاً له نظامه في الحكم وشريعته في العلاقات الاجتماعيّة والإقتصاديّة ، ويقضي على الربا والإحتكار والاستغلال ، ويعيد توزيع الثروة على أساس أن لا تكون دُولَة بين الأغنياء ، ويعلن مبادئ التكافل الاجتماعي ، والضمان الاجتماعي التي لم يناد بها التجربة الاجتماعيّة البشرية إلّا بعد ذلك بمئات السنين ، وكلّ هذه التحوّلات الكبيرة تمّت في مدّة قصيرة جدّاً نسبياً في حساب التحوّلات الاجتماعيّة. ومنها : أنّ الرسالة في نصوص قرآنيّة كثيرة تحدّثت عن تاريخ الأنبياء وأممهم ، وما مرّت بهم من وقائع وأحداث بتفاصيل لم تكن بيئة النبيّ العربي صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ الوثنية والأمّيّة ـ نعرف شيئاً عنها ، وقد تحدّى علماءُ الكتاب ـ علماءُ اليهود والنصارى ـ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسّلم أكثر من مرّة ، وطالبوه بالحديث عن تاريخ تراثهم الديني ، فواجه التحدّي بكلّ شجاعة ، وجاء القرآن بما طلبوا دون أن تكون هناك أيّ وسيلة اعتياديّة لتفسير اطّلاع النبي ّ صلّى اللّه عليه وآله وسّلم شخصيّاً على تلك التفاصيل : ( وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَىٰ مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ * وَلَـٰكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَـٰكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَـٰكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ) [ القصص : 44 ـ 45 ] . وممّا يبهر الملاحظ أنّ القصص الحقّ في القرآن لا يمكن أن تكون مجرّد استنساخ لما جاء في كتب العهدين ، حتّى لو افترضنا أنّ أفكار هذه الكتب كانت شائعة ومنتشرة في الوسط الذي ظهر فيه النبيّ صلّى الله عليه وآله وسّلم ؛ لأنّ الاستنساخ يمثّل دوراً سلبيّاً فقط ، دور الأخذ والعطاء ، بينما دور القرآن في عرض القصّة دور إيجابي ؛ فإنّه يصحّح ويعدّل ويفصل القصّة عمّا ألُصقت بها من ملابسات لا تتّفق مع فطرة التوحيد ، والعقل المستنير ، والرؤية الدينيّة السليمة. ومنها : أنّ القرآن بلغ في روعة بيانه وبلاغته وتجديده في أساليب البيان إلى درجة جعلت منه ـ حتّى من وجهة نظر غير المؤمنين بربّانيّته ـ حدّاً فاصلاً بين مرحلتين من تاريخ اللغة العربيّة ، وأساساً لتحوّل هائل في هذه اللغة وأساليبها. وقد أحسّ العرب الذين حدّثهم النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم بالقرآن بأنّه لا يشبه إطلاق ما ألفوه من أساليب البيان ، وما نشأوا عليه ، وأتقنوه من طرائق التعبير ، حتّى قال قائلهم ـ وهو الوليد بن المغيرة ـ حين استمع إلى القرآن : « والله لقد سمعت كلاماً ما هو من كلام الإنس ، ولا من كلام الجنّ ، وإنّ له لحلاوة ، وإنّ عليه لطلاوة ، وإنّ أعلاه لمثمر ، وإنّ أسفله لمعذق ، وإنّه ليعلو وما يُعلي ، وإنّه ليحطم ما تحته ». وكانوا لا يسمحون لأنفسهم بالاستماع إلى القرآن ، إحساساً منهم بأثره الهائل ، وخوفاً من قدرته الفائقة على تغيير نفوسهم ، وهذا دليل على التميّز الهائل للبيان القرآني ، وعدم كونه استمراراً متطوّراً لما ألفوه. وقد استسلموا أمام التحدّي المستمرّ والمتصاعد الذي واجههم النبيّ به ؛ إذ أعلن تارةً عجزهم مجتمعين متكاتفين عن الإتيان بمثل القرآن : ( قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَـٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ) [ الإسراء : 88 ] . وأكّد تارةً اخرى على عجزهم جميعاً عن الإتيان بعشر سورٍ مثل سور القرآن : ( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّـهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ) [ هود : 13 ] . وشَدّد ثالثةً على عجزهم عن الإتيان بما يناظر سورةً واحدةً من مثل سور القرآن : ( وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّـهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ) [ البقرة : 23 ] . أعلن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ذلك ، وكرّره على مجتمع لم يعرف صناعةً كما عرف صناعة الكلام ، ولم يتقن فنّاً كما أتقن فنّ الحديث ، ولم يتعوّد على شيء كما تعوّد على مجابهة التحّدي والتغنّي بالأمجاد ، ولم يحرص على أمرٍ كما حرص على إطفاء نور الرسالة الجديدة وتطويقها ، ومع ذلك كلّه لم يشأ هذا المجتمع الذي واجه تلك التحدّيات الكبيرة أن يجرّب نفسه ، ولم يحاول أن يعارض القرآن بشيء ؛ وذلك بسبب إيمانه بأنّ الأدب القرآني فوق قدرته اللغويّة والفنّية. والطريف هو أنّ الذي كان يحمل إليهم هذا الزاد الأدبي الجديد على حياتهم هو إنسان مكث فيهم أربعين سنة ، فلم يعهدوا له مشاركة في حلبة أدبيّة ، ولا تميزاً في أيّ فنٍّ من فنون القول والبيان. هذا عدد من خصائص الرسالة التي أعلنها النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم على العالم. وهنا يأتي دور الخطوة الثالثة لتؤكّد ـ على أساس الإستقراء العلمي في تاريخ المجتمعات ـ أنّ هذه الرسالة بتلك الخصائص التي درسناها في الخطوة الثانية هي أكبر بدرجة هائلة من الظروف والعوامل التي مَرَّ استعراضها في الخطوة الأولى ؛ فإنّ تاريخ المجتمعات ، وإن كان قد شهد في حالات كثيرة إنساناً يبرز على صعيد مجتمعه ، فيقوده ، ويسير به خطوةً إلى الأمام ، غير أننا هنا لا نواجه حالةً من تلك الحالات ، لوجود فوارق كبيرة : فمن ناحية : نحن نواجه هنا طفرةً هائلة ، وتطوّراً شاملاً في كلّ جوانب الحياة ، وإنقلاباً في القيم والمفاهيم ـ التي ترتبط بمختلف مجالات الحياة ـ نحو الأفضل ، بدلاً عن مجرّد خطوةٍ إلى الأمام. إنّ مجتمع القبيلة طفر رأساً ـ على يد النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ إلى الإيمان بفكرة المجتمع العالمي الواحد. وإنّ المجتمع الوثين طفر رأساً إلى دين التوحيد الخالص الذي صحّح كلّ أديان التوحيد الأُخرى ، وأزال عنها ما علق بها من زيفٍ وأساطير. وإنّ المجتمع الفارغ تماماً تحوّل إلى مجتمع ممتلئ تماماً ، بل إلى مجتمع قائد يشكّل الطليعة لحضارةٍ أنارت الدنيا كلّها. ومن ناحية أُخرى أنّ أيّ تطوّرٍ شاملٍ في مجتمعٍ إذا كان وليد الظروف والمؤثرات المحسوسة ، فلا يمكن أن يكون مرتجلاً ومفاجئاً ، ومنقطع الصلة عن مراحل تمهّد له ، وعن تيّار يسبقه ، ويظلّ ينمو ، ويمتدّ فكريّاً وروحيّاً حتّى تنضج في داخلة القيادة الكفوءة تزعمّه ، وللعمل من أجل تطويراً المجتمع على أساسه. إنّ دراسةً مقارنةً لتاريخ عمليّات التطوّر في مختلف المجتمعات توضّح لنا أنّ كلّ مجتمع يبدأ فيه هذا التطوّر فكرياً على شكل بذور متفرّقة في أرضيّة ذاك المجتمع ، وتتلاقى هذه البذور فتكوّن تيّاراً فكرياً ، وتتحدّد بالتدريج معالم هذا التيّار ، وتنضج في داخلة القيادة التي تتزعمه ، حتّى يبرز على المسرح كواجهة لجزء يعيش في المجتمع تناقض الواجهة الرسميّة التي يحملها المجتمع ، ومن خلال الصراع يتّسع هذا التيّار حتّى يسيطر على الموقف. وخلافاً لذلك نجد أنّ محمّداً صلّى الله عليه وآله وسلّم في تاريخ الرسالة الجديدة لم يكن حلقةً من سلسلة ، ولم يكن يمثّل جزءاً من تيّار ، ولم تكن للأفكار والقيم والمفاهيم التي جاء بها بذور أو رصيد في أرضية المجتمع الذي نشأ فيه. وأمّا التيّار الذي تكوّن من صفوة المسلمين الأوائل على يد النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم فقد كان من صنع الرسالة والقائد ، ولم يكن هو المناخ المسبق الذي ولدت فيه الرسالة ، وتكوّن القائد. ومن أجل ذلك نجد أنّ الفارق بين عطاء النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم وعطاء أيّ واجد من هؤلاء المسلمين الصفوة لم يكن فارق درجة كالفوارق التي تبدو بين بذرة وأُخرى من البذور التي تكوّن التيار الجديد ، بل كان فارقاً أساسيّاً لا حدّ له ، وهذا يبرهن على أنّ محمّداً صلّى الله عليه وآله وسلّم لم يكن جزءاً من تيّار ، بل كان التيّار الجديد جزءاً منه. ومن ناحية ثالثة يبرهن التاريخ على أنّ القيادة الفكريّة والعقائديّة والاجتماعيّة لتيّار جديد إذا تركّزت كلّها في محور واحد من خلال حركة تطوّر فكري واجتماعي معيّن ، فلابدّ أن يكون في هذا المحور من القدرة والثقافة والمعرفة ما يتناسب مع ذلك ، ولابدّ من أن يكون تواجدها فيه طبقاً لما يعرف عادةً من أساليب في حياة الناس ، ولابدّ من ممارسة متدرّجة أنضجته ووضعته على خطّ القيادة لذلك التيّار. وخلافاً لذلك نجد أن محمّداً صلّى الله عليه وآله وسلّم قد مارس بنفسه القيادة الفكريّة والعقائديّة والاجتماعيّة دون أن يكون تاريخيّة ـ كإنسان أمّي لم يقرأ ، ولم يكتب ، ولم يعرف شيئاً من ثقافة عصره وأديانه ـ يرشّحه لذلك من الناحية الثقافيّة ، ودون أن تكون له أيّ ممارسات تمهيديّة لهذا العمل القيادي المفاجئ. وعلى ضوء ذلك كلّه ننتهي إلى الخطوة الرابعة التي نواجه فيها التفسير الوحيد المعقول والمقبول للموقف ، وهو إفتراض عامل إضافي وراء الظروف والعوامل المحسوسة ، وهو عامل الوحي ، عامل النبوّة الذي يمثّل تدخل السماء في توجيه الأرض : ( وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَـٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ) [ الشورى : 52 ] . إذاً فالرسالة والشريعة الإسلاميّة ، ودين الإسلام من حيث المحتوى حقيقة إلهيّة وربّانيّة ، وفوق الشروط والظروف المادّية ، والعوامل المحسوسة : ( إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّـهِ الْإِسْلَامُ ) [ آل عمران : 19 ] ، ( وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ ) [ آل عمران : 85 ] . فالبشريّة جمعاء ـ منذ بعثة النبيّ محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم وإلى يوم القيامة ـ بدعوّة من قبل اللّه تبارك وتعالى إلى الاعتقاد بهذا الدين ، والإيمان بهذه الشريعة ، والإعتراف بنبوّة هذا النبيّ ، وتطبيق هذه الرسالة الإلهيّة في كلّ مجالات حياتها ، والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، وصلّى الله على رسوله وحبيبه وصفيّه محمّد بن عبد الله وعلى أهل بيته الطاهرين. خصائص الرسالة الإسلاميّة فالإسلام هو دين الله الذي بعث به محمّداً صلّى الله عليه وآله وسلّم رحمةً للعالمين ، ولهذا الدين خصائص وميزات تميّزه عن سائر الأديان السماويّة ، وتجعل منه حدثاً فريداً في التاريخ ، وفيما يلي نذكر عدداً من هذه الخصائص والسمات بإيجاز : أوّلاً : إنّ هذا الدين ظلّ سليماً ضمن « القرآن الكريم » دون أن يتعرّض لأيّ تحريف ، بينما مُنيت الأديان والكتب السماويّة السابقة بالتحريف ، وأفرغت من كثير من محتواها ـ للأسف ـ وذلك بأيدي الجهلة والمغرضين ، وأدخلت فيها أفكار سقيمة وباطلة ، أمّا القرآن الكريم فلم تمتد إليه يد التحريف ، بل بقي كالشمس الساطعة يضيء القلوب والعقول : ( قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّـهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّـهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ ) [ المائدة : 15 ـ 16 ] . ولا يتلى القرآن الكريم بمضيّ الزمان ، بل يتجلّى إعجازه أكثر فأكثر لما سوف نشير إليه بإذن الله تعالى. فالقرآن الذي يتداوله المسلمون حالياً هو نفسه الذي نزل على النبي محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم دون أن يضاف عليه شيء أو يحذف منه شيء ، فمنذ الأيّام الأولى نزول الوحي كان كُتّاب الوحي يدوّنونه ، وكان المسلمون مكلّفين بتلاوة الآيات النازلة آناء الليل وأطراف النهار ، وفي صلواتهم اليوميّة ، ولذا فقد حفظ « القرآن الكريم » عن ظهر القلب عدد كبير من المسلمين ، وقد حظي حفّاظ القرآن وقرّاؤه بمكانة خاصة في المجتمع الإسلامي ، وهذه العوامل وغيرها أدّت إلى صيانة القرآن من التحريف والتغيير ، والأهمّ من ذلك كلّه هو أنّ الله سبحانه وتعالى قد ضمن حفظ القرآن إلى الأبد ، فلا يمكن أن تمسّه يد التحريف والتغيير مطلقاً ، قال تعالى : ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) [ الحجر : 9 ] . وأجمع الباحثون وكبار علماء الإسلام ـ من الشيعة والسنّة ـ على أنّ القرآن لم يتعرّض للتحريف. ولم يقل بالتحريف إلّا النزر اليسير ، والعدد القليل جدّاً من كلا الفريقين ؛ وذلك استناداً إلى بعض الروايات ، إلّا أنّ الأكثريّة الساحقة من علماء المسلمين رفضوا هذا الرأي بصورة قاطعة ، واعتبروا تلك الروايات موضوعة ، أو أنّها تقصد التحريف المعنوي ، أيّ التفسير المحرّف والخاطئ لآيات القرآن ، أو أنّه قد حصل الخلط ـ لدى القائلين بالتحريف ـ بين تفسير القرآن ، وبين النصّ القرآني نفسه. وعلى أيّ حال فإنّ دراسة المسار التاريخي لجمع القرآن منذ عصر النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ، والاحتمام الشديد من قبل المسلمين بكتابته وحفظه وتلاوته ، ووجود كتّاب الوحي ، وغيرها من العوامل تكشف عن هذه الحقيقه ، وهي أنّ يد التحريف لم تستطع أن تمتدّ إلى القرآن أبداً. ولا يوجد أيّ قرآنٍ آخر عند أيّ فرقة من فرق المسلمين غير هذا القرآن المتداول والموجود اليوم بين أيدي المسلمين ، فأيّ مقولة أُخرى في هذا المجال مرفوضة جملةً وتفضيلاً. واحتفاظ الرسالة الإسلاميّة بمحتواها العقائدي والتشريعي ضمن النصّ القرآني هو الذي يمكّنها من مواصلة دورها التربوي ، وكلّ رسالة تفرغ من محتواها بالتحريف والضياع لا تصلح أداة ربط بين الإنسان وربّه ، والحال أنّ الإسلام يستهدف قبل كلّ شيء ربط الإنسان بربّه وبمعاده ، والسبب في عدم صلاحيّة الرسالة المحرّفة للقيام بدور الأداة التي تربط الإنسان بمبدأه وبمعاده هو أن هذا الربط لا يتحقّق بمجرّد الانتماء الإسمي إلى الرسالة والشريعة والديانة ، وأن يُسمّى الإنسان مسلماً أو نصرانيّاً أو يهوديّاً مثلاً ، بل يتحقّق الربط بين الإنسان وبين ربّه من خلال التفاعل مع محتوى الرسالة والشريعة والدين وتجسيد ، هذا الدين في الفكر والسلوك ، ومن أجل ذلك كانت سلامة الدين الإسلامي بسلامة النصّ القرآني الشرط الضروري لقدرة هذا الدين على مواصلة أهدافه. ثانياً : إنّ بقاء القرآن نصّاً وروحاً معناه أن نبوّة محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم لم تفقد أهمّ وسيلة من وسائل إثباتها ، وأهمّ معجزة من معاجزه صلّى الله عليه وآله وسلّم ؛ لأنّ القرآن وما يعبّر عنه من مبادئ الرسالة والشريعة كان هو الدليل العلمي الاستقرائي عندنا على نبوّته ، وعلى حقّانية دين الإسلام الذي جاء به ، وفقاً لما تقدّم ، وهذا الدليل العلمي يستمرّ ويبقى مادام القرآن باقياً. وخلافاً لذلك النبوّات التي يرتبط إثباتها بوقائع معيّنة تحدث في لحظة وتنتهي ، كإبراء الأكمه والأبرص على يد عيسى ـ على نبيّنا وآله وعليه أفضل الصلاة والسلام ـ ، أو عصا موسى ويده البيضاء ـ على نبيّنا وآله وعليه أفضل الصلاة والسلام ـ ، أو غير ؛ فإنّ هذه الوقائع لا يشهدها عادةً إلّا المعاصرون لها ، وبمرور الزمن ، وتراكم القرون تفقد الواقعة شهودها الأوائل ، ويعجز الإنسان غالباً عن الحصول على أيّ تأكيد حاسم لها عن طريق البحث والتنقيب ، وكلّ نبوّة لا يمكن التأكّد من دليلها لا يمكن أيضاً أن يكلّف الله سبحانه وتعالى الإنسان بالاعتقاد بها ، أو بالبحث عن وسيلة إثباتها ؛ لأنّه ( لَا يُكَلِّفُ اللَّـهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا ) [ الطلاق : 7 ] ، ونحن اليوم نعتمد ـ في إيماننا بالأنبياء السابقين ، وبكتبهم ، وبمعاجزهم ـ على إخبار القرآن الكريم بذلك. ثالثاً : إنّ مرور الزمن ـ كما عرفنا ـ لا ينقص من قيمة الدليل الأساسي على حقّانية دين الإسلام ، ولكن ليس هذا فقط ، بل أنّه أيضاً يمنح هذا الدليل أبعاداً جديدة من خلال تطوّر المعرفة البشريّة ، واتّجاه الإنسان إلى دراسة الكون بأساليب العلم والتجربة ، وليس ذلك فقط لأنّ القرآن الكريم سبق إلى الاتّجاه نفسه ، وربط الأدلّة على الصانع الحكيم بدراسة الكون ، والتعمّق في ظواهره ، ونَبَّه الإنسان إلى ما في هذه الدراسة من أسرار ومكاسب ، بل لأنّ الإنسان الحديث يجد اليوم في هذا الكتاب ـ الذي جاء به رجل أمّي في بيئة جاهلة ومتخلّفة قبل مئات السنين ـ إشارات واضحة إلى ما كشف عنه العلم الحديث ، حتّى لقد قال المستشرق الإنجليزي « أجنيري » ـ وهو أستاذ اللغة العربيّة في جامعة أكسفورد ـ عند ما اكتشف العلم دور الرّياح في التلقيح : « إنّ أصحاب الإبل قد عرفوا أنّ الرّيح تلقّح الأشجار والثمار قبل أن يتوصل العلم في أوربا إلى ذلك بعدّة قرون » يشير بذلك إلى قول القرآن الكريم : ( وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ ) [ الحجر : 22 ] . إذاً فالقرآن الكريم ليس فقط لا يبتلى بمضيّ الزمان ، بل يتجلّى إعجازه ، وتتّضح عظمته ، وتتبلور دلالته على نبوّة محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم حقّانية دين الإسلام أكثر فأكثر. وقد ورد في حديث عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال بشأن القرآن : « إنّ الله تبارك وتعالى لم يجعله لزمانٍ دون زمان ، ولناسٍ دون ناسٍ ، فهو في كلّ زمان جديد ، وعند كلّ قومٍ غَضّ إلى يوم القيامة » . [ بحار الأنوار 2 : 280 ، الحديث : 44 ] . رابعاً : إنّ هذا الدين ـ دين الإسلام ـ جاء شاملاً لكلّ جوانب الحياة ، وعلى هذا الأساس استطاع أن يوازن بين تلك الجوانب المختلفة ، ويوحّد أسسها ، ويجمع في إطار صيغة كاملة بين « الجامع » و « الجامعة » ، و « العمل » و « الحقل » ، ولم يعد الإنسان يعيش حالة الانشطار والانفصال بين حياته الروحيّة المعنويّة وحياته الجسديّة الدنيويّة. خامساً : إنّ هذا الدين هو الدين السماوي الوحيد الذي طبّق على يد الرسول الذي جاء به صلّى الله عليه وآله وسلّم ، وسجّل في مجال التطبيق نجاحاً باهراً ، واستطاع أن يحوّل الشعارات التي أعلنها إلى حقائق في الحياة اليوميّة للناس. سادساً : إنّ هذا الدين بنزوله إلى مرحلة التطبيق دخل التاريخ ، وساهم في صنعه ؛ إذ كان هو حجر الزاوية في بناء أمّةٍ حملت هذا الدين ، واستنارت بهداه. ولمّا كان هذا الدين ربّانياً ، وعطاءاً سماويّاً للأرض فوق العوامل والمؤثّرات المحسوسة ، نتج عن ذلك ارتباط تاريخ هذه الأمّة بعاملٍ عيّني لا يخضع للحسابات المادّية للتاريخ ، ومن هنا كان من الخطأ أن نفهم تاريخنا ضمن إطار العوامل والمؤثّرات الحسيّة فقط ، أو أن نعتبره حصيلة ظروف مادّية ، أو تطوّر في قوى الانتاج ، فانّ هذا الفهم المادّي للتاريخ لا ينطبق على أمّةٍ بُني وجودها على أساس رسالة السماء ، ودين الله تعالى ، وما لم ندخل هذه الرسالة ، وهذا الدين في الحساب كحقيقةٍ ربّانيّة ، لا يمكن أن نفهم تاريخ هذه الأمّة. سابعاً : إنّ هذا الدين لم يقتصر أثره على بناء هذا الأمّة ، بل امتدّ من خلالها ليكون قوّةً مؤثرة وفاعلة في العالم كلّه على مسار التاريخ ، ولا يزال المنصفون من الباحثين الأوربيين يعترفون بأنّ الدّفعة الحضاريّة للإسلام هي التي حرّكت شعوب أوربا النائمة ، وأيقظتها ونبّهتها إلى الطريق. ثامناً : إنّ النبيّ محمداً صلّى الله عليه وآله وسلّم الذي جاء بهذا الدين تميّز عن جميع الأنبياء الذين سبقوه بتقديم دينه بوصفه آخر دين ربّاني ، وآخر أطروحة إلهيّة ، وبهذا أعلن أنّ بنبوّته هي النبوّة الخاتمة ، وفكرة النبوّة الخاتمة لها مدلولان : أحدهما سلبي ، وهو المدلول الذي ينفي ظهور نبوّة أُخرى إلى الأبد. والآخر إيجابي ، وهو المدلول الذي يؤكّد استمرار النبوّة الخاتمة ، وامتدادها ما امتدّت العصور والأجيال إلى يوم القيامة. وحينما نلاحظ المدلول السلبي النبوّة الخاتمة نجد أنّ هذا المدلول قد انطبق على الواقع تماماً خلال الأربعة عشر قرناً التي تلت ظهور الإسلام ، وسيظلّ منطبقاً على الواقع مهما امتدّ الزمن ، غير أن عدم ظهور نبوّة أُخرى على مسرح التاريخ ليس ؛ لأنّ النبوّة تخلّت عن دورها كأساس من أسس الحضارة الإنسانيّة ؛ بل لأنّ النبوّة الخاتمة جاءت بالرسالة الوريثة لكلّ ما يعبّر عنه تاريخ النبوّات من رسالات ، جاءت بالرّسالة المشتملة على كلّ ما في تلك النبوّات والرسالات من قيم تابتة دون ما لا بسها من قيم مرحليّة ، وبهذا كانت هي الرسالة المهيمنة القادرة على الاستمرار مع الزّمن ، وكلّ ما يحمله الزمن من عوامل التطوّر والتجديد : ( وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ) [ المائدة : 48 ] . تاسعاً : وقد اقتضت الحكمة الرّبّانية الّتي ختمت النبوّة بمحمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم أن تُعدّ له أوصياء يقومون بأعباء الإمامة والخلافة بعد اختتام النبوّة ، وبعد انقطاع الوحي ، ورحيل الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم ، وهم اثنا عشر إماماً ، قد جاء النصّ على عددهم من قبل رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في أحاديث صحيحة اتّفق المسلمون على روايتها ، أوّلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، وبعده الحسن ، ثمّ الحسين ، وبعده تسعة من ولد الحسين على الترتيب التالي ، علي بن الحسين السجّاد ، ومحمّد بن علي الباقر ، وجعفر بن محمّد الصادق ، وموسى بن جعفر الكاظم ، وعلي بن موسى الرضا ، ومحمّد بن علي الجواد ، وعلي بن محمّد الهادي ، والحسن بن علي العسكري ، ومحمّد بن الحسن المهدي صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. عاشراً : وفي حالة غيبة الإمام الثاني عشر ـ عجّل اللّه تعالى ظهوره وفرجه ـ أرجَعَ الإسلام الناس إلى الفقهاء لأخذ معالم دينهم عنهم ، وفَتَح باب الاجتهاد بمعنى بذل الجهد في استنباط الأحكام الشرعيّة من الكتاب والسّنة. هذه صورة موجزة عن الإسلام ، وعن الدليل على أنّه هو دين الحقّ نأمل أن تنفعكم بإذن الله تعالى.
الجواب من السيّد علي الحائري: لم نعثر على النصّ المذكور أعلاه ، وإنّما المروي والمنقول نصّان حصل الخلط في سؤالكم بينهما : أحدهما : نصّ للصلاة على فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها بصيغة : « اللهم صلّ على فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها بعدد ما أحصاه كتابك وأحاط به علمك » ، وليس فيها المقطع المسؤل عنه في السؤال ، أيّ « والسّر المستودع فيها » ولا منعى له ؟ ثانيهما : نصّ الدّعاء والتوسّل بهم إلى اللّه تعالى بصيغة : « اللهم إنّي أسألك بفاطمة وأبيها وبعلها وبنيها والسّرّ المستودع فيها » ، وهذه الصيغة مروية عن الإمام الصادق عليه السلام حيث روي عنه أنّه قال : « إذا أردت أن تستخير اللّه تعالى وتطلب منه أن يهديك إلى الخير فيما تريد الإقدام عليه فقل : « اللهم أنّي ... » » . والمحور في كلا النصّين فاطمة سلام اللّه عليها ، وهذا يكشف عن عظمة مقامها وشموخ مرتبتها وموقعها عند اللّه تعالى. وأمّا « السّرّ المستودع فيها » فلا يمكننا أن نعرف كنهه وحقيقته وإلّا لما كان سرّاً ، والذي يظهر لنا هو أنّ نوع السّرّ سرّ كامن في خلقتها وتركيبتها وتكوينها ، فهو سرّ مستودع فيها وليس عندها ، فإنّ من الأمور المتّفق عليها في مصادر الشيعة ، وقد رويت في عدد من مصادر العامّة أنّ أصل مادّة بدن الصدّيقة الطاهرة الزهراء سلام اللّه عليها ليست من مادّة هذا العالم الدنيوي بل هي من الجنّة ومن أعلى أشجارها وأفضل ثمارها ، وأنّ جبرئيل عليه السلام أخذ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في معراجه إلى الجنّة إلى شجرة طوبى وأطعمه من ثمارها ، أو أهدي له وهو في الأرض من ثمارها فأكلها فتكوّنت نطفة فاطمة وحملت بها خديجة الكبرى سلام اللّه عليها وعلى ابنتها ، فقد روى السيوطي ذلك في « الدر المنثور » ، والطبراني في « معجمه » ، والثعلبي في تفسيره ، وغيرهم من كبار علماء السنّة ومحدّثيهم. فالزهراء سلام اللّه عليها فريدة في تكوينها ، وعناصر جسدها الطاهر ، ومن الواضح ضرورة التناسب بين الجسد والروح ، فإنّ النفس والروح الإنسانيّة مثلاً لا تتناسب مع جسد الحيوان ، ولا يمكن أن تحلّ فيه ، بل لابدّ من تسوية الجسد وإعداده إعداداً خاصّاً ثمّ حلول الروح فيه ، قال تعالى : ( فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ ) [ الحجر : 29 ] . فالروح لا تحلّ إلّا في بدن تمّت تسويته في أحسن تقويم ، وإذا كان بدن الإنسان الاعتيادي مخلوقاً في أحسن تقويم فما ظنّك بالبدن الذي لم تؤخذ عناصره الأصلية من عالم الدنيا والمُلك بل أخذت من عالم الملكوت الأعلى كبدن الصّديقة الطاهرة سلام اللّه عليها ، وكيف ستكون النفس والروح التي تناسب مثل هذا البدن وتحلّ فيه ؟ هذا هو السّرّ الذي لم يفهم الطبراني ، ولا السيوطي ، ولا الفخر الرازي ، ولا كلّ مَن روى منهم وكتب حديث خلق فاطمة من ثمار شجرة طوبى ، إنّ شجرة طوبى شجرة وحيدة منفردة وقد شاء اللّه تعالى أن يجعل أصل خلقه بنت سيّد أنبيائه وأمّ أوصيائه من أعلى ثمار هذه الشجرة الفريدة ، فما هي الروح المتناسبة مع هذا البدن التي اختارها اللّه لفاطمة سلام اللّه عليها ؟ إنّها من أسرار اللّه تعالى التي لا نستطيع أن نفهمها ، ولكنّنا نفهم منها لماذا ورد أن ندعو اللّه تعالى فنقول : « اللّهم إنّي أسألك بفاطمة وأبيها وبعلها وبنيها والسرّ المستودع فيها ». نعم إنّ قضية الزهراء سلام اللّه عليها بهذا المستوى من العظمة والأهميّة ، غاية الأمر أنّ كلّ إنسان يفهم منها بقدر عقله ، ومستوى فكره ، ومدى سعة إنائه لتقبّل حقائق هذا الكون ، فإنّ هذه القلوب أوعية وخيرها أوعاها. فبعضهم يفهم من الزهراء سلام اللّه عليها أنّها أمّ نموذجيّة أو زوجة مثاليّة ، أو قدوة لنساء العالم ، أو .. أو .. وكلّ هذا إنّما هو على حدّ فهم وشعوره ، وعلى قدر عقله. إلّا أنّ قضية الزهراء سلام اللّه عليها أعظم من كلّ ذلك بكثير ، فعند ما نبحث عن أسرار اللّه المودعة في الروح الفريدة للزهراء سلام اللّه عليها ذات التكوين الجسدي الفريد نصل إلى أن روحها خلقت من نور عظمة اللّه تعالى ، وهنا نصل إلى قول الإمام الصادق سلام اللّه عليها : « إنّما سمّيت فاطمة ، لأنّ الخَلق فُطموا عن معرفتها » . فأنّى للخَلق أن يعرفوا فاطمة ؟ ليس فقط « الناس » بل « الخلق » الذي يشمل « الإنس » و « الجنّ » و « الملائكة » ، فالكلّ مفطومون وعاجزون وقاصرون عن أن ينالوا معرفتها. فأيّ شخصيّة هذه التي عَزَّ مقامها عن أن تنال الخلائق معرفتها ؟ لابدّ لنا من أن نتأمّل في هذا الأمر بل ينبغي أن يتأمّل في ذلك كبار مفكّري الإنسانيّة من أصحاب التفكير الراقي ويتساءلوا عن حقيقة هذه المسألة فمَن هي فاطمة ؟ وماذا فيها من الغيب والسّرّ الذي جعلها ترتفع عن أن يعرفها أصحاب العقول الراقية ؟ وأيّ سّر في شخصيّتها فطم الخلق عن معرفته ؟ إنّ قدر فاطمة سلام اللّه عليها مجهول عند أهل الارض وظلامتها أيضاً وسوف لا يعرف مقامها حتّى يكون يوم المحشر فيظهر اللّه ظلامتها ومقامها العظيم ويفتح لها اعتباراً غير محدود ، يأتيها جبرئيل فيقول لها : « سلي تعطين حاجتك » ، ولا حدّ لهذه الحاجة ، إنّ حقيقةً كالحقيقة القائلة : إنّ الزهراء سلام اللّه عليها « حوراء إنسيّة » ، ليست مسألة بسيطة ، فهي في الوقت الذي هي إنسية ومن الناس ومن عالم المُلك والناسوت ، هي حوراء ومن الملكوت الأعلى ولا غرو ولا عجب في ذلك فعندما يكون نسيج البدن من أرقى ثمار الجنّة وأنقاها وأصفاها ، ويكون الأب خير الخلق ، والأمّ خير النساء فأيّ بدن طاهر سيكون هذا البدن ؟ ثمّ الروح التي سترتبط بهذا البدن أيّ روح ستكون ؟ إنّها روح الصدّيقة الطاهرة سلام اللّه عليها فهي ليست امرأة من النساء كما يتصوّر بعض الجهلة السطحيون في التفكير ، إنّها جوهر وناموس ، وسرّ وجود ، وقضيّة فوق ما نقدر عقولنا على استيعابه بل فوق ما تقدر أذهاننا على تصوّرة وإدراكه. ولذا فهي « السّرّ » ، وفيها « السّرّ » ، ولا نعرف بالضبط ما هو هذا « السّرّ » ؟ إنّ النبيّ الأعظم الذي لا ينطق عن الهوى ، والذي يخضع الأنبياء كلّهم أمام قوله وفعله ، عندما يقول عن شجرة طوبى وثمرتها : « لم أرَ في الجنّة أحسن منها ، ولا أبيض ورقاً ، ولا أطيب ثمرة » ، ومعنى « لم أرَ » هو أنّه « لا يوجد » ، وإلّا لرآه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، فنطفة فاطمة سلام اللّه عليها جاءت من ثمره تلك الشجرة. إذاً : فهذا يعني أنّ أصل بدن فاطمة هو أنقى ما في الكون ، فأيّ روح تناسب ذلك البدن تحلّ فيه ؟ فعبارة « الحوراء الإنسيّة » هي العبارة المناسبة للتعريف بشخصية الزهراء سلام اللّه عليها مع ما في هذه العبارة من أسرار وغوامض. إنّ خلق الزهراء سلام اللّه عليها من ثمر شجرة طوبى ـ التي ورد وصفها في مصادر العامّة ، وذكرها القرآن الكريم ، ووردت روايات كثيرة في مصادرنا ومصادر غيرنا في عظمتها ، وأنّها الأولى في الجنّة والأكبر ، ولها ميزات : منها : أنّ جذعها ومغرسها وترتبها في قصر النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في الجنّة. ومنها : أنّ اللّه تعالى غرسها بيده ، وهذا كناية عن أنّ ملائكة اللّه بمَن فيهم كبار الملائكة كجبرئيل وميكائيل وإسرافيل لا يصلون إلى مستوى غرس هذه الشجرة ـ يفتح نافذةً للبشر يتعرّف من خلالها على الظواء شخصيّتها سلام اللّه عليها على أسرار ، ومغيّبات لا يعرف ولا يمكن أن يعرف كنهها. هذا ما قد نفهمه من المقطع المذكور في السؤال : « والسّرّ المستودع فيها » أنّه سرّ كان لابدّ له من مقدّمات : معراج النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، وتناوله لثمرة شجرة طوبى ، وتحوّل ذلك إلى نطفة ، وانعقادها في رحم تلك المرأة العظمة التي أعطت كلّ ما تملك ـ وهي من أثرى أثرياء قريش ـ لربّها ، وآمنت باللّه ، وصدّقت النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم حين كذّبه الناس ، والتي لم تدّخر لنفسها من مالها شيئاً حتّى الكفن الذين تكفن فيه ، فأنزل اللّه تعالى لها كفناً بواسطة جبرئيل ، هذه المرأة التي يقول اللّه تعالى لنبيّه في المعراج : « إقرأ خديجة عنّي السلام » ، كان لابدّ من هذه المقدّمات ليتكوّن هذا البدن الذي يكون محلّاً لهذا السّر إنّها سرّ ، سرّ اللّه الأعظم ، فقد كان قلبها سرّاً ، وما في ذاك القلب كان سرّاً ، وألمها كان سرّاً ، ولونها كان سرّاً ، وما تحمّلته كان سرّاً ، وقدرها كان سرّاً ، ومقامها ما زال سرّاً ، فهي سرّ في سرّ ، وحتّى القبر الذي حوى جثمانها الطاهر سرّ ، صلوات اللّه وسلامه عليكِ يا مولاتي يا ممتحنة امتحنك اللّه الذي خلقك قبل أن يخلقك فوجدك لما امتحنك صابرة.
الجواب من السيّد علي الحائري: وجود قرآن آخر عند الشيعة إتّهام آخر موجَّه إلى الشيعة وهم برآء من ذلك ، فقرآن الشيعة هو قرآن سائر المسلمين وهو المصحف الموجود بأيدينا اليوم ولا تعتقد بقرآنٍ آخر أصلاً. وأمّا لوح فاطمة سلام الله عليها فهو ليس قرآناً ، ولا يعتقد شيعيّ في العالم أنّه قرآن ، بل حديث اللوح حديث مشهور رواه كثير من المحدّثين بأسانيد عديدة عن الإمام الباقر عليه السلام (4) ، وعن الإمام الصادق عليه السلام (5) ، وعن جابر بن عبد الله الأنصاري. والحديث يتضمّن وجود لوحٍ عند الصّدّيقة الزهراء سلام الله عليها أهداه الله تبارك وتعالى إلى رسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، وأعطاه الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم لابنته فاطمة سلام الله عليها ليبشّرها بما فيه ، وفي اللّوح اسم أبيها واسم بعلها واسم ولديها الحسن والحسين ، واسم الأوصياء من ولدها ، فهو إذاً صحيفة تتضمّن أسماء هؤلاء المعصومين سلام الله عليهم ؛ فأين هذا من القرآن ؟ الهوامش 1. من عقائد الشيعة « لعبدالله بن محمد السلفي » / الصفحة : 70 / الطبعة : 3. 2. الكافي « للشيخ الكليني » / المجلّد : 1 / الصفحة : 527 ـ 528 / الناشر : دار الكتب الإسلاميّة / الطبعة : 3. 3. الوافي « لمحمد محسن الفيض الكاشاني » / المجلّد : 2 / الصفحة : 296 ـ 298 / الناشر : الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام / الطبعة : 1. 4. راجع : عيون أخبار الرضا « للشيخ الصدوق » / المجلّد : 1 / الصفحة : 47 ـ 48 / الناشر : مؤسسة الأعلمي / الطبعة : 1. كمال الدين وتمام النعمة « للشيخ الصدوق » / الصفحة : 311 / الناشر : مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجامعة المدرسين. الاحتجاج « للشيخ الطبرسي » / المجلّد : 2 / الصفحة : 136 ـ 138 / الناشر : دار النعمان للطباعة والنشر. اعلام الورى بأعلام الهدى « للشيخ الطبرسي » / المجلّد : 2 / الصفحة : 178 ـ 179 / الناشر : مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث / الطبعة : 1. 5. راجع : كمال الدين وتمام النعمة « للشيخ الصدوق » / الصفحة : 308 ـ 311 / الناشر : مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجامعة المدرسين. الأمالي « للشيخ الطوسي » / الصفحة : 291 ـ 292 / الناشر : دار الثقافة. الاحتجاج « للشيخ الطبرسي » / المجلّد : 1 / الصفحة : 84 ـ 87 / الناشر : دار النعمان للطباعة والنشر. الغيبة « لمحمد بن إبراهيم المعروف » / الصفحة : 69 ـ 72 / الناشر : منشورات أنوار الهدى / الطبعة : 1. عيون أخبار الرضا « للشيخ الصدوق » / المجلّد : 1 / الصفحة : 48 ـ 50 / الناشر : مؤسسة الأعلمي / الطبعة : 1. الاختصاص « للشيخ المفيد » / الصفحة : 210 ـ 212 / الناشر : منشورات الجامعة المدرسين في الحوزة العلمية. الغيبة « للشيخ الطوسي » / الصفحة : 143 ـ 146 / الناشر : مؤسسة المعارف الإسلامية / الطبعة : 1.
الجواب من السيّد علي الحائري: الجزية ضريبة ماليّة محدّدة تأخذها الدولة الإسلاميّة الحاكمة على المجتمع البشري من أهل الذّمة من الكفّار ، وذلك في مقابل حقن دمائهم وحُسن إدارتهم وحفظ ذمّتهم ، ولها شروط محدّدة مذكورة في الفقه ، وهذه الشروط غير متوفّرة في عصرنا الحاضر. وقد وردت الجزية في القرآن الكريم في قوله تعالى : ( قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّـهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ) [ التوبة : 29 ] . وأهل الكتاب هم اليهود والنصارى والمجوس ، وقد ذكرت الآية الشريفة الحكمة في الأمر بقتالهم من خلال الأوصاف الثلاثة التي ذكرتها لهم ، وهي عدم الإيمان باللّه وباليوم الآخر إيماناً مقبولاً عند اللّه غير منحرف عن الصواب. وعدم تحريمهم ما حرّم اللّه ورسوله من خلال عدم مبالاتهم في التظاهر بالمحرَّمات في داخل المجتمع البشري ممّا يُفسر المجتمع ويُربك النظام الإسلامي ويُفشل مخطّطات الدولة الإسلاميّة الحاكمة بشأن تربية المجتمع البشري تربية صالحة. والثالث هو عدم التزامهم بدين الحقّ المنطبق مع واقع الفطرة والخلقة الإلهيّة ، وهو دين الإسلام. ومن الواضح لدى مَن يتدبّر في مقاصد الإسلام وأهدافه العامّة أنّ قتال أهل الكتاب حتّى يعطوا الجزية ليس الهدف والغرض منه أن يتمتّع المسلمون أو قيادتهم بمتاع الحياة الدنيا ويسترسلوا في الشهوات وينهمكوا فيها كما يفعله المترَفون من الملوك والرؤساء حينما يَغلبون وينتصرون على غيرهم ، وإنّما غرض الإسلام من ذلك إظهار دين الحقّ على الباطل وإحياء سنّة العدل في قبال الظلم وترجيح كلمة التقوى على الفسق والفجور ، فالإسلام يستهدف إقامة دولة إسلاميّة عالميّة واحدة قائمة على أساس التوحيد الخالص عن كلّ شوب وانحراف ، وذلك كي يربّي المجتمع البشري تربية صالحة يعد من خلالها ويصل إلى ما يمكنه الوصول إليه من مراتب الرّقيّ والكمال ، ومن الطبيعي لمثل هذه الدولة التي تستهدف الوصول إلى مثل هذا الغرض محاربة كلّ العوامل التي تراها مزاحمة لغرضها هذا واستئصال كلّ منافذ التربية الفاسدة من المجتمع ، أمّا إذا لم ترتض جماعة معيّنة هذه التربية الإسلاميّة الفَذّة لنفسها وأرادت أن تكون حُرّة فيما ترتضيه لنفسها من تربية ، فسوف لا تمنعها الدولة الإسلاميّة الحاكمة عن ذلك ، بل تعطيها الحرّية في البقاء على دينها إذا كان في دينها شيء من التوحيد وإن لم يكن توحيداً خالصاً ، كدين اليهوديّة والنصرانيّة والمجوسيّة بشرط أن لا تتظاهر هذه الجماعة بمزاحمة التربية الصالحة التي تشهد فيها الدولة الإسلاميّة الحاكمة ، أيّ لا تتظاهر بالمحرَّمات المانعة عن التربية الصالحة في داخل المجتمع ، فالدولة الإسلاميّة الحاكمة تعطيها الحريّة في البقاء على دينها بهذا الشرط وفي قبال دفع ضريبة مالية محدّدة تصرفها الدولة الإسلاميّة الحاكمة في شؤون إدارة المجتمع الذي يضمّ هذه الجماعة أيضاً ، فيكون لها ما لسائر أبناء المجتمع من حقن الدم وحفظ المال والعرض. هذا هو شأن الجزية وفلسفتها في الإسلام وهذا غاية العدل والإنصاف ، ومنح الحرّيّة من قِبَل دولة قويّة حاكمة بيدها مجاري الأمور كلّها ، ومن قِبَل دين غالب على سائر الأديان. إذاً ، فليست القضيّة بالشكل المطروح في السؤال بحيث يقال لليهودي أو النصراني أو المجوسي ، إمّا أن تكون مسلماً أو أن تدفع الجزية ، بل يقال له لك الاختيار التامّ والحرّية الكاملة في قبول الإسلام ورفضه ، فإن اقتنعتَ به واخترته بكامل حريّتك ديناً لنفسك كانت لك كلّ حقوق المسلمين ومزاياهم ، فلك ما لَهم ، وعليك ما عليهم ، وإن رفضت قبول الإسلام وأردت البقاء على دينك والعيش في ظلّ الدولة الإسلاميّة الحاكمة وفي كنفها فلك أيضاً ذلك لكن تؤخذ منك ضريبة مالية محدّدة في مقابل ضمان الدولة لك حفظ نفسك وعرضك ومالك عن الإعتداء والضياع ، فهل يا ترى توجد في هذا الحكم مخالفة للعدل والإنصاف أم هو عين العدل والإنصاف ؟ وهل الجزية حينئذٍ إلّا رمزاً للخضوع لمقرّرات الدولة الإسلاميّة في قبال العيش في كفنها وتحت حمايتها ؟
الجواب من السيّد علي الحائري: هل يمكن تزويدي بالوثائق التي تشير إلى ولادة الإمام علي عليه السلام بالكعبة ؟ لقد ورد في التاريخ وفي الروايات أنّه عليه الصلاة والسلام قد ولد في جوف الكعبة المشرّفة في يوم الجمعة في الثالث عشر من شهر رجب ، وإنّ هذه فضيلة اختصّه اللّه بها لم تكن لأحد قبله ولا لأحد بعده ، وقد صرّح بذلك عدد كبير من العلماء ، ورواة الأثر ، ونظّمها الشعراء والأدباء ، وذلك مستفيض عند شيعة أهل البيت عليهم السلام كما أنّه مستفيض بل متواتر في كتب غير الشيعة. قال الحاكم في [ المستدرك ] : « تواثرت الأخبار أنّ فاطمة بنت أسد ولدت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرّم اللّه وجهه في جوف الكعبة ». وصرّح بأنّه لم يولد فيها أحد سواه عدد من العلماء والمؤرّخين ، راجع : [ مستدرك الحاكم 3 : 483 ، وتلخيص للذهبي هامش نفس الصفحة ، ونور الأبصار : 76 ، والفصول المهمة لابن الصباغ : 12 ، وكفاية الطالب للكنجي الشافعي : 407 ـ 406 ، ومناقب الإمام أمير المؤمنين لابن المغازلي : 7 ]. وقد ذكر ولادته عليه السلام في الكعبة أيضاً :[ أسد الغابة 4 : 31 ، والسيرة الحلبية 1 : 139 ، ونزهة المجالس 2 : 204 ، وتذكرة الخواص : 10 ، ونقله الأميني رحمة الله عليه في الغدير 6 : 22ـ 38 عن عشرات المصادر من علماء السنّة وعلماء الإماميّة ] فليراجع . يقول السيّد الحميري المتوفى سنّة 173 : ولدته في حرم الإله وأمنه والبيت حيث فناؤُه والمسجدُ بيضاء طاهرة الثياب كريمة طابت وطاب وليدها والمولودُ في ليلة غائب نحوس نجومها وبدا مع القمر المنير الأسعدُ ما لُفّ في خرق التوابل مثله إلّا ابن آمنة النبيُ محمّدُ ويقول عبد الباقي العمري : أنت العلي الذي فوق العُلى رفعا ببطن مكّة وسط البيت إذ وضعا إلّا أنّ نفوس أعداء علي عليه السلام وشأنيّة قد نفت عليه هذه الفضيلة التي اختصّه اللّه تعالى بها ، فحاولت تجاهل كلّ أقوال العلماء والمؤرّخين ورواة الحديث والأثر ، وضربها عرض الجدار حيث نجدهم وبكلّ جرأة ولا مبالاة يثبتون هذه الفضيلة لرجل آخر أيضاً غير عليّ عليه السلام ، بل ويحاولون التشكيك في ما ثبت لعليّ عليه السّلام أيضاً ، حتّى قال ابن أبي الحديد المعتزلي في شرح النهج : « كثير من الشيعة يزعمون أنّه ولد في الكعبة ، والمحدّثون لا يعترفون بذلك ، ويزعمون أنّ المولود في الكعبة حكيم بن حزام » [ شرح النهج 1 : 14 ]. وكيف يصحّ هذا الكلام ونحن نجد عدداًَ كبيراً من العلماء ممّن ذكرنا كتبهم وغيرهم يصرّون على أنّه لم يولد في جوف الكعبة سوى عليّ عليه السلام لا قبله ولا بعده ، وأنّ تلك فضيلة اختصّه اللّه بها دون غيره من العالمين ؟ وكيف نقبل كلام ابن أبي الحديد وأمثاله ونحن نجد الحاكم يصرّح بتواتر الأخبار في ولادة أمير المؤمنين عليه السلام في جوف الكعبة ؟ فهل الحاكم جاهل بالحديث ؟ أم ليس من المحدّثين ؟ ثمّ ما هو سند حديث ولادة حكيم بن حزام في جوف الكعبة ؟ إنّ هذا الحديث المزعوم لم تثبت صحّة سنده فضلاً عن أن يكون متواتراً ومقطوعاً به ، فكيف يقاوم الأخبار المتواترة ؟ والواقع أنّ الزبير بن بكاز ومصعب بن عبدالله اللذين يرويان حديث ولادة حكيم بن حزام في جوف الكعبة ، وأنّه لم يولد فيه سواه ، وهما زبيري الهوى ، وحكيم بن حزام هو ابن عمّ الزبير ، وابن عمّ أولاده ، فهو حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى ، والزبيريون ينتهون أيضاً إلى أسد بن عبدالغزى ، ولم يسلم حكيم إلّا عامّ الفتح ، وهو من المؤلفة قلوبهم ، وكان يحتكر الطعام على عهد رسول اللّه صلّى الله عليه وآله وسلّم ، وهناك بعض النقول تقول إنّه كان عثمانياً متصلّباً . تلكّأ عن علي عليه السلام ولم يشهد شيئاً من حروبه. وإذن فمن الطبيعي أن يروي زبيروا الهوى : أنّه ولد في الكعبة ، ولم يولد فيها سواه ، وذلك على خلاف جميع الأخبار المتواترة ، ومخالفةً لكلّ مَن نصّ على أنّه لم يولد فيها سوى أمير المؤمنين عليه السلام لا قبله ولا بعده : ( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ) [ البقرة : 159 ]. ( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ) [ الشعراء : 227 ].
الجواب من السيّد علي الحائري: لم يرد عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام ولا في موقفٍ واحد عدم التشجيع على اللّعن ، فاللّعن أمر وارد في القرآن الكريم ، وفي السنّة النبويّة ، وفي كلمات الأئمّة المعصومين عليهم السّلام. وأمّا الكلام الذي نسبتموه إلى الإمام أمير المؤمنين سلام اللّه عليه فهو ليس كذلك ، وإنّما المرويّ عنه عليه السلام الموجود في نهج البلاغة : « أكره لكم أن تكونوا سبّابين » ، وليس فيه التعرّض لمسألة اللّعن أبداً ، والسّبّ غير اللّعن كما قلنا ذلك مراراً. وأمّا اللّعن المذكور في السؤال « اللهمّ خصّ أنت أول ظالم ... » فهو وارد في زيارة عاشوراء وليس في الزيارة الجامعة. وأمّا الإجابة على الأسئلة فهي كالتالي : 1. يجوز لعن كلّ ظالم وكلّ كافر وكلّ منافق لورود ذلك في الكتاب والسنّة. 2. لم نفهم المقصود من هذا السؤال ؟ 3. اللّعن الوارد في كلّ زيارة مستحبّة يكون ـ طبعاً ـ مستحباً في ضمن تلك الزيارة ، ولا يتنافى ذلك مع مصلحة وحدة الأمّة الإسلاميّة ، فإنّ الوحدة المطلوبة هي وحدة الأمّة كلّها في مقابل العدوّ الكافر المشترك ، فإذا كانت الأمّة حريصة حقّاً على حفظ هذه الوحدة ضدّ العدوّ المشترك ، فالمفروض بها أن لا يزحزحها اللّعن المذكور عن هذه الاستراتيجيّة المشتركة ، فلتقم كلّ فرقة بما تراه واجباً أو مستحبّاً ، ولكن في نفس الوقت يكونون جميعاً يداً واحدة على مَن سواهم ، ففي الحقيقة لا تنافي أصلاً بين اللعن وبين حفظ الوحدة إذا كان المسلمون جميعاً جادّين في حفظ وحدتهم كما هو واضح.
الجواب من السيّد علي الحائري: ورد التعبير في القرآن الكريم عن خلقة الإنسان تارةً بقوله تعالى : ( وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ) [ غافر : 64 ] ، [ التغابن : 3 ] . وتارةً اُخرى بقوله تعالى : ( لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ) [ التين : 4 ] . والمعنى أنّ اللّه تعالى جعل صورة الإنسان صورة حسنة وخَلَقه في أحسن تقويم ، والتقويم معناه جعل الإنسان ذا قوام ، وقوام الشيء هو ما يقوم به الشيء ويثبت ، فالآيات تريد أن تبيّن أنّ صورة الإنسان بشكل عامّ صورة حسنة ، وأنّ هذا النوع من الكائنات الحيّة يمتلك أحسن قوام بحسب الخلقة. والآن نتساءل ما هي الصورة الحسنة ؟ وما هو أحسن قوام ؟ الجواب عن الصورة الحسنة هو أنّه ليس المقصود بها صباحة المنظر وملاحته ، إذ ليس جميع البشر كذلك ، بل المقصود تناسب أجزاء الإنسان بعضها مع بعض وتناسب مجموعها مع الغاية التي خُلق من أجلها ، فالأجهزه الفعّالة في جسم الإنسان فيها غاية التناسب والإنسجام وتفاعل بعضها مع البعض الآخر حتّى في جسم الإنسان الذي له يد زائده ، أو رجل أو غير ذلك. فجسم كلّ إنسانٍ ـ حتّى الإنسان ناقص الخلقة ـ نراه متناسب الأجزاء والأجهزة بمعنى إنسجام بعضها مع البعض الآخر. ونراه أيضاً متناسب الأجزاء بمعنى إنسجامها مع الغاية والهدف من خليقة حيث أنّ مجموع هذا التركيب الخاصّ من الجسم والروح يعتبر منسجماً مع درجة الكمال التي ينبغى للإنسان الوصول إليها من خلال هذه التركيبة الخاصّة المكوّنة من الجسم والروح. والجواب عن أحسن قوام هو أنّ نوع الإنسان وجنس هذا الكائن الحيّ صالح بحسب الخلقة للعروج إلى الرفيع الأعلى والفوز بحياة خالدة عند ربّه ، سعيدة لا شقاء فيها ، وذلك بما جهّزه اللّه به من العقل والعلم النافع ، ومكّنه منه من العمل الصالح ، فكلّ إنسان ـ حتّى الناقص الخلقة ـ يستطيع من خلال هذه التركيبة الخاصّة التي خلق عليها أن يرتقي ويرتفع إلى الله تعالى بالإيمان والعمل الصالح. إذاً فما نجده في بعض الأفراد من زيادةً في خلقة بعض الأعضاء أو نقصانٍ فيها لا يتنافى أبداً مع كون صورة الإنسان بحسب النوع صورة حسنة بالمعنى الذي ذكرناه ، ولا يتنافى أيضاً مع كون الإنسان بحسب النوع يمتلك أحسن قوام بالمعنى الذي ذكرناه ، واللّه العالم.
الجواب من السيّد علي الحائري: إن كانت الإمامة بنصّ من الله فلماذا يتخلّى الإمام علي عليه السلام عليها في خلافة الشيخيين ؟ ولماذا تنازل عليها الإمام الحسن عليه السلام ؟ وهل هناك فرق بين الإمامة والخلافة ؟ التعبير بالتخلّي عن الإمامة في عهد أبي بكر وعمر من قِبَل الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب سلام اللّه عليه تعبير خاطئ ، ينمّ عن عدم فهم « الإمامة » والخلافة ؛ فإنّ الإمامة والخلافة بحسب اعتقادنا ليست قابلة للتخلّي عنها أبداً ، ولا معنى للتخلّي عنها ، فهي كالنبوّة من هذه الناحية ؛ وذلك لأنّ « الإمامة » ليست عبارة عن مجرّد منصب ظاهري للسلطة والحكومة حتّى يقال : بما أنّ عليّاً عليه السلام تخلّى عن السلطة والحكم. أو بتعبير أدقّ : غصبت منه السلطة والحكومة. إذاً : فقد تخلّى عن « الإمامة » أو عن « الخلافة » ، لا ، ليس الأمر كذلك ، بل الإمامة والخلافة عبارة عن منصب إلهي معنوي وروحي رفيع ، والإمام يتبنّى هداية الناس في أمور دينهم ودنياهم ، ويحفظ الشريعة من التلاعب والانحراف ، ويُقيم العدل ، ويحكم بين الناس ، فاذا أتيحت الفرصة للإمام أن يحكم ويدير المجتمع ، ولم يغضب هذا الحقّ منه فَنِعِمَّا هِيَ ، وإن لم تُتح له الفرصة في ذلك ، وغَصَب الحكم والسلطة غاصبون ـ كما كان في عهد أبي بكر وعمر وعثمان ومعاوية ويزيد وسائر بني أميّة وبني العباس ـ فهذا لا يعني أبداً أنّ الإمام قد تخلّى عن الإمامة والخلافة ، ولا يعني أنّ الإمام قد غصبت منه الإمامة ؛ فإنّ هذا المنصب الرّباني الرفيع إنّما هو عهد من اللّه تعالى إلى المخلَصين من عباده ، وكما قال تعالى : ( لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) [ البقرة : 124 ] ، فمن الخطأ جدّاً أن نختزل العهد الرّباني بالحكم والسلطة الظاهريّة فحسب ، فالإمامة والخلافة بمفهومها الواقعي لا تُغتصب ، ولا يتخلّى عنه. نعم إنّ السلطة والحكومة الظاهريّة قد يتخلّى عنها أو تغتصب ، فشأن الإمامة من هذه الناحية هو شأن النبوّة فكما أنّ النبيّ نبيّ سواء كان بيده الحكم والسلطة الظاهرية أم لا ، وسواء حارب أم صالح ، فكذلك الإمام إمام وخليفة على كلّ حال. وبهذا ظهر الجواب أيضاً عن السؤال حول تنازل الإمام الحسن عليه السلام ، فهو لم يتنازل عن الإمامة والخلافة ، ولا يمكن ذلك ، ولا معنى له ، وإنّما هي هدنة مؤقّتة بينه وبين معاوية ، ومشروطة بشروط ، وإنّ كان معاوية قد أعلن بعد ذلك سحقه للشروط غدراً منه : « وكلّ إناء بالذي فيه ينضح » ، كما أتّضح لكم أنه لا فرق بين الامامة والخلافة في مفهومها الواقعي.
الجواب من السيّد علي الحائري: مقتضى ظاهر الآيات والروايات هو أنّ كلّ ما تشتهيه الأنفس وتلذّ الأعين متوفّر في الجنّة لأصحابها وهذا العموم يشمل ما جاء في السؤال أيضاً إذا اشتهت النفس ذلك ، والله العالم.
الجواب من السيّد علي الحائري: استرقاق الكفّار الذين يتُمّ أسرهم في الحرب والقتال ضدّ المسلمين أمر لم ترفضه الشريعة رفضاً باتّاً ولم تفرضه أيضاً فرضاً باتّاً وبصورة معيّنة ، وإنّما فرضة بنحو الوجوب التخييري في ظلّ شروط معيّنة مذكورة في الكتب الفقهيّة ، وهذه الشروط لا تتوفّر عادةً في عصرنا الحاضر ، فالإسترقاق في الواقع هو أحد البدائل الثلاثة التي وضعتها الشريعة أمام إمام المسلمين الذي يقود الحرب وبيده الأمر وعلى عاتقه مسؤوليّة اتّخاذ القرار بشأن الحرب والصلح ، فهو يدرس القضيّة من كلّ جوانبها ويأخذ بعين الاعتبار الظروف العالميّة والدوليّة والإقليميّة والمحلّيّة ، وعلى ضوئها يختار من بين هذه البدائل الثلاثة ـ الّتي خُيّر بينها شرعاً ، والتي هي عبارة عن « الإسترقاق » و « المَنّ » و « الفداء » ـ ذاك الذي تقتضيه المصالح العليا للإسلام والمسلمين ، ويتناسب مع الظروف التي أشرنا إليها ، فقد يختار الإمام غير الإسترقاق ـ كالمَنّ أو الفداء ـ إذا رأى المصلحة في ذلك ، وقد يختار الإسترقاق ، واتخاذ الكفّار الأسرى عبيداً وإماءاً فيما إذا رأى أنّ المصلحة تقتضي ذلك ، كما إذا كانت عمليّة الإسترقاق ممّا يتّخذه العدوّ الكافر أيضاً بشأن الأسرى المسلمين الذين يتمّ أسرهم على يد الكفّار في الحرب ، فإنّ مقتضى المقابلة بالتمثل حينئذٍ هو أن يسترقّ الإمام الكفّار الأسرى أيضاً في مقابل ما يصنعه العدوّ بالمسلمين. وعلى كلّ حال فالأمر كما قلنا متروك إلى إمام المسلمين ، فهو الذي يجب عليه أن يتّخذ القرار الأخير بشأن الإسترقاق ، وإذا قرّر الإمام إسترقاقهم فلا فرق حينئذٍ بين المتزوّجين منهم وغير المتزوّجين ، إذ لا حرمة لدم الكافر الحربي ولا لعرضه ولا لماله وثروته ، فكما يقاتلون ويُقتَلون ، فكذلك تُؤخذ أموالهم غنائم حربيّة وسبي أزواجهم وذراريهم. وأمّا ما جاء في السؤال ، كيف نوافق بين هذا وبين الآية الكريمة الّتي تنصّ بحرمة ذلك ؟ فلم نفهم المقصود منه ، فما هي الآية التي تنصّ على حرمة الإسترقاق ؟ وكذلك لم نفهم المقصود من الإستبراء الذي جاء في السؤال ، فإن كان المقصود منه إستبراء الأمّة عند انتقالها من مالك إلى مالك آخر فهو مذكور في الكتب الفقهيّة ، وإن كان المقصود شيئاً آخر فلا بدّ من توضيحه ليتسنّى الجواب ، واللّه العالم.
الجواب من السيّد علي الحائري: الذي يبدو من خلال النصوص الشرعيّة أعني الآيات والروايات أنّ هناك بعد الموت عالمين ، عالم البرزخ وعالم القيامة الذي يبدأ بحشر الناس ، فعالم البرزخ هو عالم القبر ، وعالم المثال الذي يعيش فيه الإنسان بعد الموت إلى الحشر ، وفي عالم القيامة يتمّ الحشر والحساب والجزاء ، فعالم البرزخ تذهب إليه روح الإنسان بعد الموت حتّى حلول يوم القيامة. والبرزخ معناه الحاجز بين الشيئين ، فعالم البرزخ حاجز بين عالم الدنيا وعالم البعث والقيامة. قال اللّه تبارك وتعالى : ( وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) [ المؤمنون : 100 ] . وفي الواقع ليست لدنيا معلومات قرآنيّة كثيرة عن هذا العالم سوى أنّ عمر هذا العالم قصير بالنسبة إلى الآخرة ، وأنّ أرواح الصالحين يستقرّ في الدرجات العليا في هذا العالم وتتنعّم بنعمٍ كثيرة. قال اللّه تبارك وتعالى : ( وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّـهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ) [ آل عمران : 169 ] ، وأنّ أرواح الظالمين والطواغيت وأنصارهم معذّبة في هذا العالم كما قال تعالى بشأن فرعون وآل فرعون : ( النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ) [ غافر : 46 ] . وقد يستفاد من بعض الآيات القرآنيّة أنّ هناك طائفة ثالثة بين الصالحين والطالحين لا يشملها أيّ من الجزائين ، يبدو أنّها تدخل في حالة شبيهة بالسبات في عالم البرزخ حتّى تُبعث يوم القيامة ، قال اللّه تعالى : ( وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَٰلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّـهِ إِلَىٰ يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَـٰذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَـٰكِنَّكُمْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ) [ الروم : 55 ـ 56 ] . وعلى أيّ حال فهذا موجز عمّا نعرفه عن عالم البرزخ ، والروايات في عالم البرزخ كثيرة ، وقد روي عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنّه قال : « القبر روضة من رياض الجنّة أو حفرة من حفر النيران » [ صحيح الترمذي ، كتاب صفة القيامة ، الباب : 26 ، الحديث : 2460 ] ، [ ونقل هذا الحديث في مصادرنا الشيعية تارةً عن الإمام أمير المؤمنين سلام اللّه عليه وأخرى عن الإمام عليّ بن الحسين السجّاد سلام اللّه عليه بحار الأنوار 6 : 214 و 218 ] . وأمّا عالم القيامة الذي يبدأ ببعث الناس وحشرهم فقد وردت عنه في القرآن والسنّة تفاصيل أكثر ، واللّه العالم.
الجواب من السيّد علي الحائري: الشهادة الثالثة التي يذكرها الشيعة في الأذان وهي الشهادة لعليّ عليه أفضل الصلاة والسلام بالإمرة والولاية بعبارة : « أشهد أنّ عليّاً أمير المؤمنين وليُّ الله » ، لا يذكرونها بوصفها جزءاً من أجزاء الأذان ، وفصلاً من فصوله المحدّدة شرعاً ، ولا ينطقون بها بهذا القصد وبهذه النيّة ، ولم يوجد قديماً ، ولا يوجد الآن فقيه شيعيّ يُفتي بأنّها من فصول الأذان بل إنّ فقهاء الشيعة لا يجوّزون ذكرها بهذا القصد كما صرّحوا بذلك في كتبهم الفقهيّة ، ولم يوجد ولا يوجد شيعيّ يعتبرها من أجزاء الأذان ، ويذكرها في الأذان بهذا القصد. إذاً فلا توجد هناك أيّ مخالفة لسنّة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، فانّ المخالفة لسنّته إنّما تكون فيما إذا أُتي بكلامٍ في داخل الأذان بنيّة أنّه جزء الأذان ، بينما لم يجعله رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم جزءاً للأذان ، هذه هي المخالفة لسنّة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ، وهذه لا تصدر من شيعيّ إطلاقاً ، وإنّما يأتي الشيعة بهذه الشهادة بوصفها شهادة بحقيقةٍ من حقائق الإسلام ، وهي عبارة عن كون عليّ عليه السلام أميراً للمؤمنين ، ووليّاً لِله تبارك وتعالى ؛ فإنّ الشيعة تعتقد أنّ ولايته عليه السلام حقيقة إسلاميّة أكّد عليها القرآن الكريم ، وأكّد عليها النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ، وتعتقد أنّ الشهادة له عليه السلام بالإمرة والولاية أمر مستحبّ شرعاً ، وراجح في نفسه رغم أنّها ليست من أجزاء الأذان ، ومن فُصُوله المحدَّدة شرعاً ، وتوجد لدى الشيعة روايات ونصوص تؤكّد على هذا الاستحباب ، والرّجحان الشرعي ، بل في بعض الروايات المرويّة عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم : « أنّ ذكر عليّ ـ عليه السّلام ـ عبادة » ؛ فهل يا تُرى أنَّ الإتيان بأمرٍ راجح ومستحبٍّ شرعاً بل بأمرٍ هو عبادة يضرّ بالأذان إذا لم يَقصد المؤذِّن كونه جُزءاً لأذانه ؟ من الواضح أنّ الجواب هو النفي ؛ إذ لا دليل فقهي أبداً على أنّ ذلك مُضِرّ بالأذان ، ومُخِلّ بصحّته ، والله العالم.
الجواب من السيّد علي الحائري: عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم أنّه قال : الحسن والحسين امامان قاما أو قعدا (1). فنحن نعتقد أنّ ما قام به الإمام الحسن سلام الله عليه في ظرفه كان هو الحقّ ، وأنّ ما قام به الإمام الحسين سلام الله عليه في ظرفه كان هو الحقّ أيضاً ، فكلاهما على حقّ في الظرف الخاصّ الذي كان يكتنفه ، وليس هذا من الجمع بين النقيضين ؛ لأنّ النقيضين إنّما يستحيل اجتماعهما في ظرف واحد ، لا أن يكون أحد النقيضين في ظرفٍ والآخر في ظرف آخر يختلف تماماً عن الأوّل ؛ فإنّ هذا ممكن وواقع دائماً ، فالحياة والموت مثلاً نقيضان ؛ لأنّهما وجود وعدم ، فالمستحيل هو أن يكون الإنسان حيّاً وميّتاً في زمانٍ وظرفٍ واحد. أمّا أن يكون حَيّاً في زمانٍ وميّتاً في زمان آخر فهذا ليس بمستحيل ، بل هو ممكن وهو الواقع دائماً. فكذالك صلح الإمام الحسن سلام الله عليه في زمانٍ وظرفٍ وخروج الإمام الحسين سلام الله عليه في زمانٍ آخر وظرف يختلف من كثير من الجهات عن ظرف الإمام الحسن سلام الله عليه ، فكلاهما صحيح وحقّ رغم اختلاف الموقفين تبعاً لاختلاف الظروف ، فحتّى الإمام الحسين سلام الله عليه لو كان إماماً في ظرف الإمام الحسن سلام الله عليه لكان يتّخذ نفس الموقف الذي اتّخذه الإمام الحسن سلام الله عليه ، وحتّى الإمام الحسن سلام الله عليه لو كان إماماً في ظرف الإمام الحسين سلام الله عليه لكان يتّخذ نفس الموقف الذي اتّخذه الإمام الحسين سلام الله عليه ، فالإمام إمام سواء قام أو قعد كما هو مرويّ عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم. ولو صحّ هذا الإعتراض بالنسبة الى صلح الإمام الحسن وخروج الإمام الحسين سلام الله عليهما ، إذاً عليكم أن تعترضوا على النبيّ الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم أيضاً حيث صالح المشركين في ظرفٍ وحاربهم في ظرفٍ آخر ، فإن كان الصلح مع المشركين حقّاً كانت الحرب ضدّهم باطلا ، وإن كانت الحرب حقّاً كان الصلح معهم باطلاً ؟ هل يصحّ مثل هذا الكلام ؟ طبعاً لا ؛ لأنّ صلحه صلّى الله عليه وآله وسلّم كان في ظرفٍ وحربه ضدّهم كانت في ظرف آخر يختلف ، وكلا الموقفين حقّ وصحيح ، وليس هذا من الجمع بين النقيضين كما قلنا. إذاً فلا فعل الإمام الحسن سلام الله عليه باطل ، ولا فعل الإمام الحسين سلام الله عليه ، فكلّ ما فرّعتموه على ذلك من بطلان إمامتهما وعصمتهما وبطلان إمامة أبيهما وعصمته ، وبطلان إمامة ذرّية الحسين سلام الله عليهم جميعاً ، كلّ هذا الكلام باطل في باطل. هداكم الله إلى الحقّ وإلى الصراط المستقيم : ( قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ) (2) ، ( وَالسَّلَامُ عَلَىٰ مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَىٰ ) (3). الهوامش 1. المناقب « لابن شهرآشوب » / المجلّد : 3 / الصفحة : 394 / الناشر : علامه / الطبعة : 1. راجع : دعائم الاسلام « للقاضي النعمان المغربي » / المجلّد : 1 / الصفحة : 37 / الناشر : دار المعارف. الإرشاد « للشيخ المفيد » / المجلّد : 2 / الصفحة : 30 / الناشر : دار المفيد للطباعة والنشر / الطبعة : 2. 2. يوسف : 108. 3. طه : 47.
الجواب من السيّد علي الحائري: مأساة الهجوم على بيت سيّدة النساء فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، قضيّة لا يمكن إنكارها نظراً لتواتر نقلها ، لا عند الشيعة (1) فقط بل جاءت في روايات أهل السّنة وأقوالهم أيضاً (2) ، كما يظهر ذلك لمَن راجع ما رووه في هذه الفاجعة ، أو ما ورد في الكتب المعتبرة عندهم ، وإن لم يكن مؤلّفها منهم. وقد كتب الباحثون قديماً وحديثاً في هذا الموضوع ، وجمعوا روايات الهجوم وأسنادها ، وصدرت دراسات عديدة حول القضيّة. وبإمكانكم مراجعة كتاب « مأساة الزهراء سلام الله عليها » للسيّد جعفر مرتضى العاملي ، وكتاب « دراسة وتحليل حول الهجوم على بيت فاطمة عليها السلام » لمؤلّفه عبد الزهراء مهدي ، ففيهما ما ينفعكم بإذن الله تعالى ؛ واللّه العالم. الهوامش 1. راجع : دلائل الإمامة « لمحمد بن جرير الطبري » / الصفحة : 134 / الناشر : مؤسّسة البعثة / الطبعة : 1. كامل الزيارات « لابن قولويه » / الصفحة : 547 ـ 548 / الناشر : نشر الفقاهة / الطبعة : 1. كتاب سليم بن القيس الهلالي / الصفحة : 148 ـ 151 / الناشر : دليل ما / الطبعة : 1. تفسير العياشي « للعياشي » / المجلّد : 2 / الصفحة : 67 / الناشر : المكتبة العلمية الإسلامية. بحار الأنوار « للشيخ المجلسي » / المجلّد : 43 / الصفحة : 170 ـ 171 / الناشر مؤسسة الوفاء / الطبعة : 2. الإختصاص « للشيخ المفيد » / الصفحة : 183 ـ 185 / الناشر : منشورات جماعة المدرّسين في الحوزة العلمية ـ قم / الطبعة : 2. 2. راجع : أنساب الأشراف « للبلاذري » / المجلّد : 1 / الصفحة : 586 / الناشر : معهد المخطوطات بجامعة الدول العربيّة. الإمامة والسياسة « لابن قتيبة الدينوري » / المجلّد : 1 / الصفحة : 30 / الناشر : الشريف الرضي. تاريخ الطبري « للطبري » / المجلّد : 2 / الصفحة : 443 / الناشر : مؤسسة الأعلمي للمطبوعات الإستيعاب في معرفة الأصحاب « لابن عبد البر » / المجلّد : 3 / الصفحة : 975 / الناشر : دار الجيل / الطبعة : 1.