الجواب من السيّد علي الحائري: لا شكّ في أنّ الله تبارك وتعالى هو الغنيّ ذاتاً عن العالمين فلا يحتاج إلى شيء أبداً ، إلّا أنّه تبارك وتعالى من صفاته أيضاً أنّه فيّاض يفيض بالوجود على كلّ ما مَن شأنه الوجود ويتطلّبه ، ويفيض بالكمال على كلّ ما مَن شأنه الكمال ويتطلّبه ، لأنّ ذاك الشيء هو الذي يحتاج إلى الوجود و الكمال ويتطلّبه. فمثلاً البذرة التي من شأنها التكامل والنموّ والوصول إلى كمالها المناسب لها ، وتبدّلها إلى الثمر هي بحاجة إلى أن يفيض الله تعالى عليها كلّ مراحل تطوّرها ويُعطيها خلقتها المناسبة لها ويوصلها إلى كمالها المناسب لها ، كما قال سبحانه في القرآن الكريم : ( رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ ) [ طه : 50 ] . والمادّة مثلاً إذا كانت مستعدّة ومن شأنها أن تتكامل وتتبدّل إلى إنسانٍ سَويّ ، إذاً فهي محتاجة إلى أن يفيض الله تعالى عليها كلّ مراحل وجودها وتطوّرها وتحوّلها إلى الإنسان الكامل. والإنسان مثلاً إذا كان مستعدّاً ومن شأنه الوصول إلى الكمال المناسب له ، إذاً فهو محتاج إلى أن يفيض الله تعالى عليه ما يهديه ويوصله إلى كماله. وقد ورد هذا المعنى في القرآن الكريم حيث يقول : ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) [ الذاريات : 56 ] ، فإنّ عبادة الله تعالى التي اعتبرت في الآية الشريفة هي الهدف والغاية من خلق الجنّ والإنس هي الكمال المناسب للجنّ والإنس وهي التي يحتاج إليها الجنّ والإنس بحسب الواقع والحقيقة ، لا أنّ الله تعالى يحتاج إلى عبادتهم ، بل هم بحسب تركيبتهم وخلقتهم وطبيعتهم محتاجون إلى الوصول إلى كمالهم المتناسب مع خلقتهم ، والكمال المناسب لهم هو التقرّب إلى الكمال المطلق وهو الله تبارك وتعالى والتعبّد به والزلفى لديه ، فكلّ مَن تقرّب إلى الله تعالى أكثر من غيره كان أكمل من غيره ، ولذا فانّ أكمل الخلق وأشرفهم هو سيّدنا ونبيّنا محمّد بن عبد الله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم. والحاصل إنّ كلّ ما يتطلّب الوجود والكمال يفيض الله تعالى عليه بالوجود والكمال المناسب له بمقتضى فيّاضيّته تبارك وتعالى لا لأنّ اللّه محتاج إلى خلقه بل الأمر بالعكس ، فإنّ ذاك الشيء هو المحتاج وهو الذي يتطلّب الوجود والكمال ، والله العالم.
الجواب من السيّد علي الحائري: كلا السؤالين يرتبط بموضوع جمع القرآن وترتيبه حسب الكيفيّة التي يشاهدها المسلمون اليوم ، ورأينا في هذا الموضوع يتلخّص في أنّ القرآن الكريم كان قد جُمع وكُتب في عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، ومن جملة أدلّتنا على ذلك حديث الثقلين المتواتر لدى المسلمين حيث قال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه وعترتي أهل بيتي » ، فإنّ هذا الحديث الشريف يدلّ على أنّ القرآن كان مكتوباً مجموعاً في عهد النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وقبل وفاته ، إذ لا يصحّ إطلاق لفظ « كتاب » على شيء غير مكتوب وغير مجموع بل هو في صدور حفّاظه أو هو مبعثر هنا وهناك ، إنّ مثل هذا لا يُطلق عليه لفظ « كتاب » إلّا على نحو المجاز ، واللفظ لا يحمل على معناه المجازي من غير قرينة ، ولا قرينة في حديث الثقلين تدلّ على ذلك ، فنبقى نحن وظاهر لفظ « كتاب الله » في الحديث ، فإنّه ظاهر فيما كان له وجود واحد جمعي ، ولا يطلق على المكتوب إذا كان مجزَّءاً ومبعثراً غير مجموع ، فضلاً عمّا إذا لم يكتب وكان محفوظاً في الصدور فقط. وهناك أدلّة أخرى على ذلك. والنتيجة أنّ إسناد جمع القرآن إلى الخلفاء أو إلى غيرهم أمر موهوم ومخالف للكتاب والسنّة والإجماع والعقل. نعم لا شكّ في أنّ عثمان قد جَمَع القرآن في زمانه لكنّ لا بمعنى أنّه جَمَع الآيات والسور في مصحف بل بمعنى أنّه جَمَع المسلمين على قراءة واحدة وأحرق المصاحف الأُخرى التي تخالف المصحف الذي جمع المسلمين عليه ، وكَتبَ إلى البلدان أن يُحرّقوا ما عندهم منها ، ونَهى المسلمين عن الاختلاف في القراءة حتّى اعترض عليه في ذلك جماعة من المسلمين وسمّوه بَحرّاق المصاحف ، وقد صَرّح بهذا كثير من أعلام أهل السنّة. إذاً القرآن مجموع في عهد النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، كما أنّ ترتيبه الحالي الذي يشاهده المسلمون اليوم كان بأمر النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، رغم أنّ هذا الترتيب ليس مطابقاً ترتيب نزول القرآن ، فهذا الترتيب يختلف عن ترتيب النزول ، لكنّه ترتيب أمَر به النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وأمضاه الأئمّة المعصومون عليهم السلام أيضاً من بعده. أمّا ما هي الحكمة في ذلك ؟ فهذا أمر لا يعلمه إلّا اللّه ورسوله والراسخون في العلم ـ الأئمّة عليهم السلام ـ ، نعم قد نحدس ونستنبط بعض الحِكَم والمصالح ، واللّه العالم.
الجواب من السيّد علي الحائري: هناك أمور ثلاثة لابدّ من الإنتباه إليها كي يتّضح الجواب على السؤال : الأوّل : أنّ الصلاة عبادة ، والعبادات الإسلاميّة بشكل لعامّ توقيفيّة ، بمعنى أنّ الإنسان لا يجوز له شرعاً أن يضيف فيها و يزيد على صيغتها التي وردت في الشريعة بقصد جعل الزائد جزءاً من العبادة ، فإنّ ذلك تشريع محرّم ؛ فالتعبّد و الالتزام الحرفي بنفس الصيغة المشرَّعة من قبل الله تبارك و تعالى شرط أساسي و ممّا لا بدّ منه في العبادة. أمّا تشريع الإنسان من عند نفسه وتقنين صيغة أُخرى للعبادة ـ أزيد من الصيغة الواردة أو أقلّ منها ـ فهو حرام وممنوع شرعاً ومبطل للعبادة ، ومن الواضح أنّ الشهادة الثالثة لعليّ سلام الله عليه بالإمرة والولاية ليست جزءاً مشرّعاً في الصيغه الواردة التشهّد في الصلاة ، فلا يجوز النطق بها التشهّد في الصلاة بقصد جعلها جزءاً من التشهّد ، وإذا فعل بطلت صلاته. الثاني : أنّ من جملة مبطلات الصلاة التكلّم بكلام الآدمي إلّا إذا كان دعاءاً ، فلا يجوز التفوّه في الصلاة إلّا بما هو قرآن أو ذكر لله تعالى أو دعاء ، أمّا الكلام الخارج عن القرآن والذكر والدّعاء فهو ممّا يبطل الصلاة حتّى إذا لم يكن بقصد الجزئيّة. الثالث : أنّ الشهادة الثالثة ليست قرآناً ، ولا هي ذكر لله تعالى ، ولا هي دعاء ، وإنّما هي شهادة وإقرار من الإنسان بحقيقة من حقائق الإسلام ، وهي إمامة عليّ سلام الله عليه ولايته وإمرته ، فهي من الكلام الآدمي المبطل للصلاة حتّي إذا لم يكن بقصد الجزئيّة. وعلى هذا الضوء نعرف حكم الشهادة الثالثة في الأذان ، فلا يجوز الإتيان بها في الأذان بقصد الجزئيّة ؛ لأنّ الأذان أيضاً عبادة ، وقد قلنا : إنّ العبادات توقيفيّة ، لكنّه يجوز الإتيان بها في الأذان لا بوصفها جزءاً من الأذان وفصلاً من فصوله بل بقصد الشهادة بحقيقة من حقائق الإسلام ؛ إذ ليس من مبطلات الأذان التكلّم بكلام الآدمي أثناءه.
الجواب من السيّد علي الحائري: في ما يخصّ كلام الشيخ المطهريّ لابدّ للسائل من أن ينقل لنا كامل المقطع الذي وردت فيه العبارة المذكورة ، و السياق الذي جاء فيه كي يتّضح مقصوده منها ؛ لكنّه على كلّ حال لا يقصد بالتأكيد ـ كما لا يقصد غيره من علماء الإسلام ـ الحقّ الذي جاء في السؤال إن صحّ إطلاق كلمة « الحقّ » عليه ، فالكائن الذي خلقه الله تبارك وتعالى من حقّه الطبيعي والتكويني الذي منحه الله تعالى إيّاه أن يجعله في أفضل حالة ؛ وفعلاً فقد أعطى الله تبارك و تعالى كلّ شيء خلقه المناسب له ، وتركيبته الطبيعيّة ، ووفّر له كلّ الآليات التي يفتقر إليها في كيانه و هيكليّته : ( قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ ) [ طه : 50 ] ، و الإنسان لم يشذّ عن هذه القاعدة ، و لم يستثنى عن هذا القانون الإلهي. أمّا إذا كان السائل يقصد بالحقّ الذي له على الله تعالى حقّ المشورة معه في إيجاده فنحن نسأل : مَن الذي أعطاك هذا الحقّ ؟ العقل أم الشرع ؟ و أين كنت آنذاك كي يستشيرك في إيجادك وخلقك ؟ وهل كنت شيئاً مذكوراً ؟ ( هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا ) [ الإنسان : 1 ] ، فهل يستشار اللاشيء ؟ وهل تعقل المشورة مع المعدوم ؟ فالعقل أجلّ شأناً من أن يحكم بلزومه المشورة مع اللاشيء ، أو يرى له حقّاً من الحقوق ، و الشرع أعظم قدراً من أن يخالف نهج العقل ، ويمنع حقًاً على خلاف الوجدان السليم.
الجواب من السيّد علي الحائري: لا شكّ في أنّ التربة الحسينيّة ـ صلوات الله و سلام على مَن شرفّها ، وعلى جدّه ، وأبيه ، وأمّه ، وأخيه ، وذريّته ، وبنيه ، وعلى إخوته ، وأخواته ، وأولاده ، وأصحابه الذين استشهدوا معه ـ قد خصَّت في الشريعة الإسلاميّة ـ طبقاً لمذهب أهل البيت سلام الله عليهم ـ بخصائص وميزات ؛ وذلك تكريماً للدّم الطاهر الذي سفك عليها ، وإعظاماً وإجلالاً للحرمة التي انتهكت من رسول الله صلّى الله عليه وآله فيها ، ومن جملة تلك الخصائص فضل السجود في الصلاة على التربة الحسينيّة ، حيث وردت روايات ونصوص في استحباب ذلك ، ومزيد الأجر والثواب لمَن يسجد في صلاته عليها ، وهذا لا يعني أنّ السجود لا يصحّ بدونها ؛ فإنّ السجود على الأرض أو ما ينبت منها غير المأكول والملبوس صحيح بلا إشكال إلّا أنّ السجود على التربة الحسينية أفضل ، والثواب فيه أكثر من السجود على غيرها ، وقد أفتى الفقهاء في كتبهم الفقهيّة بذلك على أساس الروايات والنصوص المرويّة لنا عن الأئمّة عليهم السلام. كما أنّ من جلمة خصائص هذه التربة المقدّسة أنّ الله جعل الشفاء فيها ، حيث وردت في ذلك أيضاً روايات ونصوص تؤكّد الإستشفاء بتربة الحسين سلام الله عليه ؛ فإنّ هذه التربة المقدّسة تقتضي الشفاء من كلّ داء إذا وجدت الأرضيّة المناسبة للشفاء ، ودخلت الجسم القابل للشفاء ، وإلّا فقد لا يكون الجسم مستعدّاً و قابلاً للشفاء ، فلا تؤثّر فيه التربة كما لا يؤثّر فيه الدواء ، وهذه الميزة الموجودة في التربة الحسينيّة نجدها منعكسة في الأدب والشعر الموالي لأهل البيت عليهم السلام. قال ابن العرندس رحمه الله عن الإمام الحسين سلام الله عليه : حبّي بثلاث ما أحاط بمثلها وليّ فمَن زيد هناك ومَن عمرو ؟ له تربة فيها الشفاء وقبّة يُجاب بها الدّاعي اذا مسّه الضُرّ وذريّة دريّة منه تسعة أئمّة حقّ ، لا ثمان ، و لا عشرُ اللهم ارزقنا شفاعة الحسين عليه السلام يوم الورود ، وثبّت لنا قدم صدق عندك مع الحسين وأصحاب الحسين الذين بذلوا مهجهم دون الحسين عليه السلام.
الجواب من السيّد علي الحائري: لم نعثر على ما يحدّد لنا بالضبط ذلك ، وإن كانت بعض الروايات تدلّ على أنّها كانت تقال في الأذان خفيّة بعد الشهادتين في عصر النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ، كما كانت تقال خفية جملة : « شهد بها لحمي ودمي ... » بعد « أشهد أن لا إله إلا الله » ، أمّا علنا فلم نستطع تحديد تاريخه بالضبط ، والقدر المتيقّن هو أنّه قبل عصر الصدوق رحمه الله ، والله العالم.
الجواب من السيّد علي الحائري: في ما يخصّ السؤال الأوّل : يمكننا القول بأنّ التمتّع بالنظر إليه تعالى إنّما يتّم من خلال تهذيب النفس وتصفية القلب والتسليم له في أمره ونهيه وتقوى الله في السّر والعلانية ، فليس هناك أعظم من « التقوى » في كلّ المجالات التي يعيشها الإنسان : ( وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ ) [ الأعراف : 26 ] ، والمتّقون هم الفائزون يوم القيامة : ( إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ ) [ القمر : 55 ] ، فهم في المحضر الربّوبي يتمتّعون بالنظر إلى جلاله ويحظون برضاه ورضوانه : ( وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّـهِ أَكْبَرُ ) [ التوبة : 72 ] ، فالعالم كلّه حاضر لديه تعالى ، والإنسان يعيش دوماً في محضره فليحاول أن لا يعصي الله في محضره ، و عند ذاك يشعر بالتمتّع بالنظر إليه تعالى. وفي ما يخصّ السؤال الثاني : فإنّ « الشريعة » عبارة عن الطريق المؤدّي إلى النهر أو البحر ، و « الرفد » معناه العطاء ، والتعبير تعبير أدبي رائع عن حاجة هي من أهمّ حاجات الإنسان وهي عبارة عن أن يسلك الإنسان في حياته دائماً الطريق المؤدّي إلى عطاء الله ورفده ، ولا يقع في الطريق المؤدّية ـ والعياذ بالله ـ إلى سلب النعم عنه ، وإيكاله إلى نفسه ، وأن يكون وفوده دائماً وفوداً إلى المحضر الربوبي ، فلا يفيد في حياته على غيره تعالى ، وهذان إنّما يتوفّران للإنسان إذا أخلص نيّته واتّقى الله ، فعند ذاك يوفقّه الله و يسدّده وينير الدرب أمامه و يأخذ بيده إلى هذه الشريعة و يمهّد له الوفود عليه : ( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ) [ العنكبوت : 69 ] .
الجواب من السيّد علي الحائري: لعلّ المقصود بـ « حُجُبَ النُّورِ » الحجب التي تحجب النور الإلهي عن الإنسان وقلبه وروحه ، فلا يتمكّن حينئذٍ من مواصلة طريق الكمال و الرّقي الذي أراده الله تعالى له ، فالقلب النيّر الذي يتمكّن من خرق الحجب واختراق الموانع ، وبالتالي الوصول إلى معدن العظمة الإلهيّة والعزّ الربّاني هو القلب المستنير بنور النظر إلى الله تعالى وحده ، وهو القلب الذي لم يعظّم و لا يعظّم أحدا سواه « عظم الخالق في أنفسهم فصغر ما دونه في أعينهم » ، فما دون الله هو الحجاب المانع عن نور الله ، وهو الذي يحجب النور الإلهي عن الاشعاع على القلب فيبقى القلب يعيش في الظلام ، فإذا استطاع الإنسان أن يتخلّص من كلّ شيء سوى الله تعالى وانقطع إليه كمال الانقطاع ـ وهذا لا يكون إلّا بموهبة منه تعالى وتوفيق وتسديد منه للإنسان ـ عند ذاك يصبح قلبه هو ذاك القلب النيّر الذي أشرنا اليه ، وفقّنا الله وإيّاكم لذلك.
الجواب من السيّد علي الحائري: الأوّل : هو أنّ « العروة الوثقى » في الآية الشريفة هي غير « العروة الوثقى » في النداء المرويّ عن جبرئيل عليه السّلام ، فتلك هي العروة الوثقى الفكريّة العقيديّة وهي عبارة عن الإيمان بالله تعالى ، وهذه عبارة عن العروة الوثقى الموضوعية المتجسّدة في الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه ، وانفصامها يعني انفصالها وافتراقها عن المجتمع البشري وحرمان الأمّة الإسلاميّة بل كلّ البشريّة بكاملها عن تلك الشخصيّة الفذّة ، والإنسان الكامل ، وتلك الآية العظمى ، وذاك النبأ العظيم. الثاني : هو أنّ الله تعالى إذا شاء ذلك فما شاء الله كان ، و ما لم يشأ لم يكن ، فأيّ مشكلة في ذلك إذا أراد الله أن يسمع الناس نداءاً سماويّاً بشأن أعظم حادث أرضي ، وبصدد تأبين أعظم إنسان على وجه الأرض بعد النبيّ صلّى الله عليه و آله وسلّم ؟ والله العالم.
الجواب من السيّد علي الحائري: أوّلاً : لم يتّضح لنا وجه السؤال ، إذ لا شكّ في أنّها حوراء إنسيّة ، ولا شكّ في أنّ مادّة الخلق إذا كانت من الجنّة فلا تقاس بها مادّة الخلق الأرضيّة. وأمّا إبليس فلم تكن مشكلته سوى التكبّر والعناد أمام الأمر الإلهي وعدم الاستسلام له ، وحاشا الحوراء الإنسيّة سلام الله عليها وعلى أبيها وبعلها وبنيها أن تتكبّر أمام الله تبارك وتعالى. ففكرة « الحوراء الإنسيّة » حينما تطرح لا يرى بها سوى بيان أمر واقع ، وهو أنّ الله تبارك وتعالى أتحف نبيّه المصطفى صلّى الله عليه وآله وسلّم بتفاحة الفردوس والخلد (1) ، وخصّ بها رسوله الأعظم ، فالله أراد لها ذلك ، فهل من مشكلة ؟ كما أراد لها أن تكون هي « الكوثر » المعطى ، وأراد لها أن تكون أمّ الأئمّة النجباء. ثانياً : أنّها حوراء إنسيّة (2) ، وأنّها أيضاً ممتحنة امتحنها الله قبل أن يخلقها ، فوجدها لما امتحنها صابرة ، كما ورد في زيارتها (3) ، بمعنى أنّ الله علم منها ذلك قبل أن يخلقها ، علم منها أنّها سوف تصبر أمام كلّ الزلازل ، و تصبر على كلّ البلاءات والمصائب ، وهذا هو معنى « العصمة » فيها وفي غيرها من المعصومين عليهم السلام ، كما ورد في دعاء الندبة : اَللّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى مَا جَرى بِهِ قَضَاؤُكَ فِي أَوْلِيائِكَ ، الَّذِينَ اسْتَخْلَصْتَهُمْ لِنَفْسِكَ وَدِينِكَ ، إِذِ اخْتَرْتَ لَهُمْ جَزِيلَ مَا عِنْدَكَ مِنَ النَّعِيمِ الْمُقِيمِ ، الَّذِي لَا زَوَالَ لَهُ وَلَا اضْمِحْلَالَ ، بَعْدَ أَنْ شَرَطْتَ عَلَيْهِمُ الزُّهْدَ فِي دَرَجَاتِ هَذِهِ الدُّنْيَا الدَّنِيَّةِ ، وَزُخْرُفِهَا وَزِبْرِجِهَا ، فَشَرَطُوا لَكَ ذَلِكَ وَعَلِمْتَ مِنْهُمُ الْوَفَاءَ بِهِ. فَقَبِلْتَهُمْ وَقَرَّبْتَهُمْ وَقَدَّرْتَ لَهُمُ ... (4) ثالثاً : فنحن نرفض العنصريّة بمعناها المصطلح ، لكنّنا نكرم أبناء الزهراء إكراماً للزهراء وأبيها وبعلها وبنيها صلوات الله وسلامه عليهم. الهوامش 1. راجع : علل الشرايع « للشيخ الصدوق » / المجلّد : 1 / الصفحة : 183 / الناشر : منشورات المكتبة الحيدرية. راجع : الدرّ المنثور في التفسير بالمأثور « للسيوطي » / المجلّد : 4 / الصفحة : 153 / الناشر : دار المعرفة. راجع : المعجم الكبير « للطبراني » / المجلّد : 22 / الصفحة : 400 ـ 401 / الناشر : دار إحياء التراث العربي / الطبعة : 2. 2. راجع : الأمالي « للشيخ الصدوق » / الصفحة : 546 / الناشر : مركز الطبعة والنشر في مؤسسة البعثة. راجع : تفسير فرات الكوفي « لفرات بن ابراهيم الكوفي » / الصفحة : 216 / الناشر : مؤسسة الطبعة والنشر التابعة لوزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي / الطبعة : 1. راجع : معاني الأخبار « للشيخ الصدوق » / الصفحة : 396 / الناشر : مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجامعة المدرّسين في حوزة العلميّة بقم. 3. راجع : تهذيب الأحكام « للشيخ الطوسي » / المجلّد : 6 / الصفحة : 9 ـ 10 / الناشر : دار الكتب الإسلاميّة / الطبعة : 4. راجع : مصباح المتهجّد « للشيخ الطوسي » / الصفحة : 711 / الناشر : مؤسسة الفقه ـ البيروت. راجع : المزار « للشيخ المفيد » / الصفحة : 178 / الناشر : دار المفيد للطباعة والنشر. راجع : المزار « لابن المشهدي » / الصفحة : 79 ـ 80 / الناشر : مؤسسة النشر الإسلامي ـ نشر القيوم / الطبعة : 1. 4. إقبال الأعمال « لسيّد بن طاووس » / المجلّد : 1 / الصفحة : 504 / الناشر : مكتب الإعلام الإسلامي / الطبعة : 1. راجع : المزار « لابن المشهدي » / الصفحة : 574 / الناشر : مؤسسة النشر الإسلامي ـ نشر قيوم / الطبعة : 1. راجع : بحار الأنوار « للشيخ المجلسي » / المجلّد : 99 / الصفحة : 104 / الناشر : دار إحياء التراث العربي / الطبعة : 3.
الجواب من السيّد علي الحائري: قال تعالى : ( اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا ) (1). وقال تعالى : ( قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ) (2). وقد قبض عزرائيل روح النبيّ صلّى الله عليه وآله وهو أفضل من الحسين سلام الله عليه. (3) وأمّا الرواية المشار إليها ، فلم نعثر عليها كي تعرف مدى صحّتها. والله العالم. الهوامش 1. الزمر : 42. 2. السجدة : 11. 3. راجع : المناقب « لابن شهرآشوب » / المجلّد : 3 / الصفحة : 336 ـ 337 / الناشر : علامة / الطبعة : 1. بحار الأنوار « للشيخ المجلسي » / المجلّد : 22 / الصفحة : 527 ـ 528 / الناشر : مؤسسة الوفاء / الطبعة : 2.
الجواب من السيّد علي الحائري: الرواية التالية مرويّة بسند صحيح تجدونها في « بحار الأنوار » : عن محمّد بن هارون بن موسى التلّعكبريِّ عن أبيه ، عن محمّد بن همام ، عن أحمد البرقيِّ ، عن أحمد بن محمّد بن عيسى ، عن عبدالرَّحمن بن أبي نجران ، عن ابن سنان ، عن ابن مسكان ، عن أبي بصير ، عن أبي عبدالله عليه السلام قال : قبضت فاطمة عليها السلام في جمادى الآخرة يوم الثّلثاء لثلاث خلون منه سنة إحدى عشر من الهجرة ، وكان سبب وفاتها أنَّ قنفذاً مولى عمر لكزها بنعل السّيف بأمره ، فأسقطت محسّناً ، ومرضت من ذلك مرضاً شديداً ، ولم تدع أحداً ممّن آذاها يدخل عليها. (1) الهوامش 1. بحار الأنوار « للشيخ المجلسي » / المجلّد : 43 / الصفحة : 170 / الناشر : مؤسسة الوفاء / الطبعة : 2. راجع : دلائل الإمامة « لابن جرير الطبري » / الصفحة : 134 ـ 135 / الناشر : مؤسسة البعثة / الطبعة : 1.