الجواب من الشيخ محمد السند: أمّا الموقف الشرعي تجاه البهائيّة : فهم معدودون من الكفّار ، لأنّهم كفروا بالتديّن بدين الإسلام ، وبخلود شريعة النبي محمّد صلّى الله عليه وآله ، ويعتقدون بنبوّة البهاء ، وإذا كان بعض منهم على دين الإسلام سابقاً فاعتنق بعد ذلك البهائيّة يكون مرتدّاً ، ومثله من تشهّد بالشهادتين ومع ذلك يعتنق البهائية ، فإنّه مرتدّ أيضاً ، وتترتّب عليه الكلام المرتد . وأمّا عقائد البهائيّة ، فهم يعتقدون : 1 ـ بنبوّة البهاء ، واسمه : حسين علي النوري ، والذي كان أخوه يحيى « الأزل » قد ادّعى النبّوة أيضاً ، وكان البهاء قد قتل أخاه يحيى بالسمّ ليكون رئيساً للطائقة البابية. 2 ـ يعتقدون بكتاب له يسمّى : « الإيقان » ، وهو مشحون بالأغلاط الفاحشة في اللغة العربيّة. وكذلك الكتاب « المبين » ، وهما مليئان بالعجمة. 3 ـ يعتقدون بحلول الإلوهيّة في البهاء. 4 ـ يعتقدون بالمهدي النوعي. ويعتقدون بأنّه لا يجوز لدين ومذهب أن يعمّر أكثر من ألف سنة ؛ فبعد كلّ ألف سنة يُنسخ الدين والمذهب ، ويأتي دين ومذهب ونبيّ جديد ، ويستدلّون على ذلك بقوله تعالى في القرآن الكريم : ( يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ) [ السجدة : 5 ] . فقالوا : إنّ « الأمر » يعني : الدين والمذهب ، و « التدبير » هو : البحث والإرسال ، و « العروج » هو : النسخ والرفع. وهذا التفسير للآية أشبه بالهلوسة في مفردات اللغة وموازين الأدب المحاوري ، فإنّ « الأمر » يستعمل في القرآن الكريم للشيء والشأن التكويني كقوله تعالى : ( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) [ يس : 82 ] ، وغيرها من موارد استعماله مثل : « القمر : 50 ، والمؤمنون : 27 ، والأعراف : 54 ، وابراهيم : 32 ، والنحل : 12 ، والروم : 25 ، والجاثية : 12 » ، لا بمعنى التشريع والشرع والمنهاج. وكذلك : « التدبير » فإنّه يستعمل في الخلق والمباشرة للاُمور التكوينيّة ، لا في إنزال وتنزيل الشريعة والدين ؛ كقوله تعالى : ( شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا ) [ الشورى : 13 ] ، وقوله : ( نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ) [ آل عمران : 3 ] . مضافاً إلى ذكر السماء الأرض المرتبط بالخلقة التكوينية في الآية. وكذلك : كلمة « العروج » التي هي بمعنى الصعود والإرتقاء ، لا النسخ والتبديل. ثمّ إن الآية متضمّنة للعدد : خمسين ألف سنة ، وعدد الأنبياء مائة وأربعة وعشرون ألف نبيّ لا يتطابق مع كلا العددين. والفواصل الزمنيّة بين نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ، والنبي محمّد صلوات الله عليهم لا يتطابق مع الألف سنة ، إذ بين نوح عليه السلام وإبراهيم عليه السلام ما يزيد على « 1600 » سنة ، وبينه وبين موسى عليه السلام أقلّ من « 500 » عام ، وبينه وبين عيسى ما يزيد على « 1500 » عام ، وبينه وبين النبي محمّد صلى الله عليه وآله دون « 600 » عام. 5 ـ المعاد عند البهائيّة : يقول البهاء : « انتهت قيامة الإسلام بموت علي محمّد الباب ـ مؤسس البابية التي تولدت منها البهائيّة ـ وبدأت قيامة البيان ودين الباب بظهور من يظهره الله ـ ويعنى بذلك نفسه ـ فإذا مات انتهت قيامته ، وقامت قيامة الأقدس ودين البهاء ببعثة النبي الجديد ». [ كتاب الإيقان / 71 ، والبديع / 338 ، والألواح بعد الاقدس / 81 ـ 252 ، وإشراقات عبد البهاء ومكاتيبه / 33 ] . وقد ذهل الباب والبهاء عن تفسير وقائع أهوال القيامة التي ذكرها القرآن الكريم. ويعترض « الأزليّة » أتباع يحيى النوري ، المسمّى بـ « الأزل » ، وهو أخ حسين علي النوري ، المسمّى بـ « البهاء » ، وكذلك البابيّة أتباع علي محمّد الباب ، الذي أسّس البابيّة وتولدت منها الأزليّة والبهائيّة ، بأنّ الفاصلة بين القيامات هي كما يقول الباب : إنّ من يظهره الله يأتي بعد العدد المستغاث « 2001 » ، لما أسّسه البابيّة والبهائيّة من أنّ كلّ شريعة تُنسخ بعد ألف سنة ، وبلحاظ الباب والأزل يجب أن تمضي « 2001 » سنة كي يعلن البهاء عن نفسه ، فيجيب البهاء في كتاب البديع / 113 ـ وهو نمط من الهلوسة ـ : « كان المشركون أنفسهم يرون أن يوم القيامة « 50 » ألف سنة فانقضت في ساعة واحدة ، أفتصدّقون ـ يا من عميت بصائركم ـ ذلك وتعترضون أن تنقضي ألفا سنة بوهمكم في سنين معدودة ؟ !! ». 6 ـ يقول البهاء في كتابه الأقدس / 34 : « ليس لأحد أن يحرّك لسانه ، ويلهج بذكر الله أمام الناس ، حين يمشي في الطرقات والشوارع ». وهذا الحكم من البهائية خلاف لجميع الشرائع السماويّة والأديان الإلهيّة من أن ذكر الله حسن على كل حال. ويقول في / 41 : « كتب عليكم تجديد أثاث البيت في كل تسعة عشر عاماً » ، و « أحلّ للرجل لبس الحرير لقد رفع الله حكم التحديد في اللباس واللحى » ، و « قد منعتم من ارتقاء المنابر ، فمن أراد أن يتلو عليكم آيات ربّه فليجلس على الكرسي ». وبعد تحريم الذكر في الملأ ، ووجوب تجديد أثاث البيت ، وتجويز لبس الحرير ، وحلق اللحى ، قام بتحريم التقيّة وتجويز الإصغاء والاستماع للموسيقى والغناء ، وحكم بطهارة المني ـ ماء الرجل ـ ، بل أن كل شيء طاهر ولا توجد نجاسة ، وتحليل الربا وقد جوّزت البابيّة لأتباعها نكاح أحد الزوجين من ثالث آخر لغرض الحصول على الولد ، وكذلك قالت البابية بالتفاوت في المهر بين أهل المدينة وأهل القرى .. وقالت البهائيّة بعدم جواز الزواج بأكثر من اثنتين ، بل قالوا أنّ الزواج بالثانية مشروط بشرط تعجيزي ، وقال البهاء بجواز نكاح الأقارب ، لاحظ : كتاب الأقدس / 30 ، لأنّه لم يحرّم إلّا مورداً واحداً ، وأن نكاح الأقارب عائد إلى بيت العدل ، وأنّ الطلاق يحق للمرأة أن تقوم به. وقال البهاء في كتاب الأقدس / 81 : « من أحرق بيتاً متعمّداً فأحرقوه » ، وحرّم صلاة الجماعة إلّا على الميت ، والسنة عندهم تسعة أشهر ، والشهر تسعة عشر يوماً ، ويحرم عندهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من قبل عموم الناس. وللاطّلاع على تاريخ زعماء البهائيّة ودورهم السياسي والطريقة التي اتّخذها الروس في الإتيان بالباب ، لاحظ : كتاب « البرنس دالكوركي » ، وكتاب « تاريخ جامع بهائيت » ، و « كشف الحيل » ، وغيرها ، حيث أنّ الباب قبل إعدامه في إيران في الفتنة التي أثارها كان قد نصّب ميرزا يحيى النوري خليفة له مع أخيه حسين علي النوري ، حيث لقّب الأول عندهم بـ « الأزل » ، والثاني بـ « بهاء » ، وكانا قد اعتُقلاً من قبل الدولة ، فتوسّطت السفارة الروسيّة والبريطانيّة لإطلاق سراحهما وإخراجهما مع جماعة من البابيّة إلى بغداد ومكثوا هناك عشر سنين وأخذوا شيئاً فشيئاً يبتدعون الأحكام ، ثمّ أنّ السلطات اضطرّت إلى إبعادهم إلى جزيرة قبرص وهناك تنازع الأخوان ، فانقسمت البابيّة إلى الأزليّة والبهائيّة واتخذوا من فلسطين برعاية دولة إسرائيل مقرّاً لهم يحجّون إليه. وصف النبي صلّى الله عليه وآله بالخاتم قوله تعالى : ( مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ) [ الأحزاب : 40 ] . والختم بمعنى النهاية ، والبهائيّة يفسّرون « خاتم » بمعنى زينة من الألة التي توضع في إصبع الله ، مع أنّ منشأ تسمية تلك الآلة بالخاتم هو أنّ الفصّ في تلك الآلة ينقش في العادة بنقش يمهر به الرسائل المكتوبة ، ويختم وينهى به الكلام فيها. وقالت البهائيّة أنّ نهاية الأنبياء لا يستلزم نهاية الرسل ، ولم يتفطّنوا أنّ كلّ رسول لا بدّ وأن يكون نبياً أوّلاً.
الجواب من الشيخ محمد السند: المتصفح لكتب التراجم والكتب الكلاميّة للقدماء يرى أنّ القول بالرجعة في مذهب الإماميّة يحاذي أو يفوق القول بالبداء لديهم ، وأنّ بين متكلّمي العامّة والخاصّة في زمن الأئمّة عليهم السلام قد وقع الجدال المستمرّ حول الرجعة ، وقصّة مؤمن الطاق مع أبي حنيفة في ذلك معروفة ، وبل أنّ في بعض الوقائع يظهر منها أنّ الرجعة رمز بارز وسمة لاسم التشيّع مقرونة به ، كما في القصّة بين السيّد الحميري الشاعر في عهد الإمام الصادق عليه السلام وبين سوار القاضي في محضر المنصور العبّاسي. وأمّا إلقاء نظرة سريعة على أقوال علماء الإماميّة فقد قال الشيخ المفيد في أوائل المقالات : « واتّفقت الإماميّة على وجوب رجعة كثير من الأموات إلى الدنيا قبل يوم القيامة ، وإن كان بينهم في معنى الرجعة اختلاف ». وقال في موضع آخره : « إنّ الله تعالى يرد قوماً من الأموات في صورهم التي كانوا عليها فيعزّ منهم فريقاً ، ويذّل ويديل المحقّين من المبطلين والمظلومين منهم من الظالمين وذلك عند قيام مهدي آل محمّد عليهم السلام وعليه السلام ـ إلى أن يقول : ـ وقد جاء القرآن بصحّة ذلك وتظاهرت به الأخبار ، والإماميّة بأجمعها عليه إلّا شذاذاً منهم تأوّلوا ما ورد فيه ممّا ذكرنا على وجه ». والاختلاف الذي يشير إليه من قلّة منهم هو : تأويل للأخبار الواردة برجوع الدولة ، ورجوع الأمر والنهي إلى الأئمة عليه السلام وإلى شيعتهم ، وأخذهم بمجاري الأمور دون رجوع أعيان الأشخاص. وبعبارة أخرى لا يشير المفيد رضي الله عنه إلى من ينكر استفاضة الأخبار في الرجعة والآيات القرآنيّة وإنّما هناك شذّ إذا يتأوّلون معناها ، والحال كذلك إلى عصرنا الحاضر. وقال الشيخ الحرّ العاملي صاحب كتاب وسائل الشيعة المشهور المعروف في كتابه « الإيقاظ من الهجعة في إثبات الرجعة » : « وممّا يدلّ على ثبوت الإجماع اتّفاقهم على رواية أحاديث الرجعة حتّى أنّه لا يكاد يخلو منها كتاب من كتب الشيعة ، ولا تراهم يضعفون حديثاً واحداً منها ، ولا يتعرضون لتأويل شيء منها ، فعلم أنّهم يعتقدون مضمونها ، لأنّهم يضعّفون كلّ حديث يخالف اعتقادهم ـ إلى أن يقول : ـ وممّا يدلّ على ذلك كثرة المصنّفين الذين رووا أحاديث الرجعة في مصنّفات خاصّة بها أو شاملة لها ، وقد عرفت من أسماء الكتب التي نقلنا منها ما يزيد على سبعين كتاباً قد صنّفها عظماء علماء الإماميّة كثقة الإسلام الكليني ، ورئيس المحدّثين ابن بابويه ، ورئيس الطائفة ابن جعفر الطوسي ، والسيّد المرتضى ، والنجاشي ، والكشي ، والعياشي ، وعلي بن إبراهيم ، وسليم الهلالي ، والشيخ المفيد ، والكراجكي ، والنعماني ، والصفّار ـ إلى أنّ قال بعد أن عدّ ما يقارب من واحد وخمسين إسماً من أعلام الطائفة الإماميّة من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام ومن أصحاب بقيّة الأئمّة عليهم السلام ، ومن أعلام الغيبة الصغرى ، ومن القرن الرابع والخامس إلى القرن الحادي عشر الذي عاش فيه قال : ـ وغيرهم فقد صرّحوا بصحّة الرجعة ونقلوا أحاديثها ». ومن ثمّ ذهب المجلسي صاحب البحار المعاصر له إلى أنّ الرجعة من ضروريات المذهب ، وحكى الشيخ الأحسائي في شرح الزيارة ـ على ما ببالي ـ عن كتاب الرجعة للسيّد نعمة الله الجزائري أنّه قد جمع في كتابه ستمائة ونيف حديث في الرجعة ، وهو غير مستبعد إذ ما من نصّ زيارة أو دعاء أو حديث في الملاحم والظهور إلّا ويشتمل في الغالب على الإشارة إلى الرجعة ولو بكلمة. وقد تعرض العلّامة الطباطبائي في تفسيره « الميزان » إلى الرجعة ودفع الإشكالات الفلسفيّة عنها ، كما قد ذهب الحكيم الفقيه الميرزا أبوالحسن الرفيعي القزويني إلى قيام البرهان العقلي الفلسفي المستقلّ على الرجعة وكتب في ذلك رسالة مستقلّة مطبوعة. فيتحصّل أنّ البعض القليل ممّن ينسب إليه التردّد في الرجعة ليس هو تردّد في ورود الروايات المستفيضة والآيات فيها وإنّما هو في معناها كما ذكر ذلك الشيخ المفيد.
الجواب من الشيخ محمد السند: الخيال المنسوج ليس في شخصيّة ورقة بن نوفل بل في القصّة التي يرويها العامّة من التجاء خاتم الأنبياء ، وتثبّته من نبوّته إلى قول ورقة بن نوفل ، وأنّه صلّى الله عليه وآله كان شاكّاً من الوحي ونحو ذلك من الأساطير الباطلة.
الجواب من الشيخ محمد السند: هناك العديد من الأدلّة المتكاثرة على ذلك ، نذكر منها مقتطفاً مثل قوله تعالى : ( اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَـٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ * وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَن تُفَنِّدُونِ * قَالُوا تَاللَّـهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ * فَلَمَّا أَن جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَىٰ وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّـهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ) (1). وفي ذيل سورة يوسف يقول تعالى : ( لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ ) (2). فما ذكره الله تعالى من استشفاء نبي الله يعقوب بقميص ابنه نبي الله يوسف ورجوع بصره ببركة قميصه ليس حديثاً يفترى خيالي بل عبرة لاُولي الألباب كي يستنّوا بسنن أنبياء الله تعالى. ومثل : قوله تعالى : ( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّـهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّـهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا ) (3). ومن المعلوم أنّ مرض الروح وهو الذنوب أعظم من مرض البدن ، فإذا كانت شفاعته صلى الله عليه وآله في النجاة الأبديّة والخلاص الدائم مقبولة ، فكيف لا تكون شفاعته صلّى الله عليه وآله مقبولة في النجاة من المرض البدني الموقّت ؟! وقد أجمع المسلمون في روايات الفريقين على شفاعته صلّى الله عليه وآله. ومثل ما روى أصحاب كتب السير المعروفة لدى الفريقين وكتب الحديث والتواريخ والتفسير أنّه صلّى الله عليه وآله في غزوة خيبر عندما لم يظفر المسلمون باليهود وقلاعهم المحصنة ، وكان صلّى الله عليه وآله قد أرسل أبا بكر وعمر وعمرو بن العاص كلّ واحد في مرّة مع الجيش ، فيرجعون فراراً في يئس من الظفر باليهود وفي حالة من الذعر ، فقال صلّى الله عليه وآله : لأعطينّ الراية غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله كرّار غير فرّار ، يفتح الله على يديه ، فتطاولت إلى ذلك أعناق القوم ، وقالوا : من يعطاها ؟ وكلّ واحد تمنّى أن يكون هو ، فأصبح صلّى الله عليه وآله ونادى : أين علي ؟ فقالوا له : أنّه مريض مصاب بالرمد في عينيه. فقال : آتوني به ، فجاؤوا به أرمد العينين فمسح صلّى الله عليه وآله عيني على بريق ماء فمه الشريف ، فبرئ عليّ ، وأخذ الراية ، وفتح الله تعالى على يديه حصون اليهود وقتل مرحباً ، وكانت أحد مواقفه عليه السلام التي بنت صرح الدولة الإسلاميّة العظمى. (4) فنرى في هذا الموقف أنّ عليّاً عليه السلام قد شفى بريق النبي صلّى الله عليه وآله. (5) وقد روى أصحاب الصحاح الستّة أنّ المسلمين كان يتبرّكون بفاضل وضوئه صلى الله عليه وآله. (6) إلى غير ذلك من الموارد التي لا تحصى. الهوامش 1. يوسف : 93 ـ 96. 2. يوسف : 111. 3. النساء : 64. 4. 5. راجع : صحيح البخاري / المجلّد : 4 / الصفحة : 20 / الناشر : دار الفكر. صحيح مسلم / المجلّد : 7 الصفحة : 120 / الناشر : دار الفكر. خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب « للنسائي » / المجلّد : 1 / الصفحة : 42 / الناشر : مكتبة المعلا / الطبعة : 1. 6. مسند أحمد بن حنبل / المجلّد : 31 / الصفحة : 247 / الناشر : مؤسسة الرسالة / الطبعة : 1 : ثم إنَّ عروة جَعَلَ يَرْمُقْ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم بعينه ، قال : فوالله ما تَنخَّمَ رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم نُخَامَةَ إلّا وَقَعتْ في كَفِّ رَجُلٍِ منهم ، فَدَلَكَ بها وَجْهَهُ وجِلْدَهُ ، وإذا أَمَرَهُمْ ابتدروا أمْرَه ، وإذا توضَّأ كادوا يقتتِلون على وَضوئه ، وإذا تكلَّموا ، خَفَضُوا أصْوَاتَهُم عنده ، وما يُحِدُّون إليه النَّظَرَ تعظيماً له. راجع : صحيح البخاري / المجلّد : 4 / الصفحة : 58 / الناشر : دار الفكر.
الجواب من الشيخ محمد السند: روى عن النبي صلّى الله عليه وآله كل من الفريقين بطرق متواترة أن : « من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهليّة » بألفاظ مختلفة ، ومن البيّن أنّ المعرفة قلبيّة إعتقاديّة ، وهذا الإمام الذي معرفته هي مدار إيمان وإلّا فيموت الإنسان موتة أهل الجاهليّة ، لا يكون إلّا معصوماً ، والقول بإمامته من أصول الدين. وكذلك قوله تعالى : ( قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ) [الشورى : 23 ] ؛ فإن جعل أجر الرسالة كلّها ، بما فيها من أصول الدين ، جعل أجر أصول الدين وفروعه مودّة آل محمّد صلوات الله عليهم ، دالّ على أنّ مودّتهم وولايتهم وإمامتهم من نسيج أصول الدين ؛ بمقتضى التعادل والتساوي بين المعوض والعوض والأجر ، وإلّا لكان تعبير القرآن بالأجر مسامحة والعياذ بالله تعالى. وكذلك قوله تعالى : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ) [ المائدة : 3 ] ، ما هو الخطب في ذلك اليوم الذي يصفه القرآن بأنّ الدين لم يكمل قبله ، أنّ أصول الدين لم تكمل قبله ، وأنّه تعالى لم يكن راضياً للمسلمين بالإسلام من دونه ؛ فما هو ذلك الخطب في ذلك اليوم ، يوم غدير خمّ ، بعد حجّة الوداع ؟! لا يكون ما نزل في ذلك اليوم إلّا من أصول الدين ، فهو الذي يتناسب مع هذا الحجم من التعظيم والخطورة التي يبرزها القرآن له ، ولذلك قال تعالى في سورة المائدة ـ آخر السور نزولاً ـ أيضاً : ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّـهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّـهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ) [ المائدة : 67 ] ، فما هو هذا الأمر الذي عادل الباري تعالى بينه وبين مجموع الرسالة ، وأنّ خطورته تعدل مجموع الرسالة ، وأنّه كانت لدى النبي صلّى الله عليه وآله خشية من عدم قبول الناس لتبليغه ذلك الأمر ، وأنّه تعالى جعل الجاحدين لذلك الأمر هم القوم الكافرين بالإيمان ؟! فترى المعادلة في هذه الآية ، وكذلك الآية السابقة ، وكذلك آية المودّة ، وكذلك الحديث النبوي في معرفة الإمام ، وكذلك حديث الثقلين المتواتر عند الفريقين : « إني تارك فيكم الثقلين : كتاب الله ، وعترتي أهل بيتي » ؛ فإنّ المعأدلة بين الكتاب والعترة ، تقضى بأنّ إمامتهم من أصول الدين ؛ لأنّ الإيمان بالكتاب من أصول الدين ، ومن الإيمان بنبوّة النبي صلّى الله عليه وآله ، فكذلك أعدال الكتاب ، وغير ذلك من الأدلّة الدالّة على كون إمامتهم من أصول الدين ، وعلى ذلك فمن يقول بأنّ الإمامة ليست من أصول الدين ، يعني أنّ الاعتقاد بإمامتهم غير واجب وغير لازم ، أيّ لا يلزم نفسه بالاعتقاد بإمامتهم ، وبالتالي فيخرج نفسه من ربقة الإيمان بمقتضى الأدلّة والبراهين الدينيّة المتقدّمة ، وإن بقي على ظاهر الإسلام لا على حقيقته : ( قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللَّـهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّـهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) [ الحجرات : 14 ] .
الجواب من الشيخ محمد السند: الشيخيّة هم من الإثنى عشريّة الجعفريّة غاية الأمر يختلفون في أنّه تعتقد الشيخيّة بالركن الرابع ، ومرادهم من ذلك : الاعتقاد بالنيابة الخاصّة للعالم المرجع الذي يتّبعوه ، أيّ أنّه : على ارتباط خاص بالناحية المقدّسة نظير النوّاب الأربعة في الغيبة الصغرى ، وقد يطلقون عليه بدل الركن الرابع عبارة « المولى » ، ويرون أن توليه من أجزاء الإيمان ، وأنّ مَن لم يتولّاه ناقص الإيمان ، كما يذهبون إلى أنّ المعاد والبعث والنشور هو بالجسم اللطيف ، ويطلقون عليه « الهورقليائي ». وقد كتب أحد تلامذة الميرزا الكبير صاحب فتوى التبغ « التنباكو » المعروف كتاباً في الفوارق أسماه : هدية النملة إلى مرجع الملّة ، وذكر فيه موارد عديدة ، إلّا أنّ كثيراً منها هي في تفاصيل الإعتقادات التي هي محل بحث ودراسة في علم الكلام والمعارف. وعلى أيّة حال الفارق الأوّل : بإجماع الشيعة الإماميّة على ضرورة انقطاع النيابة الخاصّة في الغيبة الكبرى ، وإنّ المبدع لها مبدع مخالف لضرورة المذهب لديهم ، هذا ، فإن كان بعضهم ينكر دعوى النيابة الخاصّة في حقّ من يتبعه من رجال الدين ، فنعم الصواب والوفاق. وعقيدتهم ظهر ممّا تقدّم. بدأت في الظهور منذ عهد الشيخ أحمد الأحسائي ؛ إذ اصطدم معه بعض علماء قزوين حول المعاد الجسماني ، ثمّ ازدادت الحدّة على عهد تلميذه السيّد كاظم الرشتي ومن بعده من سلسلة تلامذة الشيخ الأحسائي. وبعض تلامذة السيّد كاظم الرشتي ، ويُدعى : علي محمّد الشيرازي ادّعى البابيّة ؛ وأسّس فرقة البابيّة في إيران ، ثمّ ادّعى النبوّة ، ثمّ تحوّلت إلى البهائيّة المعروفة حالياً ، وعلى أيّة حال انقسمت الشيخيّة إلى : الكرمانيّة ، أتباع الشيخ محمّد كريم خان الكرماني ، والأسكوئيّة ، أتباع الشيخ الأسكوني التبريزي. وعلى أيّة حال لا بدّ من الالتفات إلى أنّ بين الشيخ زين الدين أحمد الأحسائي ، وبين تلامذته فوارق عديدة ؛ إذ أنّه لا يلاحظ هذه الفوارق في كتب الشيخ الأحسائي ، بل غالبها هي من مباني تلامذته ، حتّى أنّه قيل : إنّ الشيخ علي بن الشيخ الأحسائي الذي كان على منزلة من الفضيلة وقطن كرمانشاه أنكر كثيراً من الأمور التي نسبها تلاميذ الشيخ الأحسائي إليه. ولا يبعد ذلك لمن لاحظ مؤلّفات الشيخ الأحسائي ، كما أنّ المستوى العلمي الذي كان يتمتّع به الشيخ الأحسائي لم يكن لدى تلاميذه. موقف علمائنا قد ظهر ممّا سبق.
الجواب من الشيخ محمد السند: 1 ـ قال المحدث النوري في الصحيفة الثانية العلويّة : إنّ لهذا الدعاء ـ السيفي الصغير ـ في كلمات ارباب الطلسمات والتسخيرات شرح غريب ، وقد ذكروا له آثاراً عجيبة ، ولم أر ما ذكروه لعدم اعتمادي عليه ـ أيّ على ما ذكروه من روايته من طرقهم ـ ولكن اُورد أصل الدعاء تسامحاً في أدلّة السنن وتأسّياً بالعلماء الأعلام. ويتحصّل من كلامه عدم ورود الدعاء في الكتب المعتبرة المعتمدة إلّا أنّ الأمر في الدعاء سهل لعموم أمره تعالى : ( ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) [ غافر : 60 ] . نعم ، حيث أنّ الدعاء في مذهب أهل البيت عليهم السلام مدرسة لتعليم المعارف الدينيّة والآداب والأحكام الشرعيّة كان الراجح التوفي الصحيح من الدعاء والمأثور عن النبي صلّى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام أو المذكور في القرآن الكريم. مضافاً إلى أنّ للأدعية والأسماء الإلهيّة والتركيبات في الأذكار خواصّ لا يطلع عليها بتمامها إلّا المعصومين عليهم السلام. نعم ، لا بأس ولا حرج شرعاً في الإتيان بسائر الأدعية غير الواصلة عبر الكتب والمصادر المعتبرة من باب قاعدة : « من بلغه ثواب عمل فعمله رجاء ذلك الثواب كتب له ذلك ». 2 ـ ومنه يظهر الحال في دعاء القاموس.
الجواب من الشيخ محمد السند: الجواب الأوّل : ورد في الروايات وفي زيارة الناحية المقدّسة أنّ علياً عليه السلام سمّى ابنه بـ « عثمان » حبّاً لـ « عثمان بن مظعون » ، أحد كبار زهاد وتقاة الصحابة الذي توفّى في حياة الرسول صلّى الله عليه وآله ودفن في البقيع. وأمّا أبي بكر ، فكنية وليست باسم علم ، وكانت شائعة لدى العرب على مستوى الأفراد وأسماء القبائل. وأمّا عمر ، فقد كان في بني هاشم من تسمّى بـ « عمر » وقبل ذلك ، هذا مع أنّ هذين الإسمين سمّاهما بهما الرسول صلّى الله عليه وآله ، وإلّا فاسمهما في الجاهليّة غير ذلك. وبذلك يتّضح الجواب عن الجواب عن الثاني ، مع أنّ هذا التشبّث من الوهّابيّة كتشبث الغريق بالقشّ ؛ أليس من حقائق التاريخ لدى الفريقين أنّ علي بن أبي طالب عليه السلام بعد قتل عمر يوم الشورى من ستّة نفر اشترط عبد الرحمن بن عوف على علي بن أبي طالب عليه السلام لكي يبايعه على الخلافة ، اشترط عليه اتّباع سيرة الشيخين ، فرفض الإمام علي عليه السلام ذلك ، وأنّه يحكم بالكتاب وسيرة الرسول ؟ ! ألم تذكر المصادر التاريخيّة لدى الفريقين امتناع علي عليه السلام عن مبايعة أبي بكر إلى أن وصل ضغط أصحاب السقيفة إلى حرق باب فاطمة عليها السلام ، والهجوم على البيت النبوي. وما تلا ذلك من أحداث بين فاطمة وعلي عليهما السلام من جهة ، وبين أصحاب السقيفة من جهة اُخرى ؟ ! أليس قد خطب علي عليه السلام في الكوفة بالخطبة الشقشقيّة ، والخطبة القاصعة ، وغيرها من الخطب المسندة التي يضلل فيها عمل أصحاب السقيفة.
الجواب من الشيخ محمد السند: أمّا الدليل العقلي المجرّد البحث المحض فهو لا يقضى إلّا بضرورة الحاجة إلى الدين الإلهي ، وأنّ البشر والعقل المحدود محتاج في الهداية إلى الكمالات التامّة العديدة على كلّ الأصعدة إلى عناية ربّ الخليقة. نعم الدليل العقلي المركب من مقدّمات حسيّة أو نقليّة قطعيّة قائم على لزوم التمسّك بدين الإسلام وانحصار النجاة به ، ويمكن تقريبه بعدّة صياغات نشير إلى كيفيّتها بنحو الإشارة والتفصيل فيها لا يخفى على السائل إن شاء الله تعالى : الأوّل : أنّ الأدلة الدالة على حقانيّة دين الإسلام المبيّنة البيّنة تثبت حقانيّته ، وحيث يثبت ذلك فإنّ مفاد العديد من الآيات والروايات المتواترة هو حصر النجاة في الآخرة به دون غيره من الأديان ، مثل قوله تعالى : ( وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) [ آل عمران : 85 ] . وقول النبي صلّى الله عليه وآله : « لو كان موسى حيّاً ما وسعه إلّا اتّباعي » ، وقد وصف القرآن الكريم بأنّه مهيمناً على الكتب السماويّة المتقدّمة ومصدّقاً لها ، وأنّه فيه تبيان كلّ شيء بخلاف التوراة وغيرها ، فإنّه فيها بيان من كلّ شيء لا كلّ شيء ، وإنّ القرآن ما من غائبة في السماوات والأرض إلّا مستطرة في كتاب مبين ، وهو حقيقة القرآن العلويّة للقرآن النازل في ليلة مباركة كما في سورة الدخان ، وكذا : ( وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ) [ الأنعام : 59 ] . ممّا يدلّ على سعة وإحاطة شمول القرآن لكل شيء في كلّ مكان وزمان وظرف متغيّر ، ممّا يلزمه عقلاً تعيّنه ككتاب هداية ورشاد. وكذلك ما روي عند الفريقين من أنّ حلال محمّد صلّى الله عليه وآله حلال إلى يوم القيامة وحرامه صلّى الله عليه وآله حرام إلى يوم القيامة. وقوله صلّى الله عليه وآله : « إنّما بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق » ، ممّا يلزمه عقلاً أنّ تمام وكمال المكارم بهذا الدين . وغيرها من الشواهد النقليّة القطعيّة التي لا تحصى عدداً الدالّة على ذلك ، الملازمة عقلاً للحصر بعد ثبوت حقانيّة الدين كأمر مفروغ عنه في المرتبة السابقة. الثاني : وجوه إعجاز القرآن التي تصل إلى ما يذرف على العشرة مناهج وقد يوصلها البعض إلى أكثر من ذلك ، منها العلوم والمعارف المختلفة في القرآن سواء في المعرفة العامّة الكونيّة كالتوحيد ونحوه أو في القانون للنظام الإجتماعي والفردي وأصول تلك القوانين ، أو العلوم المرتبطة بالطبيعة ونحوها ، أو العلوم الإنسانيّة المرتبطة بالأخلاق وعلم النفس والاجتماع والعلوم الروحيّة ، وكذلك العلوم الرياضيّة والفلكيّة وغيرها أقسام للعلوم ، وإن كان التركيز الأصلي على القرآن في الدرجة الأولى هو في كونه كتاب هداية وفلاح وصلاح للإنسانيّة. وبعبارة أخرى إنّ أحكام ومعارف الدين الإسلامي تنتدب التحدّي للبشريّة في وجود أيّ خلل في ما تعرضه كنظام هداية ، شريطة أن تدرس معطيات الدين وتحاكم على أسس وأصول علميّة وتخصصيّة وقطعيّة. وهذا الوجه حاصر عقلاً طريق النجاة به دون بقيّة الأديان لتخصّصه وتميّزه بذلك دونها ، فضلاً عن مناهج الاعجاز الأخرى الملازمة لكمال القرآن المجيد الملازم للحصر فيه ميّزه دون بقيّة الكتب السماويّة. الثالث : تغطية أقوال وسيرة الرسول صلّى الله عليه وآله والمعصومين عليهم السلام لكلّ مستجدات ومتغيّرات الأزمنة شريطة أن تدرس على الأصول المشار إليها سابقاً الملازم عقلاً لتعيين هذا الدين للبغاة. الرابع : الوعد الإلهي بإظهار هذا الدين على كافّة ارجاء الكرة الأرضيّة ، ولم يتحقّق هذا الوعد الإلهي على يد أحد من بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله بعد أن زويت قيادة النظام الإجتماعي السياسي للمسلمين عن أهل البيت عليهم السلام ممّا يلزم عقلاً كون هذا الدين هو الأكمل والأمثل للسؤدد كمنهاج للبشريّة ، وهناك وجوه عديدة لا يسع المقام ذكرها.
الجواب من الشيخ محمد السند: وأمّا كون دين الإسلام آخر الأديان ، والنبي محمّد صلّى الله عليه وآله خاتم وآخر الأنبياء فهو : 1 : وصف النبي صلّى الله عليه وآله بالخاتم قوله تعالى : ( مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَـٰكِن رَّسُولَ اللَّـهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ) [ الأحزاب : 40 ] . والختم بمعنى النهاية ، والبهائية يفسّرون « خاتم » بمعنى زينة من الألة التي توضع في إصبع الله ، مع أنّ منشأ تسمية تلك الآلة بالخاتم ، هو أنّ الفصّ في تلك الآلة ينقش في العادة بنقش يمهر به الرسائل المكتوبة ويختم وينهى به الكلام فيها. وقالت البهائية أنّ نهاية الأنبياء لا يستلزم نهاية الرسل ، ولم يتفطّنوا أنّ كلّ رسول لا بدّ وأن يكون نبياً أوّلاً. 2 : الوعد بإظهار وغلبة الدين على كلّ وجه الأرض في قوله تعالى : ( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ) ، وقد كرّر القرآن هذه الآية في ثلاث سور : [ الصف : 9 ، والفتح : 28 ، والتوبة : 33 ]. وهذا الوعد الإلهي بانتشار الدين الإسلامي على كافة أرجاء الكرة الأرضيّة لم يتحقّق. 3 : عقيدة المهدي عجّل الله تعالى فرجه الشريف : وبعقيدة كافة المسلمين أنّ المهدي من آل محمّد ـ عجل الله تعالى فرجه الشريف ـ هو الكافل لتحقيق هذا الوعد الإلهي ، ومن ثمّ فضرورة عقيدة المهدي عجّل الله تعالى فرجه الشريف هي أحد أدلّة خلود هذا الدين التي أنبأ بها النبي محمّد صلى الله عليه وآله. وكذا بقية الآيات المبشّرة بظهور المهدي عجّل الله تعالى فرجه الشريف كقوله تعالى : ( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ) [ الأنبياء : 105 ] . وقوله تعالى : ( وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ ) [ القصص : 5 ـ 6 ] ، والآية بصيغة الفعل المضارع للدلالة على الاستمرار في السُنّة والإرادة الإلهيّة. 4 : حصر الدين بالإسلام ، وقوله تعالى : ( وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ * كَيْفَ يَهْدِي اللَّـهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّـهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) [ آل عمران : 85 ـ 86 ] . وقوله تعالى : ( إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّـهِ الْإِسْلَامُ ) [ آل عمران : 19 ] . وقوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّـهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ) [ آل عمران : 102 ] . 5 : أوصاف القرآن ، وقوله تعالى : ( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ ) [ النحل : 89 ] ، فليس من شيء إلى يوم القيامة إلّا وحكمه وبيانه في القرآن الكريم. وقوله تعالى : ( وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ) [ المائدة : 48 ] ، فالهيمنة ـ كوصف للقرآن ـ دلالة على إحاطته ، وقد وصف القرآن بأوصاف عديدة دالّة على إحاطته بكلّ نشأة الخلقة ، ( يَمْحُو اللَّـهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ) [ الرعد : 39 ] ، و ( وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ) [ الأنعام : 59 ] . وقد وصف القرآن بالكتاب المبين في سورة الدخان : ( حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) [ الدخان : 1 ـ 6 ] . وقال تعالى : ( وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ) [ يونس : 61 ] . وقال : ( وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّـهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ) [ هود : 6 ] . ممّا يدلّ على عدم خروج شيء عن حيطة القرآن الكريم المبين ، فليس هو على نسق ما تقدمه الكتب الإلهيّة مؤقّتة لظرف زمني محدّد. وقال : ( وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ ... مَالِ هَـٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ) [ الكهف : 49 ] . وقد وصف القرآن بالكتاب في المبين في سورة الشعراء : ( تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ ) [ الشعراء : 2 ] . والنمل أيضاً : ( طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُّبِينٍ ) [ النمل : 1 ] ، وقال : ( وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ) [ النمل : 75 ] . وفي سورة القصصٍ : ( تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ ) [ القصص : 2 ] ، وكذلك : [ سبأ : 3 ] . وفي سورة التكوير : ( إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ ) [ التكوير : 27 ] . 6 : آيات الشهادة ، شهادة الرسول على كلّ الناس كقوله تعالى : ( وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ) [ البقرة : 143 ] . وفي قراءة أهل البيت عليهم السلام أئمّة بدل : ( اُمّة ) ، جمع إمام ، ويشهد لها : ( وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّـهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ) [ التوبة : 105 ] . وقوله تعالى : ( فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلَاءِ شَهِيدًا ) [ النساء : 41 ] ، فالشاهد المطلق العام على كلّ الاُمم البشريّة هو خاتم الأنبياء صلّى الله عليه وآله. 7 : خيريّة اُمّته صلّى الله عليه وآله أو الأئمّة خلفاؤه على كتاب الناس ، كما في قوله تعالى : ( كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ) [ آل عمران : 110 ] ، وفي قراءة أهل البيت عليهم السلام كنتم خير أئمّة ـ جمع إمام ـ ، وإلا فكيف تكون الأمة الإسلامية خير اُمّة وقد قتلت سبطا النبي المختار وابن عمّه علي بن أبي طالب عليه السلام. 8 : بقاء الإمامة في عقب إسماعيل وهو الرسول المختار وآله صلوات الله عليهم إلى يوم القيامة بمقتضى عدّة من الآيات. كقوله تعالى : ( وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) [ البقرة : 124 ] . وقوله : ( رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ ) [ البقرة : 128 ] . وقوله تعالى : ( وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ ) [ الزخرف : 28 ] ، أنّ الإمامة باقية في عقب إبراهيم عليه السلام. وقوله تعالى : ( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّـهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا ) [ النساء : 54 ] ، والملك العظيم هو الإمامة بقرينة ما تقدّم وليس الملك الظاهري حيث لم يتقلدوا السلطان الظاهري ، وهناك طوائف من الآيات أخرى كثيرة لا يسع المقام ذكرها.
الجواب من الشيخ محمد السند: ليست الأخباريّة في إنكارهم لحجيّة العقل على قول واحد ، فإنّ الأفاضل منهم إنّما ينكرون الحجيّة في دائرة الأدلّة النظريّة غير البديهيّة المبتنيّة على مقدّمات كثيرة نائية عن دائرة البداهة ، وهو منحى أقرب اعتدالاً من تطرف المنكرين للحجيّة مطلقاً هذا من جانب ، ومن جانب ثانٍ : إنّ مدار الحجيّة للعقل عند الأصوليين هو في الأحكام القطعيّة اليقينيّة لا الظنيّة المزينة بصورة القطع واليقين ، كما أنّ الموازنة بين دليل العقل ودليل النقل سواء كان كل منهما قطعيّاً أو كان النقلي ظناً لا بُدّ من مراجعة المقدّمات والمعطيات الأوليّة في كل طرف من الدليلين ، ومراجعة المحاسبة ، والتأكد من سلامة استخراج النتائج من كل طرف من الدليلين كي يقف الباحث على نقطة ونقاط الوفاق أو الخلاف ، ومن ثمّ تحريّ كيفيّة الحلّ. وأمّا الإجماع فلا قيمة له إلّا بمقدار كشفه عن قول النبي وعترته المعصومين فلا موضوعيّة له ذاتيّة في منطق الإماميّة ، نعم عند أهل السنّة والجماعة الإجماع هو منطلق رئيسي في الحجج لديهم على صعيد التنظير فقط لا التطبيق.