لم يتح لسكينة بنت الحسين عليهما السلام ما أتيح لآل الحسين من الظهور على ساحة الأحداث في كربلاء والكوفة والشام؛ لتُلهب الأجواء بالخطب والبيانات، لأنّ مهمة ذلك موكولة إلى الكبار من أهل هذا البيت الطاهر.
فمع وجود أخيها الإمام زين العابدين عليه السلام، وعمّاتها العقيلة زينب، وأمّ كلثوم، وأختها الكبرى فاطمة، لم يبق لها دور في ذلك؛ لأنها كانت في عداد الهاشميات الصغيرات، والمخدرات اللواتي لم يتحمّلن مهمة التبليغ بعد، ولم تظهر إلاّ بعد أن حطّ الآل ركبهم في المدينة، وأخذت تستذكر فيما بعد أحداث الفاجعة؛ لتروي لنا نتفاً ممّا علقت بهِ ذاكرتها من محن وأحداث.
نسبها وحالها
هي سكينة بنت الإمام الحسين ابن الإمام علي بن أبي طالب، وأمّها الرباب بنت امرئ القيس بن عدي بن أوس.
جاء في مستدركات النمازي أنّها كانت عقيلة قريش، ولها السيرة الجميلة، وهي ذات الفضل والفضيلة والكرم الوافر والعقل الكامل والمكارم الزاخرة والمناقب الفاخرة، وهي سيدة نساء عصرها وأجملهن وأظرفهن وأحسنهن أخلاقاً.(1)
إقامة العزاء عند القبر الشريف
فلما وصل آل بيت النبي الأعظم (ص) إلى كربلاء، أخذوا بالبكاء والنحيب واللّطم، وأقاموا العزاء إلى مدّة ثلاثة أيّام، واجتمع إليهم نساء أهل السّواد (العراق كانت تسمي بأرض السواد)، فخرجت زينب عليها السلام في الجمع، وأهوت إلى جيبها فشقّته، ونادت بصوت حزين يقرح القلوب، وا أخاه وا حسيناه وا حبيب رسول الله وابن مكة ومنى، وابن فاطمة الزهراء، وابن علي المرتضى، آه ثم آه، ووقعت مغشية عليها، وخرجت أمّ كلثوم لاطمة الخدّين تنادي برفيع الصوت: اليوم مات محمد المصطفى، اليوم مات علي المرتضى، اليوم ماتت فاطمة الزهراء وباقي النساء لاطمات ناعيات نائحات قائلات: وا مصيبتاه وا حسنا وا حسيناه. فلمّا رأت سكينة ما حلّ بالنساء رفعت صوتها تنادي: وا محمداه وا جدّاه يعزّ عليك ما فعلوا بأهل بيتك ما بين مسلوب وجريح، ومسحوب وذبيح، وا حزني أسفاً، ثم أمر علي بن الحسين عليهما السلام بشدّ رحاله، فشدّوها، فصاحت سكينة بالنساء لتوديع قبر أبيها، فدرن حوله فحضنت القبر الشريف وبكت شديداً، وحنّت، وأنّت، وأنشأت تقول: