إذا ذُكر يوم عاشوراء انصرفت القلوب إلى كربلاء، واستحضرت الأرواح تلك الملحمة الخالدة التي سطّر فيها الإمام الحسين عليه السلام وأهل بيته وأصحابه أروع صور التضحية والفداء في سبيل حفظ الدين وإحياء رسالة جدّه المصطفى صلى الله عليه وآله، غير أنّ عاشوراء ليست حادثة تاريخية مضت، وانقضت، ولا ذكرى تُستعاد في موسم معين، ثم تُطوى صفحاتها، بل هي قضية حيّة متجددة، بقيت تنبض في وجدان المؤمنين عبر القرون وعلى مدى العصور، وتزداد حضوراً كلما اقترب الإنسان من مدرسة أهل البيت عليهم السلام.
ومن أبرز الشواهد على استمرار هذه القضية وخلودها ذلك الارتباط الوثيق بين الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف وجدّه الإمام الحسين عليه السلام، حتى يمكن القول إنّ نهضة الإمام المهدي عليه السلام العالمية هي الامتداد الطبيعي لنهضة كربلاء، وإنّ عاشوراء تمثّل الركيزة العاطفية والعقائدية لمشروع الظهور المبارك.
فالإمام المهدي عليه السلام هو الوارث لدم الإمام الحسين عليه السلام، والطالب بثأره، والحامل لرسالته؛ ولذلك نجد الروايات والأدعية والزيارات تؤكد بصورة لافتة هذا الارتباط العميق الذي يجعل ذكر الإمام الحسين عليه السلام حاضراً في حياة الإمام المهدي عليه السلام وفي مشروعه الإلهي منذ غيبته إلى ظهوره.

الإمام المهدي عليه السلام وارث مصيبة كربلاء

لم تكن فاجعة كربلاء مصيبة تخص جيلاً دون جيل، بل هي جرح ممتد في قلب الإمامة. ومن هنا كان الإمام المهدي عليه السلام أكثر الناس تألماً لمصاب جدّه الحسين عليه السلام، فهو الإمام الحاضر الذي يشهد أحزان شيعته ودموعهم، ويعيش آلام تلك الفاجعة بكل تفاصيلها.
وقد عبّر الإمام عليه السلام عن هذه الحقيقة في الزيارة الناحية المقدسة المنسوبة إليه، حيث خاطب جدّه الإمام الحسين عليه السلام بكلمات تقطر حزناً ولوعة فيقول فيها: «فلأندبنّك صباحاً ومساءً، ولأبكينّ عليك بدل الدموع دماً.» (1).
وهذه العبارة تكشف أنّ مصيبة الحسين عليه السلام ليست حدثاً ماضياً في وجدان الإمام المهدي عليه السلام، بل هي قضية حاضرة يعيشها بكل مشاعره وأحاسيسه، حتى جعل البكاء على الحسين عليه السلام شعاراً دائماً له.
الحسين عليه السلام شعار حركة الظهور
عندما يظهر الإمام المهدي عليه السلام ويؤسس دولة العدل الإلهي، فإنّ أولى الشعارات التي يرفعها ترتبط بالإمام الحسين عليه السلام.
فقد ورد في الروايات أنّ من شعارات أنصاره: «يا لثارات الحسين!» (2).
وهو شعار يحمل أبعاداً عميقة تتجاوز مفهوم الثأر الشخصي؛ ليعبّر عن استعادة الحق الإلهي، وإقامة العدالة التي سُلبت يوم كربلاء، والقضاء على الامتداد الفكري والعملي للظالمين الذين وقفوا في وجه الأنبياء والأوصياء.
فإنّ ثأر الإمام الحسين عليه السلام هو ثأر الله تعالى؛ لأنّه قُتل دفاعاً عن دينه وحفاظاً على شريعته وقيمه، ولذلك بقيت قضية الإمام الحسين عليه السلام حيّة في ضمير الأمة، وبقيت المطالبة بثأره شعاراً يرفعه المؤمنون جيلاً بعد جيل، حتى يحقّق الله تعالى وعده على يد الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف، فيكون القائم عليه السلام هو الطالب الأعظم بدم سيد الشهداء عليه السلام، وتقع على عاتق المؤمنين مسؤولية الالتحاق بهذا المشروع الإلهي والكون من الطالبين بثأره تحت راية وليّ الله الأعظم؛ ولهذا كان الإمام المهدي عليه السلام هو الثائر الأكبر لدم الإمام الحسين عليه السلام؛ لأنّه سيحقق الأهداف التي خرج من أجلها سيد الشهداء عليه السلام.

عاشوراء يوم تجديد العهد مع الإمام المهدي عليه السلام

حين يحيي المؤمنون يوم عاشوراء، فإنّهم لا يستذكرون الماضي فقط، بل يجددون ارتباطهم بالحاضر والمستقبل أيضاً.
فالإمام المهدي عليه السلام هو الامتداد الشرعي لخط الإمام الحسين عليه السلام، والمنتظرون الحقيقيون هم الذين يحولون الحزن على الإمام الحسين عليه السلام إلى التزام عملي بمشروع الإمام المهدي عليه السلام.
وإنّ البكاء على الإمام الحسين عليه السلام عبادة عظيمة، لكن الأهم أن يتحول هذا البكاء إلى وعي ومسؤولية واستعداد لنصرة الإمام عند ظهوره.
وعليه، فإنّ موسم عاشوراء يعدّ من أهم المواسم التربوية التي تهيئ النفوس للارتباط بصاحب العصر والزمان عليه السلام؛ لأنّ مدرسة الإمام الحسين عليه السلام هي المدرسة التي تصنع الأنصار المخلصين لدولة العدل الإلهي.
تعزية المؤمنين بعضهم بعضاً يوم عاشوراء
ومن السنن المؤكدة التي وردت عن أهل البيت عليهم السلام في يوم عاشوراء أن يعزي المؤمنون بعضهم بعضاً بمصاب أبي عبد الله الحسين عليه السلام.
فقد ورد عن الإمام الباقر عليه السلام أنّه يوصي المؤمنين ما إذا تلاقوا يوم عاشوراء يعزي بعضهم بعضاً، وقال أيضا: «مَن زار الحسين عليه ‌السلام يوم عاشوراء من المحرَّم حتّى يظلَّ عنده باكياً لقي الله تعالى يوم القيامة بثواب ألفَــي ألف حَجّة وألفَــي ألف عُمرة، وألفي ألف غَزوة، وثواب كلِّ حَجّة وعُمرة وغزوة كثواب مَن حجّ، واعتمر، وغَزا مع رسول الله صلى ‌الله ‌عليه ‌وآله ‌وسلم ومع الأئمّة الرَّاشدين صلوات الله عليهم أجمعين.
قال: قلت: جُعِلتُ فِداك لِمَن كان في بُعدِ البلاد واقاصيها، ولم يمكنه المسير إليه في ذلك اليوم؟ قال: إذا كان ذلك اليوم بَرزَ إلى الصَّحراء أو صَعد سَطحاً مُرتفعاً في دارِه، وأومأ إليه بالسّلام، واجتهد على قاتله بالدُّعاء، وصلّى بعد رَكعتين يفعل ذلك في صَدرِ النَّهار قبل الزَّوال، ثمَّ ليندُب الحسين عليه ‌السلام، ويَبكيه ويأمر مَن في داره بالبُكاء عليه، ويقيم في داره مصيبته بإظهار الجزع عليه، ويتلاقون بالبُكاء بعضهم بعضاً في البيوت، وليعزّ بعضهم بعضاً بمصاب الحسين عليه‌السلام، فأنا ضامِنٌ لهم إذا فعلوا ذلك على الله عزَّوجلَّ جميع هذا الثَّواب، فقلت: جُعِلتُ فِداك وأنت الضّامِن لهم إذا فعلوا ذلك والزَّعيم به؟ قال: أنا الضّامن لهم ذلك والزَّعيم لمن فعل ذلك.
قال: قلت: فكيف يعزّي بعضهم بعضاً؟ قال: يقولون: عَظَّم اللهُ اُجُورَنا بِمُصابنا بِالحسينِ عليه‌السلام، وجَعَلَنا وإيّاكم مِن الطّالِبين بِثأرِه مع وَليّه الإمام المَهديّ مِن آل محمّدٍ ؛ فإن استطعت أن لا تنتشر يومك في حاجة فافعل، فإنّه يوم نحس لا تقضى فيه حاجة، وإن قضيت لم يبارك له فيها ولم ير رُشْداً، ولا تدَّخِرنَّ لمنزلك شيئاً، فإنّه مَن ادَّخر لمنزلِه شيئاً في ذلك اليوم لم يُبارك له فيما يدَّخره ولا يُبارك له في أهله، فمن فعل ذلك كُتِبَ له ثوابُ ألفِ ألفِ حَجّة وألف ألف عُمرة، وألف ألف غَزوة كلُّها مع رسول الله صلى ‌الله ‌عليه ‌وآله‌ وسلم وكان له ثواب مصيبة كلِّ نبيٍّ ورَسولٍ وصِدِّيق وشَهيدٍ مات أو قُتِل منذ خلق الله الدُّنيا إلى أن تقوم السّاعة» (3).

وتحمل هذه التعزية معاني عميقة، فهي لا تقتصر على إظهار الحزن والأسى، بل تربط بين مصيبة الإمام الحسين عليه السلام وبين قضية الإمام المهدي عليه السلام. فالمؤمن لا يكتفي بالبكاء على المظلومية، وإنّما يعلن انتماءه إلى مشروع المطالبة بالحق تحت راية الإمام المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف.
ومن اللافت أنّ هذه الصيغة المباركة تجمع بين الماضي والمستقبل، وبين ذكر المصاب الأليم الذي وقع في كربلاء، وبين الأمل بتحقق الوعد الإلهي على يد الإمام المهدي عليه السلام.

لماذا يرتبط الإمام المهدي عليه السلام بالحسين أكثر من غيره؟

قد يتساءل البعض: لماذا نجد في الروايات هذا التركيز الخاص على العلاقة بين الإمام المهدي والحسين عليهما السلام؟
والجواب أنّ كربلاء تمثل أعظم مظاهر الصراع بين الحق والباطل في تاريخ البشرية، وأنّ الإمام المهدي عليه السلام سيقود آخر وأشمل مواجهة بين جبهة الحق وجبهة الباطل قبل أن تملأ الأرض قسطاً وعدلاً.
فكانت بداية هذا المشروع الكبرى في كربلاء، وستكون نهايته المباركة على يد القائم من آل محمد عليهم السلام؛ ولهذا ورد في الروايات أن الإمام المهدي عليه السلام يُعرّف نفسه عند ظهوره بالانتساب إلى الإمام الحسين عليه السلام، ويذكّر الأمة بالمصيبة العظمى التي جرت عليه، لأنّ قضية كربلاء تمثل القضية الجامعة التي تستطيع أن توقظ الضمائر وتعيد الناس إلى طريق الحق.
إذا ظهر الإمام المهدي عليه السلام قام بین الرکن والمقام، وینادی بنداءات خمسة: 
«الأول: ألا یا أهل العالم! أنا الإمام القائم، الثاني: ألا یا أهل العالم! أنا الصمصام المنتقم، الثالث: ألا یا أهل العالم! إنّ جدّی الحسین قتلوه عطشان، الرابع: ألا یا أهل العالم! إنّ جدّی الحسین علیه السّلام طرحوه عریانا، الخامس: ألا یا أهل العالم! إنّ جدّی الحسین علیه السّلام سحقوه عدوانا.» (4).

الخاتمة

يبقى يوم عاشوراء جسراً يربط المؤمنين بإمام زمانهم عجل الله تعالى فرجه الشريف، فالإمام الحسين عليه السلام هو جدّه المظلوم، ونهضته هي الأساس الذي قامت عليه مسيرة الإمامة، والإمام المهدي عليه السلام هو الوارث لهذه النهضة، والحامل لرايتها، والمحقق لأهدافها الكبرى بأمر من الباري تبارك وتعالى عبر المشروع الإلهي الذي صمّم ورسم له.
ومن هنا فإنّ إحياء عاشوراء لا يكتمل بمجرد استذكار المصيبة، بل ينبغي أن يقترن بتجديد العهد مع الإمام المهدي عليه السلام، والاستعداد لنصرته، والسير على نهج الإمام الحسين عليه السلام في مواجهة الظلم والانحراف، وإحقاق الحق.
فكل دمعة تُسكب على الإمام الحسين عليه السلام، وكل مجلس يُقام لذكره، وكل تعزية يتبادلها المؤمنون في يوم عاشوراء، ينبغي أن تذكّرنا بالدعاء الصادق أن يجعلنا الله تعالى من الطالبين بثأره مع وليّه الإمام المهدي من آل محمد عليهم السلام، وأن يرزقنا شرف نصرته والكون بين يديه يوم يظهر؛ ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما مُلئت ظلماً وجوراً.


1. المزار / محمد بن المشهدي / المجلّد: 1 / الصفحه: 501. 
2. النجم الثاقب في أحوال الإمام الحجّة الغائب / الشيخ حسين الطبرسي النوري / المجلّد: 2 / الصفحة: 526.
3. كامل الزيارات / ابن قولويه القمي / المجلّد: 1 / الصفحة: 193 / ط مكتبة الصدوق.
4. الزام الناصب فی اثبات الحجه الغائب / الشيخ علي الیزدي الحائري / المجلّد: 2 / الصفحة: 233.

 

التعليقات

Loading...
لا يوجد تعليقات!

محتوى ذو صلة