إنّ القضية المهدوية ليست قضية شخصية تاريخية غابت عن الأنظار فحسب، بل هي قضية عقائدية وحضور معنوي مستمر في حياة المؤمنين. فالإمام المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف يمثّل الامتداد الشرعي لرسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله، والحلقة الأخيرة في سلسلة الهداية الإلهية، والأمل الموعود الذي تتطلع إليه الإنسانية لإقامة العدل وإنّهاء الظلم والانحراف؛ ولذلك فإنّ معرفة المؤمن بمقامه الإلهي ودوره الرسالي تجعله يشعر بالقرب منه وإن حالت ظروف الغيبة دون رؤيته. كما أنّ الشوق إلى الإمام المهدي عليه السلام ينبع من الفطرة الإنسانية التي تنجذب إلى الكمال والعدل والرحمة، فكلما ازداد الإنسان وعياً بحقيقة الإمام وصفاته ومشروعه العالمي في إصلاح الأرض، ازداد تعلقاً به وحنيناً إلى زمان ظهوره. وتزداد هذه المشاعر عمقاً عندما يشهد المؤمن انتشار الظلم والفساد والمعاناة في العالم، فيتطلع بقلبه إلى اليوم الذي تتحقق فيه الوعود الإلهية على يد الإمام المنتظر، فتملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما مُلئت ظلماً وجوراً.
وبناء عليه، فمن الجميل أنّ نفهم ماذا يجعل المؤمن يشتاق للإمام المهدي عليه السلام رغم إنّه لم يره؟
الحبّ الفطري للإمام المهدي عليه السلام
خلق الله تعالى الإنسان مفطوراً على حب الكمال والنفور من النقص، وهو قوله تعالى: ﴿ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ﴾ (1).
فالإنسان بطبيعته ينجذب إلى العلم أكثر من الجهل، وإلى العدل أكثر من الظلم، وإلى الرحمة أكثر من القسوة، وهذه الميول ليست نتاج بيئة معينة أو ثقافة محددة فحسب، بل هي جزء من الفطرة التي فطر الله الناس عليها. وعندما يتعرف المؤمن إلى الإمام المهدي عليه السلام بوصفه الإنسان الكامل والحجة الإلهية على الأرض، والمظهر الأتمّ للعدالة والرحمة والحكمة، فإنّ قلبه ينجذب إليه بصورة طبيعية. فالحب هنا ليس أمراً مفروضاً من الخارج، وإنّما هو استجابة فطرية للكمال الذي يمثله الإمام.
ومن هنا نفهم أنّ الرؤية الحسية ليست الشرط الوحيد للمحبة، فكثير من الناس يحبون شخصيات تاريخية أو علماء أو مصلحين لم يعاصروهم؛ لأنّهم عرفوا آثارهم وصفاتهم وأدوارهم العظيمة، فإذا كان الإنسان يحب من يسمع عن أخلاقه الحسنة أو مواقفه النبيلة، فمن الطبيعي أن يزداد هذا الحب عندما يتعلق الأمر بإمام اصطفاه الله تعالى لهداية البشر، وجعله أمل الإنسانية في إقامة دولة العدل الإلهي. فالمعرفة بصفات الإمام وآثاره وبركاته تجعل القلب يتجه نحوه وإن لم تقع عليه العين، فقد ورد عن الإمام الجواد عليه السلام: «الْقَائِمَ الَّذِي يُطَهِّرُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ الْأَرْضَ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ وَالْجُحُودِ، وَيَمْلَؤُهَا عَدْلًا وَقِسْطاً، هُوَ الَّذِي تَخْفَى عَلَى النَّاسِ وِلَادَتُهُ، وَيَغِيبُ عَنْهُمْ شَخْصُهُ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِمْ تَسْمِيَتُهُ، وَهُوَ سَمِيُّ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وكَنِيُّهُ، وَهُوَ الَّذِي تُطْوَى لَهُ الْأَرْضُ، وَيَذِلُّ لَهُ كُلُّ صَعْبٍ ويَجْتَمِعُ إِلَيْهِ مِنْ أَصْحَابِهِ عِدَّةُ أَهْلِ بَدْرٍ ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ أَقَاصِي الْأَرْضِ» (2).
العلاقة الروحية بالإمام المهدي عليه السلام
العلاقة الروحية هي حالة من الارتباط القلبي والوجداني والمعرفي التي يشعر فيها المؤمن بالقرب من إمام زمانه، ويستحضر حضوره في حياته رغم عدم رؤيته، وهي علاقة تقوم على الإيمان والمحبة والولاء والطاعة، وتنشأ من معرفة المؤمن بمقام الإمام ودوره في المشروع الإلهي لهداية البشرية. فكما يشعر الإنسان بالقرب من الله تعالى من خلال العبادة والدعاء رغم أنّه لا يراه بعينه، كذلك يشعر بالقرب من الإمام من خلال الإيمان بإمامته واستحضار دوره الرسالي والاقتداء به في السلوك والعمل. وهذه العلاقة ليست خيالاً عاطفياً، بل حقيقة إيمانية تستند إلى الاعتقاد بأنّ الإمام حاضر ومطّلع على أحوال أمته بإذن الله تعالى، وفي هذا الشأن يقول الإمام الهادي عليه السلام حول مقامات الأئمة الأطهار عليهم السلام: «السَّلامُ عَلى مَحالِّ مَعْرِفَةِ الله وَمَساكِنِ بَرَكَةِ الله وَمَعادِنِ حِكْمَةِ الله وَحَفَظَةِ سِرِّ الله وَحَمَلَةِ كِتابِ الله وَأَوْصِياء نَبِيِّ الله وَذُرِّيَّةِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وآله وَرَحْمَةُ الله وَبَرَكاتُهُ.»(3).
ولا يمكن أن تنشأ علاقة روحية حقيقية من دون محبة، فالمؤمن يحب الإمام؛ لأنّه خليفة الله في أرضه، ووارث رسالة الأنبياء، وحامل لواء العدل الإلهي. وهذه المحبة ليست مجرد مشاعر وجدانية، بل هي تعبير عن الانتماء إلى خط الهداية الإلهية. ومن هنا يرتبط السبب الثاني وهو العلاقة الروحية بالسبب الأول وهو الحبّ الفطري للإمام المهدي عليه السلام.
والعلاقة الروحية الحقيقية لا تقتصر على أوقات العبادة أو المناسبات الدينية، بل تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية. فالمؤمن الذي يرتبط بإمامه يستحضر دائماً سؤالاً مهماً: هل يرضى الإمام عن هذا العمل؟ وهل ينسجم هذا السلوك مع أهدافه وقيمه؟ هذا الاستحضار المستمر يحول العلاقة بالإمام إلى مدرسة تربوية متكاملة تساعد الإنسان على مراقبة نفسه، والابتعاد عن المعصية، والسعي نحو الكمال الأخلاقي والروحي.
الروايات وصناعة الشوق إلى الإمام المهدي عليه السلام
من أهم العناصر التي كان لها الدور الأكبر في صناعة هذا الشوق وتعميقه في نفوس المؤمنين الروايات الواردة عن النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام، والتي تحدثت عن شخص الإمام، وفضائله، ودوره العالمي، ومعاناة المؤمنين في زمن غيبته، وعظمة الانتظار وآثاره. لقد قامت هذه الروايات بدور تربوي وعقائدي وروحي بالغ الأهمية، فلم تكتفِ بإخبار المؤمنين بوقوع الغيبة أو ظهور الإمام في المستقبل، بل صنعت حالة وجدانية دائمة تجعل المؤمن يعيش حضور الإمام في قلبه وعقله، ويتطلع إلى لقائه وظهوره بشوق متجدد عبر الأجيال.
فمثلا روي عن الإمام الحسين عليه السلام: «مِنَّا اثْنَا عَشَرَ مَهْدِيّاً، أَوَّلُهُمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِب،ٍ وَآخِرُهُمُ التَّاسِعُ مِنْ وُلْدِي، وَهُوَ الْإِمَامُ الْقَائِمُ بِالْحَقِّ، يُحْيِي اللَّهُ بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها، وَيُظْهِرُ بِهِ دِيْنَ الْحَقِ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ لَهُ غَيْبَةٌ. يَرْتَدُّ فِيهَا أَقْوَامٌ، وَيَثْبُتُ فِيهَا عَلَى الدِّينِ آخَرُونَ، فَيُؤْذَوْن،َ وَيُقَالُ: لَهُمْ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ؟ أَمَا إِنَّ الصَّابِرَ فِي غَيْبَتِهِ عَلَى الْأَذَى وَالتَّكْذِيبِ بِمَنْزِلَةِ الْمُجَاهِدِ بِالسَّيْفِ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ» (4).
وهناك روايات عن أئمة أهل البيت عليهم السلام يعبّرون عن شوقهم برؤية الإمام المهدي عليه السلام. فعندما يقرأ المؤمن هذه الروايات، هو أيضا يشتاق إلى رؤية الإمام عليه السلام، فقد ورد عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في وصف الإمام المهدي عليه السلام: «أَوْسَعُكُمْ كَهْفًا، وَأَكْثَرُكُمْ عِلْمًا، وَأَوْصَلُكُمْ رَحِمًا. اللَّهُمَّ فَاجْعَلْ بَيْعَتَهُ خُرُوجًا مِنَ الْغُمَّةِ، وَاجْمَعْ بِهِ شَمْلَ الْأُمَّةِ. فَأَنَّى جَازَ لَكَ فَاعْزِمْ، وَلَا تَنْثَنِ عَنْهُ إِنْ وُفِّقْتَ لَهُ، وَلَا تُجَاوِزَنَّهُ إِنْ هُدِيتَ إِلَيْهِ. هَاهُ، وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى صَدْرِهِ، شَوْقًا إِلَى رُؤْيَتِهِ» (5).
كيف يتحول الشوق إلى عمل؟
طبيعة الإنسان أنّه إذا أحب شخصاً عظيماً أو آمن بقضية كبيرة فإنّه يشعر بمسؤولية تجاهها، فالشوق الصادق إلى الإمام المهدي عليه السلام لا يجعل المؤمن منشغلاً بالأمنيات فقط، بل يجعله يتساءل دائماً: ماذا يريد مني إمام زماني؟ وكيف أكون من أنصاره وأعوانه لو أدركت ظهوره؟ أول ميدان يتحول فيه الشوق إلى عمل هو ميدان إصلاح النفس. فالإمام المهدي عليه السلام قائد مشروع إلهي يقوم على العدل والطهارة والاستقامة، ولا يمكن لمن يريد نصرته أن يكون بعيداً عن هذه القيم؛ ولهذا فإنّ المنتظر الحقيقي يسعى إلى تهذيب أخلاقه، والابتعاد عن المعاصي، والالتزام بالواجبات الشرعية، وتقوية علاقته بالله تعالى. فكل خطوة يخطوها الإنسان نحو الإصلاح الذاتي هي في الحقيقة خطوة نحو الاقتراب من أهداف الإمام.
إنّ دولة الإمام المهدي عليه السلام هي دولة العدالة والإصلاح؛ ولذلك فإنّ المنتظر الحقيقي والصادق لا ينعزل عن قضايا مجتمعه، بل يساهم في نشر الخير وخدمة الناس وإصلاح الواقع الذي يعيش فيه. فمساعدة المحتاجين، وإغاثة الملهوفين، ونشر العلم، والدفاع عن المظلومين، وتعزيز روح التعاون بين الناس، كلها أعمال تمثل نماذج عملية للتمهيد لدولة العدل الإلهي.
1) سورة الروم / الآية: 30.
2) كمال الدين / الشيخ الصدوق / المجلد: 2 / الصفحة: 378 / الطبع: دار الكتب الإسلامية – طهران.
3) مفاتيح الجنان / الشيخ عباس القمي / المجلد: 1 / الصفحة: 651 / الطبع: مجمع إحياء الثقافة الإسلامية – قم.
4) كمال الدين / الشيخ الصدوق / المجلد: 1 / الصفحة: 317 / الطبع: دار الكتب الإسلامية – طهران.
5) بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلد: 51 / الصفحة: 115 / الطبع: مؤسسة الوفاء – بيروت.



