إحدى القضايا المحورية في مبحث الإمامة: قضيه المهدي المنتظر عليه السلام.
الإيمان بهذه القضية يعني الإيمان بجميع الأئمة الطاهرين عليهم السلام الذين تقدموا الإمام المنتظر عليه السلام، فإذا آمن الإنسان بالمهدي عليه السلام يعني آمن بجميع الأئمة الذين سبقوه، ولكن قد يؤمن الإنسان بإمامة سائر الأئمة ولا يؤمن بالمهدي المنتظر عليه السلام، لذلك في هذا اليوم نتحدث بإذن الله تعالى حول وجود الإمام المهدي عليه السلام.
مقدمات الإيمان:
هنالك أربع مراحل يجب أن نطويها للإيمان بوجود الإمام المنتظر عليه السلام:
المرحلة الأولى: مرحلة الإمكان الذاتي.
المرحلة الثانية: مرحلة الإمكان الوقوعي.
المرحلة الثالثة: مرحلة الوقوع العام.
المرحلة الرابعة: مرحلة الوقوع الخاص، وهذه المرحلة تتفرع إلى فرعين:
الفرع الأول: الطريق غير المباشر.
الفرع الثاني: الطريق المباشر.
١ - الإمكان الذاتي:
أمَّا المرحلة الأولى: فهي مرحلة الأماكن الذاتي.
فعندما يقال الإمكان الذاتي، فما ذا يعني ذلك، إذا قيل: الظاهرة الكذائية ممكنة بالإمكان الذاتي، نقيض ذلك أن يقال: إنها ممتنعة بالامتناع الذاتي..
فما هو المراد بـ(الإمكان الذاتي)؟
الإمكان الذاتي عبارة عن تساوي نسبة الشيء إلى الوجود والعدم، بلحاظ ذلك، هذا هو الإمكان الذاتي.
يعني إذا أخذتم شيئاً من الأشياء أو ظاهرة من الظواهر وعرضتموها على العقل في حد ذاتها، بعيداً عن جميع العوامل الخارجية، فإن العقل يقول هذه الظاهرة ممكنة أو ممتنعة، فإذا قال إنها ممتنعة في حد ذاتها، كان الشيء ممتنعاً بالامتناع الذاتي، وإذا قال إنها ممكنة، كان الشيء ممكناً بالإمكان الذاتي، هذه المرحلة الأولى.
٢ - الإمكان الوقوعي:
المرحلة الثانية: الإمكان الوقوعي، ماذا يعني ذلك؟
الممكن الوقوعي: هو الشيء الذي لا يستلزم وجوده باطلاً أو محالاً، يعني لا يلاحظ الشيء في حد ذاته فقط، وإنما يلاحظ بلوازمه، بما يتقدمه ويتأخره، فهل يستلزم وجود هذا الشيء باطلاً؟ وهل يستلزم وجوده محالاً؟ إذا كان كذلك فهو محال بالامتناع الوقوعي.. إما إذا لم يكن محالاً وقوعاً، فالشيء ممكن بالإمكان الوقوعي.
مثلاً: إذا كان يقال لآبائنا قبل مائتي عام، إنه يوجد شخص في الشرق وآخر في الغرب يتكلمون في نفس اللحظة، والصوت ينتقل من المشرق إلى المغرب فوراً، وكذلك الصورة تنتقل، ماذا كانوا يقولون؟ يقولون إنه محال..
الآن تحول ذلك من الأشياء الواضحة والبديهية في حياتنا..
وإذا قالوا: إنه في المستقبل هنالك مركبة فضائية تنزل في الشمس، وينزل أفرادها على سطحها ويمشون عليها.. هل هذا محال أو ممكن؟
إذا قيل إنه محال فالسؤال أنه لماذا محال؟
فربما من الممكن أن يصنع شيء يقي الإنسان من الحرارة فيتمكن من النزول في قلب الشمس.. هذا ليس بمحال، عندما تعرضون هذه القضية على العقل، هل العقل يراها ممتنعة بالامتناع الذاتي؟ لا.. هل يراها ممتنعة بالامتناع الوقوعي؟ لا.. لأنها لا تستلزم لا باطلاً ولا محالاً.
يمكن أن لا يكون لنا اليوم أدوات تحقق هذا الشيء، ولكن في المستقبل من الممكن أن يجد البشر أدوات تحقق ذلك، فأذن هذا ليس محالاً.
يعني إذا عرضنا القضية على كبار العلماء وسألناهم: هل يمكن في المستقبل أن ينزل الإنسان في قلب الشمس؟
يقولون: ممكن وليس محالاً.. نعم إذا كان يلزمه اجتماع النقيضين أو ارتفاعهما فهو محال، وإلا فليس بمحال، فإن الأشياء كلها إذا انتهت إلى: اجتماع النقيضين أو ارتفاعهما استحالت، أما إذا لا، فلا.
العلم والعمر الطويل:
بناءً على ما سبق، فمن الناحية العلمية، إذا تعرض قضية وجود الإمام المهدي عليه السلام على عالم من العلماء أو مفكر من المفكرين، يقول بأنها غير ممتنعة.. فمن الممكن أن يعيش شخص ألف عام، نعم نحن البشر لم نجد إلى الآن وسائل تحقيق ذلك، ولكن هذا لا يعني أنه محال.
ويوجد في أحاديث زمن ظهور الإمام المهدي عليه السلام أن الإنسان يعمر طويلاً، وهذه العبارة موجودة في الروايات: ويولد له ألف نسل من صلبه.
روى المفضل عن الصادق عليه السلام قال: « إذا قام عليه السلام أشرقت الأرض وذهبت الظلمة، واستغنى الناس عن الشمس، وعمّر الرجل حتى يولد له ألف ذكر، وأظهرت الأرض كنوزها حتى يطلب الرجل منكم من يأخذ منه زكاة ماله فلا يجد أحدا » (1).
وهذا ليس فيه إشكال عقلي، بل هو شيء ممكن، فقضية العمر الطويل، لا هي ممتنعة بالامتناع الذاتي، ولا هي ممتنعة بالامتناع الوقوعي.
٣ - الوقوع العام:
المرحلة الثالثة: مرحلة الوقوع العام، بمعنى هل وقعت هذه القضية؟
الجواب: نعم، وقعت هذه القضية في عيسى المسيح عليه السلام، فكم عمره الآن؟
قال تعالى: ﴿ وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا المَسيحَ عيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ الله وما قَتَلُوهُ وما صَلَبُوهُ ولكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ ﴾ (2).
وفي آية أخرى قال عزَّ وجلَّ: ﴿ بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ وكانَ اللهُ عَزيزاً حَكيم ﴾ (3) فكم عمره الآن؟
على المعروف: ألفا عام (٢٠٠٠)، بل أكثر لأنه حي إلى الآن، وسيبقى حياً إلى أن يظهر الإمام عليه السلام، فكيف يكون لعيسى المسيح عليه السلام أكثر من ألفي عام، ولا يكون الإمام المهدي عليه السلام حياً لألف عام، هل هذا محال وذلك ليس محالاً.
وكذلك الخضر عليه السلام على المعروف فإنه حي إلى الآن.
وفي عمر النبي نوح عليه السلام أليس في نص القرآن الكريم:
﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسينَ عاماً فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ وهُمْ ظالِمُونَ ﴾ (4).
هذه مدة الدعوة فقط، أما عمره الشريف فكان تقريباً ألفي وخمسمائة عام.
وهنالك حكاية لطيفة حول النبي يونس عليه السلام، قال تعالى: ﴿ فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحينَ * لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ (5).
ففي تلك الظلمات كم كان يبقى؟ كان يبقى إلى يوم القيامة.
واللطيف أن الآية لا تقول ببقائه حياً فقط، بل الحوت أيضا كان يبقى (لَلَبِثَ في بَطْنِهِ) يعني هو كان يبقى والحوت يبقى إلى يوم القيامة.
فإذن الإمكان الذاتي متوفر، والإمكان الوقوعي متوفر، والوقوع العام متوفر، يبقى الكلام في المرحلة الرابعة.
٤ - الوقوع الخاص:
المرحلة الرابعة: الوقوع الخاص، يعني وجود الإمام المهدي عليه السلام وبقاؤه، وهذا نثبته بطريقين:
الطريق غير المباشر:
الطريق الأول: الطريق غير المباشر.
في الحديث المعروف المتواتر: (الأئمة بعدي اثنا عشر).
هذا الحديث ليس من منفردات الشيعة، بل هو موجود في أهم كتب العامة أيضاً، كالبخاري وغيره (6).
والعجيب أن البخاري كان قبل عهد الإمام المهدي عليه السلام.. البخاري كان في عهد الإمام الجواد والإمام الهادي عليهما السلام، يعني لا يتمكن شخص أن يقول: إن هذا الحديث انعكاس عن الواقع الخارجي، فهو مروي عندهم قبل الواقع، أي قبل أن يكتمل عدد الأئمة الاثني عشر عليهم السلام.. والبخاري من علماء العامة المتعصبين، وقد سجل في صحيحه: (الأئمة من بعدي اثنا عشر كلهم من قريش)، فلا يتمكن شخص أن يقول: إن الواقع الخارجي خلق هذه الفكرة، أي (الاثنا عشر) وأن هذه من روايات الشيعة فقط، بل رواها الكبار من علماء العامة المتشددين، فالبخاري لم يرو حديثاً واحداً عن الإمام الصادق عليه السلام وهو دليل على تعصبه، مع ذلك ذكر هذا الحديث..
من هم الأئمة الاثنا عشر؟
ليس لهذا الحديث الدال على أن الأئمة اثنا عشر أي تفسير إلا أئمة أهل البيت عليهم السلام.
حتى أن أحد علماء العامة وهو ابن الجوزي ذكر في كتابه، قال: إني لم أجد لتفسير هذا الحديث أي معنى.
فهذا الحديث الشريف، قاله النبي صلى الله عليه وآله، وهو موجود في صحيح
البخاري، وصحيح مسلم، وسنن أبي داود، وصحيح الترمذي، وفي عشرات من مصادر العامة، والخاصة، ولا يوجد له أي معنى وأي تفسير بحساب الاحتمالات إلاّ الفكرة التي يعتقد بها الشيعة: من وجود الأئمة الاثني عشر من أهل البيت عليهم السلام.
وإذا أردتم جربوا، الآن اسألوا أي عالم من علماء العامة، قولوا لهم: من هؤلاء الأئمة الاثني عشر؟
ليس عندهم جواب، أو كل واحد منهم يجيب بجواب مخالف للآخر.
فالواقع الوحيد الذي ينطبق عليه هذا الحديث، هو الواقع الذي تقول به الإمامية الاثني عشرية.
هذا هو الطريق الأول، وهو الطريق غير المباشر.
الطريق المباشر:
الطريق الثاني: الطريق المباشر، إذا نراجع كتاب (المهدي في نهج البلاغة) كتبه أحد العلماء، يذكر في هذا الكتاب أكثر من مائة عالم من علماء العامة الذين صرحوا بولادة المهدي المنتظر عليه السلام ووجوده، وهذا طريق مباشر لإثبات وجود المهدي المنتظر عليه السلام بالفعل لا أنه يأتي في المستقبل..
1. الصراط المستقيم: ج٢ ص٢٥٣ ف٩.
2. سورة النساء: ١٥٧.
3. سورة النساء: ١٥٨.
4. سورة العنكبوت: ١٤.
5. سورة الصافات: ١٤٣ - ١٤٤.
6. روي هذا الحديث المتواتر بألفاظ متقاربة ومضمون واحد، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (يكون بعدي اثنا عشر أميرا) أو (خليفة) أو (لا يزال هذا الدين عزيزا إلى اثني عشر خليفة) أو (إن هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش أو من بني هاشم) أو (الخلفاء بعدي اثنا عشر) أو (الأئمة بعدي اثنا عشر)، أخرجه علماء الاسلام على اختلاف ألفاظه في كتبهم: أخرجه البخاري ومسلم في صحيحهما، والترمذي وأبو داود في سننهما، وأحمد في مسنده بطرق كثيرة، ورواه في تيسير الوصول ومنتخب كنز العمال وتأريخ بغداد للخطيب وتأريخ الخلفاء للسيوطي وينابيع المودة والمستدرك للحاكم، نقلوه عن جابر بن سمرة وجحيفة وعبد الله بن عمر وابن مسعود وعائشة، كما نقله في منتخب الأثر: ص١٠ وبعدها، وراجع أيضا أخبار القضاة للوكيع ٣: ١٦، وكتاب السنة لابن أبي عاصم: ٥١٨، والصراط المستقيم ٢: ٩٨ وما بعدها والصواعق: ٢٠ و١٨٩ وراجع البحار ٣٦: ٢٢٦ وما بعدها، وإثبات الهداة ١: ٤٣٣ وما بعدها فإنهما جمعا الحديث بألفاظه المختلفة من طرق الفريقين بما ينيف على أربعمائة حديث، وراجع مسند أحمد: ج١ ص٣٩٨ و٤٠٦ وج٥ ص٨٦ - ٨٨ و٩٠ و٩٢ بأسانيد وص: ٩٣ و٩٤ و٩٧ و٩٨ بأسانيد وص ٩٩ و١٠١ بسندين وص ١٠٦ بسندين وص ١٠٧ و١٠٨ بأسانيد.
مقتبس من كتاب عبقات مهدوية / السيد محمد رضا الشيرازي / الصفحة : 17 ـ 25.







