نحن نرى في جميع المجامع البشرية الإسلامية وغير الإسلامية، يعيش بعض الناس حالةً من الموت النفسي والاجتماعي، مع أنّهم يتحركون بين الأحياء، ويؤدون أعمالهم اليومية، ويجلسون مع الآخرين، وربما يبتسمون ويتحدثون معهم، لكنهم في داخلهم يشعرون بأنّهم منسيون غير مرئيين، ولا أحد يهتم بوجودهم. وقد يكون هذا الشعور أشدَّ إيلاماً من الفقر أو الوحدة؛ لأنّ الإنسان لا يحتاج إلى الطعام والمال والمأوى فحسب، بل يحتاج قبل كل شيء إلى أن يشعر بأنّ له قيمة، وأنّ وجوده له معنى، وأنّ هناك من يراه، ويسمعه، ويهتم بألمه وآماله. وحين يفقد الإنسان هذا الإحساس، قد يبدأ بالنظر إلى نفسه وكأنّه شخص هامشي، لا تأثير له ولا مكانة، حتى يصل به الأمر إلى أن يقول في داخله: لو غبتُ فلن يفتقدني أحد، ولو متُّ فلن يسأل عني أحد. 
وهنا تبرز أهمية الحديث عن الإمام المهدي عليه السلام والإنسان المنسي؛ لأنّ قضية الإمام المهدي عليه السلام ليست قضية انتظار حدثٍ مستقبلي فحسب، ولا هي مجرد الحديث عن ظهورٍ سيغيّر شكل العالم، وإنّما هي أيضاً قضية إحياء الإنسان وإعادة اكتشاف قيمته ومكانته ودوره في مشروع الإصلاح الإلهي.

من هو المستضعف؟

من الأخطاء الشائعة انحصار مفهوم المستضعف في الفقير مادياً فقط، فالمستضعف أوسع من ذلك. قد يكون الإنسان فقيراً، وقد يكون مظلوماً، وقد يكون محروماً من حقوقه، وقد يكون عاجزاً عن الدفاع عن نفسه، وقد يعيش تحت نظام يمنعه من التعبير عن رأيه، وقد تكون جماعة كاملة محرومة من حقوقها بسبب هويتها أو موقعها الاجتماعي.
وبناء عليه، يمكن أن نقول إنّ المستضعف هو الإنسان الذي سُلبت منه القدرة أو الفرصة أو الوسيلة التي تمكنه من ممارسة حقه الطبيعي في الحياة الكريمة؛ بسبب ظلم الآخرين أو هيمنة نظام جائر. وقد يكون الاستضعاف مادياً أو اجتماعياً أو سياسياً أو ثقافياً أو معرفياً أو حتى نفسياً.
وفي هذا أيضا ما قاله الله تعالى في تعريف المستضعف: ﴿الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾(1).

اهتمام الإمام المهدي عليه السلام بالمستضعفين

حينما نقرأ الروايات الصادرة حول ظهور الإمام المهدي عليه السلام نرى أنّه من أبرز معاني المشروع المهدوي أنّ ظهور الإمام المهدي عليه السلام لا يمثّل انتصاراً سياسياً أو عسكرياً فحسب، بل يمثّل انتصاراً للإنسان المظلوم والمستضعف، واستعادةً لكرامته وحقه في الحياة العادلة. وقد وعد القرآن الكريم بأن تكون نهاية الصراع التاريخي لصالح المستضعفين، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾(2). وهذه الآية تكشف عن حقيقة مهمة، وهي أنّ المستضعف في الرؤية القرآنية ليس إنساناً هامشياً في حركة التاريخ، بل يمكن أن يتحول إلى عنصر أساسي في صناعة المستقبل؛ ولذلك فإنّ المشروع المهدوي يعيد الاعتبار إلى الإنسان الذي سُلبت إرادته، ويمنحه فرصة استعادة مكانته، ويضع نهايةً لمنطق الاستكبار الذي يمنع الإنسان من الوصول إلى حقوقه. وقد قال أميرالمؤمنين عليه السلام حول هذه الآية الشريفة وأنّها تنبئ عن ظهور الإمام المهدي عليه السلام: «لَتَعْطِفَنَّ الدُّنْيَا عَلَيْنَا بَعْدَ شِمَاسِهَا عَطْفَ الضَّرُوسِ عَلَى وَلَدِهَا، وتلا عقيب ذلك: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الاْرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾»(3). فيوضّح لنا أميرالمؤمنين عليه السلام أنّ هذه الآية الشريفة، تنبئ أحوال ظهور الإمام المهدي عليه السلام. وقد قال الإمام الصادق عليه السلام حول هذه الآية: «أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَخْصُوصَةٌ بِصَاحِبِ الْأَمْرِ الَّذِي يَظْهَرُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، وَيُبِيدُ الْجَبَابِرَةَ وَالْفَرَاعِنَةَ، وَ يَمْلِكُ الْأَرْضَ شَرْقاً وَغَرْباً، فَيَمْلَأُهَا عَدْلاً، كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً»(4)
والتعبير القرآني بـ«نمكن لهم في الأرض» بالغ الدلالة؛ لأنّه لا يتحدث عن صدقة عابرة أو مساعدة مؤقتة، وإنما عن انتقال المستضعف من حالة العجز إلى حالة القدرة، ومن الهامش إلى مركز الفعل، ومن الخوف إلى الأمن. وهنا تظهر إحدى أهم خصائص المشروع المهدوي، وهي إعادة توزيع القوة وفق معيار الحق والعدل. فالظالم يقوم على احتكار القوة، بينما العدل يقوم على توظيف القوة في حماية الإنسان وحقوقه.

العدالة للفقراء والمظلومين

أبرز ما يميز الحكومة المهدوية هو أنّها تقوم على العدل. إنّ الفقراء والمظلومين هم أكثر الفئات التي تتأثر بغياب العدالة؛ لأنّ الإنسان القوي قد يستطيع أن يدافع عن نفسه، ويبحث عن البدائل، ويستخدم نفوذه وعلاقاته، بينما يكون الفقير أو الضعيف أكثر عرضةً للاستغلال والحرمان؛ ولذلك فإنّ قيمة أي نظام عادل تظهر بصورة أوضح في موقفه من الإنسان الذي لا يملك المال والقوة والنفوذ. فإذا كان القانون يحمي القوي كما يحمي الضعيف، وإذا كان حق الفقير محفوظاً كما هو حق الغني، وإذا كان المظلوم يستطيع الوصول إلى حقه دون أن يحتاج إلى واسطة أو نفوذ، فإنّ المجتمع يكون قد اقترب من معنى العدالة الحقيقي؛ ولهذا قال الإمام العسكري عليه السلام حول الإمام المهدي عليه السلام: «ثُمَّ يُظْهِرُهُ، فَيَمْلَأُ الْأَرْضَ عَدْلًا وَقِسْطاً، كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً وَظُلْماً.»(5).

العدالة المهدوية ليست انتقاما

من المهم التأكيد على أنّ العدالة المهدوية لا تعني محاربة الغنى لمجرد الغنى، ولا تحويل الفقر إلى معيار للفضيلة. فالإسلام لا يذم امتلاك المال إذا حصل الإنسان عليه بطريق مشروع، وأدّى حقوقه.
والمشكلة ليست في وجود الغني، وإنّما في أن يتحول المال إلى وسيلة لاستعباد الآخرين أو احتكار الثروة أو شراء النفوذ أو حرمان الفقراء من حقوقهم؛ ولهذا فإنّ حكومة الإمام المهدي عليه السلام لا تقوم على إلغاء الفوارق الطبيعية بين الناس، وإنّما على إلغاء الظلم والاستغلال؛ ولهذا قال الإمام الصادق عليه السلام: «يُفَرِّقُ الْمَهْدِيُّ أَصْحَابَهُ فِي جَمِيعِ الْبُلْدَانِ، وَيَأْمُرُهُمْ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ، وَيَجْعَلُهُمْ حُكَّامًا فِي الْأَقَالِيمِ، وَيَأْمُرُهُمْ بِعُمْرَانِ الْمُدُنِ.»(6).

كرامة الإنسان في حكومة الإمام عليه السلام

إذا كانت حكومة الإمام المهدي عليه السلام حكومة عدل، فإنّها بالضرورة حكومة كرامة. الفقر قد يجبر الإنسان على بيع كرامته، بينما العدالة الاقتصادية تمنحه القدرة على أن يعيش دون أن يضطر إلى التذلل للآخرين. وفي هذا الشأن يقول الإمام الباقر عليه السلام: «إِذَا ظَهَرَ الْقَائِمُ ... يُعْطِي النَّاسَ عَطَايَا مَرَّتَيْنِ فِي السَّنَةِ، وَيَرْزُقُهُمْ فِي الشَّهْرِ رِزْقَيْنِ، وَيُسَوِّي بَيْنَ النَّاسِ حَتَّى لَا تَرَى مُحْتَاجًا إِلَى الزَّكَاةِ، وَيَجِيءُ أَصْحَابُ الزَّكَاةِ بِزَكَاتِهِمْ إِلَى الْمَحَاوِيجِ مِنْ شِيعَتِهِ، فَلَا يَقْبَلُونَهَا، فَيَصُرُّونَهَا، وَيَدُورُونَ فِي دُورِهِمْ، فَيَخْرُجُونَ إِلَيْهِمْ، فَيَقُولُونَ: لَا حَاجَةَ لَنَا فِي دَرَاهِمِكُمْ.»(7). 
من أهم عناصر كرامة الإنسان أن يعيش آمناً. الإنسان الذي يخاف من الظلم لا يستطيع أن يعيش حياة طبيعية. والإنسان الذي يخاف من صاحب السلطة أو صاحب النفوذ يفقد جزءاً من حريته وكرامته. وفي هذا قال الإمام الصادق عليه السلام: «إِذَا قَامَ الْقَائِمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، حَكَمَ بِالْعَدْلِ، وَارْتَفَعَ فِي أَيَّامِهِ الْجَوْرُ، وَأَمِنَتْ بِهِ السُّبُلُ، وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ بَرَكَاتِهَا.»(8).

لماذا يشعر المظلوم بالقرب من الإمام؟

المظلوم الذي يؤمن بالإمام لا يرى في الإمام مجرد شخصية غائبة ينتظر ظهورها، بل يراه عنواناً للعدل الذي يبحث عنه، وأملاً في نصرة الحق، ورمزاً لمستقبل لا يبقى فيه الظالم منتصراً والمظلوم مهزوماً؛ ولهذا يشعر المظلوم بالقرب من الإمام؛ لأنّ الإمام المهدي عليه السلام يمثل بالنسبة إليه الإجابة عن السؤال الذي يؤلمه: من سينصفني؟ فإذا عجز الناس عن إنصافه، وإذا أُغلقت أمامه أبواب كثيرة، يبقى باب الله مفتوحاً، ويبقى الأمل بالإمام الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد أن ملئت ظلماً وجوراً.


1) سورة النساء / الآية: 75.
2) سورة القصص / الآية: 5.
3) نهج البلاغة / السيد الشريف الرضي / المجلد: 1 / الصفحة: 506 / الطبع: دار الكتب اللبناني – بيروت.
4) البرهان في تفسير القرآن / السيد هاشم البحراني / المجلد: 4 / الصفحة: 254 / الطبع: مؤسسة البعثة – قم.
5) كمال الدين / الشيخ الصدوق / المجلد: 2 / الصفحة: 409 / الطبع: دار الكتب الإسلامية – طهران.
6) يوم الخلاص / كامل سليمان / المجلد: 1 / الصفحة: 338 / الطبع: مؤسسة دار المجتبى – قم.
7) بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلد: 52 / الصفحة: 390 / الطبع: مؤسسة الوفاء – بيروت.
8) كشف الغمة / الإربلي / المجلد: 3 / الصفحة: 264 / الطبع: دار الأضواء – بيروت.

 

التعليقات

Profile of User
Loading...

محتوى ذو صلة