لم تكن قضية الإمامة في مدرسة أهل البيت عليهم السلام مساراً تاريخيّاً منفصلًا عن المستقبل، بل كانت منظومة متصلة تبدأ من النص على الإمام السابق، وتمتد في ذريته، وتنتهي إلى الإمام الموعود الذي تكتمل على يديه غاية المشروع الإلهي في إقامة العدل وإظهار الحق. ولهذا نجد في تراث أهل البيت عليهم السلام روايات لا تقتصر على بيان هوية الإمام الذي يلي الإمام المتحدث، وإنما تتجاوز ذلك إلى الكشف عن حلقات من المستقبل، وكأن الإمام يضع أمام أصحابه خريطة واضحة لمسار الإمامة والأحداث التي ستقع فيها.
ومن أبرز هذه الروايات ما رواه إبراهيم الكرخي عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام، حين دخل عليه الإمام موسى بن جعفر عليه السلام وهو غلام، فأشار الإمام الصادق عليه السلام إلى إمامته من بعده، ثم كشف عن أحداث ستقع في حياة الإمام الكاظم عليه السلام وذريته، وصولاً إلى الإمام المنتظر.
وتزداد أهمية هذه الرواية عند قراءتها في ضوء ما وقع بعد الإمام الصادق عليه السلام؛ فقد ظهرت اتجاهات مختلفة ادعت الإمامة أو توقفت عند بعض الأئمة، ثم جاءت الوقائع التاريخية لتكشف بطلان تلك الدعاوى، بينما استمر خط الإمامة في ذريته عليهم السلام حتى انتهى إلى الإمام الثاني عشر، الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف.
والرواية، من هذه الجهة، لا تقدم مجرد بشارة مستقبلية، وإنما ترسم تسلسلًا متصلًا: الإمام الصادق، ثم الإمام الكاظم، ثم الإمام الرضا، ثم استمرار الإمامة في ذريته، حتى الإمام الثاني عشر المنتظر الذي يكون ظهوره فرجاً لشيعته بعد الضنك والبلاء والخوف.
الرواية كاملة
وروى محمد بن خالد البرقيّ ، عن محمد بن سنان ؛ وأبي عليّ الزرّاد جميعا ، عن إبراهيم الكرخيّ قال : دخلت على أبي عبد الله عليه السلام فإنّي لجالس عنده إذ دخل أبو الحسن موسى ـ وهو غلام ـ فقمت إليه فقبّلته وجلست ، فقال أبو عبد الله عليه السلام : « يا إبراهيم ، أما إنّه صاحبك من بعدي ، أما لتهلكنّ فيه أقوام ويسعد آخرون ، فلعن الله قاتله وضاعف على روحه العذاب ، أما ليخرجنّ الله من صلبه خير أهل الأرض في زمانه ، سميّ جدّه ، ووارث علمه وأحكامه وقضاياه ، معدن الإمامة وأحكامها ، ورأس الحكمة ، يقتله جبّار بني فلان بعد عجائب طريفة ، حسدا له ، ولكنّ الله تعالى بالغ أمره ولو كره المشركون.
ويخرج الله من صلبه تكملة اثني عشر إماما مهديّا ، اختصّهم الله بكرامته ، وأحلّهم دار قدسه ، المنتظر للثاني عشر منهم كالشاهر سيفه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يذبّ عنه ».
قال : فدخل رجل من موالي بني أميّة ، فانقطع الكلام ، فعدت إلى أبي عبد الله عليه السلام احدى عشرة مرّة أريد منه أن يتمّ الكلام فما قدرت على ذلك ، فلمّا كان من قابل ـ السنة الثانية ـ دخلت عليه وهو جالس فقال : « يا إبراهيم ، هو المفرّج للكرب عن شيعته بعد ضنك شديد ، وبلاء طويل وجزع وخوف ، فطوبى لمن أدرك ذلك الزمان ، حسبك يا إبراهيم ».
قال إبراهيم : فما رجعت بشيء هو أسرّ من هذا لقلبي ، ولا أقرّ لعيني (1).
أول بشارة في الرواية:أمامة الإمام الكاظم عليه السلام
بدأ الإمام الصادق عليه السلام حديثه بإشارة واضحة إلى ابنه موسى بن جعفر عليهما السلام، فقال لإبراهيم الكرخي: «أما إنّه صاحبك من بعدي».
وهذه العبارة، في سياق الرواية، ليست مجرد مدح للإمام الكاظم عليه السلام، وإنما هي بيان لموقعه في سلسلة الإمامة. وقد كان الإمام موسى بن جعفر عليه السلام في ذلك الوقت غلاماً، ومع ذلك لم يكن صغر سنه مانعاً من أن يعرّف الإمام الصادق عليه السلام بأمر إمامته المقبلة.
وتكتسب هذه الإشارة أهمية خاصة بالنظر إلى ما وقع بعد شهادة الإمام الصادق عليه السلام؛ إذ لم يكن انتقال الإمامة أمراً يخلو من الاختلاف والاضطراب، فقد ظهرت دعاوى متعددة، وتفرقت جماعات من أتباع الإمام الصادق عليه السلام بين اتجاهات مختلفة، ومن أبرزها الإسماعيلية والفطحية، ثم ظهرت بعد شهادة الإمام الكاظم عليه السلام ظاهرة الوقف وغيرها.
وهنا تتضح دقة قوله عليه السلام: «أما لتهلكنّ فيه أقوام ويسعد آخرون».
فالإمام الصادق عليه السلام لم يتحدث عن مستقبل الإمام الكاظم باعتباره مستقبلًا خالياً من الاختبار، بل أخبر مسبقاً بأن الناس سيختلفون فيه، وأن هذا الاختلاف سيكون سبباً في هلاك جماعة وسعادة جماعة أخرى.
وهذا المعنى له دلالة عقائدية مهمة؛ فالإمامة ليست مجرد عنوان ينتسب إليه الإنسان، وإنما هي امتحان في معرفة الإمام الحق والثبات على طاعته.
«لتهلكنّ فيه أقوام ويسعد آخرون»: حين تصبح الإمامة موضع اختبار
كانت مرحلة الأئمة عليهم السلام مليئة بالظروف السياسية والفكرية المعقدة، ولذلك لم يكن الاختبار مقتصراً على مواجهة السلطة، بل شمل أيضاً قدرة أتباع أهل البيت عليهم السلام على التمييز بين الإمام المنصوص عليه وبين الدعاوى التي تظهر بعده.
وقد ظهرت بعد الإمام الصادق عليه السلام اتجاهات متعددة؛ فمنهم من قال بإمامة إسماعيل بن جعفر أو بامتداد الإمامة في ذريته، ومنهم من قال بإمامة عبد الله الأفطح، بينما ثبت أتباع الإمامية الاثني عشرية على إمامة موسى بن جعفر عليه السلام.
ثم جاءت مرحلة الإمام الكاظم عليه السلام، وبعد شهادته ظهرت الفرقة الواقفية التي توقفت عنده وقالت بعدم وفاته أو بعدم انتقال الإمامة بعده، بينما استمر الخط الإمامي في القول بإمامة ابنه علي بن موسى الرضا عليه السلام.
ومن هنا يمكن فهم العبارة النبوئية في الرواية: «أما لتهلكنّ فيه أقوام ويسعد آخرون». فهي تنبه إلى أن وجود الإمام لا يعني أن الجميع سيهتدي إليه؛ فقد يكون الإمام حاضراً بين الناس، ومع ذلك يقع بعضهم في الانحراف عن خطه.
والرواية بذلك تضع قاعدة مهمة لفهم تاريخ الإمامة: الاختلاف حول الإمام لا يثبت بطلان أصل الإمامة، بل قد يكون الاختلاف نفسه جزءًا من الامتحان الذي يُظهر الثابتين على الحق من المترددين والمنحرفين.
بشارة أخرى: الإمام الذي سيخرج من صلب الكاظم عليه السلام
ثم ينتقل الإمام الصادق عليه السلام إلى مرحلة أبعد في المستقبل، فيقول:
«أما ليخرجنّ الله من صلبه خير أهل الأرض في زمانه».
وهذه العبارة تكشف أن الإمام الكاظم عليه السلام ليس نهاية السلسلة، وإنما سيكون من ذريته إمام عظيم الشأن.
ثم يصفه الإمام الصادق عليه السلام بقوله:
«سميّ جدّه، ووارث علمه وأحكامه وقضاياه، معدن الإمامة وأحكامها، ورأس الحكمة».
والمراد بهذا الإمام ـ بحسب سياق الرواية وما ثبت في المصادر الإمامية ـ الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام؛ فهو من أبناء الإمام الكاظم عليه السلام، وقد وصفته الرواية بصفات العلم والإمامة والحكمة، ثم أخبرت بأنه سيقتل ظلماً وحسداً.
وقد وقع ذلك بالفعل؛ فقد استشهد الإمام الرضا عليه السلام في عهد المأمون العباسي، في سياق سياسي معقد، وأصبحت شهادته واحدة من حلقات المظلومية التي عاشها أئمة أهل البيت عليهم السلام.
واللافت أن الرواية لا تكتفي بالإخبار عن استشهاده، بل تربط ذلك بالمشيئة الإلهية: «ولكنّ الله تعالى بالغ أمره ولو كره المشركون».
وهذه الجملة تمنح الرواية بُعداً أوسع؛ فالقتل والاضطهاد لا يعنيان توقف المشروع الإلهي. قد يستطيع الظالم أن يقتل الإمام، لكنه لا يستطيع أن يقتل الامتداد الذي أراده الله للإمامة.
من الإمام الرضا إلى الإمام المهدي: الإمامة لا تتوقف
وهنا تصل الرواية إلى أهم مقاطعها بالنسبة إلى قضية الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف: « ويخرج الله من صلبه تكملة اثني عشر إمامًا مهديًّا ».
بغض النظر عن اختلاف بعض ألفاظ الرواية في النسخ والمصادر، فإن دلالتها في سياق الرواية شديدة الأهمية ؛ فالإمام الصادق عليه السلام لا يتحدث عن مستقبل منفصل، بل يرسم امتداد الإمامة من الإمام الكاظم علیه السلام إلى الإمام الذي يليه، ثم إلى ذريته، وصولًا إلى الثاني عشر المنتظر.
وهذه النقطة مهمة ؛ لأن الرواية التي بين أيدينا تجعل الإمام المهدي عليه السلام جزءًا من سلسلة واحدة تبدأ بالإمام الصادق، وتمر بالإمام الكاظم ثم الإمام الرضا وذريته عليهم السلام، ولا تجعل الاعتقاد بالمهدي فكرة منفصلة ظهرت في مرحلة متأخرة.
بل إن الإمام الصادق عليه السلام كان يتحدث عن هذا المستقبل قبل ولادة الإمام المهدي عليه السلام بزمن طويل.
«المنتظر للثاني عشر منهم»: من هو المنتظر؟
تأتي العبارة الأبرز:
«المنتظر للثاني عشر منهم كالشاهر سيفه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يذبّ عنه». وهنا يظهر مفهوم الانتظار في الرواية بصورة لافتة.
فالمنتظر ليس شخصاً سلبياً يعيش بعيداً عن قضايا الحق، وإنما شبّه الإمام حال المنتظر للثاني عشر بحال من يقف بسيفه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دفاعاً عنه.
وهذا التشبيه يكشف قيمة الانتظار في الثقافة المهدوية؛ فالانتظار الحقيقي ليس مجرد أمنية بظهور الإمام، بل ارتباط بالحق، وثبات عليه، واستعداد لنصرته.
والأهم أن الإمام الصادق عليه السلام كان يتحدث عن «الثاني عشر» قبل أن يصل مسار الإمامة إلى تلك المرحلة التاريخية. وهذا من أقوى المواضع التي تكشف أن قضية الإمام الثاني عشر لم تكن نتيجة تطورات فكرية ظهرت بعد ذلك، وإنما كانت حاضرة في خطاب الأئمة عليهم السلام منذ وقت مبكر.
وقد تناولت المصادر الإمامية هذه الرواية في أبواب النصوص الدالة على عدد الأئمة والمهدي المنتظر.
لماذا انقطع الإمام الصادق عن إتمام الكلام؟
من المشاهد اللافتة في الرواية أن رجلًا من موالي بني أمية دخل على الإمام الصادق عليه السلام، فانقطع الكلام.
ثم يقول إبراهيم الكرخي إنه عاد إلى الإمام الصادق عليه السلام إحدى عشرة مرة يريد أن يستكمل الحديث، فلم يقدر على ذلك.
وهذا التفصيل ليس زائداً في الرواية؛ فهو يكشف طبيعة الظروف التي كان يعيشها أئمة أهل البيت عليهم السلام. فقد كانت السلطة الأموية ثم العباسية تراقب حركة الأئمة وأصحابهم، ولم تكن كل المعلومات المتعلقة بمستقبل الإمامة قابلة للتداول أمام كل شخص.
ولذلك يمكن أن نفهم حرص الإمام الصادق عليه السلام على عدم إتمام الحديث في حضور شخص مشكوك في ولائه.
لكن اللافت أن الإمام عليه السلام لم ينسَ ما أراد بيانه لإبراهيم، بل لما جاء العام التالي قال له: « يا إبراهيم ، هو المفرّج للكرب عن شيعته بعد ضنك شديد ، وبلاء طويل وجزع وخوف ، فطوبى لمن أدرك ذلك الزمان ».
وهنا تنتقل الرواية من الحديث عن نسب الإمام المنتظر عليه السلام إلى الحديث عن وظيفته وآثار ظهوره.
الإمام المهدي.. المفرّج عن شيعته
كلمة « المفرّج » في هذه الرواية من أكثر الألفاظ دلالة على البعد المهدوي ؛ لأن الإمام الصادق عليه السلام يربط ظهور الإمام المنتظر عليه السلام بحالة تاريخية طويلة من الضيق والبلاء والخوف.
فالإمام المهدي عليه السلام، وفق هذه الرواية، ليس مجرد شخصية تظهر في نهاية التاريخ، وإنما هو صاحب فرج بعد مرحلة شديدة من المعاناة.
وقد وردت الرواية بألفاظ متقاربة في مصادر متعددة، وفي بعضها: « بعد ضنك شديد وبلاء طويل وجور وخوف »، وهو اختلاف لفظي بين طرق النقل، بينما يبقى المحور العام واحداً: ظهور الإمام المنتظر يأتي بعد مرحلة من الشدة والظلم والخوف.
وهذا يفتح باباً مهماً لفهم فلسفة الانتظار: المؤمن لا ينتظر شخصاً مجهولاً، وإنما ينتظر إماماً عرّفته الروايات بصفته ووظيفته وموقعه في سلسلة الإمامة.
إنه الإمام الثاني عشر الذي تتجه إليه سلسلة الإمامة، والذي سيكون ظهوره سبباً في فرج شيعته.
ومن هنا نفهم لماذا ختم إبراهيم الكرخي كلامه بقوله: « فما رجعت بشيء هو أسرّ من هذا لقلبي ، ولا أقرّ لعيني ».
فالخبر الذي تلقاه لم يكن خبراً تاريخياً عابراً، بل كان بالنسبة إليه بشارة بمستقبل هذا الخط الإلهي، وبقاء الإمامة، وظهور المصلح الموعود.
من الانقسامات التاريخية إلى وحدة المسار المهدوي
عند قراءة الرواية في ضوء الأحداث التي وقعت بعد الإمام الصادق عليه السلام، تبدو الصورة أكثر وضوحاً.
فقد ظهرت بعد الأئمة جماعات متعددة، وكل جماعة حاولت تفسير مستقبل الإمامة وفق تصورها الخاص. لكن الرواية تضع معياراً مختلفاً: ليس المهم مجرد الانتساب إلى أهل البيت عليهم السلام، بل معرفة الإمام الذي نص عليه الإمام السابق، ثم الإيمان باستمرار الإمامة في أعقابه.
ومن هنا تتضح أهمية قول الإمام الصادق عليه السلام عن الإمام الكاظم عليه السلام: «صاحبك من بعدي»، ثم انتقال الحديث إلى الإمام الخارج من صلبه، ثم إلى «الثاني عشر».
إنها سلسلة مترابطة، لا حلقات متفرقة.
وإذا كان التاريخ قد شهد جماعات توقفت عند إمام معين، فإن الرواية نفسها كانت تشير إلى أن مسار الإمامة لا يتوقف عند الإمام الكاظم عليه السلام، ولا عند الإمام الرضا عليه السلام، بل يمتد إلى الثاني عشر المنتظر.
ولهذا فإن قضية الإمام المهدي عليه السلام في المنظور الإمامي ليست عقيدة منفصلة عن عقيدة الإمامة، بل هي: النتيجة الطبيعية لاكتمال سلسلة الأئمة الاثني عشر.
«فطوبى لمن أدرك ذلك الزمان»
لم يقل الإمام الصادق عليه السلام: طوبى لمن سمع عنه، أو لمن عرف اسمه فقط، بل قال: «فطوبى لمن أدرك ذلك الزمان».
والإدراك هنا يحمل معنى عظيماً؛ لأن الإنسان الذي يدرك زمن ظهور الإمام لا يعيش مجرد حدث تاريخي، بل يشهد مرحلة التحول الكبرى التي وعد بها الله تعالى.
ومن جهة أخرى، فإن الحديث عن الفرج بعد « ضنك شديد ، وبلاء طويل ، وجزع وخوف » يوضح أن الانتظار قد يكون طويلاً، وأن الطريق إلى الفرج لا يخلو من امتحان.
ومن هنا تصبح مسؤولية المؤمن في زمن الغيبة أكثر وضوحاً: أن يحافظ على معرفته بإمامه، وألا تجرفه الانقسامات الفكرية والدعاوى الباطلة، وأن يثبت على خط الإمامة حتى يأتي وعد الله.
الخاتمة
تكشف رواية إبراهيم الكرخي عن الإمام الصادق عليه السلام عن لوحة متكاملة لمسار الإمامة ومستقبلها. فقد بدأ الإمام الصادق عليه السلام بتعيين الإمام موسى بن جعفر عليه السلام، ثم أخبر بأن الناس سيختلفون فيه، وأن بعضهم سيهلك وبعضهم يسعد، ثم كشف عن الإمام الذي سيخرج من صلبه، وما سيصيبه من ظلم وقتل، ثم تجاوز ذلك كله إلى الحديث عن امتداد الإمامة في ذريته وصولًا إلى «الثاني عشر» المنتظر.
وإذا قرأنا هذه الرواية في ضوء ما وقع بعد ذلك، نجد أن التاريخ لم يقطع سلسلة الإمامة، رغم ظهور الاتجاهات المنحرفة والانقسامات التي حاولت إيقافها عند مرحلة معينة. فقد استمر خط الإمامة من الإمام الكاظم إلى الإمام الرضا عليهما السلام ومن بعده، حتى انتهى إلى الإمام الثاني عشر، الإمام المهدي بن الحسن عجل الله تعالى فرجه الشريف، الذي بشّر به الأئمة عليهم السلام قبل ولادته.
والأهم في الرواية أن الإمام الصادق عليه السلام لا يقدم الإمام المهدي بوصفه شخصية غامضة، بل يصفه بأنه «المنتظر للثاني عشر»، وأنه «المفرّج للكرب عن شيعته» بعد الضنك والبلاء والخوف.
وهكذا تتضح الصلة العميقة بين الإمامة والانتظار: فالإمام المهدي عليه السلام ليس مشروعاً منفصلاً عن أهل البيت عليهم السلام، وإنما هو خاتمة سلسلة الإمامة التي حفظها الله تعالى، وامتداد للوعد الإلهي بإقامة الحق والعدل.
ولذلك فإن انتظار الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف لا ينبغي أن يكون انتظاراً لحدث مجهول، بل انتظاراً لإمام عرّف الأئمة السابقون به، وبيّنوا موقعه في سلسلة الإمامة، وأخبروا عن ظهوره وفرجه.
وإذا كان إبراهيم الكرخي قد عاد من عند الإمام الصادق عليه السلام وقلبه ممتلئًا بالسرور، فلأنّه أدرك أن ما سيقع في المستقبل ليس نهاية الطريق، بل هو تمام الوعد؛ وأن المحن التي تصيب المؤمنين لا تعني ضياع الحق، وأن تعدد الاتجاهات لا يعني ضياع الإمامة، وأن ظلم الظالمين لا يستطيع إبطال أمر الله.
لقد كان الإمام الصادق عليه السلام ينظر إلى ما وراء عصره، ويرى في امتداد الإمامة من موسى الكاظم إلى ذريته، وفي بلوغها الإمام الثاني عشر، ضمانًا لاستمرار الحجة الإلهية حتى يظهر الموعود الذي يكون فرجه فرجًا لشيعته.
ومن هنا تبقى الرسالة الأعمق للرواية واضحة: قد يطول الطريق، وقد تكثر الفتن، وقد يتفرق الناس، لكن خط الإمامة لا ينقطع، ووعد الله لا يتخلف، والمنتظر الحقيقي هو من عرف إمامه وثبت على ولايته حتى يأتي الفرج.
1. إعلام الورى بأعلام الهدى / الشيخ الطبرسي / المجلّد : 2 / الصفحة : 235. ؛ الغيبة للنعماني / محمد بن إبراهيم النعماني / المجلّد : 1 / الصفحة : 91.







