لا تسير السنن الإلهية، في مسيرة الرسالات الإلهية، وفق أهواء البشر أو استعجالهم، بل تتحقق ضمن نظام دقيق يقوم على الابتلاء والتمحيص وإعداد النفوس لحمل الأمانة الكبرى. ومن أبرز هذه السنن الثابتة في تاريخ الأنبياء والأمم السابقة، سنّة الغيبة والاحتجاب المؤقت، التي تتكرر كلما اقتضت الحكمة الإلهية.
لقد شهدت الأمم السابقة نماذج متعددة من الغيبة في أنبيائهم وأوصيائهم. و من هذا السياق القرآني والتاريخي، تأتي غيبة الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف امتدادًا لهذه السنّة الربانية.

المبحث الأول: مفهوم الغيبة

الغيبة في اللغة بمعنى البعد والتواري والغيبوبة. قال خليل بن احمد في كتاب العين: « الغيبة من الغيبوبة ... وأغابت المرأة فهي مغيبة، وإذا غاب زوجها » (1). وفي اصطلاح علم الكلام والعقائد: « إنّ غيبة الإمام المهدي عليه السلام عبارة عن أنّه يراه الناس ولكنهم لا يعرفونه؛ لأنّ الإمام عليه السلام قد أُخفي عن الأنظار منذ بداية ولادته، ولم يَرَه إلّا عددٌ قليل من أصحابه الخاصّين ». ويؤيد هذا المعنا ما قاله السفير الثاني محمد بن عثمان حول صاحب الزمان عجل الله فرجه: « وَاللَّهِ إِنَّ صَاحِبَ هَذَا الْأَمْرِ لَيَحْضُرُ الْمَوْسِمَ كُلَّ سَنَةٍ فَيَرَى النَّاسَ وَيَعْرِفُهُمْ وَيَرَوْنَهُ وَلَا يَعْرِفُونَهُ » (2).

المبحث الثاني: الغيبة في الأمم السابقة سنّة متكرّرة

لم تكن الغيبة في التاريخ الديني ظاهرة استثنائية مرتبطة بأمة واحدة أو مرحلة بعينها، بل شكّلت سنّة إلهية متكرّرة. وقد قال الله تعالى حول سننه: ﴿ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا ﴾ (3)
إنّ للغيبة دور محوري في تمحيص الناس. ومن هنا يقول الإمام الصادق عليه السلام لأبي بصير: « إِنَّ سُنَنَ الْأَنْبِيَاءِ عليهم السلام بِمَا وَقَعَ بِهِمْ مِنَ الْغَيْبَاتِ حَادِثَةٌ فِي الْقَائِمِ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ وَالْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ ... هُوَ الْخَامِسُ مِنْ وُلْدِ ابْنِي مُوسَى ذَلِكَ ابْنُ سَيِّدَةِ الْإِمَاءِ يَغِيبُ غَيْبَةً يَرْتَابُ فِيهَا الْمُبْطِلُونَ ثُمَّ يُظْهِرُهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَيَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدِهِ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا » (4).

المبحث الثالث: غيبة الأنبياء والأوصياء في الأمم السابقة

وقعت الغيبة في الأنبياء أو الأوصياء المتعلقين بالأمم قبل الأمة الإسلامية. فلنذكر بعض الغيبات في الأمم السابقة.
غيبة النبي موسى عليه السلام
بعد أن أنجى الله تعالى بني إسرائيل على يد موسى عليه السلام، واعد الله سبحانه وتعالى نبيَّه موسى ثلاثين ليلةً في طور سيناء ليؤتيه الألواح والتوراة، فذهب موسى وابتعد عن قومه. وفي ذلك قال الله تعالى: ﴿ وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ﴾ (5). ولهذا قال الإمام زين العابدين عليه السلام: « فِي القائِمِ مِنّا سُنَنٌ مِنَ الأَنبِياءِ ... وأَمّا مِن موسى‌ فَالخَوفُ وَالغَيبَةُ » (6).

غيبة النبي يونس عليه السلام

إنّ النبي يونس عليه السلام ابتعد عن قومه بعد أن لم يؤمنوا بالله تعالى. فابتلاه الله بالحوت وبعدها رجع إلى قومه. وفي هذه الواقعة يقول الله تعالى: ﴿ وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ‎*‏ إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ *‏ فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ *‏ فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ *‏ فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ ‎*‏ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ * فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ * وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ ‎*‏ وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ *‏ فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ ﴾ (7). وقد قال الإمام الباقر عليه السلام حول هذه الغيبة: « إنَّ فِي القائِمِ مِن آلِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله شَبَهاً مِن خَمسَةٍ مِنَ الرُّسُلِ ... فَأَمّا شَبَهُهُ مِن يونُسَ بنِ مَتّى‌ فَرُجوعُهُ مِن غَيبَتِهِ وهُوَ شابٌّ بَعدَ كِبَرِ السِّنِّ » (8).

غيبة النبي عيسى عليه السلام

إنَّ المشركين ظنّوا أنهم قتلوا النبيَّ عيسى عليه السلام، لكنَّه في الحقيقة رُفع إلى السماء، وهذه غيبةٌ حقيقيةٌ له. حيث يقول االله تعالى: ﴿ وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا. بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴾ (9). وقد قال الإمام الصادق عليه السلام: « إنَّ اللَّهَ تَعالى‌ ذِكرُهُ، أدارَ فِي القائِمِ مِنّا ثَلاثَةً، أدارَها لِثَلاثَةٍ مِنَ الرُّسُلِ ... وقَدَّرَ غَيبَتَهُ تَقديرَ غَيبَةِ عيسى‌ عليه السلام » (10).

غيبة ذي القرنين عليه السلام

هناك رواية جميلة حول غيبة ذي القرنين عليه السلام وشبهه بالإمام المهدي عليه السلام، فقد روى جابر بن عبدالله الأنصاري عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله: « إِنَّ ذَا الْقَرْنَيْنِ كَانَ عَبْداً صَالِحاً جَعَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ حُجَّةً عَلَى عِبَادِهِ. فَدَعَا قَوْمَهُ إِلَى اللَّهِ وَأَمَرَهُمْ بِتَقْوَاهُ. فَضَرَبُوهُ عَلَى قَرْنِهِ فَغَابَ عَنْهُمْ زَمَاناً حَتَّى قِيلَ: مَاتَ أَوْ هَلَكَ بِأَيِّ وَادٍ سَلَكَ. ثُمَّ ظَهَرَ وَرَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ فَضَرَبُوهُ عَلَى قَرْنِهِ الْآخَرِ. وَفِيكُمْ مَنْ هُوَ عَلَى سُنَّتِهِ وَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مَكَّنَ لِذِي الْقَرْنَيْنِ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ لَهُ مِنْ كُلِّ شَيْ‌ءٍ سَبَباً وَبَلَغَ الْمَغْرِبَ وَالْمَشْرِقَ وَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى سَيَجْرِى سُنَّتَهُ فِي الْقَائِمِ مِنْ وُلْدِي فَيُبَلِّغُهُ شَرْقَ الْأَرْضِ وَغَرْبَهَا » (11).

غيبة النبي صالح عليه السلام

روي عن الإمام الصداق عليه السلام: « إِنَّ صَالِحاً غَابَ عَنْ قَوْمِهِ زَمَاناً وكَانَ يَوْمَ غَابَ عَنْهُمْ كَهْلًا مُبْدَحَ الْبَطْنِ حَسَنَ الْجِسْمِ وَافِرَ اللِّحْيَةِ خَمِيصَ الْبَطْنِ‌ خَفِيفَ الْعَارِضَيْنِ مُجْتَمِعاً رَبْعَةً مِنَ الرِّجَالِ‌. فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ لَمْ يَعْرِفُوهُ بِصُورَتِهِ » (12).

غيبة النبي شعيب عليه السلام

روي عن أميرالمؤمنين عليه السلام: « إن شعيبا النبي دعا قومه إلى الله حتى كبر سنه، ودقّ عظمه، ثم غاب عنهم ما شاء الله، ثم عاد إليهم شابا. فدعاهم إلى الله تعالى فقالوا: ما صدقناك شيخا فكيف نصدقك شابا؟ » (13).

غيبة النبي هود عليه السلام

روي عن الإمام الصادق عليه السلام: « لما حضرت نوحا الوفاة دعا الشيعة فقال لهم: اعلموا أنه ستكون بعدي غيبة تظهر فيها الطواغيت. وأن الله عزوجل يفرج عنكم بالقائم من ولدي إسمه هود. له سمت وسكينة ووقار، يشبهني في خلقي وخلقي، وسيهلك الله أعاءكم عند ظهوره بالريح ... » (14).

غيبة النبي يوسف عليه السلام

روي عن الإمام الصادق عليه السلام: « إِنَّ فِي صَاحِبِ هَذَا الْأَمْرِ شَبَهاً مِنْ يُوسُفَ. قَالَ قُلْتُ لَهُ: كَأَنَّكَ تَذْكُرُهُ حَيَاتَهُ أَوْ غَيْبَتَهُ. قَالَ فَقَالَ لِي: وَمَا يُنْكَرُ مِنْ ذَلِكَ هَذِهِ الْأُمَّةُ أَشْبَاهُ الْخَنَازِيرِ »(15).

غيبة لاوي بن برخيا

لاوي بن برخيا كان أحد أوصياء بني اسرائيل. وحكايته أنّ نعثل اليهودي جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وطرح أسئلة وأخذ جوابها وأسلم. ثمّ سأله النبي صلى الله عليه وآله: « أ تعرف الأسباط؟ قال: نعم كانوا اثنا عشر أولهم لاوي بن برخيا، وهو الذي غاب عن بني إسرائيل غيبة ثم عاد، فأظهر اللّه به شريعته بعد اندراسها، و قاتل قرسطيا الملك حتى قتل الملك. قال صلّى اللّه عليه وآله: كائن في أمتي ما كان في بني إسرائيل، حذو النعل بالنعل، والقذة بالقذة، وإنّ الثاني عشر من ولدي يغيب حتى لا يرى ... » (16).


1) كتاب العين (لخليل بن أحمد الفراهيدي) / المجلد: 4 / الصفحة: 454 / الناشر: مؤسسة دار الهجرة – قم / الطبعة: 2.
2) كمال الدين (للشيخ الصدوق) / المجلد: 2 / الصفحة: 440 / الناشر: دار الكتب الإسلامية – طهران / الطبعة: 2.
3) سورة فاطر / الآية: 43.
4) كمال الدين (للشيخ الصدوق) / المجلد: 2 / الصفحة: 345 / الناشر: دار الكتب الإسلامية – طهران / الطبعة: 2.
5) سورة الأعراف / الآية: 142.
6) كمال الدين (للشيخ الصدوق) / المجلد: 2 / الصفحة: 577 / الناشر: دار الكتب الإسلامية – طهران / الطبعة: 2.
7) سورة الصافات / الآية: 139 إلى 148.
8) كمال الدين (للشيخ الصدوق) / المجلد: 1 / الصفحة: 327 / الناشر: دار الكتب الإسلامية – طهران / الطبعة: 2.
9) سورة النساء / الآية: 157.
10) كمال الدين (للشيخ الصدوق) / المجلد: 2 / الصفحة: 354 / الناشر: دار الكتب الإسلامية – طهران / الطبعة: 2.
11) كمال الدين (للشيخ الصدوق) / المجلد: 2 / الصفحة: 394 / الناشر: دار الكتب الإسلامية – طهران / الطبعة: 2.
12) كمال الدين (للشيخ الصدوق) / المجلد: 1 / الصفحة: 136 / الناشر: دار الكتب الإسلامية – طهران / الطبعة: 2.
13) بحار الأنوار (للعلامة المجلسي) / المجلد: 12 / الصفحة: 385 / الناشر: مؤسسة الوفاء – بيروت / الطبعة: 2.
14) بحار الأنوار (للعلامة المجلسي) / المجلد: 11 / الصفحة: 363 / الناشر: مؤسسة الوفاء – بيروت / الطبعة: 2.
15) الكافي (للكليني) / المجلد: 1 / الصفحة: 336 / الناشر: دار الكتب الإسلامية – طهران / الطبعة: 4.
16) ينابيع المودة (للقندوزي) / المجلد: 3 / الصفحة: 283 / الناشر: دار الأسوة – قم / الطبعة: 1.

 

التعليقات

Loading...
لا يوجد تعليقات!

محتوى ذو صلة