عصرُ الغيبةِ الكبرى يُعَدّ من أهمّ العصور للمؤمنين؛ ففي هذا العصر لا يوجد ارتباطٌ ظاهريٌّ بينهم وبين إمامهم، الإمام المهديّ عليه السلام، ولا يمكنهم الرجوع إليه مباشرةً للسؤال عن المشكلات والمعضلات التي تواجههم. ومع ذلك، فقد وُصِف هذا العصر في الروايات بأنّه عصرُ الابتلاء والتمحيص. ومن هنا يبرز سؤالٌ مهمّ لكلّ من يهتمّ بدينه والشريعة الإسلاميّة: ما هي وظائف المؤمنين المعتقدين بإمامة الإمام المهديّ عليه السلام في عصر الغيبة الكبرى ؟ وما الذي ينبغي عليهم فعله وهم لا يرون إمامهم ولا يستطيعون التواصل معه بحسب الظاهر؟
لهذا فمن الضروري أن نعرف ما هي الوظائف الأساسية للمؤمنين في زمن غيبة صاحب العصر والزمان أرواحنا لتراب مقدمه الفداء.
وظائف المؤمنين في زمن الغيبة
عند تصفح الروايات المروية عن أئمة أهل البيت عليهم السلام حول غيبة الإمام المهدي عليه السلام والأحداث والأمور المرتبطة بها، نرى أن هناك وظائف قد ذكرت في الروايات الشريفة. نذكر بعض منها للفائدة والاطلاع:
الأول: انتظار الفرج
إنّ من أهمّ وظائف المؤمن في عصر الغيبة انتظارُ فرجِ صاحبِ العصرِ والزمان (عليه السلام)، بل هو في طليعة هذه الوظائف، وقد أكّدت الروايات الشريفة على هذا المعنى تأكيدًا بالغًا، وحثّت المؤمنين على التمسّك بروح الانتظار لما فيه من أثرٍ عظيم في تثبيت الإيمان وإحياء الأمل. فقد ورد عن حنش بن المعتمر: « دَخَلتُ عَلى أميرِ المُؤمِنينَ عَلِيِّ بنِ أبي طالِبٍ عليه السلام وهُوَ فِي الرَّحَبَةِ مُتَّكِئاً، فَقُلتُ: السَّلامُ عَلَيكَ يا أميرَ المُؤمِنينَ ورَحمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ، كَيفَ أصبَحتَ؟ قالَ: فَرَفَعَ رَأسَهُ ورَدَّ عَلَيَّ، وقالَ: أصبَحتُ مُحِبّاً لِمُحِبِّنا، صابِراً عَلى بُغضِ مَن يُبغِضُنا، إنَّ مُحِبَّنا يَنتَظِرُ الرَّوحَ وَالفَرَجَ في كُلِّ يَومٍ ولَيلَةٍ » (1).
فضيلة الانتظار
بالاضافة إلى الترغيب والحثّ على الانتظار، هناك روايات تبيّن لنا فضيلة نفس فعل انتظار الفرج. فقد روي عن الإمام الحسين عليه السلام: « بَينا أميرُ المُؤمِنينَ عليه السلام ذاتَ يَومٍ جالِسٌ مَعَ أصحابِهِ يُعَبّيهِم لِلحَربِ، إذا أتاهُ شَيخٌ عَلَيهِ شَحبَةُ السَّفَرِ، فَقالَ: أيُّ الأَعمالِ أحَبُّ إلَى اللَّهِ عز و جل؟ قالَ: انتِظارُ الفَرَجِ » (2).
فضل المنتظر
في سياق هذه الورايات وأمثالها، هناك روايات تبيّن لنا فضل المؤمن المنتظر في عصر الغيبة. فقد روي عن أبي بصير: « يا أبا بَصيرٍ، طوبى لِشيعَةِ قائِمِنَا المُنتَظِرينَ لِظُهورِهِ في غَيبَتِهِ، وَالمُطيعينَ لَهُ في ظُهورِهِ، اولئِكَ أولِياءُ اللَّهِ الَّذينَ لا خَوفَ عَلَيهِم ولا هُم يَحزَنونَ » (3). وأيضا روى أبو بصير ومحمد بن مسلم عن الإمام الصادق عليه السلام عن آبائه عن أميرالمؤمنين عليه السلام: « المُنتَظِرُ لِأَمرِنا كَالمُتَشَحِّطِ بِدَمِهِ في سَبيلِ اللَّهِ » (4).
الثاني: الدعاء لتعجيل فرجه
وظيفة المؤمن في خصوص انتظار الفرج لا تقتصر على الانتظار الصرف والقعود عن العمل في أيّ جهة. بل يجب على المؤمن في زمن الغيبة أن يدعوا لتعجيل فرج الإمام المهدي عليه السلام. فقد قال الإمام العسكري عليه السلام: « وَاللَّهِ لَيَغيبَنَّ غَيبَةً لا يَنجو فيها مِنَ الهَلَكَةِ إلّامَن ثَبَّتَهُ اللَّهُ عز و جل عَلَى القَولِ بِإِمامَتِهِ، ووَفَّقَهُ فيها لِلدُّعاءِ بِتَعجيلِ فَرَجِهِ » (5).
وقد ورد في التوقيع الوارد عن الإمام المهدي عليه السلام لاسحاق بن يعقوب: « وأَكثِرُوا الدُّعاءَ بِتَعجيلِ الفَرَجِ؛ فَإِنَّ ذلِكَ فَرَجُكُم » (6).
الاضطرار إلى الحجة
النقطة الحائزة للأهمية في الدعاء لتعجيل الفرج هي أنّ الدعاء الصرف بلا أيّ توجه إلى معناه الحقيقي لا يفعل لنا شيئاً. فيجب علينا جميعا أن نعلم أنّ صلاح أمورنا كلها بيد صاحب الزمان عليه السلام وأنّه لا يمكن لأيّ شخص مهما كان عظيما ان يصلح أمور المسلمين والمؤمنين بشكل حقيقي غير الإمام المهدي عليه السلام. فيجب أن نكون مضطرين في الدعاء بتعجيل الفرج. وإلى هذا أشار الإمام الصادق عليه السلام حيث قال: « أوحَى اللَّهُ إلى إبراهيمَ أنَّهُ سَيولَدُ لَكَ، فَقالَ لِسارَةَ، فَقالَت: ﴿ أَ أَلِدُ وَ أَنَا عَجُوزٌ ﴾ (7). فَأَوحَى اللَّهُ إلَيهِ: أنَّها سَتَلِدُ ويُعَذَّبُ أولادُها أربَعَمِئَةِ سَنَةٍ بِرَدِّهَا الكَلامَ عَلَيَّ. قالَ: فَلَمّا طالَ عَلى بَني إسرائيلَ العَذابُ، ضَجّوا وبَكَوا إلَى اللَّهِ أربَعينَ صَباحاً، فَأَوحَى اللَّهُ إلى موسى وهارونَ أن يُخَلِّصَهم مِن فِرعَونَ، فَحَطَّ عَنهُم سَبعينَ ومِئَةَ سَنَةٍ. وقالَ أبو عَبدِ اللَّهِ عليه السلام: هكَذا أنتُم لَو فَعَلتُم لَفَرَّجَ اللَّهُ عَنّا، فَأَمّا إذا لَم تَكونوا فَإِنَّ الأَمرَ يَنتَهي إلى مُنتَهاهُ » (8).
الثالث: ترك الاستعجال
من أهمّ وظائف المؤمنين في عصر الغيبة عدمُ الاستعجالِ في أمرِ الظهورِ والفرج. فإنّ أمره في الحقيقة راجع إلى الله تعالى. فقد ورد في دعاء عن الإمام الصادق عليه السلام: « ورضّني يا رب بقضائك، وبارك لي في قدرك حتى لا احب تعجيل ما أخرت، ولا تأخير ما عجلت » (9). وهذا لا ينافي بطلب الدعاء لتعجيل الفرج وظهور صاحب العصر والزمان عليه السلام. لأنّ الله تعالى إذا أخّر ظهور صاحب الزمان عليه السلام، فإننا لانستعجل فيه وراضين بقضاء الله تعالى. لكن في نفس الأمر، نطلب من الله تعالى أن يعجّل في ظهوره عليه السلام. فقد روي عن عبد الله بن كثير: « كُنتُ عِندَ أبي عَبدِ اللَّهِ عليه السلام إذ دَخَلَ عَلَيهِ مِهزَمٌ، فَقالَ لَهُ: جُعِلتُ فِداكَ، أخبِرني عَن هذَا الأَمرِ الَّذي نَنتَظِرُ، مَتى هُوَ؟ فَقالَ: يا مِهزَمُ كَذَبَ الوَقّاتونَ، وهَلَكَ المُستَعجِلونَ، ونَجَا المُسَلِّمونَ » (10).
إنّ الله لايعجل لعجلة الآخرين
فمن الضروري أن نعلم إنّ الله لايعجل لعجلة العباد. فقد روي عن الفضل الكاتب: « كُنتُ عِندَ أبي عَبدِ اللَّهِ عليه السلام، فَأَتاهُ كِتابُ أبي مُسلِمٍ، فَقالَ: لَيسَ لِكِتابِكَ جَوابٌ، اخرُج عَنّا. فَجَعَلنا يُسارُّ بَعضُنا بَعضاً، فَقالَ: أيَّ شَيءٍ تُسارّونَ يا فَضلُ؟ إنَّ اللَّهَ عَزَّ ذِكرُهُ لا يَعجَلُ لِعَجَلَةِ العِبادِ، ولَإِزالَةُ جَبَلٍ عَن مَوضِعِهِ أيسَرُ مِن زَوالِ مُلكٍ لَم يَنقَضِ أجَلُهُ » (11).
الرابع: الاستقامة والتمسك بالدين
إنّ التمسك بالدين وبقاء المؤمن على إيمانه في عصر الغيبية من أصعب الأمور. فقد روي عن يمان التمّار: « كُنّا عِندَ أبي عَبدِ اللَّهِ عليه السلام جُلوساً فَقالَ لَنا: إنَّ لِصاحِبِ هذَا الأَمرِ غَيبَةً، المُتَمَسِّكُ فيها بِدينِهِ كَالخارِطِ لِلقَتادِ. ثُمَّ قالَ هكَذا بِيَدِهِ، فَأَيُّكُم يُمسِكُ شَوكَ القَتادِ بِيَدِهِ؟ ثُمَّ أطرَقَ مَلِيّاً، ثُمَّ قالَ: إنَّ لِصاحِبِ هذَا الأَمرِ غَيبَةً، فَليَتَّقِ اللَّهَ عَبدٌ وَليَتَمَسَّك بدينِهِ » (12). وفي هذه الغيبة والظلام، تبدي محنة أتباع أهل البيت عليهم السلام. فقد روي عن أميرالمؤمنين عليه السلام: « لِلقائِمِ مِنّا غَيبَةٌ أمَدُها طَويلٌ، كَأَنّي بِالشّيعَةِ يَجولونَ جَوَلانَ النَّعَمِ في غَيبَتِهِ، يَطلُبونَ المَرعى فَلا يَجِدونَهُ، ألا فَمَن ثَبَتَ مِنهُم عَلى دينِهِ ولَم يَقسُ قَلبُهُ لِطولِ أمَدِ غَيبَةِ إمامِهِ فَهُوَ مَعِيَ في دَرَجَتي يَومَ القِيامَةِ » (13).
ففي هذه المرحلة الخطيرة، يجب على المؤمنين جميعا أن يحتفظوا بإيمانهم ويستقيموا في طريق الحق. وإلى هذا أشار الإمام العسكري عليه السلام حين قال: « وَاللَّهِ لَيَغيبَنَّ غَيبَةً لا يَنجو فيها مِنَ الهَلَكَةِ إلّامَن ثَبَّتَهُ اللَّهُ عز و جل عَلَى القَولِ بِإِمامَتِهِ، ووَفَّقَهُ فيها لِلدُّعاءِ بِتَعجيلِ فَرَجِهِ ... قُلتُ: يَابنَ رَسولِ اللَّهِ، وإنَّ غَيبَتَهُ لَتَطولُ؟ قالَ: إي ورَبّي، حَتّى يَرجِعَ عَن هذَا الأَمرِ أكثَرُ القائِلينَ بِهِ، ولا يَبقى إلّامَن أخَذَ اللَّهُ عز و جل عَهدَهُ لِوِلايَتِنا، وكَتَبَ في قَلبِهِ الإِيمانَ، وأَيَّدَهُ بِروحٍ مِنهُ » (14).
1) الأمالي (للشيخ المفيد) / المجلد: 1 / الصفحة: 232 / الناشر: جامعة المدرسين في الحوزة العلمية – قم / الطبعة: 1.
2) من لا يحضره الفقيه (للشيخ الصدوق) / المجلد: 4 / الصفحة: 381 / الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي – قم / الطبعة: 2.
3) كمال الدين (للشيخ الصدوق) / المجلد: 2 / الصفحة: 357 / الناشر: نشر الكتب الإسلامية – طهران / الطبعة: 2.
4) كمال الدين (للشيخ الصدوق) / المجلد: 2 / الصفحة: 645 / الناشر: نشر الكتب الإسلامية – طهران / الطبعة: 2.
5) كمال الدين (للشيخ الصدوق) / المجلد: 2 / الصفحة: 384 / الناشر: نشر الكتب الإسلامية – طهران / الطبعة: 2.
6) الغيبة (للشيخ الطوسي) / المجلد: 1 / الصفحة: 290 / الناشر: دار المعارف الإسلامية – قم / الطبعة: 1.
7) سورة الهود / الآية: 72.
8) تفسير العياشي (لمحمد بن مسعود العياشي) / المجلد: 2 / الصفحة: 154 / الناشر: المطبعة العلمية – طهران / الطبعة: 1.
9) بحار الأنوار (للعلامة المجلسي) / المجلد: 91 / الصفحة: 236 / الناشر: مؤسسة الوفاء – بيروت / الطبعة: 2.
10) الكافي (لمحمد بن يعقوب الكليني) / المجلد: 1 / الصفحة: 368 / الناشر: دار الكتب الإسلامية – طهران / الطبعة: 4.
11) الكافي (لمحمد بن يعقوب الكليني) / المجلد: 8 / الصفحة: 274 / الناشر: دار الكتب الإسلامية – طهران / الطبعة: 4.
12) الكافي (لمحمد بن يعقوب الكليني) / المجلد: 1 / الصفحة: 335 / الناشر: دار الكتب الإسلامية – طهران / الطبعة: 4.
13) كمال الدين (للشيخ الصدوق) / المجلد: 2 / الصفحة: 645 / الناشر: نشر الكتب الإسلامية – طهران / الطبعة: 2.
14) كمال الدين (للشيخ الصدوق) / المجلد: 2 / الصفحة: 384 / الناشر: نشر الكتب الإسلامية – طهران / الطبعة: 2.


