مفهوم الظهور من أعمق المفاهيم العقائدية في الفكر الإسلامي، لاسيما في المدرسة الإمامية التي تربط بين الإيمان بالغيب وانتظار تحقق الوعد الإلهي بظهور الإمام المهدي عليه السلام، الموعود الذي يُقيم الحقّ ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد أن مُلئَت ظلماً وجوراً.
لقد تضمّنت خُطب أميرالمؤمنين عليه السلام وكلماته في نهج البلاغة وسائر المصادر رواياتٍ وإشاراتٍ غنيةً برموز الظهور، تناولت أحوال الزمان، واضطراب الأحوال قبل قيام القائم عليه السلام، وسمات المجتمع في عصر الغيبة. إضافةً إلى بوارق الأمل التي تطلّ من بيانه في وعد الله لعباده بالاستخلاف ونصرة الحق. ولذا فإنّ دراسة الظهور في كلمات أمير المؤمنين عليه السلام ليست مجرّد بحثٍ في التفسير الغيبي للأحداث، بل هي استكشافٌ لبنيةٍ فكريةٍ متكاملةٍ تمزج بين التحليل العقلي، والرؤية الإلهية للتاريخ، والبعد التربوي في الإعداد النفسي والروحي لمرحلة الظهور.
الإخبار عن غيبة الإمام المهدي عليه السلام
عندما نتصفح الروايات المروية عن أميرالمؤمنين عليه السلام، نرى أنه عليه السلام أخبر عن وقوع الغيبة لحجة الله في أرضه وقد بيّن هذه الغيبة وطولها في جملة من الروايات. منها ما روي عن أصبغ بن نباتة: « أتَيتُ أميرَ المُؤمِنينَ عَلِيَّ بنَ أبي طالِبٍ عليه السلام فوَجَدتُهُ مُتفَكِّراً يَنكُتُ فِي الأَرضِ، فَقُلتُ: يا أميرَ المُؤمِنينَ ما لي أراكَ مُتَفَكِّراً تَنكُتُ فِي الأَرضِ؟ أرَغِبتَ فيها؟ فَقالَ: لا وَاللَّهِ ما رَغِبتُ فيها ولا فِي الدُّنيا يَوماً قَطُّ، ولكِن فَكَّرتُ في مَولودٍ يَكونُ مِن ظَهري، الحادي عَشَرَ مِن وُلدي، هُوَ المَهدِيُّ يَملَؤُها عَدلًا كَما مُلِئَت جَوراً وظُلماً، تَكونُ لَهُ حَيرَةٌ وغَيبَةٌ، يَضِلُّ فيها أقوامٌ ويَهتَدي فيها آخَرونَ » (1).
وأيضا روى أصبغ بن نباتة رواية أخرى عن أميرالمؤمنين عليه السلام أنه قال: « أنَّهُ ذَكَرَ القائِمَ عليه السلام، فَقالَ: أما لَيَغيبَنَّ حَتّى يَقولَ الجاهِلُ: ما للَّهِ في آلِ مُحَمَّدٍ حاجَةٌ » (2).
زمن الغيبة في كلمات أميرالمؤمنين عليه السلام
لأمير المؤمنين عليه السلام خُطبٌ كثيرةٌ ألقاها في مواقف متعددة، وبعضُ هذه الخُطب يشتمل على إخبارِه عليه السلام بأمورِ آخرِ الزمان، وعلاماتِ ظهورِ الإمام المهدي عليه السلام، والأحداثِ التي تقع في زمنِ الغيبة وقُبيلَ ظهورِه عليه السلام.
أحداث زمن الغيبة
من جملة الخطب حول أحداث ووقائع زمن الغيبة، هي خطبة 187 من نهج البلاغة التي ذكر فيها أميرالمؤمنين عليه السلام ملاحم وأمور وأحداث تقع في زمن غيبة الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف.
تصعيب الأمور على المؤمنين
قال عليه السلام: « أَلَا فَتَوَقَّعُوا مَا يَكُونُ مِنْ إِدْبَارِ أُمُورِكُمْ وانْقِطَاعِ وُصَلِكُمْ واسْتِعْمَالِ صِغَارِكُمْ ذَاكَ حَيْثُ تَكُونُ ضَرْبَةُ السَّيْفِ عَلَى الْمُؤْمِنِ أَهْوَنَ مِنَ الدِّرْهَمِ مِنْ حِلِّه. ذَاكَ حَيْثُ يَكُونُ الْمُعْطَى أَعْظَمَ أَجْراً مِنَ الْمُعْطِي. ذَاكَ حَيْثُ تَسْكَرُونَ مِنْ غَيْرِ شَرَابٍ بَلْ مِنَ النِّعْمَةِ والنَّعِيمِ. وتَحْلِفُونَ مِنْ غَيْرِ اضْطِرَارٍ وتَكْذِبُونَ مِنْ غَيْرِ إِحْرَاجٍ ذَاكَ إِذَا عَضَّكُمُ الْبَلَاءُ كَمَا يَعَضُّ الْقَتَبُ غَارِبَ الْبَعِيرِ مَا أَطْوَلَ هَذَا الْعَنَاءَ وأَبْعَدَ هَذَا الرَّجَاءَ » (3). ففي آخر الزمان تحدث أمور صعبة كوصول غير الكفؤ إلى المناصب والمقامات الدنيوية وتسليط الطغاة على المؤمنين ويقع عناء كثير وطويل عليهم وتفشي المعاصي في المجتمع.
تحويل المسار
وأيضا قال أميرالمؤمنين عليه السلام في حكمته رقم 102: « يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يُقَرَّبُ فِيه إِلَّا الْمَاحِلُ ولَا يُظَرَّفُ فِيه إِلَّا الْفَاجِرُ ولَا يُضَعَّفُ فِيه إِلَّا الْمُنْصِفُ. يَعُدُّونَ الصَّدَقَةَ فِيه غُرْماً وصِلَةَ الرَّحِمِ مَنّاً والْعِبَادَةَ اسْتِطَالَةً عَلَى النَّاسِ. فَعِنْدَ ذَلِكَ يَكُونُ السُّلْطَانُ بِمَشُورَةِ النِّسَاءِ وإِمَارَةِ الصِّبْيَانِ وتَدْبِيرِ الْخِصْيَانِ » (4). والماحل هو النمّام. وخلاصة الأمر أنّ الأمور تتحول عن مسارها الطبيعي في عصر الغيبة ويعتبر الأمور الحسنة سيئة والأمور السيئة تصير حسنة في أعين الناس.
تضعيف المسلمين والأمور الإسلامية
قال أميرالمؤمنين عليه السلام حول عصر الغيبة: « يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يَبْقَى فِيهِمْ مِنَ الْقُرْآنِ إِلَّا رَسْمُه ومِنَ الإِسْلَامِ إِلَّا اسْمُه ومَسَاجِدُهُمْ يَوْمَئِذٍ عَامِرَةٌ مِنَ الْبِنَاءِ خَرَابٌ مِنَ الْهُدَى. سُكَّانُهَا وعُمَّارُهَا شَرُّ أَهْلِ الأَرْضِ مِنْهُمْ تَخْرُجُ الْفِتْنَةُ وإِلَيْهِمْ تَأْوِي الْخَطِيئَةُ. يَرُدُّونَ مَنْ شَذَّ عَنْهَا فِيهَا ويَسُوقُونَ مَنْ تَأَخَّرَ عَنْهَا إِلَيْهَا. يَقُولُ اللَّه سُبْحَانَه فَبِي حَلَفْتُ لأَبْعَثَنَّ عَلَى أُولَئِكَ فِتْنَةً تَتْرُكُ الْحَلِيمَ فِيهَا حَيْرَانَ وقَدْ فَعَلَ ونَحْنُ نَسْتَقِيلُ اللَّه عَثْرَةَ الْغَفْلَةِ » (5).
الحروب والملاحم
عصر الغيبة عصر الحروب والهوى والملاحم في كلام أميرالمؤمنين عليه السلام. فقد قال: « يَعْطِفُ الْهَوَى عَلَى الْهُدَى ـ إِذَا عَطَفُوا الْهُدَى عَلَى الْهَوَى ـ ويَعْطِفُ الرَّأْيَ عَلَى الْقُرْآنِ إِذَا عَطَفُوا الْقُرْآنَ عَلَى الرَّأْيِ. ومنها حَتَّى تَقُومَ الْحَرْبُ بِكُمْ عَلَى سَاقٍ بَادِياً نَوَاجِذُهَا مَمْلُوءَةً أَخْلَافُهَا حُلْواً رَضَاعُهَا عَلْقَماً عَاقِبَتُهَا » (6).
الفتنة في كلمات أميرالمؤمنين عليه السلام
من الواضح أنّ من علامات آخر الزمان هي الفتنة. وأميرالمؤمنين عليه السلام سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حول الفتنة وأجابه رسول الله بكلمات دقيقة. فقد روي عن أميرالمؤمنين عليه السلام: « إِنَّه لَمَّا أَنْزَلَ اللَّه سُبْحَانَه قَوْلَه ﴿ ألم. أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وهُمْ لا يُفْتَنُونَ ﴾ (7)، عَلِمْتُ أَنَّ الْفِتْنَةَ لَا تَنْزِلُ بِنَا ورَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وآله بَيْنَ أَظْهُرِنَا. فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّه مَا هَذِه الْفِتْنَةُ الَّتِي أَخْبَرَكَ اللَّه تَعَالَى بِهَا؟ فَقَالَ: يَا عَلِيُّ إِنَّ أُمَّتِي سَيُفْتَنُونَ بَعْدِي. وقَالَ: يَا عَلِيُّ إِنَّ الْقَوْمَ سَيُفْتَنُونَ بِأَمْوَالِهِمْ، ويَمُنُّونَ بِدِينِهِمْ عَلَى رَبِّهِمْ ، ويَتَمَنَّوْنَ رَحْمَتَه ويَأْمَنُونَ سَطْوَتَه ويَسْتَحِلُّونَ حَرَامَه بِالشُّبُهَاتِ الْكَاذِبَةِ والأَهْوَاءِ السَّاهِيَةِ فَيَسْتَحِلُّونَ الْخَمْرَ بِالنَّبِيذِ والسُّحْتَ بِالْهَدِيَّةِ والرِّبَا بِالْبَيْعِ. قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّه فَبِأَيِّ الْمَنَازِلِ أُنْزِلُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ أَبِمَنْزِلَةِ رِدَّةٍ أَمْ بِمَنْزِلَةِ فِتْنَةٍ فَقَالَ بِمَنْزِلَةِ فِتْنَةٍ » (8). فهذه صفات الفتنة التي تقع في آخر الزمان الذي نحن نراها في عصرنا الحالي بالوجدان. فهي الصراع الحقيقي بين الحق والباطل فيجب على كلّ مؤمن أن يتشبث بإيمانه حتى لا تذهب به الفتنة ولايصير إيمانه إيمانا مستودعا.
واجبات المؤمنين في عصر الغيبة
بعد ما ذكر أميرالمؤمنين عليه السلام وقوع الغيبة لحجة الله ووليه عليه السلام في آخر الزمان وحدوث الملاحم والأحداث فيها، بيّن بعض واجبات المؤمن في مقابل هذه المصاعب والملاحم. فقال عليه السلام: « أَيُّهَا النَّاسُ أَلْقُوا هَذِه الأَزِمَّةَ الَّتِي تَحْمِلُ ظُهُورُهَا الأَثْقَالَ مِنْ أَيْدِيكُمْ ولَا تَصَدَّعُوا عَلَى سُلْطَانِكُمْ فَتَذُمُّوا غِبَّ فِعَالِكُمْ ولَا تَقْتَحِمُوا مَا اسْتَقْبَلْتُمْ مِنْ فَوْرِ نَارِ الْفِتْنَةِ وأَمِيطُوا عَنْ سَنَنِهَا وخَلُّوا قَصْدَ السَّبِيلِ لَهَا فَقَدْ لَعَمْرِي يَهْلِكُ فِي لَهَبِهَا الْمُؤْمِنُ ويَسْلَمُ فِيهَا غَيْرُ الْمُسْلِمِ » (9). يمكن جمع هذه التعابير الجميلة من أميرالمؤمنين عليه السلام بأنّه يجب على المؤمن أن يصبر على هذه الأحداث والأمور الصعبة في عصر الغيبة وينتظر الفرج ويدور حول إمام زمانه ويفعل ما أمره المعصومون عليهم السلام. لأنّ عصر الغيبة عصر الفتن وقد أمرنا أميرالمؤمنين عليه السلام: « كُنْ فِي الْفِتْنَةِ كَابْنِ اللَّبُونِ لَا ظَهْرٌ فَيُرْكَبَ ولَا ضَرْعٌ فَيُحْلَبَ » (10).
بشارة أميرالمؤمنين عليه السلام بالظهور
بعد هذه الفتن والأحداث، تأتي بشارة ظهور الإمام المهدي عليه السلام كالماء البارد على القلب الجافي. فقال أميرالمؤمنين عليه السلام: « أَلَا وفِي غَدٍ وسَيَأْتِي غَدٌ بِمَا لَا تَعْرِفُونَ يَأْخُذُ الْوَالِي مِنْ غَيْرِهَا عُمَّالَهَا عَلَى مَسَاوِئِ أَعْمَالِهَا وتُخْرِجُ لَه الأَرْضُ أَفَالِيذَ كَبِدِهَا وتُلْقِي إِلَيْه سِلْماً مَقَالِيدَهَا فَيُرِيكُمْ كَيْفَ عَدْلُ السِّيرَةِ ويُحْيِي مَيِّتَ الْكِتَابِ والسُّنَّةِ » (11).
1) كمال الدين (للشيخ الصدوق) / المجلد: 2 / الصفحة: 288 / الناشر: دار الكتب الإسلامية – طهران / الطبعة: 2.
2) كمال الدين (للشيخ الصدوق) / المجلد: 2 / الصفحة: 302 / الناشر: دار الكتب الإسلامية – طهران / الطبعة: 2.
3) نهج البلاغة (للسيد الشريف الرضي) / المجلد: 1 / الصفحة: 277 / الناشر: دار الكتب اللبناني – بيروت / الطبعة: 1.
4) نهج البلاغة (للسيد الشريف الرضي) / المجلد: 1 / الصفحة: 485 / الناشر: دار الكتب اللبناني – بيروت / الطبعة: 1.
5) نهج البلاغة (للسيد الشريف الرضي) / المجلد: 1 / الصفحة: 540 / الناشر: دار الكتب اللبناني – بيروت / الطبعة: 1.
6) نهج البلاغة (للسيد الشريف الرضي) / المجلد: 1 / الصفحة: 195 / الناشر: دار الكتب اللبناني – بيروت / الطبعة: 1.
7) سورة العنكبوت / الآية: 1 و 2.
8) نهج البلاغة (للسيد الشريف الرضي) / المجلد: 1 / الصفحة: 220 / الناشر: دار الكتب اللبناني – بيروت / الطبعة: 1.
9) نهج البلاغة (للسيد الشريف الرضي) / المجلد: 1 / الصفحة: 277 / الناشر: دار الكتب اللبناني – بيروت / الطبعة: 1.
10) نهج البلاغة (للسيد الشريف الرضي) / المجلد: 1 / الصفحة: 469 / الناشر: دار الكتب اللبناني – بيروت / الطبعة: 1.
11) نهج البلاغة (للسيد الشريف الرضي) / المجلد: 1 / الصفحة: 196 / الناشر: دار الكتب اللبناني – بيروت / الطبعة: 1.

