الجزيرة الخضراء (التقارير والأقوال)
السيد حسين الهاشمي
منذ 14 ساعةإحدى القضايا المهمّة التي كانت منذ قديم الأيّام محلّ بحثٍ ودراسةٍ وتساؤلٍ لدى الشيعة، هي مكان سكنى الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف وأولاده. لأنه ورد في الروايات الشريفة عن أهل البيت عليهم السلام أنّ الإمام المهدي عليه السلام يعيش مع الناس لكنهم لايعرفونه. فقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام: « يفقد الناس إمامهم فيشهدهم الموسم فيراهم ولايرونه » (1).
وفي الإجابة عن هذا السؤال، والسعي لمعرفة محلّ إقامته، نصل في بعض الاجابات إلى جزيرةٍ غامضة تُعرف باسم «الجزيرة الخضراء».
والنقطة الجديرة بالانتباه هي أنّ مكان سكنى صاحب الزمان أرواحنا فداه، أينما كان، لا يؤدّي إلى انتهاء مسألة الغيبة ولا يفضي إلى انقضاء عصر الغيبة، كما أنّه لا يحمل أهميّةً خاصّة من الناحية العقائديّة عند الشيعة. ولذلك فإنّ إثبات وجود هذه الجزيرة أو إنكار ارتباطها بصاحب الزمان عليه السلام، لا يُحدث أيّ تغيير في عقائدنا به ولا في مقاماتِه.
وعليه، نوصي الموالين الراغبين في التثبّت والتحقيق في هذا الموضوع بالرجوع إلى الكتب البحثية الرصينة التي ألّفها نخبةٌ من علماء ومحقّقي الشيعة المتضلّعين في فنّ التحقيق، ومن أبرزها: كتاب الجزيرة الخضراء للسيد جعفر مرتضى العاملي، وكتاب الشيخ ناجي نجّار.
الموقعية الجغرافية للجزيرة الخضراء
الجزيرة الخضراء منطقةٌ تقع في جنوب إسبانيا قرب مضيق جبل طارق، وقد ورد اسمها في تواريخ الأندلس والمغرب، وذُكرت في المصادر القديمة باسم « باب الأندلس » (2).
وقد طُرحت الجزيرة الخضراء بوصفها محلَّ سكنى وإقامة صاحب الأمر عليه السلام منذ العصر الصفوي في الأدبيّات الشيعيّة.
حكاية الجزيرة الخضراء
حكاية الجزيرة الخضراء وردت في قالب تقريرين في المصادر التاريخيّة والعقائديّة، وننقل فيما يلي هذين التقريرين.
التقرير الأوّل
حادثةٌ وقعت لزين الدين علي بن فاضل المازندراني في الحادي عشر من شوّال سنة 691هـ، وقد رواها في النجف في الخامس عشر من شعبان سنة 699هـ لفضل بن يحيى الطيّبي.
وخلاصة القصّة: « أنّ زين العابدين سافر مع أحد أساتذته الحنفيّي المذهب إلى مصر، ثم توجّها منها إلى بلاد الأندلس وجزرها. وخلال السفر سمع من أهل تلك الديار باسم « جزائر الرافضة »، فقرّر السفر إليها. وبعد ثلاثة أيّام من المسير وصل إلى جزرٍ ذات أبراجٍ وقلاعٍ حصينة، فوجد أهلها شيعةً مؤمنين.
فسألهم: من أين يأتيكم رزقكم ومعاشكم ؟ فقالوا: من الجزيرة الخضراء في البحر الأبيض، وهي محلّ سكنى أولاد صاحب الزمان، ويستغرق السفر منها إلى هنا أربعة أشهر. فأبدى رغبته في السفر إليها، فسافر مع قافلةٍ كانت تحمل الأرزاق لشيعة تلك المنطقة إلى الجزيرة الخضراء.
فرآها أرضًا خضراء جميلة، وهناك التقى بشخصٍ يُدعى السيّد شمس الدين محمّد العالِم، قدّم نفسه نائبًا خاصًّا للإمام المهدي عليه السلام. ودارت بينهما حوارات وأسئلة وأجوبة، وعرّف المحيطون بالسيّد شمس الدين أنّه من أحفاد الإمام عليه السلام، وفي تتمّة القصّة نُقلت جملةٌ من تلك الأسئلة والأجوبة» (3).
التقرير الثاني
أورد المحدّث النوري في كتاب جنة المأوى قصّةً أخرى، مفادها أنّ كمال الدين أحمد بن محمّد بن يحيى الأنباري وقعت له سنة 543هـ حادثةٌ مشابهة للواقعة السابقة. وقد نقل المحدّث النوري هذه القصّة من كتاب التعازي للشريف الزاهد محمّد بن علي العلوي، ومن كتاب الصراط المستقيم للبياضي (المتوفى 877هـ)، كما نقلها أيضًا عن السيّد نعمة الله الجزائري في الأنوار النعمانية، عن علي بن فتح الله الكاشاني، وهو عن الشريف الزاهد العلوي. وخلاصة القصّة كما رواها المحدّث النوري هي كالتالي: « يقول أحمد بن محمّد بن يحيى الأنباري: كنّا ليلةً في دار الوزير عون الدين يحيى بن هبيرة، وكان هناك جماعةٌ من الضيوف، وفي ذلك المجلس رجلٌ مجهول كان الوزير يُبالغ في إكرامه. وفي ختام الحديث أخذ الوزير يذمّ الشيعة.
فلما بلغ الكلام هذا الموضع قال الرجل المجهول: أريد أن أروي قصّة. خرجنا جماعةً من مدينتنا التي تُسمّى «باهية» قاصدين السفر بحرًا، فوصلنا إلى جزرٍ لم يكن الربّان نفسه على علمٍ بها. فسألنا عنها فقيل لنا: إنّ اسم الجزيرة «مباركة»، وإنّ سلطانها يُدعى «طاهر». وسألنا عن مقرّ حكمه فقيل: إنّه مكان يُسمّى «زاهرة»، يبعد عن هنا عشرة أيّام برًّا وخمسةً وعشرين يومًا بحرًا، وأهلها مسلمون. وسألنا عن نائب السلطان في تلك المدينة، فأُرشدنا إلى رجلٍ صالح، فذهبنا إليه. فأراد أن يأخذ الجزية من اليهود والنصارى، وعرّف جماعةً آخرين بأنّهم من الخوارج، وأنّ أموالهم غير محترمة. وطلبنا منه أن يعرّفنا بالسلطان، ففعل ذلك.
فتوجّهنا إلى زاهرة، فوجدناها مدينةً جميلةً طيّبة الهواء. ودخلنا على طاهر، فعرّف نفسه بأنّه ابن الإمام المهدي عليه السلام. وبعد زاهرة كانت مدينةٌ أخرى تُسمّى «راقية»، وكان سلطانها قاسم بن الإمام المهدي عليه السلام، ثم مدينةٌ أخرى تُسمّى «صافية»، وكان سلطانها إبراهيم بن الإمام المهدي عليه السلام، وبعدها مدينتان أخريان تُسمّيان «ظلوم» و«عناطيس»، وكان حاكماهما عبد الرحمن وهاشم، وهما من أبناء الإمام المهدي عليه السلام. ولم يكن يسكن في هذه المدن الخمس غير الشيعة، وأقمنا هناك سنةً كاملة.
فلمّا سمع الوزير هذه القصّة هدّدنا جميعًا بألّا نذكر هذه الحكاية على ألسنتنا » (4).
الموافقين لجزيرة الخضراء
بعد بحث كثير، لم نجد من علماء الشيعة من يصرّح بقبول هاتين التقريرين من جزيرة الخضراء. إلا أنّ عددا قليلا من العلماء، نقلوا روايتها ولم يعلّقوا عليها. وهذا لايدلّ على القبول. مثل المحدّث النوري.
المخالفين لجزيرة الخضراء
أغلبية علماء الشيعة مخالفين لهذه الحكاية. لأنّ سند هاتين الروايتين ضعيفة ودلالتهما أيضا ناقصة وفيهما تهافتات كثيرة.
إنّ عددًا من كبار علماء الشيعة عَدّوا هذه التقارير مختلقةً أو من باب القصص والأساطير، واعتبروها مخالفةً للواقع، ومنهم: الشيخ جعفر كاشف الغطاء (5)، وآقا بزرگ الطهراني (6)، والسيّد نعمة الله الجزائري (7)، والشيخ محمّد تقي الشوشتري (8) والعلامة السيد جعفر مرتضى العاملي.
تحليل التقريرين
قال المحقق الكبير العلامة السيد جعفر مرتضى العاملي في تحليل الروايتين: « الأول: إنّ اتصال هذه القصص من القرن الحادي عشر إلى القرن السادس والسابع، وهما الزمن المدّعى لوقوعها، غير قابلٍ للإثبات. كما أنّ هذه النقول جاءت على نحو «الوِجادة» (أي النقل اعتمادًا على نسخٍ منسوبة إلى محدّثين متقدّمين، من دون روايةٍ معتبرة وسلسلة رواة وإجازة نقل)، ولذلك فهي تفتقر إلى الاعتبار اللازم.
الثاني: لا يترتّب على هذه المضامين أيّ أثرٍ اعتقادي؛ لأنّ مكان سكنى الإمام عليه السلام وأهل بيته موضوعٌ تاريخيّ، ولا يُعدّ من المسائل العقائديّة. فالمسائل العقائديّة، لما لها من أهميّة، تحتاج إلى أدلّةٍ معتبرة لإثباتها.
الثالث: هذه الحكاية تدلّ على تحريف القرآن. فمن يقبل هذه الرواية يلزمه أن يقول بتحريف القرآن اعتمادًا على خبرٍ مجهول الراوي وفي أحسن الأحوال خبر واحد، مع أنّ نقل القرآن متواتر، كما أنّ نصّ القرآن نفسه يصرّح بحفظه من أيّ تحريف حيث يقول: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ (9).
إلى غيرها من الاشكالات السندية والمتنية.» (10).
فننصح الذي يريد أن يقرء أكثر حول هذه الجزيرة الغامضة أن يقرء كتاب العلامة السيد جعفر مرتضى العاملي وأشباهه من الكتب التحقيقية العلمية.
1) بحار الأنوار (للعلامة المجلسي) / المجلد: 52 / الصفحة: 151 / الناشر: مؤسسة الوفاء – بيروت / الطبعة: 2.
2) تاريخ الأندلس (لإسماعيل بن ابراهيم) / المجلد: 1 / الصفحة: 58 / الناشر: مكتبة الثقافة الدينية – بيروت / الطبعة: 1.
3) بحار الأنوار (للعلامة المجلسي) / المجلد: 52 / الصفحة: 159 / الناشر: مؤسسة الوفاء – بيروت / الطبعة: 2.
4) بحار الأنوار (للعلامة المجلسي) / المجلد: 52 / الصفحة: 213 / الناشر: مؤسسة الوفاء – بيروت / الطبعة: 2.
5) الحق المبين (للشيخ جعفر كاشف الغطاء) / المجلد: 1 / الصفحة: 69 / الناشر: نشر أحمد – طهران / الطبعة: 1.
6) الذريعة (لآقا بزرك الطهراني) / المجلد: 5 / الصفحة: 105 / الناشر: اسماعيليان – قم / الطبعة: 1.
7) الأنوار النعمانية (للجزائري) / المجلد: 2 / الصفحة: 69 / الناشر: دار القاري – بيروت / الطبعة: 1.
8) الأخبار الدخيلة (للشوشتري) / المجلد: 1 / الصفحة: 146 / الناشر: مكتبة الصدوق – طهران / الطبعة: 1.
9) سورة الحجر / الآية: 9.
10) الجزيرة الخضراء ومثلث برمودا (للسيد جعفر مرتضى العاملي) / المجلد: 1 / الصفحة: 52 / الناشر: المركز الإسلامي للدراسات – اصفهان / الطبعة: 2.









التعلیقات