حياة السيدة نرجس بعد استشهاد الإمام العسكري عليه السلام
السيد حسين الهاشمي
منذ ساعتينالسيدة نرجس عليها السلام هي مليكة الرومية، وتنتمي إلى نسل شمعون وصيّ النبي عيسى عليه السلام. شاء الله تعالى أن تتعطّل مراسم زفافها في بلاد الروم، لتبدأ مسيرتها الإلهية، إذ رأت في منامها النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ومعه النبي عيسى بن مريم عليه السلام، فخطبها رسول الله صلى الله عليه وآله من المسيح عليه السلام للإمام الحسن العسكري عليه السلام. ثم تشرفت برؤية السيدة فاطمة الزهراء سلام الله عليها في المنام، فأسلمت على يديها. وبعد مدة وقعت معركة بين المسلمين والروم، فكانت السيدة نرجس في جملة السبايا، ونُقلت إلى العراق، حيث اشتراها الإمام الهادي عليه السلام وزوّجها من ابنه الإمام الحسن العسكري عليه السلام. وبعد ذلك حملت بالإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف من غير أن تظهر عليها آثار الحمل، فولد صاحب العصر والزمان ليلة النصف من شعبان سنة 255 هـ، وكان ذلك والإمام الحسن العسكري عليه السلام إلى جانبها. وتُعدّ هذه الوقائع من الأحداث المشهورة الواردة في الروايات الشريفة عن أئمة أهل البيت عليهم السلام. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو أنه في سنة 260 للهجرة حينما استشهد الإمام الحسن العسكري عليه السلام (1)، ماذا حدث لهذه السيدة الجليلة وهل كانت حية في ذلك الزمان أم لا؟ ولنعرف دورها عليها السلام في حياة الإمام المهدي عليه السلام بعد استشهاد الإمام العسكري عليه السلام، يجب أن نراجع الكتب الروائية والتاريخية.
زمان ارتحال السيدة نرجس
هناك اختلاف كبير في الكتب الروائية والتاريخية بين زمان رحيل السيدة نرجس.
وفاتها قبل استشهاد الإمام العسكري عليه السلام
بعض الروايات تدلّ على أنها ماتت في زمن حياة الإمام الحسن العسكري عليه السلام. تفصيل الحكاية على حسب ما نقله الشيخ الصدوق رضوان الله تعالى عليه: « حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْعَطَّارُ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو عَلِيٍّ الْخَيْزَرَانِيُ عَنْ جَارِيَةٍ لَهُ كَانَ أَهْدَاهَا لِأَبِي مُحَمَّدٍ عليه السلام ... أَنَّهَا حَضَرَتْ وِلَادَةَ السَّيِّدِ عليه السلام وَأَنَّ اسْمَ أُمِّ السَّيِّدِ، صَقِيلُ وَأَنَّ أَبَا مُحَمَّدٍ عليه السلام حَدَّثَهَا بِمَا يَجْرِي عَلَى عِيَالِهِ. فَسَأَلَتْهُ أَنْ يَدْعُوَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَهَا أَنْ يُجْعَلَ مَنِيَّتُهَا قَبْلَهُ فَمَاتَتْ فِي حَيَاةِ أَبِي مُحَمَّدٍ عليه السلام. وَعَلَى قَبْرِهَا لَوْحٌ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ هَذَا قَبْرُ أُمِّ مُحَمَّدٍ » (2). والمراد ب(ما يجري على عياله) هو ما ستواجهه من شدائد في المستقبل، وعن غيبة المهديّ عليه السلام، والضغوط القاسية التي ستُفرض على أهل بيته وشيعته، وأخبرها بشهادته القريبة.
لكن الشيخ الصدوق نفسه يستغرب من هذه الرواية وينكرها ويقول إنها مخالفة لبقية الروايات. فيقول الشيخ الصدوق: « موتها قبل وفاة أبى محمّد مخالف لما سيجيء في الباب الآتي ولم أجد في غيره من الأحاديث أو التواريخ وفاتها قبل أبى محمد عليه السلام » (3).
وفاتها بعد شهادة الإمام العسكري عليه السلام
القول المشهور والصحيح والموافق للروايات، هي أنّ السيدة نرجس كانت موجودة في زمن استشهاد الإمام العسكري عليه السلام وشاهدت الغيبة الصغرى لولدها الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف. فقد نقل محمد بن الحسين بن عباد حول شهادة الإمام العسكري عليه السلام ومراسيم كفنه ودفنه عليه السلام أنّ السيدة نرجس كانت حاضرة في هذا المجلس. فنقل: « مَاتَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ عليه السلام يَوْمَ جُمُعَةٍ مَعَ صَلَاةِ الْغَدَاةِ وَكَانَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ قَدْ كَتَبَ بِيَدِهِ كُتُباً كَثِيرَةً إِلَى الْمَدِينَةِ وَذَلِكَ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ لِثَمَانٍ خَلَوْنَ مِنْهُ سَنَةَ سِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ مِنَ الْهِجْرَةِ وَلَمْ يَحْضُرْهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ إِلَّا صَقِيلُ الْجَارِيَةُ وَعَقِيدٌ الْخَادِمُ وَمَنْ عَلِمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ غَيْرُهُمَا قَالَ عَقِيدٌ فَدَعَا بِمَاءٍ قَدْ أُغْلِيَ بِالْمَصْطَكَى فَجِئْنَا بِهِ إِلَيْهِ فَقَالَ أَبْدَأُ بِالصَّلَاةِ هَيِّئُونِي فَجِئْنَا بِهِ وَبَسَطْنَا فِي حَجْرِهِ الْمِنْدِيلَ فَأَخَذَ مِنْ صَقِيلَ الْمَاءَ فَغَسَلَ بِهِ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ مَرَّةً مَرَّةً وَمَسَحَ عَلَى رَأْسِهِ وَقَدَمَيْهِ مَسْحاً وَصَلَّى صَلَاةَ الصُّبْحِ عَلَى فِرَاشِهِ وَأَخَذَ الْقَدَحَ لِيَشْرَبَ فَأَقْبَلَ الْقَدَحُ يَضْرِبُ ثَنَايَاهُ وَيَدُهُ تَرْتَعِدُ فَأَخَذَتْ صَقِيلُ الْقَدَحَ مِنْ يَدِهِ وَمَضَى مِنْ سَاعَتِهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَدُفِنَ فِي دَارِهِ بِسُرَّ مَنْ رَأَى إِلَى جَانِبِ أَبِيهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَصَارَ إِلَى كَرَامَةِ اللَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ وَقَدْ كَمَلَ عُمُرُهُ تِسْعاً وَعِشْرِينَ سَنَةً » (4). وصقيل الجارية هي السيدة نرجس سلام الله عليها.
تعرض الحكومة العباسية لها عليها السلام
حينما نراجع الكتب الروائية والتاريخية، لايوجد ما يمكننا أن نعتمد عليه من نقل تاريخي أو روائي حول أنّه هل الحكومة العباسية بعد استشهاد الإمام الحسن العسكري عليه السلام هل تعرضت للسيدة نرجس عليها السلام وهل كانت هناك مطاردة لها أو لا. إلا ما نقله الشيخ المفيد بصورة عامة حول المتبقين من آل الإمام العسكري عليه الاسلام بعد استشهاده عليه السلام، حيث قال: « وتولىّ جعفرُ بن عليّ أخو أبي محمد عليه السلام أخْذَ تَركَتِه، وسَعى في حَبْسِ جواري أبي محمد واعْتقالِ حلائِلهِ، وشنع على أصحابه بانْتِظارِهم وَلَدَه وقَطْعِهِمْ بوجودِه والقولِ بإِمامتِه. وأغْرى بالقوم حتى أخافَهم وشرّدَهم. وجَرى على مخلَّفي أبي محمد عليه السلام بسببَ ذلك كُلّ عظيمةٍ، من اعتقالٍ وحَبْسٍ وتَهْديدٍ وتَصْغيرٍ واسْتِخْفافٍ وذُلٍّ، ولم يَظْفَرِ السلطانُ منهم بطائلٍ » (5).
لكن إذا بحثنا حول تعرضات الحكومة العباسية ومتابعتها الكثيرة وإصرارها على العثور على الإمام المهدي عليه السلام بعد استشهاد الإمام العسكري عليه السلام، نفهم أنّه ليس من البعيد أنّ والدتها السيدة نرجس أيضا تعرضت للملاحقة والمتابعة من قبل الحكومة العباسية. فقد روى رشيق أحد أصحاب المعتضد العباسي: « بعث إلينا المعتضد ونحن ثلاثة نفر فأمرنا أن يركب كل واحد منا فرسا ويجنب آخر ونخرج مخففين ... وقال لنا: الحقوا بسامرة ووصف لنا محلة ودارا وقال: إذا أتيتموها تجدوا على الباب خادما أسود ، فاكبسوا الدار ومن رأيتم فيها فائتوني برأسه. فوافينا سامرة فوجدنا الامر كما وصفه وفي الدهليز خادم أسود وفي يده تكة ينسجها فسألناه عن الدار ومن فيها. فقال: صاحبها. فو الله ما التفت إلينا وقَلَّ اكتراثه بنا. فكبسنا الدار كما أمرنا، فوجدنا دارا سرية، ومقابل الدار ستر... فرفعنا الستر فاذا بيت كبير كأن بحرا فيه وفي أقصى البيت حصير قد علمنا أنه على الماء، وفوقه رجل من أحسن الناس هيئة قائم يصلي. فلم يلتفت إلينا ولا إلى شئ من أسبابنا. فسبق أحمد بن عبدالله ليتخطى البيت فغرق في الماء... وعاد صاحبي الثاني إلى فعل ذلك الفعل فناله مثل ذلك وبقيت مبهوتا... وانصرفنا عنه، وقد كان المعتضد ينتظرنا» (6).
ويمكن أن تكون العلة في عدم كونها عند الإمام المهدي عليه السلام هي هذا التعرض والتفحص. فقد نقل النجاشي حول محمد بن علي بن حمزة: « ثقة، عين في الحديث، صحيح الاعتقاد، له رواية عن أبي الحسن وأبي محمد عليهما السلام، واتصال مكاتبة، وفي داره حصلت أم صاحب الامر عليه السلام بعد وفاة الحسن عليه السلام »(7). لأنّ أسهل الطرق وأسرعها للوصول إلى الإمام المهدي عليه السلام، هي من طريق والدته عليها السلام. فبملاحظة جميع هذه الأمور، يقرب في الذهن كونها ملاحقة من قبل الحكومة العباسية أو على الأقل تمّ التعرض لها للعثور على ولده الذي شاع بين الشيعة، أنّه القائم الذي يملأ الأرض قسطا وعدلا بعد ما ملأت ظلما وجورا.
هذا ما وجدناه حول السيدة نرجس عليسها السلام بعد استشهاد الإمام العسكري عليه السلام.
1) أصول الكافي (لمحمد بن يعقوب الكليني) / المجلد: 1 / الصفحة: 503 / الناشر: دار الكتب الإسلامية – طهران / الطبعة: 4.
2) كمال الدين (للشيخ ابن بابويه الصدوق) / المجلد: 2 / الصفحة: 431 / الناشر: دار الكتب الإسلامية – طهران / الطبعة: 2.
3) كمال الدين (للشيخ ابن بابويه الصدوق) / المجلد: 2 / الصفحة: 431 / الناشر: دار الكتب الإسلامية – طهران / الطبعة: 2.
4) كمال الدين (للشيخ ابن بابويه الصدوق) / المجلد: 2 / الصفحة: 474 / الناشر: دار الكتب الإسلامية – طهران / الطبعة: 2.
5) الإرشاد (للشيخ المفيد) / المجلد: 2 / الصفحة: 336 / الناشر: مؤسسة آل البيت – قم / الطبعة: 1.
6) بحار الأنوار (للعلامة المجلسي) / المجلد: 52 / الصفحة: 51 / الناشر: مؤسسة الوفاء – بيروت / الطبعة: 2.
7) رجال النجاشي (للنجاشي) / المجلد: 1 / الصفحة: 348 / الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي – قم / الطبعة: 1.










التعلیقات