الإمام المهدي عليه السلام في بيان الإمام الحسن المجتبى عليه السلام
الشيخ مهدي المجاهد
منذ 16 ساعةقراءة موسّعة في صلحٍ حمى الرسالة ومهّد لعقيدة الانتظار
يُعدّ الإمام الحسن المجتبى عليه السلام من أعظم الشخصيات التي واجهت تحدّي الحفاظ على الدين في أحلك الظروف. فهو سبط رسول الله صلى الله عليه وآله ، وريحانته، وأحد سيّدي شباب أهل الجنّة بنصٍّ نبويٍّ متواتر، وإمامٌ مفترض الطاعة بنصّ الإمامة الإلهية حيث جاء في الخبر عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله مخاطباً ابنته سيدة النساء فاطمة الزهراء عليها السلام في حديث طويل : « أَنْتِ سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، وَ ابْنَاكِ حَسَنٌ وَ حُسَيْنٌ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، وَ أَبْنَاءُ بَعْلِكِ أَوْصِيَائِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، كُلُّهُمْ هَادُونَ مَهْدِيُّونَ، وَ أَوَّلُ الْأَوْصِيَاءِ بَعْدِي أَخِي عَلِيٌّ ، ثُمَّ حَسَنٌ ، ثُمَّ حُسَيْنٌ ، ثُمَّ تِسْعَةٌ مِنْ وُلْدِ الْحُسَيْنِ فِي دَرَجَتِي ، وَ لَيْسَ فِي الْجَنَّةِ دَرَجَةٌ أَقْرَبَ إِلَى اللَّهِ مِنْ دَرَجَتِي وَ دَرَجَةِ أَبِي إِبْرَاهِيمَ » (1). وقد تولّى زمام الإمامة في مرحلةٍ مفصلية من تاريخ الإسلام، بعد استشهاد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، حيث كانت الأمة تعيش حالة انقسامٍ حادّ، وتسلّطٍ سياسيٍّ قاسٍ، وانهيارٍ أخلاقيٍّ في مؤسّسات الحكم.
في تلك المرحلة، لم يكن التحدّي الأساس هو الانتصار العسكري، بل حفظ أصل الإسلام من التحريف، وصيانة مدرسة أهل البيت عليهم السلام من الاستئصال. ومن هنا، جاء صلح الإمام الحسن عليه السلام مع معاوية بن أبي سفيان بوصفه قرارًا استراتيجيًا إلهيًا، لا يُقرأ بمعايير السياسة العابرة، بل يُفهم في إطار السنن الربّانية التي تحكم حركة الأنبياء والأوصياء.
لقد تعرّض الإمام الحسن عليه السلام بعد الصلح إلى حملة تشكيكٍ واسعة، حتى من بعض من ادّعوا الولاء له، فكان ذلك مدعاةً لأن يخرج الإمام ببيانٍ عقديٍّ عميق، لا يكتفي بتبرير موقفٍ تاريخيّ، بل يضع هذا الحدث في سياقه الإلهي الصحيح، ويكشف عن امتداده المستقبلي في مشروع الإمامة الإلهية. ففي كلمته الشريفة، أراد الإمام أن يربط الأمة بحقيقةٍ أكبر من ظرفها الآني، وهي أنّ مسار الإمامة واحد، تتنوّع أساليبه بين الصلح والقيام، وبين الظهور والغيبة، وكلّها تصبّ في حفظ الدين وتمهيد دولة العدل الإلهي.
ومن هنا، تكتسب كلمته أهميةً مضاعفة، لأنها لا تفسّر صلحَه عليه السلام فحسب، بل تؤسّس لفهمٍ رصين لعقيدة الغيبة والانتظار، وتربط بين موقع الإمام الحسن عليه السلام في زمن الهدنة، وموقع الإمام المهدي المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف في زمن الغيبة. وهذا المعنى يتجلّى بوضوح فيما رُوي عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: « إِنَّ الْجَنَّةَ تَشْتَاقُ إِلَى أَرْبَعَةٍ مِنْ أَهْلِي قَدْ أَحَبَّهُمُ اللَّهُ وَ أَمَرَنِي بِحُبِّهِمْ : عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، وَ الْحَسَنُ ، وَ الْحُسَيْنُ ، وَ الْمَهْدِيُّ الَّذِي يُصَلِّي خَلْفَهُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ » (2)، فالنصّ النبوي يضع الإمام الحسن عليه السلام في السلسلة نفسها التي تنتهي بالقائم المهدي عليه السلام، ويؤكّد أنّ ما صدر عنه من موقفٍ مصيري إنما كان حلقةً واعية في هذا المشروع الإلهي الممتدّ، الذي يبدأ بحفظ الرسالة بالصبر، وينتهي بإظهارها بالعدل الشامل.
نصّ الحديث الشريف
الحديث المسند الى أبي سعيد عقيصا قال : لما صالح الحسن بن عليّ عليهما السلام معاوية بن أبي سفيان ، دخل عليه الناس فلامه بعضهم على بيعته ، فقال عليه السلام : وَيْحَكُمْ مَا تَدْرُونَ مَا عَمِلْتُ وَ اللَّهِ الَّذِي عَمِلْتُ خَيْرٌ لِشِيعَتِي مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ أَوْ غَرَبَتْ أَ لَا تَعْلَمُونَ أَنَّنِي إِمَامُكُمْ مُفْتَرَضُ الطَّاعَةِ عَلَيْكُمْ وَ أَحَدُ سَيِّدَيْ شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ بِنَصٍّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ص عَلَيَّ ؟
قَالُوا : بَلَى.
قَالَ : أَ مَا عَلِمْتُمْ أَنَّ الْخَضِرَ عليه السلام لَمَّا خَرَقَ السَّفِينَةَ وَ أَقَامَ الْجِدَارَ ، وَ قَتَلَ الْغُلَامَ كَانَ ذَلِكَ سَخَطاً لِمُوسَى بْنِ عِمْرَانَ إِذْ خَفِيَ عَلَيْهِ وَجْهُ الْحِكْمَةِ فِي ذَلِكَ وَ كَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ حِكْمَةً وَ صَوَاباً.
أَ مَا عَلِمْتُمْ أَنَّهُ مَا مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا وَ يَقَعُ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ لِطَاغِيَةِ زَمَانِهِ إِلَّا الْقَائِمُ الَّذِي يُصَلِّي رُوحُ اللَّهِ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ عليه السلام خَلْفَهُ ؟
فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يُخْفِي وِلَادَتَهُ وَ يُغَيِّبُ شَخْصَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِأَحَدٍ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ إِذَا خَرَجَ. ذَلِكَ التَّاسِعُ مِنْ وُلْدِ أَخِي الْحُسَيْنِ ، ابْنِ سَيِّدَةِ الْإِمَاءِ. يُطِيلُ اللَّهُ عُمُرَهُ فِي غَيْبَتِهِ ، ثُمَّ يُظْهِرُهُ بِقُدْرَتِهِ فِي صُورَةِ شَابٍّ دُونَ أَرْبَعِينَ سَنَةً. ذَلِكَ لِيُعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» (3).
أولًا: الصلح في ميزان الإمامة لا السياسة
يفتتح الإمام الحسن عليه السلام خطابه بعبارة شديدة اللهجة: « ويحكم! ما تدرون ما عملت »، ليُنبّه السامعين إلى خطورة الحكم على أفعال الإمام بمعايير سطحية. فالإمام المعصوم لا يتحرّك وفق الانفعال أو ضغط الجماهير، بل وفق علمٍ إلهيٍّ محيط بالمآلات.
وقوله: «خيرٌ لشيعتي ممّا طلعت عليه الشمس أو غربت» يحمل دلالةً عميقة، إذ يكشف أن الصلح كان ضمانة بقاءٍ للخطّ الشيعي، وحمايةً لأتباع أهل البيت عليهم السلام من الإبادة الشاملة التي كانت تلوح في الأفق نتيجة الخيانات الداخلية وضعف الوعي العام.
إنّ الإمام الحسن عليه السلام قدّم مصلحة الدين على مصلحة الحكم، وحفظ الرسالة على حساب السلطة، ليبقى خطّ أهل البيت حيًا، ويستمرّ الامتداد الإمامي عبر الأجيال.
ثانيًا: الإمامة وحجّية القرار الإلهي
يؤكّد الإمام عليه السلام مقامه الشرعي بقوله: «إمامكم مفترض الطاعة». وهذه العبارة ليست مجرّد تذكيرٍ بمكانته، بل تأصيلٌ لمبدأٍ عقديّ، وهو أنّ طاعة الإمام المعصوم واجبة، سواء أدركت العقول تفاصيل حكمته أم جهلتها.
فكما أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم يُطاع في السلم والحرب، كذلك الإمام المعصوم، لأن أفعاله تشريعٌ عملي، ومواقفه بيانٌ إلهيٌّ متحرّك في الواقع.
ثالثًا: الخضر وموسى… سنّة خفاء الحكمة
يضرب الإمام الحسن عليه السلام مثال الخضر وموسى عليهما السلام، وهو مثال قرآنيٌّ بالغ الدقّة. فقد اعترض موسى، وهو نبيٌّ عظيم، على أفعال الخضر، لأن ظاهرها كان مخالفاً للعدل، بينما كانت حقيقتها عين الحكمة الإلهية.
وهنا يعلّمنا الإمام أن الاعتراض على أفعال أولياء الله ناشئ من قصور الرؤية، لا من خلل الفعل. فكما خفيت الحكمة على موسى، خفيت على بعض الناس حكمة صلح الإمام الحسن عليه السلام.
رابعًا: من صلح الحسن إلى غيبة المهدي عليهما السلام
في هذا المقطع، ينتقل الإمام الحسن عليه السلام من الواقع السياسي إلى الأفق العقدي المستقبلي، فيربط بين تجربته وتجربة الإمام المهدي عليه السلام. فيؤكّد أن جميع الأئمّة اضطرّوا للتعامل مع حكّام زمانهم، إلا القائم عجل الله تعالى فرجه الشريف.
إنّ غيبة الإمام المهدي عليه السلام ليست حالة استثنائية بلا جذور، بل هي امتدادٌ لنهجٍ إلهيٍّ في حفظ الحجة من الاضطرار إلى مبايعة الظالمين. ومن هنا، نفهم أنّ الغيبة تمثّل ذروة الحكمة الإلهية، لا غياب القيادة.
خامسًا: ملامح القائم في بيان الإمام الحسن عليه السلام
يقدّم الإمام الحسن عليه السلام توصيفًا دقيقًا للإمام المهدي عليه السلام، فيحدّد نسبه الشريف، وسبب خفاء ولادته، وطول غيبته، وكيفية ظهوره. وكلّ ذلك يهدف إلى ترسيخ اليقين بقدرة الله المطلقة، وإعداد المؤمن نفسيًا وعقائديًا لعصر الظهور.
الخاتمة
إنّ صلح الإمام الحسن المجتبى عليه السلام لم يكن صفحة ألمٍ في تاريخ الإمامة، بل كان جسر عبورٍ نحو المستقبل، وخطوةً محسوبةً بدقّة إلهية لحماية الدين وتمهيد الطريق لقيام دولة العدل الإلهي.
ومن يتأمّل كلمات الإمام الحسن عليه السلام، يدرك أنّ مدرسة أهل البيت عليهم السلام لا تقوم على ردّات الفعل، بل على عمق الرؤية وبعد النظر. فكما صبر الحسن حفظًا للدين، غاب المهدي ليظهر به.
إنّ الانتظار الواعي ليس حالة سكون، بل هو استعدادٌ دائم، وفهمٌ عميق لسنن الله في التاريخ. سلامٌ على الإمام الحسن عليه السلام يوم صالح فحفظ، وسلامٌ على المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف يوم يظهر فيُحيي، والحمد لله ربّ العالمين.
الهوامش
1. كمال الدين و تمام النعمة / الشيخ الصدوق / المجلّد : 1 / الصفحة : 263.
2. كشف اليقين في فضائل أمير المؤمنين عليه السلام / العلامة الحلي / المجلّد : 1 / الصفحة : 328.
3. كمال الدين وتمام النعمة / الشيخ الصدوق / المجلّد : 1 / الصفحة : 316 .







التعلیقات