من هو الصحابي ؟
علینا قبل أن نتکلم عن عدالة الصحابة : أن نبیّن من هو الصحابي کما
عرفوه ، وأوفى تعریف له عند الجمهور ما ذکره البخاري في کتابه (۱) :
« من صحب النبي صلّى الله علیه وسلم ، أو رآه من المسلمین فهو
صحابي ! » (۲) .
وقد شرح ابن حجر العسقلاني تعریف البخاري بقوله :
یعني أنّ اسم صحبة النبي صلّى الله علیه وسلم مستحق لمن صحبه
أقل ما یطلق على اسم صحبة لغة ، وإن کان العرف یخصّ ذلك ببعض
الملازمة ، ویطلق أیضاً على من رآه ولو على بعد .
وهذا الذي ذکره البخاري هو الراجح ، إلّا أنه :
هل یشترط في الرائي بحیث یمیز ما رآه ؟ ، أو یکفي بمجرد حصول
الرؤیة ـ محل نظر ـ .
وعمل من صنّف في الصحابة یدل على الثاني ، فإنّهم ذکروا مثل

__________________________________
١ ـ فتح الباري : ٣ / ۲ .
۲ ـ قال العلامة المقبلي یرد على الذین أثبتوا الصحابة لکل من رأى النبي : أنهم یصطلحون
على شئ في متأخر الأزمان ، ثم یفسّرون الکتاب ، والسنة باصطلاحهم المجرد ، والصحبة لیس
فيها لسان شرعي إنّما هي بحسب اللغة ، وکذلك سائر الألفاظ التي وردت فيها فضائل الصحابة
لکن المحدثین اصطلحوا وقضوا بغیر دلیل على أنّ الصحبة لکل من رآه النّبي ـ أو رأى هو النبي ـ
ولو طفلاً ! بشرط أن یکون محکوماً بإسلامه ، ویشترط أن یموت ولا یرتد . .

محمد بن أبي بکر الصدیق ، وإنّما ولد قبل وفاة النبي بثلاثة أشهر وأیام
کما ثبت في الصحیح أنّ أُمه اسماء بنت عمیس ولدته في حجة الوداع
قبل أن یدخلوا مکّة وذلك في أواخر ذي القعدة سنة ( ٢٠ هـ ) .
وقال علي بن المدیني : من صحب النبي أو رآه ساعة من نهار فهو من
أصحاب النبي . وکأنّهم أیّدوا تعریفهم هذا بما رووه عن النبي من أنّه قال :
« یغزو قوم فيقول :
هل فيکم من رأى رسول الله فيفتح لهم ؟ » .
وقال (۱) في مقدمة « کتاب الإصابة في تمییز الصحابة » :
أصحّ ما وقفت علیه من ذلك ان الصحابي ـ من لقي النبي صلّى الله
علیه وسلّم مؤمناً به ، ومات على الإسلام ، فيدخل فيمن لقیهُ ، ومن
طالت مجالسته له أو قصرت .
ومن روي عنه ، أو لم یرو ، ومن غزا معه ، أو لم یغزُ ، ومن رآه رؤیة ولو
لم یجالسه ، ومن لم یره لعارض کالعمى . . . » (۲) .
أوجب العلماء . . . البحث عن رواة الحدیث ، فجرَّحوا من جرحوا ،
وعدّلوا من عدلوا ، وهم على حق في ذلك ، إذ لا یصح أن یؤخذ قول أيّ
إنسان مهما کان بغیر تمحیص ، وتحقیق ، ونقد ، وعلى أنّهم قد جعلوا
جرح الرواة وتعدیلهم واجباً تطبیقة على کلّ راوٍ ، مهما کان قدره ، فإنّهم
قد وقفوا دون عتبة الصحابة فلم یتجاوزوها ، إذ اعتبروهم جمیعاً عدولاً لا
یجوز علیهم نقد ، ولا یتّجه إلیهم تجریح ، ومن قولهم في ذلك :
« إنّ بساطهم قد طوي » .
ومن العجیب أنّهم یقفون هذا الموقف ، على حین أنّ بعض الصحابة
أنفسهم قد انتقد بعضهم بعضاً ، وکفر بعضهم بعضاً .
قال النووي في التقریب : الصحابة کلّهم عدول ، من لابس الفتنة
___________________________________
۱ ـ أي ابن حجر .
۲ ـ ابن حجر : الإصابة في تمییز الصحابة : ۱ / ۷ ط مصر .

وغیرهم .
وقال الذهبي : في رسالته التي ألّفها ـ في الرواة الثقاة (۱) :
ولو فتحنا هذا الباب ( الجرح والتعدیل ) على نفوسنا لدخل فيه عدّة
من الصحابة والتابعین والأئمة ، فبعض الصحابة کفر بعضهم بعضاً ـ بتأویل
ما ! ! ! » .
والله یرضى عن الکل ویغفر لهم ، فما هم بمعصومین ، وما اختلافهم ،
ومحاربتهم بالتي تلینهم عندنا .
ثم قال : وأما الصحابة رضي الله عنهم فبساطهم مطوي ، وإن جرى ما
جرى ، وإن غلطوا کما غلط غیرهم من الثقاة ! ! فما یکاد یسلم أحد من
الغلط ـ ولکنّه غلط نادر لا یضرّ أبداً ! إذ عدالتهم ، وقبول ما نقلوا ـ العمل
وبه ندین الله تعالى .
وأما التابعون : فيکاد یعدم فيهم من یکذب عمداً ، ولکن لهم غلط ،
وأهام ، فمن ندر غلطة في حدیث ما احتمل ، ومن تعدّد غلطة وکان من
أوعیة العلم اغتفر له أیضاً ونقل حدیثه وعمل به ، علی تردد ، بین الأئمة
الأثبات في الاحتجاج بمن هذا نعته ، وکثر تفرده .
ومن فحش خطؤه لم یحتج بحدیثه .
وأما أصحاب التابعین ـ کمالك ، والأوزاعي ، وهذا الضرب فعلى
المراتب المذکورة .
ووجد في عصرهم من یتعمَّد الکذب ، أو من کثر غلطه فترك حدیثه .
هذا مالك : هو النجم الهادي بین الأمة وما سلم من الکلام فيه ! ولو قال
قائل عند الاحتجاج بمالك ـ فقد تکلم فيه لعذر وأهین ! وکذا :
الأوزاعي ثقة ، حجة ، وربّما انفرد ووهم ، وحدیثه عن الزهري فيه
شئ ! وقد قال فيه أحمد بن حنبل رأي ضعیف ـ

_______________________________
۱ ـ من ص ٣ ـ ٢١ .

وکذا تکلم من لم یفهم في الزهري لکونه خضّب بالسواد ، ولبس لبس
الجند ، وخدم هشام بن عبد الملك ـ وهذا باب واسع .
ومحمد بن إدریس الشافعي : من سارت الرکائب بفضله ، ومعارفه ،
وثقته ، وأمانته فهو حافظ متثبت نادر الغلط ، ولکن قال أبو عمر بن عبد
البر :
روينا عن محمد بن وضّاح قال :
سألت یحیى بن معین عن الشافعي فقال : لیس بثقة .
وکلام ابن معین (۱) في الشافعي إنما کان من فلتات اللسان بالهوى ،
والعصبیِّة (٢) .
فإن ابن معین کان من الحنفية ، وإن کان محدثاً .
وجعفر بن محمد الصادق ، وثقة أبو حاتم ، والنّسائي إلّا أنّ البخاري
لم یحتج به (۳) .
وسعید بن أبي عروبة : ثقة ، إمام ساء حفظاً بآخرته . وحدیثه في
الکتب إلّا أنّه قدري ـ قاله : أحمد بن حنبل .
والولید بن مسلم : عالم أهل دمشق ثقة حافظ لکنّه یدلّس عن
الضعفاء ، وحدیثه في الکتب کلها .
إِنتهى ما نقلناه من هذه الرسالة باختصار .
وقال الآمدي في ( الأحکام ) (٤) :
اتّفق الجمهور من الأئمة على عدالة الصحابة ، وقال قوم إنّ حکمهم
في العدالة حکم من بعدهم في لزوم البحث عن عدالتهم في الروایة .
__________________________________
١ ـ یحیى بن معین من کبار أئمة الجرح والتعدیل الذین جعلوا قولهم في الرّجال حجة
قاطعة .
٢ ـ أنظر کیف تفعل العصبیّة .
۳ ـ وإذا کان البخاري لا یحتج بمثل هذا العلم الشامخ فبمن یحتج ؟ وانظر ما فعل البخاري
بأئمة أهل البیت الذین تجافى الروایة عنهم . ـ الشیخ محمود أبو ریة رحمه الله ـ
٤ ـ الأحکام ٢ / ١٢٨ .

ومنهم من قال :
« إنّهم لم یزالوا عدولاً إلى حین ما وقع الاختلاف ، والفتن فيما بینهم ،
وبعد ذلك فلا بدّ من البحث عن الراوي ، أو الشاهد منهم ، إذا لم یکن
ظاهر العدالة » . ومنهم من قال :
« إنّ کان من قاتل علیّاً ، عالماً منهم ، فهو فاسق ، مردود الروایة ،
والشهادة على الإمام الحق » .
ومنهم من قال : بروایة الکل وشهادتهم لأنّ أحد الفریقین فاسق ، وهو
غیر معلوم ولا معین أهـ (۱) .
وقال الغزالي في ( المستصفى ) :
وزعم قوم : حالهم العدالة في بدایة الأمر إلى ظهور الحرب
والخصومات ، ثم تغیّرت الحال ، وسفکت الدماء ، فلا بد من البحث .
ومما یتکئ علیه من یعتقدون عدالة جمیع الصحابة قولهم :
إنّ رسول الله قال :
أصحابي کالنجوم بأیّهم اقتدیتم اهدیتم ، وفي روایة فأیّهم أخذتم
بقوله . . . ولکن هذا الحدیث باطل لا أصل له (٢) .
تعریف الصحابي ونقطة الخلاف
اختلفت الاقوال في حد الصحبة ومن هو الصحابي فقیل . .
من صحب النبي أو رآه من المسلمین فهو من أَصحابه .
وإِلیه ذهب البخاري في صحیحه ، وسبقه الیه شیخه علي بن المدیني
__________________________________
۱ ـ قال ابن قتیبة في تأویل مختلف الحدیث قالوا : ومن عجیب شأنهم أنّهم ینسبون الى
الشیخ الکذب ، ولا یکتبون عنه ما یوافقه علیه المحدثون بقدح یحیى بن معین وعلي بن المدیني
وأشباههما ، ویحتجون بحدیث أبي هریرة فيما لا یوافقه علیه أحد من الصحابة ، وقد أکذبه عمر ،
وعثمان ، وعائشة ص ۱۰ ـ ۱۱ .
٢ ـ أبو ریّة : أضواء على السنة المحمدیة من ٣٤۱ ـ ٣٤٤ . ط . دار المعارف بمصر .

وقال :
من صحب النبي صلى الله علیه وسلم ، أو رآه ولو ساعه من نهار فهو
من أصحابه .
وهذا التعریف ینطبق على المرتدین في حیاة النبي صلى الله علیه وآله
وسلم وبعده وعلى کل راء له ، وان لم یعقل .
وهذا امر لا یقرَّه العقل والوجدان فإِن الرِّده محبطه للعمل فلا مجال
لبقاء سمة الصحبة وقد ذهب أبو حنیفه إلى الاحباط ونص علیه الشافعي
( الام ) .
وقال الزین العراقي الصحابي : من لقي النبي مسلما ثم مات على
الإِسلام .
وقال سعید بن المسیب : من قام مع النبي سنة کاملة أو غزا معه غزوة
واحدة .
وهذا القول لم یعملوا به لأنه یخرج بعض الصحابة الذین لم تطل
مدتهم مع النبي صلى الله علیه وسلم ولم یغزوا معه .
قال ابن حجر والعمل على غیر هذا القول (۱)
من غرائب کتاب مسلم !
وقال المرحوم الشیخ محمود أبو ریه رحمه الله تحت هذا العنوان
لکي یدرأوا التهم عن بعض الصحابه الذین فتنتهم الدنیا أوردوا حدیثا
یقول :
( أصحابي کالنجوم بإِیهم اقتدیتم اهتدیتم ) .
وهذا الحدیث لا أصل له ولهذا الحدیث قصه جرت بیني وبین
الناصبي (۲) محب الدین الخطیب فانه عندما ظهر کتابي ( الاضوا ) واطلع
__________________________________
۱ ـ المواهب شرح الزرقان ٨ / ٢٦
٢ ـ النواصب قوم یتدینون ببغضة علي علیه السلام . لسان العرب ( ماده نصب ) ( الناصب )

فيه على فصل عدالة الصحابة قابلني غاضبا وقال :
کیف تذکر ذلك بعد ان قال فيهم النبي صلى الله علیه وسلم : ( اصحابي
کالنجوم ـ الحدیث ) .
فقلت له انك قد اوردت هذا الحدیث في تعلیقاتك على کتاب
( المنتقى ) للذهبي ص ۷۱ على انه صحیح وقد طعنوا فيه ومن کبار
الطاعنین ابن تیمیة فاشتد غضبه وقال :
في اي موضع هذا الطعن ؟ فقلت له . في نفس کتابك ( المنتقى ) ! فکاد
یتمیز من الغیظ وقال .
في اي صفحة قلت له في صفحة 551 وفيها یقول ابن تیمیة (
وحدیث اصحابي کالنجوم ) ضعفه ائمة الحدیث فلا حجة فيه ) .
وما کاد یقرا هذا الکلام الذي اثبته هو بنفسه في کتاب حققه ونشره بین
الناس حتى بهت واصفر وجهه وقد قلت له قبل ان اغادر مجلسه .
ان کتاب ( المنتقى ) هذا سیسجل علیك هذا الجهل وهذه الوصمة
الى یوم القیامة ! !
وبمناسبة التشیع لمعاویة (۱) والتقرب الیه بروایة احادیث مکذوبة
على النبي صلى الله علیه وسلم ترفع من شانه نسوق الیك حدیثا رواه
مسلم في صحیحه ! ! معناه :
ان ابا سفيان بن حرب طلب من النبي صلى الله علیه وسلم ان یزوحه
ابنته أم حبیبة وأن یحعل معاویة کاتبا بین یدیه الخ الحدیث وقد ذکر أئمة
الحدیث :


= وهو الذي یتظاهر بعداوة اهل البیت أو لموالیهم لاجل متابعتهم لهم ، وفي القاموس :
النواصب والناصبة واهل النصب المتدینون ببغض علي ( ع ) لأنهم نصبوا له اي عادوه ) مجمع
البحرین ومطلع النیرین للطریحي ٢ / ١٧٣ .
١ ـ ابو ریة : شیخ المضیرة ابو هریرة الدوسي ص ۲۰۰ الطبعة الثالثة لدار المعارف بمصر عام
١٩٦٩ م .

أن هذا الحدیث باطل بالاجماع لان أبا سفيان قد دخل في الاسلام
یوم فتح مکة بالاجماع .
أما ابنته أم حبیبة واسمها : رملة قد اسلمت قبل الهجرة وحسن
اسلامها وکانت ممن هاجر الى الحبشة هربا من أبیها وقد تزوجها رسول
الله وأبوها کافر ولما بلغه هذا الزواج قال کلمته المشهورة :
( ذلك الفحل لا یجدع أنفه ) ص ١٦ من تفسیر سورة الاخلاص لشیخ
الحنابلة ابن تیمیة والذي یلقب عند الجمهور بشیخ الاسلام .
تفاوت الصحابة في صدق الروایة
فبعضهم أصدق من بعض
صدَّق عمر عبد الرحمن بن عوف وقال له :
أنت عندنا العدل الرضا
قال الذهبي في شرح الخبر : فأصحاب رسول الله وان کانوا عدولا
فبعضهم أعدل من بعض فها هنا عمر قنع بخبر عبد الرحمن ، وفي قصة
الإستئذان یقول لابي موسى الاشعري :
إئت بمن یشهد معك (۱)
روایة الصحابة بعضهم عن بعض وروایتهم عن التابعین
لیس کل ما جاء من الأحادیث عن الصحابة مما رووه عن رسول الله
ودوّن في الکتب قد سمعوه کله بآذانهم من النبي صلوات الله علیه مشافهة
ولا اخذوه عنه تلقینا وإنما کان یروى بعضهم عن بعض فمن لم یسمع من
الرسول کان یاخذ ممن سمع منه صلى الله علیه وسلم ، وإِذا رواه غیره لم
یعزه إلى الصحابي الذي تلقاه عنه ـ بل یرفعه إلى النبي بغیر ان یذکر اسم
__________________________________
۱ ـ الذهبی سیر اعلام النبلاء : ١ / ٤٦ راجع ص ٨٥ .

هذا الصحابي ـ ذلك ان مجالس الرسول کانت متعددة وتقع في أزمنة
وأمکنة مختلفة ، ولا یمکن أن یحضر الصحابة جمیعا کل مجلس من
مجالسه فما یحضره منها بعض الصحابة لا یحضره البعض الآخر .
وقد ذکر الآمدي في کتاب « الإحکام في اصول الأحکام » (۱) :
أن ابن عباس لم یسمع من رسول الله سوى أربعة أحادیث لصغر سنه ،
ولما روي عن النبي صلى الله وسلم « إنّما الربا في النسیئة » وأن النبي صلّى
الله علیه وسلم لم یزل یلبي حتى رمى حجر العقبة ، قال في الجزء الأول
لما روجع فيه قال :
أخبرني أسامة بن زید ، وفي الخبر الثاني :
أخبرني الفضل بن العباس . ولما روى أبو هریرة عن النبي صلّى الله
علیه وسلم أنه قال :
من أصبح جنباً في رمضان فلا صوم له ، راجعوه في ذلك فقال :
ما أنا قلته وربّ الکعبة ولکن محمداً قاله ! ثم عاد فقال :
حدثني به الفضل بن العباس (٢) :
وروي عن البراء بن عازب قال :
« ما کل ما نحدثکم به سمعناه من رسول الله صلّى الله علیه وسلم !
ولکن سمعنا بعضه ، وحدثنا أصحابنا ببعضه » .
وأما التابعون : فقد کان من عادتهم إرسال الأخبار ، ویدل على ذلك
ما روي عن الأعمش أنّه قال :

_____________________________________
۱ ـ ص ۱۷۸ ـ ۱۸۰ ج ۲ . وقال ابن القیم في ( الوابل الصهیب ) : إن ما سمعه ابن عباس عن
النبي صلّى الله علیه وسلم لم یبلغ العشرین حدیثاً . وعن ابن معین ، والقطان ، وأبي داود ، وفي
السنن ، أنّه روی تسعة أحادیث ، وذلك لصغر سنه ، ومع ذلك فقد أسند له أحمد في مسنده ١٦٩٦
حدیثاً .
۲ ـ قال المرحوم الشیخ محمود أبو ریة : لهذا الحدیث قصة شائقة تقرؤها في تاریخ أبي
هریرة الذي طبعناه باسم ( شیخ المضیرة ) مرتین .

قلت لإبراهیم النخعي : إذا حدثتني فأسند (۱) . فقال :
إذا قلت لك : حدثني عبد الله ، فقال حدثني جماعة عنه ،
وقد قال الآمدي بعد ذلك ، ولم یزل ذلك مشهوراً فيما بین الصحابة
والتابعین من غیر نکیر فکان إجماعاً (٢) اهـ
وکما کان الصحابة یروي بعضهم عن بعض فإنّهم کذلك کانوا یروون
عن التابعین وهذا أمر نص علیه علماء الحدیث في کتبهم فارجع إلیه إن
شئت .
وفي کلام ابن الصلاح وغیره في باب « روایة الأکابر عن الأصاغر »
أن إبن عباس ، والعبادلة الثلاثة ، وأبا هریرة وغیرهم قد رووا عن کعب
الأحبار الیهودي الذي أسلم خداعاً في عهد عمر وعدّوه من کبار التابعین
ثم سوّده بعد ذلك على المسلمین . وهاك ما قاله السیوطي في ألفيّته (۳) :
وقد روي الكبار عن صغار
في السنّ أو في العلم والمقدار

ومنه أخذ الصحب عن أتباع
وتابع عن تابع الأتباع

كالحبر عن كعب وكالزهري
عن مالك ويحيى الأنصاري

وقال شارح الألفيّة الشيخ أحمد محمد شاكر رحمه الله :
ومن هذا النوع روایة الصحابة عن التابعین کروایة الحبر عبد الله بن
عباس وسائر العبادلة ، وأبي هریرة ، ومعاویة وأنس وغیرهم عن کعب
الأحبار !
على أن الصحابة في روایتهم عن إخوانهم ، أو عن التابعین لم یکونوا
ـ کما رأینا ـ یذکرون أن أحادیثهم قد جاءت من سبیل الروایة عن غیرهم ،

___________________________________
١ ـ الحدیث المسند ما اتصل سنده إلى منتهاه ، وکان التابعون یتبعون في ذلك سبیل الصحابة
فيما یروون من الأحادیث التي یسمعوها من النبي ، وإنّما تلقوها من إخوانهم ، فإنهم کانوا
لا یذکرون أسماء من تلقوا عنهم .
۲ ـ ص ۱۷۸ ـ ۱۸۰ ج ۲ .
٣ ـ الشیخ محمد أحمد شاکر : شرح الفية السیوطي ص ٢٣٧ .

بل یروون في المناسبات التي تستدعي ذکر الحدیث مهما طال الزمن من
غیر عزو إلى من سمعوا منه ثقة بهم ، ویرفعونها إلى النبي ، وظلوا على
ذلك إلى أن وقعت الفتنة ، ومن ثم قالوا : سمُّوا لنا رجالکم !
قال ابن سیرین : لم یکونوا یسألون عن الإسناد ، فلما وقعت الفتنة
قالوا : سمُّوا لنا رجالکم .
وأخرج مسلم عنه : لقد أتى على الناس زمان وما یسأل عن إسناد
حدیث ، فلما وقعت الفتنة سئل عن إسناد الحدیث . .
في سنن الترمذي عنه :
کانوا في الزمن الأول لا یسألون عن الإسناد ! فلمّا وقعت الفتنة ، سألوا
عن الإسناد ، إنّ الرجل لیحدثني فما اتّهمه ، ولکن أتَّهم من هو فوقه .
وقد روي التابعون عن « تابعي التابعین » . ومن روایة التابعین عن تابعي
. . روایة الزهري ، ویحیى بن سعید الأنصاري عن مالك وهو تلمیذها .
ومن الطریف للفطن کما کما قال السیوطي في ألفيّته :
أن یروي الصحابي عن تابعي ، عن صحابي آخر حدیثاً ، ومن ذلك
حدیث السائب بن یزید الصحابي عن عبد الرحمن بن عبد القاري التابعي
عن عمر بن الخطاب عن النبي صلّى الله علیه وسلم :
« من نام عن حزبه ، أو عن شئ منه ، فقرأه فيما بین الصلاتین الفجر
وصلاة الظهر ، کتب له کأنّما قرأه في اللیل »
رواه مسلم في کتابه . ومن ذلك حدیث :
« لا یستوي القاعدون » .
وقد جمع الحافظ العراقي من ذلك عشرین حدیثاً .

مقتبس من كتاب المنتقى / الصفحة : 37 ـ 47

التعليقات

Profile of User
Loading...

محتوى ذو صلة