« الصدّيق » و « الفاروق » في ميزان الحقيقة
شاعت في الوعي العام عند كثير من المسلمين نسبة لقب « الصدّيق » لأبي بكر و « الفاروق » لعمر بن الخطاب ، حتى أصبحت تُعدّ من المسلّمات التاريخيّة. ومع أنّ هذه الألقاب يُتعامل معها كحقائق قطعيّة ، فإن مراجعة المصادر المعتبرة عند أهل السنّة تكشف أنّ الأمر ليس بتلك البساطة.
بل نجد في بعض هذه الكتب إشارات صريحة إلى أنّ هذه الألقاب لم تخرج من فم النبي الأكرم صلّى الله عليه وآله ، بل ورد أنّ بعضها جاء من أهل الكتاب أو أُضيف لاحقاً. وفي المقابل توجد روايات صحيحة معتمدة في نفس تلك المصادر تنصّ بوضوح على أنّ النبي صلّى الله عليه وآله هو من أطلق لقبَي « الصدّيق الأكبر » و « الفاروق » على أمير المؤمنين عليه السلام.
انطلاقاً من هذا ندعو القارئ الكريم إلى النظر في هذه الشواهد بنَفَس علمي وموضوعي ، بعيداً عن الموروثات غير المدروسة ، ليتبيّن له من خلال مصادر موثوقة أنّ الألقاب التي حملها الإمام علي عليه السلام لم تكن اجتهاداً من أحد ، بل كانت شهادة نبويّة موثقة من كتب الفريقين.
اعطاء لقب « الصدّيق » و « الفاروق » لعلي عليه السلام من قبل النبي صلّى الله عليه وآله
حيث قال النبي الأكرم صلّى الله عليه وآله :
ألا إن هذا أَول من آمن بي ، وهذا أول من يصافحني يوم القيامة ، وهذا الصديق الأكبر ، وهذا فاروق هذه الأمة ، يفرق بين الحق والباطل ، وهذا يعسوب الدين ، والمال يعسوب الظالمين. (1) قاله لعلي عليه السلام .
وقد أطلق النبي الأكرم صلّى الله عليه وآله هذين اللقبين على الإمام علي عليه السلام ، ونقلتها كتب التاريخ والسير بألفاظ متقاربة ، ممّا يؤكّد ثبوت هذه التسمية في مصادر معتبرة : أنظر « مجمع الزوائد ومنبع الفوائد » للهيثمي (2) ، « شرف المصطفى » للخركوشي (3) ، « تاريخ مدينة دمشق » لابن عساكر (4) ، « المعجم الكبير » للطبراني (5) ، « الكامل » للجرجاني (6).
وأيضاً ورد في كتاب كنز العمال عن النبي الأكرم صلّى الله عليه وآله أنه قال :
الصديقون ثلاثة : حبيب النجار مؤمن آل ياسين الذي قال : يا قوم اتبعوا المرسلين ، وحزبيل مؤمن آل فرعون الذي قال : أتقتلون رجلاً أن يقول ربّي الله ، وعلي بن أبي طالب وهو أفضلهم.
هذا الحديث يضع الإمام علي عليه السلام في مرتبة واحدة مع رمزين من رموز الإيمان في الأمم السابقة ، بل يصرّح بأنّه أفضلهم ، ممّا يكشف عن مقامٍ إيماني وروحي لا يُدانيه أحد من الصحابة ، ويمنحه بجدارة لقب الصدّيق الأكبر.
ورد في كتب أهل السنّة أنّ هذين اللقبين لأبي بكر وعمر من الموضوعات
وقد أورد ابن الجوزي في كتابه « الموضوعات » :
أنبأنا عبدالرحمن بن محمد قال أنبأنا أحمد بن عليّ بن ثابت قال أخبرني أحمد بن عمر بن علي القاضي قال أنبأنا أحمد بن علي بن محمد بن الجهم قال حدثنا محمد بن جرير الطبري قال حدثني عمر بن إسماعيل بن مجالد قال حدثنا ابن فضيل عن ابن جريج عن عطاء عن أبي الدرداء عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال : « رأيت ليلة أسرى بي في العرش فرندة خضراء فيها مكتوب بنور أبيض : لا إله إلا الله محمد رسول الله أبوبكر الصديق عمر الفارق.
هذا ـ حديح ـ [ حديث ] لا يصح ، والمتهم به عمر بن إسماعيل قال يحيى : ليس بشيء كذاب دجال سوء خبيث وقال النسائي والدارقطني : متروك الحديث. (8)
وقد أشارت كتب أخرى أيضاً إلى ضعف هذا الحديث : « المجروحين » لابن حبان (9) ، « كنز العمال » للمتقي الهندي (10) ، « ميزان الاعتدال » للذهبي (11) ، « لسان الميزان » لابن حجر (12) و « البداية والنهاية » لابن كثير (13).
معنى الصدّيق
والصِّدِّيقُ : مَنْ كَثُرَ منهُ الصِّدْقُ ، وَقيلَ : بَلْ يُقَالُ لِمَنْ لا يَكْذِبُ قَطّ ، وقيلَ : بَلْ لِمَنْ لا يَتَأَتّى منهُ الكَذِبُ لتَعَوُّدِهِ الصِّدْقَ ، وقيلَ : بَلْ لِمَنْ صَدَقَ بِقَوْلِه وَاعْتقادِه وَحقَّقَ صِدْقَهُ بِفعْلِهِ ، قال : ( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا ) [ مريم / 41 ] ، وقال : ( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا ) [ مريم / 56 ] ، وقال : ( وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ) [ المائدة / 75 ] ، وقال : ( فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ ) [ النساء / 69 ] ، فَالصِّدِّيقُونَ هُمْ قوْمٌ دُوَيْنَ الأنْبِيَاء في الْفَضيلةِ. (14)
من هو الأحق بلقب « الصدّيق » ؟
عند التأمل في معنى لقب « الصدّيق » كما ورد في القرآن واللغة ، يتبيّن أنه يُطلق على من بلغ غاية الصدق في القول ، والاعتقاد ، والعمل ، حتى صار الكذب لا يتأتّى منه لطول ملازمته للصدق. وقد عدّ القرآن هذا اللقب مرتبة عظيمة تلي النبوة ، كما في قوله تعالى : ( فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ ) (15).
وبالنظر إلى سيرة الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام ، نجد أنّه أوّل من آمن ، ولم يعبد صنماً قطّ ، وكان صادقاً في دعوته ، ثابتاً في موقفه ، حتّى لُقّب من النبي صلّى الله عليه وآله بـ « الصدّيق الأكبر » ، وقال : « لَا يَقُولُهَا بَعْدِي إلَّا كَذَّابٌ » (16) ، في حديث صحيح الإسناد. بينما تُنسب هذه الكنية لأبي بكر دون سند نبوي ثابت ، بل وقد طُعن في بعض الروايات التي نسبت إليه هذا اللقب.
وعليه ، فإن المنصف يجد أنّ الإمام عليّاً عليه السلام أحقّ بهذا اللقب ، لمطابقته التامّة لمعناه ولثبوت نسبته إليه من قِبل رسول الله صلّى الله عليه وآله.
من ادّعى انّه صدّيق كان كاذباً
يقول ابن ماجه في سننه ، وهو من كتب الصحاح الستة لأهل السنّة ، بإسناد صحيح :
حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الرَّازِيُّ. ثنا عُبَيْدُاللهِ بْنُ مُوسى. أَنْبَأَنَا الْعَلَاءِ ابْنُ صَالِح ، عَنِ الْمِنْهَالِ ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِاللهِ ؛ قَالَ : قَالَ عَلِيٌّ : أَنَا عَبْدُاللهِ ، وَأَخُو رَسُولِهِ صلّى الله عليه ـ وآله ـ وسلّم. وَأَنَا الصِّدِّيقُ الْأَكْبَرُ. لَا يَقُولُهَا بَعْدِي إِلَّا كّذَّابٌ. صَلَّيْتُ قَبْلَ النَّاسِ لِسَبْع سِنِينَ.
في الزوائد هذا الإسناد صحيح. رجاله ثقات. رواه الحاكم في المستدرك عن المنهال.
وقال صحيح على شرط الشيخين. (17)
عبدالله الأسدي عن علي رضي الله عنه قال : اني عبدالله واخو رسوله وانا الصديق الأكبر لا يقولها بعدي الا كاذب صليت قبل الناس بسبع سنين قبل ان يعبده احد من هذه الامة. (18)
وانظر البداية والنهاية لابن كثير (19) ، وتاريخ الطبري (20) ، والكامل لابن الأثير (21) ، وفرائد السمطين للحمويني (22) ، ...
أهل الكتاب هم أوّل من أطلق على عمر لقب « الفاروق »
قال ابن شهاب : بلغنا أنّ أهل الكتاب كانوا أوّل من قال لعمر الفاروق ، وكان المسلمون يأثرون ذلك من قولهم ولم يبلغنا أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، ذكر من ذلك شيئاً ، ولم يبلغنا أنّ ابن عمر قال ذلك إلا لعمر كان فيما يذكر من مناقب عمر الصالحة ويثني عليه ، قال : وقد بلغنا أنّ عبدالله بن عمر كان يقول : قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، « اللّهمّ أيِّد دينك بعمر بن الخطّاب ». (23)
الخاتمة : الحقيقة لا تموت
إن ما طُرح هنا ليس لإثارة الفتنة ، بل لكشف التزوير الذي تراكم عبر القرون ليصنع « حقائق بديلة » ، تسلب من علي بن أبي طالب عليه السلام ألقاباً نطق بها رسول الله صلّى الله عليه وآله ، وشهدت بها كتب القوم قبل كتبنا.
ألقاب « الصديق الأكبر » و « الفاروق » ليست مجرّد كلمات تُزيّن بها الأسماء ، بل هي شواهد على مقامٍ ربّاني ، وتأييدٍ نبوي ، وميزانٍ بين من عاش الحقّ ومن تلبّس به ظاهراً.
فلئن أخفوا النصوص ، أو حرّفوا نسب الألقاب ، فإن الكتب باقية ، والحقيقة لا تموت ، وإنّما تتوارى خلف ستار السياسة ، حتّى يرفع الله عنها الغبار بيد صاحب العصر والزمان عليه السلام ، فيُظهر الحقّ ، ويبيّن مظلوميّة أهل البيت عليهم السلام ، وخاصّة الإمام علي عليه السلام ، فتنكشف الفضائل ، وتُعرف المقامات ، ويَراها من طلب الحقّ بعين البصيرة لا بعين الهوى.
الهوامش
1. « كنز الفوائد » لأبي الفتح الكراجكي / المجلّد : 1 / الصفحة : 264 / الناشر : دار الذخائر / الطبعة : 15.
2. « مجمع الزوائد » للهيثمي / المجلّد : 9 / الصفحة : 102 / الناشر : دار الكتب العلميّة.
3. « مناحل الشفا ومناهل الصفا بتحيق كتاب شرف المصطفى (ص) » للخركوشي / المجلّد : 5 / الصفحة : 515 / الناشر : دار البشائر الإسلامية / الطبعة : 1.
4. « تاريخ مدينة دمشق » لابن عساكر / المجلّد : 42 / الصفحة : 41 / الناشر : دار الفكر.
5. « معجم الكبير » للطبراني / المجلّد : 6 / الصفحة : 269 / الناشر : دار إحياء التراث العربي / الطبعة : 2.
6. «الكامل » لعبدالله بن عدي الجرجاني / المجلّد : 4 / الصفحة : 229 / الناشر : دار الفكر / الطبعة : 3.
7. « معرفة الصحابة » لأبي نعيم الأصبهاني / المجلّد : 4 / الصفحة : 421 / الناشر : دار الكتب العلميّة / الطبعة : 1.
8. « الموضوعات » لابن الجوزي / المجلّد : 1 / الصفحة : 327 / الناشر : المكتبة السلفية / الطبعة : 1.
9. « المجروحين » لابن حبان / المجلّد : 2 / الصفحة : 116 / الناشر : دار الوعي.
10. « كنز العمال » للمتقي الهندي / المجلّد : 13 / الصفحة : 236 / الناشر : مؤسسة الرسالة.
11. « ميزان الاعتدال » للذهبي / المجلّد : 1 / الصفحة : 540 / الناشر : دار المعرفة / الطبعة : 1.
12. « لسان الميزان » لابن حجر العسقلاني / المجلّد : 2/ الصفحة : 295 / الناشر : مؤسسة الأعلمي / الطبعة : 2.
13. « البداية والنهاية » لابن كثير / المجلّد : 7 / الصفحة : 230 ـ 231 / الناشر : دار إحياء التراث العربي / الطبعة : 1.
14. « مفردات ألفاظ القرآن » للراغب الأصفهاني / الصفحة : 479 / الناشر : طليعة النور / الطبعة : 2.
15. النساء : 69.
16. « سنن ابن ماجة » لمحمد بن يزيد القزويني / المجلّد : 1 / الصفحة : 44 / الناشر : دار الفكر.
17. « سنن ابن ماجة » لمحمد بن يزيد القزويني / المجلّد : 1 / الصفحة : 44 / الناشر : دار الفكر.
18. « المستدرك » للحاكم النيسابوري / المجلّد : 3 / الصفحة : 112 / الناشر : دار الكتب الإسلاميّة / الطبعة : 5.
19. « البداية والنهاية » لابن كثير / المجلّد : 1 / الصفحة : 262 / الناشر : دار إحياء التراث العربي / الطبعة : 1.
20. « تاريخ الطبري » لمحمد بن جرير الطبري / المجلّد : 2 / الصفحة : 56 / الناشر : مؤسسة الأعلمي.
21. « الكامل في التاريخ » لابن الأثير / المجلّد : 2 / الصفحة : 57 / الناشر : دار الصادر.
22. « فرائد السمطين » لابراهيم بن سعدالدين الشافعي / المجلّد : 1 الصفحة : 248 / الناشر : مؤسسة المحمود ـ بيروت / الطبعة : 1.
23. « الطبقات الكبرى » لابن سعد / المجلّد : 3 / الصفحة : 205 / الناشر : دار الكتب العلميّة.
