تنزيه الله تعالى عن الجسميّة والجهة والحلول والاتّحاد
اتّفقت كلمة أهل التنزيه، استناداً إلى الأدلّة العقليّة والنقليّة، على أنّ الله سبحانه كامل الغنى، غنيّ بالذات، وأنّ سائر الموجودات محتاجة إليه. فواجب الوجود لا يكون فقيراً ولا محتاجاً، لأنّ الحاجة من لوازم الإمكان، والممكن لا يكون إلهاً خالقاً مدبّراً تنتهي إليه سلسلة الموجودات.
قال سبحانه: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ﴾.
إنّ توقيفيّة أسماء الله وصفاته تعني أنّه لا يجوز إطلاق اسم أو وصف عليه إلّا بما ورد في الكتاب والسنّة، ولا تعني التوقّف عن تنزيهه عن النقائص والصفات التي تختصّ بالمخلوقات؛ فإنّ ذلك يؤدّي إلى تعطيل باب المعرفة. ومن هنا، يجب نفي كلّ صفة تستلزم الحاجة أو تنافي وجوب الوجود، ومن أبرزها الجسميّة والكون في جهة أو محلّ، والحلول والاتّحاد.
أوّلاً: استحالة الجسميّة على الله تعالى
الجسم هو ما يشتمل على الأبعاد الثلاثة: الطول والعرض والعمق، وقيل بإضافة البعد الزماني إليها. والجسميّة تستلزم التركيب، والمركّب محتاج إلى أجزائه، وكلّ محتاج ممكن الوجود، لا واجبه.
كما أنّ الجسم يحتاج إلى حيّز ومحلّ، والمحتاج إلى غيره لا يكون واجب الوجود. ولو كان الحيّز واجباً للزم تعدّد واجب الوجود، ولو كان ممكناً ومخلوقاً لله، لكان الله موجوداً قبل إيجاده ومستغنياً عنه؛ فكيف يحتاج إليه بعد خلقه؟
وبذلك يتبيّن أنّ الله سبحانه منزّه عن الجسميّة وعن الوجود في جهة أو محلّ؛ لأنّ ذلك كلّه يستلزم الحاجة، وهي منافية لغناه الذاتي.
ثانياً: امتناع الحلول والاتّحاد في حقّ الله تعالى
الحلول هو قيام موجود بموجود آخر على سبيل التبعيّة، وهذا لا يصحّ في حقّ الله تعالى؛ لأنّه يستلزم قيامه بغيره واحتياجه إليه. وذلك الغير إمّا ممكن مخلوق له سبحانه، فيلزم أن يكون قد خلقه وهو مستقلّ عنه، ثمّ صار قائماً به، وإمّا واجب الوجود، فيلزم تعدّد الواجب، وهو محال.
وأمّا الاتّحاد، فهو صيرورة شيئين متغايرين شيئاً واحداً، وهو مستحيل في حقّه تعالى؛ لأنّ غيره ممكن الوجود. فإذا فُرض الاتّحاد، فإمّا أن يبقى الاثنان موجودين، فلا يتحقّق الاتّحاد، أو يبقى أحدهما دون الآخر، فإن كان الباقي هو الممكن لزم عدم تحقّق الاتّحاد، وإن كان هو الممكن المعدوم هو الواجب، لزم انعدام واجب الوجود، وهو محال.
وعليه، فإنّ القول باتّحاد الله تعالى بالمخلوقات، سواء أكان ذلك بالأنبياء والصالحين أم بغيرهم، ينافي التوحيد والتنزيه؛ لأنّ الله سبحانه منزّه عن كلّ ما يستلزم تشبيهه بمخلوقاته أو حاجته إليها.
ثالثاً: الأدلّة القرآنيّة على تنزيه الله تعالى عن الجسميّة والجهة
وإن لم يرد التصريح بلفظ « ليس بجسم » في القرآن الكريم، فإنّ التدبّر في آياته يقود إلى تنزيه الله تعالى عن الجسميّة والجهة والمحلّ، كما أمر سبحانه بالتدبّر في كتابه العزيز.
أ. المعية الإلهيّة وإحاطة الله تعالى بالمخلوقات
قال سبحانه: ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾.
تدلّ الآية على أنّ الله تعالى معنا أينما كنّا، وأنّ وجوده لا يختصّ بمكان دون مكان. وهذا لا ينسجم مع الجسميّة؛ لأنّ الجسم إذا شغل مكاناً لم يشغل مكاناً آخر في الوقت نفسه.
ولا يصحّ حصر هذه المعية في إحاطة العلم وحدها، لأنّ الآية نفسها قد ذكرت علمه بما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها. بل المراد، وفق استدلال المؤلّف، إحاطة وجوده بالمخلوقات، لا إحاطة الحلول، وإنّما إحاطة القيوميّة؛ فالأشياء قائمة به سبحانه، وهو غنيّ عنها، ولا يغيب عنها غيبة الأجسام بعضها عن بعض.
وقال تعالى: ﴿ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَىٰ مِنْ ذَٰلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ﴾.
تؤكّد الآية معيته تعالى للموجودات وإحاطته بها، مع تنزّهه عن الحلول في الأمكنة والأجسام؛ إذ لو كان جسماً محصوراً في مكان، لما أمكن أن يكون مع الجميع في كلّ مكان.
ب. دلالة آية الوجه على نفي التحيّز المكانيّ
قال سبحانه: ﴿ وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾.
تدلّ الآية على أنّ وجود الله تعالى لا يختصّ بجهة أو مكان. والمراد من « وجه الله » هو ذاته سبحانه، لا عضو مخصوص؛ ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ﴾، وقوله: ﴿ وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾. فالمراد في الآيتين بقاء ذاته سبحانه، وتنزّهه عن الفناء، لا بقاء عضو من الأعضاء.
ومن ثمّ، لا يصحّ الجمع بين دلالة هذه الآيات وبين القول بأنّ الله تعالى جسم محدّد في جهة خاصّة، أو أنّه متمكّن فوق العرش أو جالس عليه.
ج. نفي التشبيه والتجسيم في ضوء القرآن الكريم
قال سبحانه: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾.
تنفي الآية كلّ تشبيه بين الخالق والمخلوق، والقول بأنّ الله جسم ذو جهة ومحلّ يستلزم تشبيهه بالمخلوقات؛ لأنّ الأجسام محدودة ومحتاجة إلى الحيّز، والله سبحانه منزّه عن ذلك.
وقد يُستدلّ بقوله تعالى: ﴿ أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ ﴾ على وجود الله في جهة السماء، لكنّ سياق الآيات يتحدّث عن نعم الله على أهل الأرض وتحذيرهم من الغفلة والعصيان، وبيان قدرته على إنزال العذاب بهم.
كما يحتمل التعبير بـ « مَنْ فِي السَّمَاءِ » الإشارة إلى سلطانه وقدرته وأوامره النازلة منها، أو أن يكون جارياً على وفق ما يعتقده المخاطبون، أو أن يراد به الملائكة الموكّلون بالعذاب. وبذلك لا تنهض الآية دليلاً على جسميّة الله أو اختصاصه بجهة.
ويؤكّد ذلك قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَٰهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَٰهٌ ﴾، الدالّ على أنّه سبحانه إله السماء والأرض، لا أنّه جسم مستقرّ في مكان دون آخر.
رابعاً: شواهد من كلام أمير المؤمنين عليه السلام على نفي التجسيم
اشتهر أمير المؤمنين عليّ عليه السلام وسائر أئمّة أهل البيت عليهم السلام بالتنزيه الكامل لله تعالى عن التشبيه والتجسيم، وقد نقلت المصادر كلمات وخطباً كثيرة لهم في هذا المجال.
روى المبرّد أنّ رجلاً سأل أمير المؤمنين عليه السلام: أين كان ربّنا قبل أن يخلق السماوات والأرض؟ فقال: « أين، سؤال عن مكان، وكان الله ولا مكان ».
ونقل البغدادي عنه عليه السلام: « إنّ الله تعالى خلق العرش إظهاراً لقدرته، لا مكاناً لذاته »، كما نقل قوله: « قد كان ولا مكان وهو الآن على ما كان ».
وقال عليه السلام في وصف معيته تعالى للمخلوقات: « إنّ الله ليس بينه وبين خلقه حجاب لأنّه معهم أينما كانوا ».
وقال في نفي تحديد الله تعالى والإحاطة به: « ومن أشار إليه فقد حدّه، ومن حدّه فقد عدّه، ومن قال: فيم؟ فقد ضمّنه، ومن قال: علام؟ فقد أخلى منه. كائن لا عن حدث، موجود لا عن عدم، مع كلّ شيء لا بمقارنة، وغير كلّ شيء لا بمزايلة ».
وقال عليه السلام أيضاً: « ما وحّده من كيّفه، ولا حقيقته أصاب من مثّله، ولا إيّاه عنى من شبّهه، ولا حمده من أشار إليه وتوهّمه ».
وتكشف هذه النصوص عن أنّ التوحيد الحقّ يقتضي نفي الكيفيّة والتشبيه والتحديد المكاني عن الله سبحانه، مع الإيمان بإحاطته بكلّ شيء وقيوميّته عليه.
خلاصة البحث في تنزيه الله تعالى عن صفات المخلوقين
إنّ تنزيه الله تعالى عن الجسميّة والجهة والمحلّ والحلول والاتّحاد قائم على غناه الذاتي ووجوب وجوده؛ فكلّ ما يستلزم التركيب أو الحاجة أو التقيّد بالمكان ينافي كماله سبحانه. وتدلّ آيات القرآن الكريم، من خلال التدبّر في معانيها، على إحاطته بالمخلوقات ومعيّته لها من دون حلول أو اتّحاد، كما تؤكّد كلمات أمير المؤمنين وأئمّة أهل البيت عليهم السلام رفض التجسيم والتشبيه، وأنّ الله تعالى كان ولا مكان، وهو منزّه عن صفات المخلوقين.


