علم الله بأفعال العباد وعواقبهم ، أليس هذا يتنافى والعدل الإلهي
السؤال : من المسلمات أنّ الله ـ جل اسمه ـ عالم بما كان وما سيكون قبل أن يكون ، وأنّ كل شيء في كتاب محفوظ ، سؤالي حول أهل النار الذين كان الله يعلم بدخولهم فيها ، ويعلم السبب الذي أوجب دخولهم ، وأهل الجنة الذين أوجب الله لهم دخولها ؛ إذ قيض الله للفريقين أسباب اختيار الأعمال الموجبة للنتيجة المعروفة سلفا من قبل الله تعالى . أين العدل الإلهي إذا دخل هؤلاء النار ، وأولئك الجنة ، مع العلم المسبق من قبل الله تعالى حيث أراد الله لهم ذلك بدليل عالميته ( بكسر اللام ) لكل شيء ، ولم يطرأ عليه علم بأفعال الناس ليحاسبهم على ما كتب هو ، وعلم هو ـ جل جلاله ـ مسبقا ؟
الجواب : من سماحة الشيخ باقر الإيرواني
من المسلّم انّ الله سبحانه يعلم بأفعال العباد قبل صدورها منهم ، ولكن هو يعلم بصدورها منهم عن اختيارهم ، فهو يعلم أنّ هذا يسرق باختياره ، وذاك يشرب الخمر باختياره ، ولازم هذا أنّ كل ما يصدر من العباد يكون صادراً منهم عن اختيارهم ؛ إذ لو صدر منهم بغير اختيارهم ، لزم آنذاك تخلّف علمه سبحانه عن معلومه ، فالتخلّف إذن يلزم في فرض الصدور بغير اختيار ، وأمّا مع الصدور بالاختيار ، فلا يلزم محذور التخلّف بل ذلك عين التطابق بين العلم والمعلوم ، ومنشأ الإشكال تصوّرأنّ علمه سبحانه متعلق بأفعال العباد من دون تقييد بالصدور بالاختيار ، أمّا مع أخذ التقييد المذكور بعين الاعتبار ، فلا إشكال .
الإشكال الأول: لمّا كان الله تعالى يعلم ما كان وما سيكون, فهو يعلم أن الكفار لن يدخلوا الجنة بل سيختارون الكفر فيدخلون النار, فكيف يرزقهم ما قد يهديهم للحق كأن يبعث أنبياءً وينزل الكتب؟ هل يليق بالحكيم أن يعمل عملاً يريد به شيئاً مع علمه أن هذا العمل لن يجلب هذا الشيء ولن يحققه وأنه محض عبث فلن يغير ما قد علمه الله من كفرهم وجحودهم ورفضهم للإيمان؟
الإشكال الثاني: ألا تتنافى حرية اختيارالعباد مع علم الله الأزلي؟ نعم صحيح العباد اختاروا أن يفعلوا كذا وكذا ولكن هل كانت لهم الحرية في اختياره؟ فلنفرض مثلاً أنّ الله تعالى يعلم منذ القدم أني في الساعة التاسعة من هذا اليوم سوف أرتكب ممعصيةً ما والعياذ بالله كالقتل -نسأل الله السلامة-, أليس في ذلك حتمية إذ أنّي مهما شئت ومهما فعلت لن أستطيع أن أخالف ما هو في علم الله القديم فيتحتم علي أن أرتكب هذا الفعل, وهنا أنا لا أقول بالجبرية أن الله أو علمه أجبرنا على الفعل الفلاني لكن أقول بالحتمية أي أننا يتحتم علينا شئنا أم أبينا أن نفعل ونختار ماقد علم الله منذ القدم أننا سنختاره ونفعله, فسؤالي هو كيف يكون التوفيق بين حرية الاختيار والإرادة وبين الحتمية؟ وجزاكم الله تعالى خير الجزاء ونسأل الله الثواب لكم ولنا
بقوله تعالى : ( وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَىٰ ) [ طه : ١٣٤ ].
وبقوله تعالى : ( لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّـهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ) [ النساء : ١٦٥ ].
وبقوله تعالى : ( قُلْ فَلِلَّـهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ) [ الأنعام : ١٤٩ ].
فالله تعالى أرسل الرسل وأنزل الكتب ليكون ذلك هداية للمؤمنين وإتمام الحجّة على الكافرين ، فلو لم يرسل رسولاً أو لم ينزل كتاباً ، ثمّ اختار الكافر الكفر وأراد الله تعالى ان يعذّبه ، لاعتذر عن كفره بأنّك لم ترسل رسولاً يهدينا ، فلعلّه لو كان يأتينا الرسول كنّا نؤمن ولم نقع في العذاب.
الجواب ٢ : ذكرنا مراراً ان علم الله تعالى ليس علّة لوجود ما يعلمه من الموجودات والمخلوقات وأفعال العباد ، وانّما العلّة هي الأسباب التكوينيّة او اختيار الانسان وارادته للفعل الذي يقوم به ، فقد شاء الله تعالى بحسب حكمته ان يكون الانسان مختاراً في أفعاله يأتي بها عن ارادته واختياره ، ولا يكون مجبراً على أعماله من قبل الله تعالى ، وذلك لأنّ الوصول الى الكمال والفضيلة والسعادة الأبديّة والمراتب العالية انّما يكون بالأفعال الاختياريّة ، فاذا كان الإنسان المؤمن مثلاً مجبراً ومسيراً في العبادة ، والاتيان بالأعمال الصالحة لا يستحقّ المدح والثناء والثواب والأجر ، ولا يرقى الى درجات الكمال ، ولا يكون بينه وبين من لم يأت بتلك الأعمال فرق حينئذٍ ؛ لأن الكلّ مجبر على الفعل أو الترك ، وعليه فالإنسان لما يرتكب الذنب والمعصية يكون السبب والعلّة لصدور فعله هو إرادته واختياره.
نعم أعطاه الله تعالى القدرة والاستطاعة ، لكنّه بسوء اختياره اعمل تلك القدرة في ارتكاب المعصية ، فيكون مسئولاً ومؤاخذاً على فعله القبيح ، أمّا العلم بأنّه سوف يرتكب المعصية باختياره فلا يكون علّة لصدور المعصية ، لأن العلم تابع لوجود المعلوم ، ومتفرّع عليه ومتأخّراً عنه ، فكيف يكون العلم علّة لوجود المعلوم ومتقدّم عليه ، فانّ مرتبة العلّة متقدّمة على مرتبة المعلول. وبعبارة أخرى إذا كان العلم الإلهي علّة لصدور الفعل من الإنسان يلزم تقدّم الشيء وتأخّره في آن واحد ، لأنّ العلم متأخّر عن المعلوم رتبة ، إذ لا يعقل وجود علم بلا معلوم ، والمفروض انّ العلم علّة لوجود الفعل المعلوم ، فلابدّ ان يتقدّم على المعلوم الذي هو معلوله ، فيصير العلم متقدّماً في نفس الوقت الذي هو متأخّر.
هذا مضافاً الى انّ الله تعالى أعطى للإنسان فرصة تغيير مصيره الحتمي ؛ فانّ لله تعالى كتابين :
١ ـ كتاب المحو والإثبات : وقد كتب فيه مصير الإنسان بحسب القوانين والعلل والأسباب الطبيعيّة ، بحيث يعلم الله تعالى انّه سوف يموت في الوقت الكذائي ، أو يعمل العمل الفلاني بحسب العلّة التكوينيّة ، لكن معذلك يمكن ان يتغيّر ذلك بإيجاد المانع عن تأثير العلّة ، كصلة الرحم والصدقة والدعاء كما ورد : « انّ الدعاء يرد القضاء وان ابرم إبراما ».
٢ ـ كتاب اللوح المحفوظ : قال الله تعالى : ( يَمْحُو اللَّـهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ) [ الرعد : ٣٩ ].