مواقف اليهود من النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم والإسلام

حطّ النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم رحاله بالمدينة، والتفّ حوله الأوس والخزرج، فانتشر الإسلام بين الناس والقبائل المحيطة بالمدينة. وقد مثّل ذلك تهديداً لنفوذ اليهود ومكانتهم؛ إذ كانوا يفتخرون بانتسابهم إلى التوحيد وامتلاكهم كتاباً سماويّاً، كما استفادوا من النزاعات بين الأوس والخزرج في السيطرة على التجارة. فلمّا جمع الإسلام بين القبيلتين وأزال ما بينهما من العداوة، أخذت مصالح اليهود تتعرّض للخطر.

لذلك سعوا إلى إثارة الشبهات حول رسالة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، وتشويه معالم الإسلام وإضعاف إيمان المسلمين. غير أنّ سنّة الله تعالى جارية بنصرة رسله والمؤمنين، قال سبحانه:

﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ ﴾ ( غافر: 51 ).

1 ـ كتمان علائم النبوّة وإنكار ما في الكتب السماويّة

كان من أوائل ما فعله بعض أحبار اليهود منعُ إظهار صفات النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم الواردة في التوراة، خشية أن يحتجّ بها المسلمون عليهم. قال تعالى:

﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ ( البقرة: 76 ).

وروي عن الإمام الباقر عليه السلام أنّ قوماً من اليهود لم يكونوا من المعاندين، فكانوا إذا لقوا المسلمين حدّثوهم بما في التوراة من صفة محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم، فنهاهم كبراؤهم عن ذلك كيلا يحتجّ المسلمون عليهم بما يعرفونه من صفاته.

وردّ الله تعالى عليهم بقوله:

﴿ أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾ ( البقرة: 77 ).

وكان اليهود قبل بعثة النبيّ يستفتحون به على المشركين، فلمّا بُعث من العرب جحدوا ما كانوا يذكرونه من صفاته. فقد قال معاذ بن جبل وبشر بن البراء بن معرور لهم إنّهم كانوا يستنصرون بمحمّد عليهم قبل بعثته، فأجاب سلام بن مشكم بأنّه ليس النبيّ الذي كانوا يصفونه. فنزل قوله تعالى:

﴿ وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾ ( البقرة: 89 ).

ومن صور الإنكار أيضاً إنكار أخذ الميثاق منهم بالإيمان بالنبيّ الأُمّيّ، مع أنّهم كانوا يطالبون بآية بيّنة ليتّبعوه. قال سبحانه:

﴿ وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ ۝ أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ ( البقرة: 99 ـ 100 ).

ولفظة « كلّما » تدلّ على تكرّر نقض العهد، وهو ما يبيّن تكرّر هذا السلوك منهم.

كما أنكر بعضهم نزول كتاب بعد موسى عليه السلام، مع أنّهم كانوا يصفون النبيّ قبل بعثته. قال معاذ بن جبل وسعد بن عبادة وعقبة بن وهب لهم إنّهم يعرفون صفته، فأنكروا أن يكون قد نزل كتاب بعد موسى أو بُعث بشير أو نذير بعده. فنزل قوله تعالى:

﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ( المائدة: 19 ).

ومن وجوه كتمان الحقائق أنّ معاذ بن جبل وسعد بن معاذ وخارجة بن زيد سألوا نفراً من أحبار اليهود عن بعض ما في التوراة، فكتموه عنهم، فنزل قوله سبحانه:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ﴾ ( البقرة: 159 ).

ولو أنّ أحباراً مثل كعب بن الأشرف وكعب بن أسد وابن صوريا بيّنوا للناس ما ورد في الكتب السماويّة من أوصاف النبيّ، لانتشر الإسلام على نطاق أوسع، لكنّهم آثروا المحافظة على مناصبهم.

2 ـ شبهات اليهود واعتراضاتهم على النبيّ والقرآن

جاء نفر من أحبار اليهود إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، وسألوه عن أمور، وتعاهدوا أن يتّبعوه إن أجابهم. فسألوه عن نومه، فقال: « تنام عيني وقلبي يقظان »، وسألوه عمّا حرّم إسرائيل على نفسه، فأخبرهم أنّه حرّم لحوم الإبل وألبانها. ثمّ سألوه عن الروح، فذكّرهم بأنّهم يعرفون جبرئيل، الذي يأتيه بالوحي، لكنّهم أظهروا عداوتهم له، وعلّلوا عدم اتّباعه بأنّه يأتي بالشدّة وسفك الدماء.

فنزل قوله تعالى:

﴿ قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ ۝ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ ﴾ ( البقرة: 97 ـ 98 ).

ويدلّ ذلك، وفق ما يذكره النصّ، على أنّ المراد بالروح في قوله تعالى: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ﴾ ( الإسراء: 85 ) هو الروح الأمين، أي جبرئيل، لا الروح الإنسانيّة. كما أنّ عداوة جبرئيل عداوة لله تعالى، لأنّه رسول مأمور من جانبه، والملائكة لا يعصون الله ما أمرهم، قال سبحانه:

﴿ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ ( التحريم: 6 ).

ومن اعتراضاتهم إنكار نبوّة سليمان عليه السلام؛ إذ قال بعض أحبارهم حين ذكره النبيّ في عداد المرسلين إنّه لم يكن نبيّاً، بل ساحراً. فنزل قوله تعالى:

﴿ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ ﴾ ( البقرة: 102 ).

كما تقدّموا باقتراحات تعجيزيّة، فطلب بعضهم أن يكلّمهم الله مباشرة، فنزل قوله تعالى:

﴿ أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ وَمَن يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ﴾ ( البقرة: 108 ).

وقال رافع بن حريملة للنبيّ: إن كنت رسولاً من الله فاطلب منه أن يكلّمنا حتى نسمع كلامه. فنزل قوله تعالى:

﴿ وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ ( البقرة: 118 ).

وطلبوا كذلك نزول القرآن جملة واحدة، محتجّين بأنّه لا يشبه التوراة في اتّساقها. فأجابهم النبيّ بأنّهم يعرفون أنّ القرآن من عند الله، وأنّ الإنس والجنّ لو اجتمعوا على الإتيان بمثله لما استطاعوا. فنزل قوله سبحانه:

﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا ﴾ ( الفرقان: 32 ).

وقال تعالى في تحدّيهم:

﴿ قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ﴾ ( الإسراء: 88 ).

ومن اعتراضاتهم سؤال النبيّ عن موعد الساعة، مع أنّ علمها مختصّ بالله تعالى. قال سبحانه:

﴿ إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ﴾ ( لقمان: 34 ).

وقال أيضاً:

﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ ( الأعراف: 187 ).

ويذكر النصّ أنّ سؤالهم لم يكن طلباً للمعرفة بقدر ما كان عناداً؛ إذ كانوا قد طلبوا من قريش أن تسأل النبيّ عن وقت الساعة، ليجعلوا عدم تحديده موعدها ذريعة للطعن في نبوّته.

ووصلت اعتراضاتهم إلى السؤال عن ذات الله تعالى؛ إذ سأله نفر منهم: « هذا الله خلق الخلق، فمن خلق الله؟ ». فغضب النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، وجاءه جبرئيل بالجواب، وهو قوله تعالى:

﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ۝ اللَّهُ الصَّمَدُ ۝ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ۝ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ ﴾ ( الإخلاص: 1 ـ 4 ).

ثمّ سألوه عن كيفيّة خلق الله وذراعه وعضده، فنزل قوله تعالى:

﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ ( الزمر: 67 ).

3 ـ تحريف الأحكام والجدال حول إبراهيم وعيسى عليهما السلام

كان اليهود يستعملون بعض الألفاظ المشتركة بين المعنى الحسن والقبيح بقصد الإساءة إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم. فعندما كان المسلمون يطلبون منه التأنّي في الكلام، كانوا يقولون: « راعنا »، أي أمهلنا حتى نفهم. لكنّ اليهود كانوا يستعملون اللفظة بقصد الانتقاص، فنهى الله المؤمنين عن استعمالها وأمرهم بلفظة « انظرنا »، فقال سبحانه:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ ( البقرة: 104 ).

وبيّن تعالى أسلوبهم في تحريف الكلام بقوله:

﴿ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ ﴾ ( النساء: 46 ).

ومن صور الجدال ادّعاء اليهود أنّ إبراهيم عليه السلام كان يهوديّاً، وادّعاء النصارى أنّه كان نصرانيّاً. وعندما دعا النبيّ اليهود إلى الاحتكام إلى التوراة رفضوا، فنزل قوله تعالى:

﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ ۝ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ ( آل عمران: 23 ـ 24 ).

واجتمع أحبار اليهود ونصارى نجران عند النبيّ، فادّعى كلّ فريق أنّ إبراهيم كان على دينه. فنزل قوله تعالى:

﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنجِيلُ إِلَّا مِن بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ۝ هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ۝ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ۝ إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ ( آل عمران: 65 ـ 68 ).

كما حاول كلّ فريق أن يحمل المسلمين على اتّباعه، فقالوا: « كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا »، فردّ الله تعالى:

﴿ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ ( البقرة: 135 ).

ومن الجدال أيضاً إنكار اليهود نبوّة عيسى عليه السلام، مع أنّ القرآن يذكر أنّه صدّق التوراة وبشّر برسول يأتي من بعده اسمه أحمد، قال سبحانه:

﴿ وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ ( الصف: 6 ).

وروي أنّ نفراً من اليهود سألوا النبيّ عمّن يؤمن به من الرسل، فلمّا أجاب بأنّه يؤمن بالله جحدوا نبوّة المسيح، فنزل قوله تعالى:

﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ ﴾ ( المائدة: 59 ).

واجتمع أحبار اليهود ونصارى نجران عند النبيّ، فقالوا له: أتريد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى؟ فأجابهم بأنّ الله لم يبعثه ليأمر بعبادة غيره. فنزل قوله تعالى:

﴿ مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللَّهِ وَلَٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ ۝ وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ ﴾ ( آل عمران: 79 ـ 80 ).

فالأنبياء يدعون الناس إلى عبادة الله والإيمان والعمل الصالح، لا إلى عبادتهم من دون الله.

4 ـ محاولات اليهود لإضعاف الإسلام وإثارة الفتنة

حاول اليهود إضعاف الإسلام بوسائل متعدّدة، منها التظاهر بالإيمان في أوّل النهار ثمّ الكفر في آخره، ليوهموا المسلمين بأنّهم اكتشفوا خطأ اتّباع النبيّ. قال سبحانه:

﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ۝ وَقَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ۝ وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَىٰ هُدَى اللَّهِ أَن يُؤْتَىٰ أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ ( آل عمران: 71 ـ 73 ).

وحاولوا كذلك تفريق المسلمين وإعادة العداوة بين الأوس والخزرج. فقد مرّ شاس بن قيس على جماعة منهم، فساءه ما رآه من وحدتهم بعد عداوتهم في الجاهليّة، فأمر شابّاً من اليهود أن يذكّرهم بيوم بعاث وأشعار التفاخر القديمة. فتنازعوا وكادوا يقتتلون، حتى جاءهم النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ونبّههم إلى أنّ ذلك من دعوى الجاهليّة وكيد الشيطان. فندموا وتصالحوا، ونزل قوله تعالى:

﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا تَعْمَلُونَ ۝ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ ( آل عمران: 98 ـ 99 ).

ولمّا دخل بعض اليهود في الإسلام، حاول زعماؤهم الحطّ من شأنهم، وزعموا أنّه لا يتّبع محمّداً إلا شرارهم. فنزل قوله تعالى:

﴿ لَيْسُوا سَوَاءً مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ﴾ ( آل عمران: 113 ).

كما حاولوا حمل المسلمين على البخل، فكان رجال منهم ينصحون الأنصار ألّا ينفقوا أموالهم في نصرة الدعوة، خشية الفقر. فنزل قوله تعالى:

﴿ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا ﴾ ( النساء: 37 ).

وبعد غزوتَي بدر وأُحد، ذهب بعض يهود المدينة إلى مكّة، وسألتهم قريش عن أيّ الدينين أحقّ: دينها أم دين محمّد؟ ففضّل اليهود الوثنيّة على الإسلام، مع أنّهم كانوا يرفعون شعار التوحيد. فنزل قوله تعالى:

﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَٰؤُلَاءِ أَهْدَىٰ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا ۝ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا ﴾ ( النساء: 51 ـ 52 ).

وقد انتقد الدكتور إسرائيل ولفنسون، في كتابه « تاريخ اليهود في بلاد العرب »، هذا الموقف، وبيّن أنّ تفضيل عبادة الأصنام على التوحيد يناقض ما عُرف به بنو إسرائيل من حمل راية التوحيد ومخالفة الوثنيّة.

وادّعى بعض اليهود والنصارى أنّهم أبناء الله وأحبّاؤه، فردّ القرآن بأنّهم بشر تجري عليهم أحكام الله، يغفر لمن يشاء ويعذّب من يشاء، قال سبحانه:

﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ﴾ ( المائدة: 18 ).

ومن محاولاتهم أيضاً إيقاع النبيّ في الفتنة عن بعض ما أنزل الله، فقد عرض جماعة منهم أن يؤمنوا به إذا حكم لهم في خصومة على قومهم. فرفض أن يحكم بغير الحق، ونزل قوله تعالى:

﴿ وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ ۝ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ ( المائدة: 49 ـ 50 ).

5 ـ تحريف الأحكام والتلاعب بالقضاء

تكشف بعض الوقائع عن محاولة بعض أحبار اليهود إخفاء أحكام التوراة أو تطبيقها بصورة تمييزيّة بحسب المكانة الاجتماعيّة.

فقد اجتمع أحبارهم عندما زنى رجل محصن بامرأة محصنة، واتّفقوا على تحكيم النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، ظنّاً منهم أنّه قد يحكم بعقوبة أخفّ من الرجم، فيتّخذون ذلك ذريعة لعدم اتّباعه. لكنّ النبيّ سأل عبد الله بن صوريا عن حكم التوراة في الزاني المحصن، فأقرّ بأنّ الحكم هو الرجم، واعترف بأنّهم يعرفون أنّ محمّداً نبيّ مرسل، لكنّهم يحسدونه.

فأمر النبيّ برجم الرجل والمرأة، ونزل قوله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ۝ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِن جَاءُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾ ( المائدة: 41 ـ 42 ).

ونقل ابن هشام عن ابن إسحاق أنّ حبراً من اليهود وضع يده على آية الرجم في التوراة ليخفيها، فضرب عبد الله بن سلام يده وقال إنّها آية الرجم. وعندما سألهم النبيّ عن سبب ترك حكم الله، ذكروا أنّهم كانوا يعملون بالرجم، حتى زنى رجل من ذوي الشرف فمنعه الملك من العقوبة، ثمّ اتّفقوا على استبدال الرجم بالتجبية وإماتة ذكره. فقال النبيّ إنّه أوّل من أحيا أمر الله وكتابه وعمل به.

وفي واقعة أخرى، اختلفت بنو النضير وبنو قريظة في مقدار الدية؛ فكانت بنو النضير تؤدّي الدية كاملة، بينما تؤدّي بنو قريظة نصفها. فتحاكموا إلى النبيّ، فنزل قوله تعالى:

﴿ وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾ ( المائدة: 42 ).

فحكم النبيّ بالحقّ وجعل الدية متساوية.

وتُظهر هذه الوقائع، بحسب النصّ، أنّ الاحتكام إلى الكتاب لم يكن مقبولاً لدى من أراد أن يغيّر الأحكام أو يستثني أصحاب المكانة منها.

6 ـ موقفهم من التوحيد وادّعاء القرب من الله

مع أنّ اليهود كانوا يفتخرون بالتوحيد، فإنّ بعضهم جادل النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم في أصل وحدانيّة الله، فسألوه: أتعلم أنّ مع الله إلهاً غيره؟ فأجابهم: « الله لا إله إلّا هو، بذلك بُعثت وإلى ذلك أدعو ». فنزل قوله تعالى:

﴿ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَٰذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَىٰ قُل لَّا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ ﴾ ( الأنعام: 19 ).

ويعرض النصّ هذا الموقف بوصفه تناقضاً بين التمسّك المعلن بالتوحيد وإنكاره عندما دعا إليه النبيّ محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم.

7 ـ مباهلة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم لنصارى نجران

كتب النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى أساقفة نجران يدعوهم إلى التوحيد وترك عبادة العباد، وجاء في كتابه:

« بسم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، من محمّد النبيّ رسول الله إلى أسقف نجران، فإنّي أحمد إليكم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، أمّا بعد، فإنّي أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد، وأدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد، فإن أبيتم فالجزية، فإن أبيتم آذنتكم بحرب ».

تشاور أهل نجران، ثمّ أرسلوا وفداً من ستّين راكباً، فيهم أشرافهم ورؤساؤهم: العاقب عبد المسيح، والسيّد الأيهم، وأبو حارثة بن علقمة أسقفهم وحبرهم.

ولمّا وصل الوفد إلى النبيّ، دخلوا عليه في ثياب فاخرة وأردية حرير وخواتيم ذهب، وأظهروا الصليب. فلم يردّ النبيّ سلامهم في المرّة الأولى، فأشار عليهم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام بأن يخلعوا زينتهم ثمّ يعودوا، ففعلوا، فردّ النبيّ سلامهم.

وكانوا قد حملوا هدايا، منها بُسُط عليها تماثيل ومسوح، فقبل النبيّ المسوح ورفض البسط. ولمّا رأى فقراء المسلمين زينتهم، تشوّقت نفوسهم، فنزل قوله تعالى:

﴿ قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَٰلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ﴾ ( آل عمران: 15 ).

ثمّ جرى الحوار في شأن عيسى عليه السلام؛ إذ دعاهم النبيّ إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأنّه رسول الله، وبيّن أنّ عيسى عبد مخلوق يأكل ويشرب. فسألوه عن أبيه، فأمره الله أن يحتجّ عليهم بآدم عليه السلام، الذي خُلق من غير أب ولا أمّ. فنزل قوله سبحانه:

﴿ إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ۝ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُن مِّنَ الْمُمْتَرِينَ ۝ فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ﴾ ( آل عمران: 59 ـ 61 ).

الدعوة إلى المباهلة

دعا النبيّ نصارى نجران إلى المباهلة، فقبلوا في البداية، ثمّ تشاور رؤساؤهم فيما بينهم، وقالوا إنّ محمّداً إن جاء بأهل بيته خاصّة فلا يقدمنّ على ذلك إلّا وهو صادق.

وفي اليوم التالي خرج النبيّ ومعه عليّ وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام. فلمّا رآهم النصارى خافوا من المباهلة، وطلبوا الصلح بدلاً منها. فصالحهم النبيّ على الجزية.

وروى الطبرسي أنّ النبيّ جاء آخذاً بيد عليّ، والحسن والحسين يمشيان أمامه، وفاطمة تمشي خلفه. ولمّا رآه أسقف نجران جاثياً للمباهلة، قال إنّ هذه هيئة الأنبياء، وخاف أن يكون صادقاً. وذكر أنّ المباهلة لو وقعت لأهلكت النصارى.

وجاء في الرواية أنّ النبيّ قال: « والذي نفسي بيده لو لاعنوني لمسخوا قردة وخنازير، ولاضطرم الوادي عليهم ناراً ». وانتهى الأمر بالصلح على ألفَي حلّة، قيمة كلّ حلّة أربعون درهماً، مع عارية ثلاثين درعاً وثلاثين رمحاً وثلاثين فرساً عند الحاجة.

ويستدلّ النصّ بهذه الحادثة على فضل أهل الكساء عليهم السلام. كما ينقل عن الزمخشري أنّ اصطحاب الأبناء والنساء في المباهلة يدلّ على ثقة النبيّ بصدقه، إذ عرّض أحبّ الناس إليه لخطر المباهلة، وهو دليل على عظيم منزلتهم. ويذكر أيضاً احتجاج محمود بن الحسن الحمصي بآية المباهلة على فضل أمير المؤمنين عليّ عليه السلام؛ لأنّ الآية عبّرت عنه بلفظ ﴿ وَأَنفُسَنَا ﴾، مع أنّه ليس النبيّ نفسه، فاستدلّ بذلك على منزلته وفضله.

8 ـ تحويل القبلة وموقف اليهود منه

صلّى النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم والمسلمون إلى بيت المقدس مدّةً، وكانت اليهود تعيّرهم باتّباع قبلتهم. فحزن النبيّ لذلك، وانتظر الوحي، فنزل قوله تعالى:

﴿ قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ﴾ ( البقرة: 144 ).

وروى الصدوق أنّ النبيّ صلّى إلى بيت المقدس ثلاث عشرة سنة في مكّة وتسعة عشر شهراً في المدينة، ثمّ عيّرته اليهود باتّباع قبلتهم. فخرج ليلاً يقلّب وجهه في السماء، وفي اليوم التالي نزل الأمر بتحويل القبلة إلى المسجد الحرام. وأخذ جبرئيل بيد النبيّ فحوّل وجهه إلى الكعبة، وتحوّل من خلفه كذلك، حتى صار أوّل الصلاة إلى بيت المقدس وآخرها إلى الكعبة. وانتقل الخبر إلى مسجد آخر في المدينة، فحوّل أهله قبلتهم في أثناء الصلاة، ولذلك سُمّي مسجد القبلتين.

وأثار تحويل القبلة اعتراضات، منها سؤالهم: لماذا تحوّل النبيّ عن قبلته السابقة، مع أنّه يدّعي اتّباع ملّة إبراهيم؟ وقد وعدوه باتّباعه إن رجع إلى قبلته الأولى. فبيّن القرآن أنّ الجهات كلّها ملك لله، وأنّ القبلة تتبع أمره وحكمته، قال تعالى:

﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُل لِّلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ ( البقرة: 142 ).

وكان جعل بيت المقدس قبلةً في المرحلة الأولى لحِكَم، منها تمييز الموحّدين عن المشركين، وامتحان طاعة المسلمين للنبيّ ومخالفتهم ما اعتادوه من قبلة مكّة. قال سبحانه:

﴿ وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ﴾ ( البقرة: 143 ).

ولمّا تحوّلت القبلة، تساءل بعضهم عن الصلوات التي أُدّيت إلى بيت المقدس. فجاء الجواب بأنّ العمل صحيح ما دام الحكم لم يُنسخ، وأنّ النسخ يبدأ من حين صدوره ولا يبطل الأعمال السابقة. قال تعالى:

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ ( البقرة: 143 ).

كما بيّن القرآن أنّ اليهود لا يتّبعون قبلة المسلمين وإن أُعطوا الآيات، قال سبحانه:

﴿ وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ ( البقرة: 145 ).

9 ـ حادثة عبد الله بن جحش وحرمة الأشهر الحرم

يرى النصّ أنّ حرمة الأشهر الحرم ليست مجرّد عادة وضعها عرب الجاهليّة، بل لها أصل ديني يرجع إلى ملّة إبراهيم عليه السلام. قال تعالى:

﴿ إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ ﴾ ( التوبة: 36 ).

وفي شهر رجب بعث النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم عبد الله بن جحش ومعه ثمانية من المهاجرين، وأعطاه كتاباً أمره ألّا يفتحه إلا بعد يومين. فلمّا فتحه وجد فيه أمراً بالمسير إلى نخلة بين مكّة والطائف، لرصد قريش وجمع الأخبار عنها، مع نهيه عن إكراه أحد من أصحابه على المسير.

فمضى عبد الله وأصحابه، وتخلّف سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان في طلب بعير لهما. وفي نخلة مرّت بهم قافلة لقريش فيها عمرو بن الحضرمي، وكان ذلك في آخر يوم من رجب. فتردّد المسلمون في مهاجمتها خشية دخول الشهر الحرام، ثمّ قتل واقد بن عبد الله التميمي عمرو بن الحضرمي، وأُسر عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان، وفرّ نوفل بن عبد الله. وأخذ المسلمون القافلة والأسيرين إلى المدينة.

فلمّا وصلوا، قال النبيّ إنّه لم يأمرهم بالقتال في الشهر الحرام، وأوقف العير والأسيرين ولم يأخذ منهم شيئاً. واستغلّت قريش الحادثة للطعن فيه، وزعمت أنّه استحلّ الشهر الحرام وسفك الدم فيه.

فنزل قوله تعالى:

﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ۝ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ ( البقرة: 217 ـ 218 ).

ويشرح النصّ أنّ القتال في الشهر الحرام أمر عظيم، لكنّ صدّ الناس عن سبيل الله، والكفر به، ومنع المسلمين من المسجد الحرام، وإخراج أهله منه، وفتنة المؤمنين عن دينهم، أعظم عند الله من ذلك القتال.

فقد كان المشركون يضطهدون المسلمين ويمنعونهم من الهجرة، ويعذّبون المستضعفين مثل عمّار بن ياسر وبلال وخبّاب بن الأرتّ وغيرهم. ولهذا كانت الفتنة عن الدين أكبر من قتل مشرك أو أسر نفر منه.

ويذكر ابن هشام أنّ المسلمين، بعد نزول الآية، سألوا النبيّ إن كانوا يرجون أجر المجاهدين، فنزلت الآية الثانية في فضل الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا. وبعد ذلك قبض النبيّ القافلة والأسيرين، ورفض فداءهما حتى يعود سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان اللذان تخلّفا في الطريق. فلمّا عادا فداهما النبيّ، وأسلم الحكم بن كيسان وحسن إسلامه، ثمّ استُشهد يوم بئر معونة، أمّا عثمان بن عبد الله فلحق بمكّة ومات كافراً.

ويخلص النصّ إلى أنّ عبد الله بن جحش خالف الأمر العسكري؛ لأنّ النبيّ أمره باستطلاع الأخبار لا بالقتال، وأنّ النبيّ لم يقرّ فعله، بل انتظر الوحي. كما يبيّن أنّ الجرائم التي ارتكبتها قريش بحقّ المسلمين كانت أشدّ من الحادثة التي استغلّتها للطعن في الإسلام.

 

التعليقات

Profile of User
Loading...

محتوى ذو صلة