آراء العلماء حول رؤية الهلال

قال تعالى:

﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ﴾ (1).

يُعدّ موضوع رؤية الهلال وثبوته من المسائل التي وقع فيها اختلاف في الرأي بين مراجعنا الكرام، ولا سيّما في مسألة وحدة الأفق وتعدّده، وفي مدى إمكان الاعتماد على الحسابات الفلكية في إثبات الهلال.

اختلاف الفقهاء في وحدة الأفق وتعدّده

كان المرحوم السيد الخوئي ـ قدّس سرّه ـ يرى وحدة الأفق في حالة الاشتراك في الليل؛ بمعنى أنّ البلدين إذا اشتركا في الليل، ولو في جزء منه، عُدَّا ذا أفق واحد. وعلى هذا الأساس، إذا ثبتت رؤية الهلال في بلد آخر يشترك معنا في الليل، وكانت الرؤية مستجمعة للضوابط الشرعية، أمكن الاكتفاء برؤيتهم.

وأمّا سماحة السيد السيستاني ـ حفظه الله ـ فيرى تعدّد الآفاق بين البلدان والمناطق. والمقصود بالبلدان هنا ليس الحدود السياسية التي رسمتها الاتفاقيات الاستعمارية، كاتفاقية سايكس بيكو، بل قد يكون البلد الواحد نفسه مشتملًا على آفاق متعددة، بسبب اختلاف موقعه الجغرافي، كما هو الحال في اختلاف الأفق بين البصرة والرمادي.

وبناءً على ذلك، يرى السيد السيستاني تعدّد الآفاق، بحيث إن ثبوت الهلال في مكان أو دولة معينة لا يستلزم بالضرورة ثبوته في المناطق المجاورة لها.

ومع اختلاف الرأيين في وحدة الأفق وتعدّده، فإن السيد الخوئي والسيد السيستاني ـ حفظهما الله ـ يعتمدان الرؤية في أصل ثبوت الهلال. ويثبت الهلال بالرؤية إذا كانت الرؤية حجة على المكلف، أو بشهادة عدلين لا تتعارض شهادتهما، أو بمضي ثلاثين يومًا من الشهر السابق، أو بالشياع، كما لو رآه آلاف من الناس في يوم واحد.

وأمّا ثبوت الهلال بحكم الحاكم، فقد كان السيد الخوئي يرى فيه موضع إشكال، ورأي السيد السيستاني قريب من ذلك، مع وجود بعض التفصيل في موقفه من هذه المسألة.

عدم الاعتماد على ولادة الهلال والحسابات الفلكية

وأمّا الانتقال من الرؤية التي هي موضوع الحكم الشرعي إلى أمور أخرى، كولادة الهلال وما شابهها، فلم تكن هذه الطريقة معتمدة من قبل أئمتنا عليهم السلام.

والحسابات الفلكية كانت موجودة منذ آلاف السنين، ولم تكن أمرًا مستحدثًا في زمن النبي صلى الله عليه وآله. بل ورد في بعض الروايات ما يشير إلى وجود من كان يعتمد على الحساب، حتى إن أحدهم كتب إلى المعصوم عليه السلام مستفسرًا عن مسألة تتعلق بالحساب، وذكر رؤية الهلال في مصر وإفريقيا والأندلس، مع ملاحظة اختلاف خطوط العرض.

وقد ورد عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال:

« إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، وليس بالرأي ولا بالتظنّي ولكن بالرؤية » (2).

فالمدار ـ وفق هذه الرواية ـ على الرؤية، لا على مجرد الرأي أو التظنّي.

ولو كان المدار على ولادة الهلال، لما أمكن ضبط الحكم بصورة منسجمة مع اختلاف البلدان والمناطق. فإذا وُلد الهلال في وقت معين، فماذا نفعل بمن يوجد في أمريكا مثلًا؟ هل يقال لهم: أوقفوا الأكل، وادفعوا الكفارة، فهذا اليوم يوم واجب الصيام؟ وماذا نصنع نحن؟ وهل نقضي ذلك اليوم؟ وإذا كان الوقت قد أصبح صباحًا في اليابان، فهل يقال لهم: صوموا الآن؟

إن اعتماد ولادة الهلال وحدها يؤدي إلى مثل هذه الإشكالات؛ ولذلك لا نجد المسلمين يلتزمون بمجرد ولادة الهلال بوصفها معيارًا كافيًا للصيام والإفطار.

القول بإمكان الرؤية

وقد اتجه بعض الباحثين إلى طريق آخر، فقالوا: المعتبر هو ولادة الهلال مع إمكان رؤيته. وهنا يطرح سؤال آخر: ما المقصود بإمكان الرؤية، وكيف تُحدَّد إمكانيتها؟

فإمكان رؤية الهلال في البحرين، مثلًا، مع ارتفاع نسبة الرطوبة إلى تسعين بالمائة، يختلف عن إمكان رؤيته في مناطق مثل هيمالايا، حيث تكون الأجواء أكثر صفاءً.

ففي هضبة التبت، مثلًا، قد يحتاج القمر إلى مقدار معين من الضوء حتى يصبح قابلاً للرؤية، بينما يحتاج في أجواء الإمارات العربية المتحدة، بسبب الرطوبة والظروف الجوية، إلى مقدار أكبر من الضوء حتى يمكن رؤيته.

وبذلك لم يعد الأمر مجرد مسألة علمية محددة يمكن ضبطها بقاعدة واحدة، بل أصبح مجالًا للاختلاف في القدرة على الرؤية بين بلد وآخر، وبين جهة وأخرى، بل وبين تلسكوب وآخر.

فنجد مثلًا بعض المراصد يقولون إن القمر يمكن رؤيته بعد ثلاث عشرة ساعة من ولادته، بينما تقول مراصد أخرى إن رؤيته لا تكون ممكنة إلا بعد ثلاث عشرة ساعة وخمس وأربعين دقيقة، ويذهب مرصد ثالث إلى ست عشرة ساعة. وهنا يطرح السؤال: أين هي القاعدة العلمية الموحدة التي يمكن الاستناد إليها؟

إذا أصبحت المسألة مبنية على هذه التقديرات المختلفة، فإنها تتحول من معيار واضح إلى نوع من الظن والتقدير، في حين أن الأحكام الشرعية لا تُبنى على مجرد الظن.

هل كانت الحسابات الفلكية هي المعيار الذي فات الأئمة عليهم السلام؟

ثم إن الاعتماد على هذه الطريقة يثير سؤالًا آخر: كيف يمكن أن تكون هذه الفكرة قد فاتت الله ورسوله والأئمة عليهم السلام، ثم اكتشفناها نحن بعد ذلك؟

ألم يكن رسول الله صلى الله عليه وآله قادرًا على أن يسأل جبرئيل عليه السلام، وهو نازل إليه، هل رأى الهلال أم لا؟ ولماذا لم يقل لنا أئمتنا عليهم السلام: احسبوا، فإذا وصلتم بالحساب إلى ولادة الهلال، فاعتمدوا مثلًا مدة أربع عشرة ساعة بعد ولادته؟

هل كان الأئمة عليهم السلام يتفننون في تعذيب الناس وتعقيد أحكامهم، أم أنهم كانوا رحمة للناس؟ وقد ورد عنهم عليهم السلام: « إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا » (3).

فالرؤية هنا معيار يشترك فيه الجميع، ولا يختص به الغني دون الفقير، ولا المتقدم في الإمكانات دون غيره.

الرؤية معيار مشترك بين الناس

إن الرواية تجعل الرؤية معيارًا يشترك فيه الفقير والغني، فلم يجعل الله سبحانه وتعالى أحكامًا خاصة بأهل الشمال يفتخرون بها على أهل الجنوب الفقير، بل قال: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته.

وقد يكون حدّ بصر الفقير، الذي يكتحل عينه، أقوى بكثير من حدّ بصر الغني المترف. ومن هنا جعل الله تعالى علامة متساوية بين الناس جميعًا، لا تتوقف على امتلاك الأجهزة المتقدمة أو المراصد المتخصصة، وإنما تقوم على رؤية الهلال.

وعليه، يبقى المعيار الذي تؤكده الروايات هو رؤية الهلال: « صوموا للرؤية وأفطروا للرؤية » (4).


 


1. البقرة : 189.

2. وسائل الشيعة / الشيخ الحرّ العاملي / الجزء : 10 / الصفحة : 252 / الناشر : مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث / الطبعة : 3.

3. وسائل الشيعة / الشيخ الحرّ العاملي / الجزء : 10 / الصفحة : 297 / الناشر : مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث / الطبعة : 3.

4. وسائل الشيعة / الشيخ الحرّ العاملي / الجزء : 10 / الصفحة : 253 / الناشر : مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث / الطبعة : 3.

 

التعليقات

Profile of User
Loading...

محتوى ذو صلة