السيّد جعفر علم الهدى | الجواب: أوّلاً : لقد أقيم المأتم علي بن أبي طالب عليه السلام يوم دفنه ، وكان المعزّي الخضر عليه السلام حيث أتى لتعزية وتسلي أهل البيت عليهم السلام وذكر فضائل علي عليه السلام في تعزيته. (1) وكذلك الإمام الحسن عليه السلام حيث خطب الخطبة المعروفة بعد استشهاد أبيه أمير المؤمنين عليه السلام وكان الناس يبكون وينوحون في أثناء خطبته. (2) ثانياً : لا ربط لإقامة التعزية للإمام الحسين عليه السلام بالأفضليّة ، فالنبي صلّى الله عليه وآله وعلي عليه السلام أفضل من الإمام الحسين عليه السلام لكن قد لا يجب إقامة التعزية لمصابهما بخلاف مصيبة الإمام الحسين عليه السلام ، فإنّها مصيبة عظيمة فيها أنواع من الفجائع والمصائب. وهل سمعت اُذناك أنّ طفلاً صغيراً يرمى بسهم ذي ثلاث شعب يذبحه من الوريد إلى الوريد لمجرّد أنّ أباه استسقى له الماء ـ قبل واقعة كربلاء ـ. (3) وهل سمعت اُذناك أنّ النساء العترة الطاهرة يساقون سوق الاماء من بلد إلى بلد آخر قبل وبعد فاجعة الطف ؟ (4) ثالثاً : نهضة الإمام الحسين عليه السلام واستشهاده مدرسة للأجيال يتعلّم فيها المسلمون التضحية في سبيل حفظ كيان الإسلام ، وبل يتعلّم جميع المستضعفين بذل الأنفس في مقارعة الظلم والكفر والطغيان ، ولذا يعبّر عن الإمام الحسين عليه السلام بقولهم « أبيّ الضيم » (5) ، ولأجل ذلك قال النبي صلّى الله عليه وآله : « الحسين مصباح الهدى وسفينة النجاة » (6). فلا بدّ أن يكون هذا المصباح وهاجاً باستمرار ينير الدرب لكلّ من يطلب الهداية ، ولا يتحقّق ذلك إلّا بالاهتمام بتخليد ذكراه واقامة العزاء عليه وذكر مصائبه وتضحياته وأهداف ثورته الخالدة. رابعاً : إقامة العزاء للإمام الحسين عليه السلام شعيرة عظيمة من شعائر الله تعالى ، حيث انّ أعداء الإسلام حينما يرون الجماهير الحاشدة في مجالس عزائه والمواكب والمسيرات لزيارته ، يعرض عليهم الخوف والهلع ويرون اتّحاد المسلمين وقدرتهم وعظمتهم وشوكتهم تماماً مثل شعائر ومناسك الحجّ. خامساً : ما ذنب الشيعة في إقامة العزاء للإمام الحسين عليه السلام مع انّ النبي الأعظم صلّى الله عليه وآله كان يبكي ودموعه تسيل على خدّيه لمصاب الحسين عليه السلام قبل أن يقتل ، وكان يذكر مصائبه لصاحبته وزوجاته ويخبرهم بأنّ جبرئيل أخبره بأنّ الحسين عليه السلام سوف يقتل وقد أراه تربته التي يقتل عليها ، وكان النبي صلّى الله عليه وآله قد أودع هذه التربة الطاهرة عند أمّ سلمة وأخبرها أنّه متى صار لونها بلون الدم فاعلمي انّ الحسين قد استشهد (7). وقد تعرض الكثير من علماء السنّة لهذه الأحاديث النبويّة في كتبهم ، فراجع مقتل الحسين للخوارزمي الحنفي. (8) الهوامش 1. راجع : الكافي « للشيخ الكليني » / المجلد : 1 / الصفحة : 455 ـ 456 / الناشر : دار الكتب الإسلاميّة / الطبعة : 5. 2. راجع : الأمالي « للشيخ الصدوق » / الصفحة : 397 / الناشر : مؤسسة البعثة / الطبعة : 1. 3. راجع : مقتل الحسين عليه السلام « للموفق الخوارزمي » / المجلد : 2 / الصفحة : 37 / الناشر : أنوار الهدى / الطبعة : 3. 4. راجع : الإرشاد « للشيخ المفيد » / المجلد : 2 / الصفحة : 119 / الناشر : مؤسسة آل البيت عليهم السلام / الطبعة : 1. 5. راجع : مقتل الحسين عليه السلام « لعبد الرزاق المقرم » / الصفحة : 35 / الناشر : مؤسسة الخرسان. 6. راجع : عيون أخبار الرضا عليه السلام « للشيخ الصدوق » / المجلد : 1 / الصفحة : 62 / الناشر : مؤسسة الأعلمي للمطبوعات. 7. راجع : تاريخ اليعقوبي « لأحمد بن أبي يعقوب » / المجلد : 2 / الصفحة : 245 ـ 246 / الناشر : دار صادر. 8. راجع : مقتل الحسين عليه السلام « للموفق الخوارزمي » / المجلد : 1 / الصفحة : 229 ـ 249 / الناشر : أنوار الهدى / الطبعة : 2.
السيّد جعفر علم الهدى | الجواب: قد ورد في صحاح أهل السنّة بعبارات مختلفة قول النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم : « يكون بعدي إثنا عشر أميراً كلّهم من قريش ». (1) وهذا المعنى لا ينطبق إلّا على الأئمّة المعصومين عليهم السلام ، مضافاً إلى وجود أسمائهم واحداً بعد واحد في بعض الأحاديث التي يرويها علماء أهل السنّة في كتبهم ، منها حديث جابر بن عبد الله الأنصاري ، وقد رواه إبراهيم بن محمّد الحمويني الشافعي في فرائد السمطين في آخر الجزء الثامن ، وأخرجه العلّامة الحنفي الشيخ سليمان القندوزي في كتابه ينابيع المودة. ومنها رواية رواها في ينابيع المودّة قال : أخرج صاحب المناقب بسنده عن علي بن موسى الرضا ، عن أبيه ، عن آبائه ، عن علي بن أبي طالب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم ـ والحديث طويل جداً وفيه قوله صلى الله عليه وآله وسلم ـ : فنظرت فرأيت اثني عشر نوراً ، وفي كلّ نور سطر أخضر عليه اسم وصيّ من أوصيائي ، أوّلهم علي وآخرهم القائم المهدي . (2) وروى في ينابيع المودة : وفي المناقب عن واثلة بن الأسقع بن قرخاب ، عنجابر بن عبدالله الأنصاري قال : دخل جندل بن جنادة بن جبير اليهودي على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، فقال : ... ثمّ قال : أخبرني يا رسول الله عن أوصيائك من بعدك لأتمسّك بهم. قال : أوصيائي الإثنا عشر. قال جندل : هكذا وجدناهم في التوارة ، وقال : يا رسول الله سمّهم لي. فقال : أوّلهم سيّد الأوصياء أبو الأئمّة علي ، ثمّ ابناه الحسن والحسين ، فاستمسك بهم ولا يغرنّك جهل الجاهلين ، ... قال : إذا انقضت مدّة الحسين فالإمام ابنه علي ويلقّب بزين العابدين ، فبعده ابنه محمّد يلقّب بالباقر ، فبعده ابنه جعفر يدعى بالصادق ، فبعده ابنه موسى يدعى بالكاظم ، فبعده ابنه علي يدعى بالرضا ، فبعده ابنه محمّد يدعى بالتقي والزكي ، فبعده ابنه علي يدعى بالنقي والهادي ، فبعده ابنه الحسن يدعى بالعسكري ، فبعده ابنه محمّد يدعى بالمهدي والقائم والحجّة ، فيغيب ثمّ يخرج ، فإذا خرج يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً ... . (3) مضافاً إلى الرواية المتّفق عليها بين المسلمين سنّة وشيعة : وفي مودّة القربى : عن سليم بن قيس الهلالي عن سلمان الفارسي قال : دخلت على النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم فاذا الحسين بن علي على فخذيه وهو يقبّل خدّيه ويلثم فاه ويقول : أنت سيد ، ابن سيد ، أخو سيد ، وأنت إمام ، ابن إمام ، أخو إمام ، وأنت حجّة ابن حجّة أخو حجّة ، وأنت أبو حجج تسعة تاسعهم قائمهم. (4) الهوامش 1. ينابيع المودة / المجلّد : 2 / الصفحة : 87 / الناشر : دار الأسوة. 2. ينابيع المودة / المجلّد : 3 / الصفحة : 377 ـ 379 / الناشر : دار الأسوة. 3. ينابيع المودة / المجلّد : 3 / الصفحة : 283 ـ 285 / الناشر : دار الأسوة. 4. ينابيع المودة / المجلّد : 2 / الصفحة : 44 / الناشر : دار الأسوة. ينابيع المودة / المجلّد : 3 / الصفحة : 291 / الناشر : دار الأسوة.
السيّد جعفر علم الهدى | الجواب: ابراهيم عليه السلام كان يخاطب الوثنيين وعبيد الأصنام ، فيقول لهم كيف تعبدون هذه الأصنام التي صنعتموها وعملتموها بأيديكم ، مع انّ الله تعالى هو الذي خلقكم وخلق مواد هذه الأصنام التي تعملونها وتصنعونها ، فلا ربط لهذه الآية المباركة لأفعال الإنسان وأعماله. وليت الآية بصدد بيان انّ الله تعالى هو خالق عمل الإنسان حتّى يستفاد منها الجبر وعدم الإختيار ، بل بصدد بيان انّ الأصنام التي يصنعها الإنسان مخلوقات الله تعالى كنفس الإنسان فلها خالق لابدّ أن يُعبد ذلك الخالق. فالآية في قوّة أن يقال : ( وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ) فانّ مواد الأصنام من الذهب والفضّة والحديد والخشب وسائر المعادن هي مخلوقة الله تعالى. فالآية تدلّ على انّه لا يصلح ما نحته الإنسان بيده أن يكون رباً للإنسان ومعبوداً له ، مع انّ الله تعالى خلق الإنسان وما يعمله ، والخلق لا ينفكّ عن التدبّر فالله هو ربّ الإنسان ، ومن السفه ان يترك هذا ويعبد ذاك. ومثل هذه الآية قوله تعالى : ( أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ) [ الصافات : 95 ـ 96 ] ، و ( مَا ) في قوله ( مَا تَنْحِتُونَ ) ، وفي قوله ( مَا تَعْمَلُونَ ) موصولة أيّ الشيء الذي تنحتونه وتصنعونه. فظهر انّ الآية لا تدلّ على انّ الله تعالى هو خالق أعمال الإنسان.
السيّد جعفر علم الهدى | الجواب: إستنباط الأحكام الشرعيّة من الآيات والروايات انّما هو من شؤون المجتهد الفقيه الذي له ملكة الإجتهاد ممّا يجعله متمكّناً من تمحيص الأدلّة وإثبات سندها ودلالتها وعلاج معارضاتها ، ومجرّد ضعف سند الرواية لا يقتضي ردّها وعدم الإستدلال بها ، إذ قد يكون هناك قرائن داخليّة أو خارجيّة توجب الإطمينان بصدورها ، فليس لمن ليس له خبرة في علم الفقه التدخّل في الإجتهاد والتفقّه. ثمّ انّ الروايات الدالّة على انّ البنت تكون بالغة ومكلّفة بجميع أحكام النساء ومنها الحجاب بإتمام تسع سنين كثيرة وفيها روايات معتبرة من حيث السند ، وقد عمل بها الأصحاب فلا وجه للتشكيك في ذلك. ففي الحديث عن أبي جعفر الباقر عليه السلام : « الجارية إذا بلغت تسع سنين ذهب عنها اليتم وزوّجت واُقيمت عليها الحدود التامّة لها وعليها ... » . وفي حديث آخر : « انّ الجارية إذا تزوّجت ودخل بها ولها تسع سنين اُقيمت عليها الحدود التامّة واخذ لها وبها ... » . وفي الخصال عن أبي عبدالله عليه السلام : « حدّ بلوغ المرأة تسع سنين » . وفي البحار عن أبا بصير قال سمعت أبا جعفر عيه السلام يقول : « لا تدخل المرأة على زوجها حتّى باقي لها تسع سنين أو عشر » . وعن الحلبي عن أبي عبدالله عليه السلام قال : « إذا تزوّج الرجل بالجارية وهي صغيرة فلا يدخل بها حتّى يكون لها تسع سنين » . وعن أبي جعفر عليه السلام قال : « لا يدخل بالجارية حتّى يأتي لها سبع سنين أو عشر » . وأمّا رواية الثلاثة عشر سنة فقد حملها الأصحاب على انّ المراد إثبات التكليف في هذا العمر وليس مفهوم الشرط مراداً ، أو فيما إذا لم يكن للجارية عقل قبل الثلاثة عشر وغير ذلك من المحامل.
مركز الأبحاث العقائديّة | الجواب: التجسيم من العقائد الباطلة التي انبثقت عن فرقة ظهرت في العصر الأموي وأصل تسرب هذه العقيدة إلى الإسلام الروايات الإسرائيلية المنقولة عن كعب الأحبار ووهب بن منبه. والمجسمة هم المشبهة أنفسهم وهم الذين يتخيّلون بأنّ الله تعالى على شكل ما من الأشكال ، وغالبهم يتصوّرونه ويتخيّلونه على صورة رجل جالس على كرسي عظيم « وهو كرسي الملك » ، والذي يدلّ على ذلك عباراتهم التي يردّدونها في كتبهم التي يتكلّمون فيها عن مسائل التوحيد والاعتقاد ، وكتاب « السنّة » المنسوب لابن الإمام أحمد من أوضح الأدلّة والشواهد على ذلك. والمجسمّة والمشبهة يثبتون لله تعالى أعضاء يسمّونها صفات كاليد والأصابع والوجه والساق والقدم والرجل والعين والجنب والجلوس والحركة والحدّ والجهة ، وغير ذلك من صفات المحدثات والأجسام ، وهم يستدلّون على ذلك بما ورد في القرآن الكريم كقوله تعالى : ( يَدُ اللَّـهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ) [ الفتح : 10 ] ، وقوله : ( الرَّحْمَـٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ ) [ طه : 5 ] ، وقوله : ( كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ) [ القصص : 88 ] ، وقوله : ( يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ ) [ القلم : 42 ] ، واشباهاً من الآيات المأوّلة عند سائر المسلمين بمعانٍ تنزيهية فتأول اليد بالقدرة مثلاً والإستواء بالهيمنة والعرش بالعلم وأمثال ذلك. وسبب فساد هذا الإعتقاد جعل الله عزّ وجلّ جسماً. والجسم لابدّ أن يكون محدوداً والمحدود ليس بإله لأنّه ممكن محتاج لأنّ ما يحيطه أقوى منه ، والأجسام متقوّمة بالأبعاد الثلاثة وهي محتاجة إلى المادّة والصورة ، بينما الله تعالى غني وغير محدود وهو خالق الأجسام و الصور والمواد والجواهر والأعراض وهو الذي أجرى على الأجسام صفة التحيز وسائر ما يلحقها من الصفات فكيف يجري عليه تعالى ما أجراه على خلقه ؟ تعالى الله عمّا يقول الظالمون علوّاً كبيراً. وعقيدة التجسيم اليوم قد تمّ إحياؤها من قبل الفرق الوهابيّة الذين يأبون إلّا أن يفهموا النصوص على ظواهرها حتّى ولو استلزم هذا الفهم نسبة الفقر والعجز والإمكان إلى الله عزّ وجلّ. ولهم في هذا الميدان أطروحات وتخرصات تضحك الثكلى ، فراجع.
مركز الأبحاث العقائديّة | الجواب: يعتقد أتباع مذهب أهل البيت عليهم السلام تبعاً للرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله والأئمّة الأطهار بأنّ رؤية الله عزّ وجلّ سواءً في الدنيا أو الآخرة وبالعين المجرّدة تعدّ من الاُمور المستحيلة ، لأنّ الله عزّ وجلّ أجلّ وأكبر من أن يكون كالأجسام الماديّة مثل الشمس والقمر التي تدرك بالإنعكاسات الضوئية. وإليك بعض الأدلّة العقليّة والقرآنيّة والحديثيّة في هذه المسألة : الأدلّة العقليّة : 1 ـ تتحقّق رؤية الشيء بالعين وانعكاس الضوء إذا كان الشيء المرئي والمشاهد في جهة معيّنة وأن تكون بين الرائي والمرئي مسافة معينة تفصل بينهما بحيث لو زادت أو نقصت تلك المسافة لخرجت الرؤية عن حيّز الإمكان ، والشرط الآخر أن يكون المرئي في مقابل الرائي ومحاذاته وبالالتفات إلى هذه الشروط والنقاط فرؤية الله تكون محالة ، وذلك لأنّه لا يتحقّق أيّ واحد من هذه الشروط بالنسبة إلى الله ، لأنّه تعالى لم يكن له جهة معيّنة ، أو مكان معيّن ليستقرّ فيه ، ولم يتصوّر أن تكون بينه تعالى وبين البشر أيّة محاذاة وفاصلة ومسافة ، لأنّ هذه المسافة والفاصلة تستلزم أن يكون الله عزّ وجلّ جسماً ماديّاً ومتحيّزاً ومتعلّقاً بالمكان ، وهذان الأمران من المستحيلات بالنسبة إلى ذاته عزّ وجلّ. 2 ـ رؤية الله عزّ وجلّ بواسطة العين الباصرة لا تخلوا من جهتين : إمّا أن تحيط الرؤية بجميع ذاته تعالى فإنّ هذه الإحاطة تستلزم تحديد وجود الله وحصره في مكان معيّن وخلوّ سائر النقاط منه ، لأنّ عين الإنسان محدودة القدرة ولا تستطيع الإحاطة بجميع الجهات. وإمّا أن تكون رؤيتنا إيّاه تعالى تتعلّق بجزء من ذاته ، وإنّها تدرك قسماً من ذاته تعالى ، فهذه تستلزم القول بالتجزئة والتركيب في ذاته ، وكلّ ذلك محال بالنسبة إلى الله ، لأنّه تعالى شأنه ليس محدوداً بحدّ ولا متحيّزاً في مكان ، وليس له أجزاء ومركّبات حتّى يكون في مكان دون مكان. الأدلّة القرآنيّة 1 ـ في سورة الأنعام : ( لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) [ الأنعام : 102 ] قال الطبرسي : الإدراك متى قرن بالبصر لم يفهم منه إلّا الرؤية. وعليه إذا قال أحد : أدركته ببصري وما رأيته متضادّ ، لأنّ الإدراك لا يكون بالعين. [ مجمع البيان ، 4 ، 344 ] . 2 ـ في سورة البقرة : ( وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللَّـهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ ) [ البقرة : 54 ـ 55 ] . هاتان الآيتان المتعاقبتان والمتتاليتان فيهما الدلالة التامّة على استحالة رؤية الله عزّ وجلّ ، لأنّ الآية الأولى صريحة في عذاب الذين عبدوا العجل فألزمهم الله بالتوبة وقيّدها بقتل النفس ـ الإنتحار ـ كفّارة البلاء السماوي عليهم. وترشدنا الآيتان معاً بكلّ وضوح وبيان إلى حقيقة وهي : أنّ طلب رؤية الله يعتبر من الذنوب الكبيرة ويوجب نزول العذاب السماوي كما أنّ عبادة العجل كفر وارتداد وموجبة للعذاب. والجدير بالذكر أنّ في كلّ الآيات التي أشير فيها إلى سؤال بني إسرائيل رؤية الله وطلبهم المستحيلات جاء ذكر العذاب والعقاب عقيب السؤال بتعابير بلاغيّة وجمل مختلفة ، وما ذالك إلّا لكون هذا السؤال ذنباً كبيراً وجريمة عظيمة. قال تعالى : ( يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَىٰ أَكْبَرَ مِن ذَٰلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّـهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ) [ النساء : 153 ] . وقال تعالى : ( وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا ) [ الفرقان : 21 ] . وعلى هذا الأساس فلو كانت رؤية الله ممكنة ـ كما يعتقد أهل السنّة القائلون بإمكانها ويدعون بأنّ رؤية الله تعالى والنظر إليه في القيامة هي من أعظم ما ينعم الله على عباده في الجنّة ، وأكبر ما يعطونه من الفضل واللطف الإلهي في القيامة ـ لما كان السؤال بتحقّقها وإيقاعها استكباراً وعتوّاً وتمرّداً عن أمر الله. وفي القرآن آيات عديدة أخرى تنفي الرؤية نفياً قطيّعاً ولكن اكتفينا بذكر هاتين الآيتين. الأدلّة الحديثيّة : 1 ـ من كلام له عليه السلام وقد سأله ذعلب اليماني فقال : هل رأيت ربّك يا أمير المؤمنين ؟ فقال عليه السلام : أفأعبد ما لا أرى ؟! قال : وكيف تراه ؟ قال عليه السلام : لا تدركه العيون بمشاهدة العيان ، ولكن تدركه القلوب بحقائق الإيمان ... [ كتاب التوحيد باب 5 باب نفي الرؤية وتأويل الآيات فيها ح 2 ] . 2 ـ سئل الصادق عليه السلام : هل يرى الله في المعاد ؟ قال عليه السلام : سبحانه وتعالى عن ذلك علوّاً كبيراً إنّ الأبصار لا تدرك إلّا ما له لون وكيفيّة ، والله خالق الألوان والكيفيّة. [ بحار الأنوار ، 4 ، 31 ح 5 ] . 3 ـ عن أبي عبد الله قال : جاء حبر إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال : يا أمير المؤمنين ، هل رأيت ربّك حين عبدته ؟ فقال عليه السلام : ويلك ما كنت أعبد ربّاً لم أره. قال وكيف رأيته ؟ قال عليه السلام : ويلك لا تدركه العيون في مشاهدة الأبصار ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان. [ بحار الأنوار ، 4 ، 32 ، ح 8 وص 53 ح 30 ] ، [ أصول الكافي ، 1 ، 98 ] ، [ كتاب التوحيد باب 9 باب إبطال الرؤية ح 6 ] . 4 ـ عن الأشعث بن حاتم قال : قال ذو الرئاستين : قلت لأبي الحسن الرضا عليه السلام : جعلت فداك ، أخبرني عمّا اختلف فيه الناس من الرؤية. فقال عليه السلام : يا أبا العباس من وصف الله بخلاف ما وصف به نفسه فقد أعظم الفرية على الله ، قال الله تعالى : ( لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) [ الأنعام : 103 ] . [ بحار الأنوار ، 4 ، 53 ح 31 ] . وهناك العشرات من الأحاديث الواردة عن الأئمّة عليهم السلام تنفي رؤية الله عزّ وجلّ ، وقد ذكرنا طرفاً منها كشواهد ونماذج.
السيّد جعفر علم الهدى | الجواب: نحن لا نقول بكذب جميع ما في كتب أهل السنّة ، بل كثير من أحاديث أهل السنّة صحيحة ومعتبرة لوجود متونها في أخبارنا المعتبرة خصوصاً الأحاديث التي تدلّ على صحّة معتقدات الشيعة أو فضائل أهل البيت عليهم السلام ، فانّ القوم اجتهدوا في إخفاء فضائل ومناقب ومقامات علي عليه السلام وأهل البيت عليهم السلام ، فإذا وجد في كتب أهل السنّة ما يدلّ على حقانيّة مذهب أهل البيت أو فضائلهم فيظهر انّ مضمون هذه الأحاديث كان ثابتاً وصحيحاً ومشهوراً بحيث لم يتمكّن القوم من إخفاءه واضطرّوا إلى ذكره في كتبهم ، ولذا نرى انّ المتعصّب منهم تعصّباً شديداً يخفيه ويكتمه ولا يذكره في كتابه ، لكن غيره يذكره حيث لا يتمكّن من إخفاء ما هو مشهور ومعروف وثابت 100%.
مركز الأبحاث العقائديّة | الجواب: السؤال سمعت أنّ الإنسان يذهب بعد الموت إلى البرزخ ، فكيف هي الحياة في البرزخ ؟ هل هي شبه الجنّة أو ماذا ؟ الرجاء أفادتني وشكراً. الجواب : قال رسول الله صلّى الله عليه وآله : « من مات فقد قامت قيامته » (1) ، فالبرزخ هي حياة ونشأة بين الدنيا والآخرة ، والمقصود من الحديث « قامت قيامته » هي القيامة الصغرى ، أو فقل أوّل درجات القيامة ، والقيامة الكبرى هي يوم الحشر الأكبر. والآيات والروايات تثبت الحياة في عالم البرزخ ، وتثبت فيه النعيم والعذاب ، فالقبر إمّا روضة من رياض الجنّة ، أو حفرة من حفر النيران. قال الشيخ الصدوق : « اعتقادنا في المسألة في القبر أنّها حقّ لابدّ منها ، فمن أجاب بالصواب فاز بروح وريحان في قبره ، وبجنّة نعيم في الآخرة ، ومن لم يأت بالصواب فله نزل من حميم في قبره ، وتصلية جحيم في الآخرة » (2). قال الله تعالى عن فرعون وأتباعه : ( النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ) (3). وأجاب الإمام الصادق عليه السلام عندما سُئِلَ عن أرواح المؤمنين : « أرواح المؤمنين في حجرات في الجنّة ، يأكلون من طعامها ، ويشربون من شرابها ، ويقولون : ربّنا أقم لنا الساعة لتنجز لنا ما وعدتنا » . وسُئل عليه السلام عن أرواح المشركين فأجاب : « في حجرات في النار يأكلون من طعامها ، ويشربون من شرابها ، ويتزاورون فيها ويقولون : ربّنا لا تُقم لنا الساعة ، لتنجز لنا ما وعدتنا » (4). وهذه الرواية تدلّ بتمامها على وجود البرزخ بَعد الموت مباشرة ، ونعيم المؤمنين وعذاب الكافرين فيه مستمر حتّى تقوم الساعة. فالبرزخ عالم حائل وحاجز بين الدنيا والآخرة ، وهو أوّل محطّات الرحلة إلى الآخرة ، وهو المنزل الأوّل للإنسان بعد مفارقة الدنيا بالموت ، كما قال تعالى : ( وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) (5). الهوامش 1. بحار الأنوار ٥٨ / ٧. 2. الاعتقادات : ٥٨. 3. غافر : ٤٦. 4. المحاسن ١ / ١٧٨. 5. المؤمنون : ١٠٠.
السيّد جعفر علم الهدى | الجواب: إذا كان معاوية صالحاً أو غير فاسد ، فلماذا حاربه الإمام علي عليه السلام في صفين ، وحاربه الإمام الحسن عليه السلام بعد ذلك ؟ وهل يحارب المؤمن الرجل الصالح وغير الفاسد ؟ أم تشكّ في ايمان علي والحسن عليهما السلام وتعتقد بصلاح معاوية ؟ فالإمام الحسين عليه السلام انّما لم يحارب معاوية لأجل مصلحة الإسلام كما فعله أخوه الحسن عليه السلام (1). وكما لم يحارب أمير المؤمنين علي عليه السلام من غصب الخلافة. فانّ وظيفة المؤمن تختلف بحسب اختلاف الحالات والظروف. ومن المعلوم انّ معاوية كان يحفظ الظاهر ولا يعلن بكفره وفسقه وفجوره ، بل قد اتّخذ من قميص عثمان حجّة لكي يظهر حقّانيته ، لكن يزيد كان يعلن بالكفر والفسق والفجور (2). فكان سكوت الحسين عليه السلام وعدم قيامه بالثورة عليه تأييداً للكفر والفسق ، فأراد ان يحفظ الإسلام ولو باستشهاده ومظلوميّته. الهوامش 1. الإرشاد « للشيخ المفيد » / المجلّد : 2 / الصفحة : 32 / الناشر : دار المفيد / الطبعة : 2 : ما رواه الكَلبيُّ والمدائنيُّ وغيرُهما من أَصحاب السِّيرةِ قالوا : لمّا ماتَ الحسنُ بنُ عليِّ عليهما السّلامُ تحرّكتِ الشِّيعةُ بالعراقِ وكتبوا إِلى الحسينِ عليهِ السّلامُ في خلعِ معاويةَ والبيعةِ له ، فامتنعَ عليهم وذكرَ أَنَّ بينَه وبينَ معاوية عهداً وعقداً لا يجوزُ له نقضُه حتّى تمضِيَ المُدّةُ ، فإِن ماتَ معاويةُ نظرَ في ذلكَ. فلمّا ماتَ معاويةُ ـ وذلكَ للنِّصفِ من رجب سنة ستِّينَ منَ الهجرةِ ـ كتبَ يزيدُ إِلى الوليدِ بن عُتْبة بن أَبي سفيانَ ـ وكانَ على المدينةِ من قِبَلِ معاويةِ ـ أَن يأْخذَ الحسينَ عليهِ السّلامُ بالبيعةِ له ، ولا يُرخِّصَ له في التّأخُّرِ عن ذلكَ. 2. اللهوف في قتلى الطفوف « للسيد بن طاووس » / الصفحة : 17 / الناشر : أنوار الهدى / الطبعة : 1 : فقال : أيها الأمير إنا أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة بنا فتح الله وبنا ختم الله ويزيد رجل فاسق ، شارب الخمر ، قاتل النفس المحرمة ، معلن بالفسق ، ومثلي لا يبايع مثله.
مركز الأبحاث العقائديّة | الجواب: لقد تعدّدت أسئلتك وسوف نجيب عليها بالنقاط التالية : ١. الولاية التكوينية : هنالك عدّة معانٍ لها يذكرها العلماء في كتبهم ، بعضها شرك محرّم ، وهي القائلة بأنّ معنى الولاية التكوينيّة لغير الله ، أنّهم يتصرّفون بالكون والخلق بانفصال عن إرادة الله تعالى ، أو أنّ الله تعالى قد فوّض إليهم شؤون العالم ، وهذه المعاني كما قلنا قد اتّفق العلماء على استلزامها للشرك المحرّم. أمّا إن كان معنى الولاية التكوينيّة غير هذا ، بل هو التصرّف في الكون بإشارة الله وإرادته فلا مانع من ذلك ولا محذور ، وقد وقع في حقّ غير أهل البيت عليهم السلام كما يذكر القرآن الكريم قصّة آصف وزير سليمان ( قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَـٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي ... ) [ النمل : 40 ] . وهنالك معان أُخرى لا تصل إلى الأوّل ، وإن كانت أعمق من الثاني ، أعرضنا عنها للإختصار. ٢. أمّا ثبوتها لأهل البيت عليهم السلام : فلا ريب في ذلك ولا شبهة ـ بما عدا المعنى الأوّل الذي يستلزم الشرك والتفويض المحرّم ـ ويكفينا دلالة على ذلك الآية التي ذكرناها حكاية عن آصف ، فمن كان عنده علم من الكتاب ـ ومن تبعيضيّة ـ يستطيع أن يتصرّف في شؤون الكون ، ويأتي بعرش بلقيس من اليمن إلى بيت المقدس. فكيف لا يستطيع ذلك ـ وأكثر منه ـ من عنده علم الكتاب ـ أي جميع الكتاب ـ وقد وردت الروايات الكثيرة أنّ أهل البيت عليهم السلام عندهم علم جميع الكتاب ، بل القرآن صريح في ذلك ، حيث يقول إشارة إلى الكتاب الكريم ( وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّـهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ) [ آل عمران : 7 ] . ٣. أمّا حكم منكرها أو وجوب الإعتقاد بها : إنّ مقامات أهل البيت عليهم السلام كثيرة جدّاً ، قد لا يصل إلى إدراكها إلّا الأوحدي من الناس ، وهذا ما نجد بعض الأحاديث المستفيضة تشير إليه ، فعن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال : « فمن عرف فاطمة حقَّ معرفتها فقد أدرك ليلة القدر ، وإنّما سمّيت فاطمة لأنّ الخلق فطموا عن معرفتها » [ تفسير فرات ص 581 ] . ومن هنا نقول : إنّه ليس ذنباً أن تقصر إفهام البعض عن إدراك هذه الذوات القدسيّة والأنوار الإلهيّة ، ولكن الذنب في إنكارها وجحدها بدون دليل وعلم ، بل لمجرّد قصور الذهن وعدم التفاعل. اللهم عرّفنا حجّتك ، فإنّك إن لم تعرفنا حجّتك ضللنا عن ديننا.
السيّد جعفر علم الهدى | الجواب: في الحديث عن معلّى بن خنيس قال سمعت أبا عبدالله عليه السلام يؤذن فقال : « الله أكبر ، الله أكبر ، الله أكبر ، الله أكبر ، أشهد أن لا إله إلّا الله ، أشهد أن لا إله إلّا الله ، أشهد أنَّ محمداً رسول الله ، أشهد أنَّ محمداً رسول الله ، حيّ على الصلاة ، حيّ على الصلاة ، حيّ على الفلاح ، حيّ على الفلاح ، حيّ على خير العمل ، حيّ على العمل ، الله أكبر ، الله أكبر ، لا إله إلّا الله ، لا إله إلّا الله » . وفي حديث آخر أنّ الإمام عليه السلام علّم الأذان لأبي بكر الحضرمي وكليب الأسدي وذكر نحوه ثمّ قال والإقامة كذلك. وأمّا أشهد أنّ عليّاً وليّ الله ، فليس جزءاً من الأذان والإقامة على ما هو المعروف بين فقهاء الإماميّة وان قال بعضهم بجزئيّتها لهما وانّما هو مستحبّ بعد ذكر الشهادتين مطلقاً كما ورد في الحديث عن الصادق عليه السلام قال : « إذا قال أحدكم لا إله إلّا الله محمّد رسول الله ، فليقل علي أمير المؤمنين عليه السلام » [ بحار الأنوار / المجلّد : 27 / الصفحة : 1 / الباب : 10 / الحديث : 1 ] ، والحديث عام يشتمل حالة الأذان والإقامة أيضا. وقد روي نظير ذلك أيّ اقتران اسم علي باسم الله والنبي صلّى الله عليه وآله من طريق أهل السنّة. فعن أبي الحمراء عن رسول الله صلّى الله عليه وآله قال : « لما اسري بي إلى السماء نظرت إلى العرش فإذا عليه مكتوب لا إله إلّا الله ، محمّد رسول الله أيّدته بعلي ونصرته به » [ شواهد التنزيل / المجلّد : 1 / الصفحة : 298 ] . وعن عبدالله بن مسعود عن رسول الله صلّى الله عليه وآله قال : « يا عبدالله أتاني ملك فقال يا محمّد سل من أرسلنا قبلك من رسلنا على ما بعثوا ؟ قال : قلت : على ما بعثوا ؟ قال : على ولايتك وولاية علي بن أبي طالب » [ شواهد التنزيل / المجلّد : 2 / الصفحة : 223 ] . وعن حذيفة بن اليمان عن رسول الله صلّى الله عليه وآله قال : « لو علم الناس متى سمّي علي أمير المؤمنين ما أنكروا فضله. سمّي أميراً و آدم بين الروح والجسد ». قال الله تعالى : ( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ) [ الأعراف : 172 ] . قالت الملائكة : بلى من فقال الله تبارك وتعالى أنا ربّكم ومحمّد نبيّكم وعليّ أميركم. ففي كلّ مورد يذكر فيه الله ورسوله يذكر علي معه ... بل يحتمل وجوب الشهادة الثالثة في الأذان في زماننا لا بعنوان الجزئيّة للأذان بل لأنّه صار شعاراً للشيعة كما احتمله الفقيه الأكبر السيّد محسن الحكيم قدّس سرّه في مستمسك العروة الوثقى المجلّد : 5 / الصفحة : 545 ، قال : « كما انّه لا بأس بالإتيان به بقصد الإستحباب المطلق لما في خبر الإحتجاج إذا قال أحدكم لا اله إلّا الله محمّد رسول الله فليقل علي أمير المؤمنين ، بل ذلك في هذه الأعصار معدود من شعائر الإيمان ورمز إلى التشيّع فيكون من هذه الجهة راجحاً شرعاً بل قد يكون واجباً لكن لا بعنوان الجزئيّة من الأذان ». بل قال المجلسي في بحار الأنوار : « لا يبعد كون الشهادة بالولاية من الأجزاء المستحبّة للأذان ، لشهادة الشيخ والعلّامة الشهيد وغيرهم بورود الأخبار بها ، ويؤيّد ذلك بخبر الإحتجاج المتقدّم » [ بحار الأنوار / المجلّد : 84 / الصفحة : 111 ] . ونظره إلى انّ هذه الأخبار وان كانت ضعيفة وغير معتبرة إلّا انّه يمكن ان يثبت بها الجزء المستحب لقاعدة التسامح في أدلّة السنن. ثمّ انّه قد ورد في بعض كتب أهل السنّة ذكر الشهادة الثالثة في الأذان : فقد روى الشيخ عبد الله المراغي في كتابه السلافة في أمر الخلافه انّ سلمان أذّن بعد واقعة الغدير ، وقال في أذانه بعد الشهادتين « أشهد أنّ عليّاً أمير المؤمنين » ، فشكاه بعض الصحابة إلى النبي صلّى الله عليه وآله ، فقال النبي صلّى الله عليه وآله : « سمعتم خيراً » . وفي رواية انّ أباذر أيضاً أذّن وقال في أذانه « أشهد أنّ عليّاً وليّ الله » ، فذكر ذلك للنبي صلّى الله عليه وآله فقال : « ألم أقل يوم غدير خم من كنت مولاه فهذا علي مولاه » [ جواهر الولاية / الصفحة : 379 ] . ولنعم ما أجاب العالم الربّاني المعروف بالفقاهة والزهد آية الله العظمى السيّد أحمد الخوانساري أعلى الله مقامه حيث سئل : هل أشهد أنّ عليّاً ولي الله جزء من الأذان ؟ فقال : « انّ الأذان جزء من أشهد انّ علياً ولي الله » [ نداى حق للسيّد على أكبر الموسوي / الصفحة : 141 ] . وقال السيّد بحر العلوم قدّس سره في منظومته الفقهيّة بالنسبة للشهادة الثالثة : أو سنة ليس من الفصول لكنّها من أعظم الاُصول وأكمل الشهادتين بالتي قد أكمل الدين بها في الملّة فانّها مثل صلاة خارجة عن الخصوص بالعموم والجة وينقل انّ الشيخ جعفر كاشف الغطاء قال للسلطان فتحعلي شاه القاجاري وهو في طريقه إلى زيارة الإمام الرضا عليه السلام : « ينبغي أن تأمروا أهل ايران بأن يشهدوا في الأذان بأنّ عليّاً أمير المؤمنين إذ لا يكفي ان يقولوا علي ولي الله لأنّ السيّد محسن الأعرجي ولي الله أيضاً » [ رسالة ذكر المحسنين للسيّد حسن الصدر ] .
السيّد جعفر علم الهدى | الجواب: هذا الحديث مروي من طرق الشيعة أيضاً وقد استدلّ به الكثير من علمائنا الأعلام في أبواب كثيرة من مسائل علم اُصول الفقه ، وفي الكتب الفقهيّة ويعرف بـ « حديث الرفع ». قال رسول الله صلّى الله عليه وآله : « رفع عن اُمّتي تسعة : ما لا يطيقون وما لا يعلمون وما اضطرّوا إليه وما استكرهوا عليه والخطأ والنسيان والطيرة والحسد والوسوسة في الخلق » . (1) روى الشيخ الصدوق بسند صحيح في « الخصال » عن حريز عن أبي عبد الله عليه السلام قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وآله : رفع عن اُمّتي تسعة : الخطأ ، والنسيان ، وما أكرهوا عليه ، وما لا يعلمون وما لا يطيقون ، وما اضطرّوا إليه ، والحسد ، والطيرة ، والتفكّر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطق بشفة . (2) وأمّا معنى هذا الحديث ومفاده فتحقيق ذلك من شؤون العلماء الأعلام حيث فيه أبحاث كثيرة من جهة انّ المرفوع هل هو الحكم الشرعي الواقعي أو الظاهري ، أو انّ المرفوع هو المؤاخذة واستحقاق العقاب ، أو انّ المرفوع خصوص الحكم التكليفي ، أو يعمّ الحكم والأثر الوضعي أيضاً ، أو يقال بالتفصيل بانّ المرفوع في بعضها الحكم الواقعي وفي البعض الآخر المؤاخذة أو الحكم الظاهري ، وعلى كلّ حال فالسند صحيح ولا مؤاخذة على متن هذا الحديث. نعم المؤاخذة تكون على فهم علماء أهل السنّة لهذا الحديث من أنّ المرفوع في حال الجهل « وما لا يعلمون » هو الحكم الواقعي ، فانّه مستلزم للتصويب والدور أو التسلسل المحال. وقد ذهب أكثر علماء السنّة انّه ليس هناك حكم واقعي بل حكم الله تعالى تابع لرأي المجتهد. وقال بعضهم انّ الله تعالى حكماً واقعيّاً لكنّه يتبدّل حسب رأي المجتهد ، فإذا ادّى رأيه إلى غير ذلك الحكم يتبدّل الحكم الواقعي ويتغيّر ، والرأي الأوّل محال لأنّه يستلزم الدور والثاني مجمع على بطلانه. والصحيح عند الإماميّة انّ الله تعالى له أحكام واقعيّة لا تتبدّل ولا تتغيّر لسبب الجهل بها ، والمجتهد إذا أخطأ في الوصول إلى الحكم الواقعي لا يسقط ذلك الحكم ولا يتبدّل ، والمصلحة الواقعيّة تفوت عليه وعلى مقلّديه ، لكن يكون معذوراً ولا يعاقب على مخالفة الواقع ؛ فالعلم شرط لتنجّز الحكم لا لأصل الحكم. نعم بالنسبة إلى الاضطرار والإكراه والنسيان يكون المرفوع الحكم الواقعي فالمختار له حكم واقعي خاص والمضطر له حكم واقعي آخر. مثلاً شرب النجس حرام للمختار واقعاً ولكن إذا اضطرّ إلى شرب النجس لحفظ النفس يرتفع حرمته ويصير حلالاً واقعاً ، بخلاف الجهل بالحكم الواقعي فانّه لا يغيّره ، بل غاية الأمر يكون الجاهل معذوراً في مخالفة الواقع. الهوامش 1. راجع : الأصول من الكافي « للكليني » / المجلّد : 2 / الصفحة : 335 / الناشر : المكتبة الإسلاميّة ـ طهران. راجع : التوحيد « للصدوق » / الصفحة : 353 / الناشر : منشورات جماعة المدرسين في الحوزة العلمية في قم المقدسة. راجع : الخصال « للصدوق » / الصفحة : 417 / الناشر : منشورات جماعة المدرسين في الحوزة العلمية قم المقدسة. راجع : وسائل الشيعة « للحر العاملي » / المجلّد : 15 / الصفحة : 369 / الناشر : مؤسسة آل البيت عليهم السلام لاحياء التراث 2. الخصال « للصدوق » / الصفحة : 417 / الحديث : 9 / باب : التسعة أشياء / الناشر : منشورات جماعة المدرسين في الحوزة العلمية ـ قم المقدسة.
مركز الأبحاث العقائديّة | الجواب: في الجواب نشير إلى مطالب : أوّلاً : إنّ الأدلّة على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام كثيرة عقلاً ونقلاً تكاد لا تحصى ، وقد أُلّفت كتب مستقلّة في هذا المجال. ولكنّ الأمر الذي ينبغي الإشارة إليه ، هو أنّ الإمام عليه السلام لم يكن ملزماً لا عقلاً ولا شرعاً بالاحتجاج والمناشدة بكافّة هذه الأدلّة ، بل بالمقدار الذي يلقي الحجّة على الناس ، وهذا هو الذي حدث بعد ما علمنا من احتجاجه عليه السلام بحديث الغدير ، وعدم رضوخ القوم لهذا الحقّ الصريح ، وبعده هل يبقى مجال لاحتمال تأثير أمثال آية الولاية في نفوسهم ؟! ثانياً : لنفرض أنّ الاحتجاج بهذه الآية لم يصل إلينا ، فهل هذا دليل على عدم صدوره منه عليه السلام ؟ مع أنّ المتيقّن هو : عدم وصول أخبار وآثار كثيرة من لدن الصدر الأوّل إلينا ، خصوصاً ما كان منها يصطدم مع مصالح الخلفاء ، فإنّهم أخفوا الكثير من فضائل ومناقب أهل البيت عليهم السلام ، فما ظهر منها فهو غيض من فيض. ثالثاً : ثمّ لنفرض مرّة أُخرى ، أنّ الإمام عليه السلام لم يحتجّ بها واقعاً ، فهل هذا يدلّ بالالتزام على عدم دلالة الآية على إمامته عليه السلام ؟ إذ لا توجد ملازمة بين المسألتين. رابعاً : هذه الشبهة هي في الأصل من الفخر الرازي في تفسيره للآية ، حيث قال : « فلو كانت هذه الآية دالّة على إمامته لاحتجّ بها في محفل من المحافل ، وليس للقوم أن يقولوا : إنّه تركه للتقية ، فإنّهم ينقلون عنه أنّه تمسّك يوم الشورى بخبر الغدير ... » (1). فنقول ردّاً عليه : بأنّ الاحتجاج بالآية ورد في مصادر الشيعة (2) ، وقد أشار إلى بعض الحديث جمع من مصادر أهل السنّة (3). الهوامش 1. التفسير الكبير 4 / 385. 2. الاحتجاج 1 / 202 ، أمالي الشيخ الطوسي : 549 ، الخصال : 580. 3. أُنظر : المناقب للخوارزمي : 313 ، تاريخ مدينة دمشق 42 / 432.
مركز الأبحاث العقائديّة | الجواب: إنّ الروايات قد بيّنت أنّ المودّة ليست واجبة لجميع قرابة النبيّ صلّى الله عليه وآله ، فعن ابن عبّاس قال : لمّا نزلت : ( قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ) (1) قالوا : يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين أوجبت علينا مودّتهم ؟ قال : « علي وفاطمة وابناهما » (2). وفي رواية أُخرى عن ابن عبّاس أيضاً قال : « عليٌّ وفاطمةُ وولدُهما » (3). فالآية مع ضميمة الروايات المفسّرة لها أوجبت مودّة هؤلاء ـ علي وفاطمة وولدهما عليهم السلام ـ ، وحيث إنّ هذا التوادّ على نحو الإطلاق من غير تحديد بوقت أو صفة ، فلابدّ أن يكون المؤمن دائماً موادّاً لأهل البيت عليهم السلام. والمودّة المطلقة تستلزم وجوب الاتباع والاقتداء ، وإلّا لم يكن لها معنىً ؛ لأنّه لو انفكّت الموادّة في مورد واحد ، لكان ذلك خلاف ما تقدّم من الوجوب مطلقاً ، وهذا يستلزم الاتباع والاقتداء. الهوامش 1. الشورى : 23. 2. ذخائر العقبى « للطبري » / الصفحة : 62 ـ 63 / الناشر : مكتبة الصاحبة ـ جدّة. مجمع الزوائد « للهيثمي » / المجلّد : 7 / الصفحة : 103 / الناشر : دار الكتاب العربي ـ بيروت / الطبعة : 3. مجمع الزوائد « للهيثمي » / المجلّد : 9 / الصفحة : 168 / الناشر : دار الكتاب العربي ـ بيروت / الطبعة : 3. المعجم الكبير « للطبراني » / المجلّد : 3 / الصفحة : 39 / الناشر : مكتبة ابن تيمية ـ قاهرة. المعجم الكبير « للطبراني » / المجلّد : 11 / الصفحة : 444 / الناشر : مكتبة ابن تيمية ـ قاهرة. شواهد التنزيل « للحسكاني » / المجلّد : 2 / الصفحة : 130 ـ 135 / الناشر : مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ـ بيروت. ينابيع المودّة « للقندوزي » / المجلّد : 2 / الصفحة : 120 / الناشر : دار الأسوة. ينابيع المودّة « للقندوزي » / المجلّد : 2 / الصفحة : 325 / الناشر : دار الأسوة. ينابيع المودّة « للقندوزي » / المجلّد : 2 / الصفحة : 453 ـ 454 / الناشر : دار الأسوة. ينابيع المودّة « للقندوزي » / المجلّد : 3 / الصفحة : 137 ـ 138 / الناشر : دار الأسوة. 3. الدر المنثور « للسيوطي » / المجلّد : 13 / الصفحة : 149 ـ 150 / الناشر : مركز هجر للبحوث والدراسات العربية والإسلامية. راجع : بحار الأنوار « للمجلسي » / المجلّد : 23 / الصفحة : 229 ـ 230 / الناشر : مؤسسة الوفاء ـ بيروت / الطبعة : 2.