مركز الأبحاث العقائديّة | الجواب: يستدلّ علماؤنا بكلمة : ( وَأَنفُسَنَا ) (1) على إمامة الإمام علي عليه السلام ، تبعاً لأئمّتنا عليهم السلام. ولعلّ أوّل من استدلّ بهذه الآية هو أمير المؤمنين عليه السلام نفسه ، عندما احتجّ على الحاضرين في الشورى ، بجملة من فضائله ومناقبه ، فكان من ذلك احتجاجه بآية المباهلة ، وكلّهم أقرّوا بما قال عليه السلام. (2) وروى الشيخ المفيد قدّس سرّه : أنّ المأمون العباسي سأل الإمام الرضا عليه السلام : أخبرني بأكبر فضيلة لأمير المؤمنين عليه السلام يدلّ عليها القرآن ؟ فذكر له الإمام الرضا عليهالسلام آية المباهلة ، واستدلّ بكلمة : ( وَأَنفُسَنَا ) . (3) لأنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله عندما أمر أن يخرج معه نساؤه أخرج فاطمة فقط ، وعندما أُمر أن يخرج أبناؤه أخرج الحسن والحسين فقط ، وعندما أُمر أن يخرج معه نفسه أخرج عليّاً ، فكان علي عليه السلام نفس رسول الله صلّى الله عليه وآله. إلّا أنّ كون علي نفس رسول الله بالمعنى الحقيقي غير ممكن ، فيكون المعنى المجازي هو المراد ، وأقرب المجازات إلى المعنى الحقيقي في مثل هذا المورد هو أن يكون عليه السلام مساوياً لرسول الله صلّى الله عليه وآله في جميع الخصوصيّات ، إلّا ما أخرجه الدليل وهو النبوّة ، إذ لا نبيّ بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله. ومن خصوصيّات رسول الله صلّى الله عليه وآله أنّه أفضل من جميع المخلوقات ، فعلي عليه السلام كذلك ، والعقل يحكم بقبح تقدّم المفضول على الفاضل ، إذاً لابدّ من تقدّم علي عليه السلام على غيره في التصدّي لخلافة المسلمين. الهوامش 1. آل عمران : 61. 2. أُنظر : تاريخ مدينة دمشق « لابن عساكر » / المجلّد : 42 / الصفحة : 431 ـ 433 / الناشر : دار الفكر ـ بيروت. 3. مصنفات الشيخ المفيد / المجلّد : 2 / الصفحة : 38 / الناشر : المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد.
السيّد جعفر علم الهدى | الجواب: أمّا من طرق الشيعة فقد ورد تفسير الكثير من الآيات القرآنيّة بالأئمّة الإثنى عشر والروايات المصرّحة بذلك من طرقنا متواترة بل فوق التواتر والإحصاء. وأمّا من طرق أهل السنّة فقد ورد في صحاحهم مثل « صحيح البخاري ومسلم وغيرهما » انّ الأئمّة بعد النبي اثنى عشر. ففي صحيح البخاري في كتاب الأحكام روى بسنده عن جابر بن سمرة قال سمعت النبي (ص) يقول يكون اثنا عشر أميراً فقال كلمة لم أسمعها فقال القوم كلّهم من قريش . (1) وفي صحيح مسلم في كتاب الأمارة روى بسندين عن جابر بن سمرة ، قال : دخلت مع أبي على النبي (ص) ، فسمعته يقول : « إِنّ هذا الأمر لا ينقضي حتّى يمضي فيهم إثنا عشر خليفة » . قال : ثمّ تكلّم بكلام خفي عليّ. فقلت لأبي : ما قال ؟ قال : كلّهم من قريش . (2) وفي صحيح الترمذي روى بسندين عن جابر بن سمرة قال : قال رسول الله (ص) : « يكون من بعدي اثنا عشر أميراً » قال : ثمّ تكلّم بشيء لم أفهمه ، فسألت الذي يليني ، فقال : قال : « كلّهم من قريش » . (3) وفي مسند الإمام أحمد بن حنبل روي بسنده عن جابر بن سمرة قال : قال رسول الله (ص) : لا يزال الدين قائماً حتى يكون اثنا عشر خليفه من قريش . (4) وروى أيضاً بسنده عن جابر بن سمرة قال : سمعت النبي (ص) يقول : يكون لهذه الاُمّة اثنا عشر خليفة . (5) وفي مستدرك الصحيحين روي بسنده عن مسروق قال : كنّا جلوساً ليلةً عند عبد الله يقرئنا القرآن ، فسأله رجل فقال : يا أبا عبد الرحمن ، هل سألتم رسول الله (ص) كم يملك هذه الاُمّة من خليفة ؟ فقال عبدالله : ما سألني عن هذا أحد منذ قدمت العراق قبلك ، قال سألناه فقال : « اثنا عشر عدّة نقباء بني إسرائيل » . (6) ورواه أحمد بن حنبل في مسنده. (7) ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد. (8) وهذا الحديث لا ينطبق إلّا على الأئمّة الإثنى عشر المعصومين من ذريّة النبيّ الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم وقد أمر النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم بالتمسّك بالعترة الطاهرة مع القرآن الكريم وقال : « انّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض » . (9) قال بعض العلماء المتحقّقين : أقوال وأخبار الباب المتقدّم كما عرفت هي من الأدلّة القاطعة والنصوص الجليّة الواضحة على حقيّة مذهب الشيعة الإثنى عشريّة وعلى بطلان سائر المذاهب طرأ وذلك لعدم انطباقها على ما يعتقده العامّة من خلافة الخلفاء الراشدين الأربعة أو الخمسة بإنضمام الحسن بن علي عليه السلام إليهم لكونهم أقلّ عدداً أو خلافة من سواهم من بني اُميّة أو بني العبّاس لكونهم أكثر عدداً. مضافاً إلى انّ بني اُميّة وبني العبّاس كان أكثرهم من أهل الفسق والفجور قد قضوا أعمارهم بشرب الخمور وبالملاهي والملاعب واستماع الغناء وضرب الرفوف وسفك الدماء المحرّمة وغير ذلك من المحرّمات ، فكيف يجوز ان يكونوا خلفاء رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم. ولا تنطبق الأخبار أيضاً على ما يعتقده سائر فرق الشيعة من الزيديّة والإسماعيليّة والفطحيّة وغيرهم لكون أئمّتهم أقلّ. فيحضر انطباقها على ما يعتقده الشيعة الاثنى عشرية من إمامة الأئمّة الإثنى عشر الذين هم عترة النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم وأهل بيته ، أوّلهم علي بن أبي طالب عليه السلام وآخرهم المهدي الحجّة بن الحسن العسكري عليه السلام ... وقد ذكر القندوزي في ينابيع المودّة في الباب السابع والسبعين عن بعض علماء العامّة انّه قد روى حديث جابر بن سمرة وقال في آخره : « كلّهم من بني هاشم » (10). وقد روى الحافظ أبو نعيم في حليته بسنده عن ابن عبّاس قال : قال رسول الله (ص) : من سرّه أن يحيا حياتي ، ويموت مماتي ، ويسكن جنّة عدن غرسها ربّي ، فليوال عليّاً من بعدي وليوال وليه ، وليقتد بالأئمّة من بعدي فانّهم عترتي خلقوا من طينتي ، رزقوا فهماً وعلماً. وويل للمكذّبين بفضلهم من اُمّتي ، القاطعين فيهم صلتي ، لا أنالهم الله شفاعتي ». (11) أقول وهناك روايات من طرق أهل السنّة فيها تصريح النبي الأعظم صلّى الله عليه وآله بأسماء الأئمّة الإثنى عشر من عترته الطاهرة. وقد عقد القندوزي الحنفي في كتابه ينابيع المودة باباً بعنوان « الباب السادس والسبعون في بيان الأئمّة الإثنى عشر بأسمائهم » روى فيه ثلاث روايات فيها أسماء الأئمّة عليهم السلام على لسان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم. (12) وفي ينابيع المودّة « الباب السابع والسبعون » عن سليم بن قيس عن سلمان الفارسي قال : دخلت على النبي (ص) فإذا الحسين على فخذيه ، وهو يقبّل خدّيه ويلثم فاه ، ويقول : أنت سيد ابن سيد أخو سيد ، وأنت إمام ابن إمام أخو إمام ، وأنت حجة ابن حجة أخو حجة ، أبو حجج تسعة تاسعهم قائمهم المهدي . (13) وعن ابن عبّاس : قال سمعت رسول الله (ص) يقول : أنا وعلي والحسن والحسين وتسعة من ولد الحسين مطهرون معصومون . (14) وعن عباية بن ربعي عن جابر قال : قال رسول الله (ص) : أنا سيّد النبيين ، وعلي سيّد الوصيين ، وانّ أوصيائي بعدي اثنا عشر ، أوّلهم علي ، وآخرهم القائم المهدي . (15) الهوامش 1. مسند أحمد / المجلّد : 5 / الصفحة : 90 و92. 2. صحيح مسلم / المجلّد : 3 / الصفحة : 365 / الحديث : 1821 / الناشر : دار الخير ـ دمشق ، بيروت. 3. سنن الترمذي / المجلّد : 5 / الصفحة : 7 ـ 8 / الناشر : دار ابن كثير ـ دمشق ، بيروت. 4. مسند أحمد / المجلّد : 5 / الصفحة : 86. 5. مسند أحمد / المجلّد : 5 / الصفحة : 106 / الناشر : دار الفكر. 6. المستدرك على الصحيحين / المجلّد : 10 / الصفحة : 350 / الحديث : 8739 / الناشر : دار الميمان. 7. راجع : مسند الامام أحمد بن حنبل / المجلّد : 1 / الصفحة : 398 / الناشر : دار الفكر. راجع : مسند الامام أحمد بن حنبل / المجلّد : 1 / الصفحة : 406 / الناشر : دار الفكر. 8. راجع : مجمع الزوائد ومنبع الفوائد / المجلّد : 5 / الصفحة : 190 / الناشر : دار الكتاب العربي ـ بيروت / الطبعة : 3. 9. فضائل الخمسة من الصحاح السنة / المجلّد : 2 / الصفحة : 52 ـ 60 / الناشر : مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ـ بيروت / الطبعة : 4. 10. ينابيع المودة / المجلّد : 2 / الصفحة : 315 / الناشر : دار الأسوة. 11. حلية الأولياء / المجلّد : 1 / الصفحة : 86 / الناشر : دار الكتاب العربي / الطبعة : 4. 12. ينابيع المودة / المجلّد : 3 / الصفحة : 281 ـ 282 / الناشر : دار الأسوة. 13. ينابيع المودة / المجلّد : 3 / الصفحة : 291 / الناشر : دار الأسوة. 14. ينابيع المودة / المجلّد : 3 / الصفحة : 291 / الناشر : دار الأسوة. 15. ينابيع المودة / المجلّد : 3 / الصفحة : 291 / الناشر : دار الأسوة.
السيّد جعفر علم الهدى | الجواب: الشرك هو أن يعبد الإنسان غير الله تعالى أو ان يعتقد انّ هناك مؤثر وخالق غير الله تعالى ؛ وامّا طلب الحاجة من غير الله مع الإعتقاد بأنّ الله تعالى هو المؤثّر بالذات ولا حول ولا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم فليس شركاً وإلّا كان إستعمال الدواء للعلاج شركاً لأنّ من يستعمل الدواء يطلب الشفاء باستعماله ، والذي أخرجه من الشرك هو الإعتقاد بأنّ الله تعالى أعطى للدواء خاصية العلاج فالمؤثّر في الحقيقة هو الله تعالى الذي جعل الشفاء في الدواء ، فيكون إستعمال الدواء باعتقاد انّ الله تعالى جعله شفاء عين التوحيد وليس شركاً وبناء على ذلك. فمن يقول : « يا محمّد ، يا علي ، يا حسين » ، يدور أمره بين أمرين : الأوّل : أن يتوسّل بهؤلاء لكي يشفعوا له عند الله ليطلبوا من الله تعالى أن يقضي حوائجهم ، فهو في الحقيقه طلب من الله تعالى لكن مع التوسّل بأوليائه فيكون إمتثالاً لأمره تعالى ، حيث يقول في القرآن الكريم : ( وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ) [ المائدة : 35 ] ، وهذا كما نقول لصديقنا ادع الله تعالى لنا ليقضي حوائجنا ، فهل طلب الدعاء من الصديق يكون شركاً ؟ وقد صرّح القرآن الكريم بانّ أولاد يعقوب جاؤوا إلى أبيهم وطلبوا منه أن يستغفر الله لهم ، ولم يعترض عليهم أبوهم يعقوب النبي لماذا تطلبون منّي ان استغفر الله لكم بل استغفروا الله بأنفسكم ؟ ولم يقل لهم هذا شرك ، بل وعدهم واستغفر لهم الله تعالى وهكذا القرآن الكريم يقول : ( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّـهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّـهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا ) [ النساء : 64 ] ، فذكر انّ من شروط قبول توبتهم أن يأتوا إلى النبي ويطلبوا من الإستغفار لهم فهل القرآن الكريم يدعوا إلى الشرك. الثاني : ان يطلبوا من النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أو علي عليه السلام أو الإمام الحسين عليه السلام أو العبّاس عليه السلام أن يقضي حوائجهم بإذن الله تعالى مع الإعتقاد بأنّ الله تعالى هو القادر بالذات لكنّه أعطى لأوليائه القدرة على قضاء بعض الحوائج كما أعطى خاصية العلاج للدواء وكما أعطى القدرة لعيسى بن مريم على شفاء المرضى وإحياء الأموات حيث قال : ( وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِي ) [ المائدة : 110 ] ، ولم يقل ( وابرء الأكمه والأبرص بدعائك يا عيسى بن مريم ). وانّما نسبة الابراء والاحياء إلى نفس عيسى بن مريم ، لكن من المعلوم انّ عيسى بن مريم ليس له قوّة له إلّا بالله العلي العظيم. وهكذا نرى انّ جرئيل يقول لمريم بنت عمران : ( أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا ) [ مريم : 19 ] ، وهذا يعني انّ الله تعالى أعطى القدرة لجبرئيل لكي يهب الغلام لمريم بنت عمران ، وإلّا لم يصح ان يقول ( لِأَهَبَ لَكِ ) . والله تعالى يقول : ( يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ) وينسب التدبير إلى نفسه لكن معذلك يقول : ( فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا ) [ النازعات : 5 ] ، أي الملائكة تقدر على التدبير بإذن الله تعالى والقدرة التي منحها الله تعالى إيّاها. وهكذا القرآن يقول : ( وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّـهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ ) [ التوبة : 74 ] ، فجعل اغناء الرسول في مقابل اغناء الله تعالى ، فالرسول يغني كما ان الله تعالى يغني ، غاية الأمر اغناء الله بنحو الإستقلال وبالذات لكن اغناء الرسول يكون بالتبع وبالعرض والقدرة التي منحها الله إيّاه ، فالإعتقاد بانّ الرسول يغني ليس شركاً إلّا إذا كان يعتقد بانّ اغناء الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم بنحو الاستقلال والذات ، حتّى لو لم يرد الله تعالى ذلك فانّ هذا شرك ، لكن الإعتقاد بأنّ الرسول يستمد القدرة من الله تعالى ويغني بإذن الله تعالى فهو عين التوحيد الذي نطق به القرآن صريحاً. وبناء على ذلك فطلب الحوائج من النبيّ والأئمّة وأولياء الله الصالحين مع الإعتقاد بأنّ الله تعالى هو الذي أعطاهم القدرة على ذلك نظير إعطاه خاصية العلاج للدواء فهو عين الطلب من الله تعالى وعين التوحيد ، حيث انّه يتضمّن الاعتقاد بأنّه لا مؤثّر في الوجود إلّا الله سبحانه وتعالى ولا يقدر أحد على شيء من دون إفاضة القدرة عليه من الله تعالى ، وهذا هو معنى قولنا لا حول ولا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم.
مركز الأبحاث العقائديّة | الجواب: إنّ خالداً لم يؤمر بالذهاب إلى مالك ، وقد خالفه الأنصار في ذهابه إليه ، وبالتالي يتبيّن بأنّ خالداً ذهب لغرض آخر ، ألا وهو امرأة مالك ، حتّى إنّ مالكاً رضي الله عنه أخبرنا بذلك ، وهو شاهد عيان لما يدور حوله ، وما يعرفه من خالد عندما رأى امرأته عند أسره ، وهي مكشوفة الوجه ، قال لها : لقد قتلتيني ، أيّ أنّي سأقتل بسببك ، وهذا قول من يشاهد الأحداث ، بل المجنى عليه ، وهو خير شاهد ، وليس هو قول الجاني أو أنصاره ، أو حتّى قولنا بعد أكثر من ألف وأربعمائة سنة. ولنسرد الروايات والأقوال في مالك ، وقتل خالد له ، ومن أصحّ الكتب والمحقّقين عند أهل السنّة. 1 ـ قال ابن حجر : « قال المرزباني : وكان ـ مالك بن نويرة ـ من أرداف الملوك ، وكان النبيّ صلّى الله عليه وآله استعمله على صدقات قومه ، فلمّا بلغته وفاة النبيّ صلّى الله عليه وآله أمسك الصدقة وفرّقها في قومه » (1). 2 ـ روى عبد الرزّاق عن معمر عن الزهري : « إنّ أبا قتادة قال : خرجنا في الردّة حتّى إذا انتهينا إلى أهل أبيات ، حتّى طلعت ـ أيّ طفقت ـ الشمس للغروب ، فأرشفنا إليهم الرماح ، فقالوا : من أنتم ؟ قلنا : نحن عباد الله ، فقالوا : ونحن عباد الله ، فأسرهم خالد بن الوليد ، حتّى إذا أصبح أمر أن يضرب أعناقهم. قال أبو قتادة : فقلت : اتّقِ الله يا خالد ! فإنّ هذا لا يحلّ لك ، قال : اجلس ، فإنّ هذا ليس منك في شيء. قال : فكان أبو قتادة يحلف لا يغزو مع خالدٍ أبداً. قال : وكان الأعراب هم الذين شجّعوه على قتلهم من أجل الغنائم ، وكان ذلك في مالك بن نويرة » (2). 3 ـ روى المتّقي الهندي عن أبي عون وغيره : « إنّ خالد بن الوليد ادّعى أنّ مالك ابن نويرة ارتدّ بكلام بلغه عنه ، فأنكر مالك ذلك ، وقال : أنا على الإسلام ما غيَّرت ولا بدَّلت ، وشهد له بذلك أبو قتادة ، وعبد الله بن عمر ، فقدّمه خالد وأمر ضرار بن الأزور الأسدي فضرب عنقه ، وقبض خالد امرأته ، فقال ـ أيّ عمر ـ لأبي بكر : إنّه قد زنى فارجمه ، فقال أبو بكر : ما كنت لأرجمه ، تأوّل فأخطأ. قال : فإنّه قد قتل مسلماً فاقتله ، قال : ما كنت لأقتله ، تأوّل فأخطأ. قال : فاعزله ، قال : ما كنت لأشيم ـ أيّ لأغمد ـ سيفاً سلَّه الله عليهم أبداً » (3). 4 ـ روى ابن عساكر الزهري عن سالم عن أبيه قال : « قدم أبو قتادة على أبي بكر فأخبره بقتل مالك بن نويرة وأصحابه ، فجزع من ذلك جزعاً شديداً ، فكتب إلى خالد ، فقدم عليه ، فقال أبو بكر : هل يزيد خالد على أن يكون تأوّل فأخطأ » ؟ (4). 5 ـ أقرّ ابن حجر بأسلوب خالد وتصرّفاته فقال : « وكان سبب عزل عمر خالداً ما ذكره الزبير بن بكار قال : كان خالد إذا صار إليه المال قسّمه في أهل الغنائم ، ولم يرفع إلى أبي بكر حساباً ، وكان فيه تقدّم على أبي بكر ، يفعل أشياء لا يراها أبو بكر ، أقدم على قتل مالك بن نويرة ، ونكح امرأته ، فكره ذلك أبو بكر ، وعرض الدية على متمّم بن نويرة ، وأمر خالداً بطلاق امرأة مالك ، ولم يرَ أن يعزله ، وكان عمر ينكر هذا وشبههُ على خالد ، وكان أميراً عند أبي بكر ... » (5). 6 ـ أمّا ابن كثير فقد روى قصّة مالك مع خالد كما يلي : « فصل في خبر مالك بن نويرة اليربوعي التميمي : كان قد صانع سجاح حين قدمت من أرض الجزيرة ، فلمّا اتصلت بمسيلمة لعنهما الله ثمّ ترحّلت إلى بلادها ـ فلمّا كان ذلك ـ ندم مالك بن نويرة على ما كان من أمره ، وتلوَّم في شأنه ، وهو نازل بمكان يقال له : البطاح ، فقصدها خالد بجنوده ، وتأخّرت عنه الأنصار ، وقالوا : إنّا قد قضينا ما أمرنا به الصدّيق ، فقال لهم خالد : إنّ هذا أمر لابدّ من فعله ، وفرصة لابدّ من انتهازها ، وإنّه لم يأتني فيها كتاب ، وأنا الأمير ، وإليّ تردّ الأخبار ، ولست بالذي أجبركم على المسير ، وأنا قاصد البطاح !! فسار يومين ، ثمّ لحقه رسول الأنصار يطلبون منه الإنتظار فلحقوا به ، فلمّا وصل البطاح ، وعليها مالك بن نويرة ، فبثّ خالد السرايا في البطاح ... فجاءته السرايا ، فأسروه وأسّروا معه أصحابه ، واختلفت السرية فيهم ، فشهد أبو قتادة ـ الحرث بن ربعي الأنصاري ـ أنّهم أقاموا الصلاة ، وقال آخرون ـ أيّ الأعراب الذين ذكرهم أبو قتادة كما في الرواية الأُولى أنّهم شجّعوا خالداً من أجل الغنائم ـ : أنّهم لم يؤذّنوا ولا صلُّوا ... وقتل ضرار بن الأزور مالك بن نويرة ، فلمّا سمع الداعية ، خرج وقد فرغوا منهم !! فقال : إذا أراد الله أمراً أصابه. واصطفى خالد امرأة مالك بن نويرة !! وهي أُمّ تميم ابنة المنهال ، وكانت جميلة !! فلمّا حلّت بني بها ـ وهذا تردّه الروايات الأُخرى الأصحّ منه ـ ... وأمر برأسه فجعله مع حجرين ، وطبخ على الثلاثة قدراً ... ويقال : إنّ شعر مالك جعلت النار تعمل فيه إلى أن نضج لحم القدر ، ولم تفرغ الشعر لكثرته !! ـ لكثرته أم لكرامته ! ـ وقد تكلّم أبو قتادة مع خالد فيما صنع ، وتقاولا في ذلك ، حتّى ذهب أبو قتادة فشكاه إلى الصدّيق ، وتكلّم عمر مع أبي قتادة في خالد ... وجاء متمم بن نويرة فجعل يشكو إلى الصدّيق خالداً ، وعمر يساعده ، وينشد الصدّيق ما قال في أخيه من المراثي ، فوداه الصدّيق من عنده ... واستمرّ أبو بكر بخالد على الإمرة ، وإن كان قد اجتهد في قتل مالك بن نويرة وأخطأ في قتله » ! (6). 7 ـ ونختم برواية ابن الأثير ، ونكتفي بقوله وتعليقه : « مالك بن نويرة ... قدم على النبيّ صلّى الله عليه وآله ، واستعمله رسول الله صلّى الله عليه وآله على بعض صدقات بني تميم ، فلمّا توفّي النبيّ صلّى الله عليه وآله وارتدّت العرب ، وظهرت سجاح ، وادّعت النبوّة صالحها ، إلّا إنّه لم تظهر عنه ردّة ، وأقام بالبطاح ، فلمّا فرغ خالد من بني أسد وغطفان ، سار إلى مالك ، وقدم البطاح ، فلم يجد به أحد ، كان مالك قد فرّقهم ونهاهم عن الإجتماع ، فلمّا قدم خالد البطاح بثّ سراياه ، فأتى بمالك بن نويرة ونفرٍ من قومه ، فاختلفت السرية فيهم ، وكان فيهم أبو قتادة ، وكان فيمن شهد أنّهم أذّنوا وأقاموا وصلّوا ، فحبسهم في ليلة باردة ، وأمر خالد فنادى ادفئوا أسراكم ...!! ، فخرج وقد قُتِلوا ، فتزوّج خالد امرأته !! فقال عمر لأبي بكر : سيف خالد فيه رهق وأكثرَ عليه ، فقال أبو بكر : تأوّل فأخطأ ، ولا أشيم سيفاً سلّه الله على المشركين ، وودى مالكاً ، وقدم خالد على أبي بكر ، فقال له عمر : يا عدّو الله ، قتلت امرءاً مسلماً ، ثمّ نزوت على امرأته ، لأرجمنّك. وقيل : إنّ المسلمين لما غشّوا مالكاً وأصحابه ليلاً أخذوا السلاح ، فقالوا : نحن المسلمون ، فقال أصحاب مالك : ونحن المسلمون ، فقالوا لهم : ضعوا السلاح وصلُّوا ... فقدم متمّم على أبي بكر يطلب بدم أخيه ، وأن يردَّ عليهم سبيهم ، فأمر أبو بكر بردِّ السبيّ ، وودى مالكاً من بيت المال ... فهذا جميعه ذكره الطبري وغيره من الأئمّة ، ويدلّ على أنّه لم يرتَدَّ. وقد ذكروا في الصحابة أبعد من هذا ، فتركهم هذا عجب ، وقد أختلف في ردّته ، وعمر يقول لخالد ٍ : قتلت امرءاً مسلماً ، وأبو قتادة يشهد أنّهم أذّنوا وصلّوا ، وأبو بكر يردّ السبيّ ، ويعطي دية مالك من بيت المال ، فهذا جميعه يدلّ على أنّه مسلم ... رحمه الله ورضي عنه » (7). أقول : ونستفيد من هذه الروايات أيضاً بأنّ سبي خالد لقوم مالك ليس شرعيّاً. ونختم برواية تشهد لما قدّمناه من سبب قتل خالدٍ مالكاً كما يرويها الذهبي : « إنَّ خالداً بثّ السرايا ، فأتي بمالك ، فاختلف قول الناس فيهم وفي إسلامهم ، وجاءت أُمّ تميم كاشفة وجهها فأكبّت على مالك ، وكانت أجمل الناس ، فقال لها : إليك عنّي ، فقد والله قتلتني. فأمر بهم خالد ، فضُربت أعناقهم ، فقام أبو قتادة فناشده فيهم ، فلم يلتفت إليه ، فركب أبو قتادة فرسه ، ولحق بأبي بكر وحلف : لا أسير في جيش وهو تحت لواء خالد. وقال : ترك قولي وأخذ بشهادة الأعراب الذين فتنتهم الغنائم » (8) ، ورواه أيضاً ابن عساكر (9). وقال ابن حجر : « وروى ثابت بن قاسم في الدلائل : إنّ خالداً رأى امرأة مالك ، وكانت فائقة في الجمال ، فقال مالك بعد ذلك لامرأته : قتلتيني ، يعني سأُقتل من أجلك » (10). فقد ثبت من كلّ ذلك أنّه ليس هناك ردّة لمالك ، ولا سبي صحيح ، بل أرجع لهم سبيهم ، وبقي مالك مسلماً صحابيّاً جليلاً. الهوامش 1. الإصابة 5 / 560. 2. المصنّف للصنعاني 10 / 174. 3. كنز العمّال 5 / 619. 4. تاريخ مدينة دمشق 16 / 256. 5. الإصابة 2 / 218. 6. البداية والنهاية 6 / 354. 7. أُسد الغابة 4 / 295. 8. سير أعلام النبلاء 1 / 377. 9. تاريخ مدينة دمشق 16 / 258. 10. الإصابة 5 / 561.
مركز الأبحاث العقائديّة | الجواب: قال ابن نما الحلّي حول المختار ما نصّه : « هو المختار بن أبي عبيدة بن مسعود بن عمير الثقفي ، وقال المرزباني : ابن عمير بن عقدة بن عنزة ، كنيته أبو إسحاق ، وكان أبو عبيدة والده يتنوّق في طلب النساء ، فذكر له نساء قومه ، فأبى أن يتزوّج منهنّ ، فأتاه آت في منامه ، فقال : تزوّج دومة الحسناء الحومة ، فما تسمع فيها للائم لومه ، فأخبر قومه ، فقالوا : قد أمرت ، فتزوّج دومة بنت وهب بن عمر بن معتب ، فلمّا حملت بالمختار ، قالت : رأيت في النوم قائلاً يقول : ابشري بالولد * أشبه شيء بالأسد إذا الرجال في كبد * تقاتلوا على بلد كان له الحظّ الأشد فلمّا وضعت أتاها ذلك الآتي فقال لها : إنّه قبل أن يترعرع ، وقبل أن يتشعشع ، قليل الهلع ، كثير التبع ، يدان بما صنع ... . كان مولده في عام الهجرة ، وحضر مع أبيه وقعة قس الناطف ، وهو ابن ثلاث عشرة سنة ، وكان يتفلّت للقتال فيمنعه سعد بن مسعود عمّه ، فنشأ مقداماً شجاعاً لا يتّقي شيئاً ، وتعاطى معالي الأُمور ، وكان ذا عقل وافر ، وجواب حاضر ، وخلال مأثورة ، ونفس بالسخاء موفورة ، وفطرة تدرك الأشياء بفراستها ، وهمّه تعلو على الفراقد بنفاستها ، وحدس مصيب ، وكفّ في الحروب مجيب ، ومارس التجارب فحنكته ، ولابس الخطوب فهذّبته. وروي عن الأصبغ بن نباتة أنّه قال : رأيت المختار على فخذ أمير المؤمنين عليه السلام ، وهو يمسح رأسه ويقول : « يا كيّس يا كيّس » ، فسمّي كيسان ... » (1). وقد اختلفت الروايات عنه ، فمنها مادحة ، ومنها ذامّة ، فمن المادحة : ما ورد عن الإمام الباقر عليه السلام أنّه قال : « لا تسبّوا المختار ، فإنّه قتل قتلتنا ، وطلب بثأرنا ، وزوّج أراملنا ، وقسّم فينا المال على العسرة » (2). وكذلك ما ورد عن الإمام الباقر عليه السلام لابن المختار لمّا سأله عن أبيه ، فقال عليه السلام : « سبحان الله ، أخبرني أبي والله أنّ مهر أُمّي ممّا بعث به المختار ، أولم يبن دورنا ؟ وقتل قاتلنا ؟ وطلب بدمائنا ، فرحمه الله ... ما ترك لنا حقّاً عند أحد إلّا طلبه ... » (3). أمّا الروايات الذامّة : فمنها ما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام قال : « كان المختار يكذب على علي بن الحسين عليهما السلام » (4) ، وكذلك ما ورد عن علي بن الحسين عليهما السلام رفضه لإحدى هداياه ، وقوله عليه السلام لرسل المختار : « أميطوا عن بابي ، فإنّي لا أقبل هدايا الكذّابين ، ولا أقرأ كتبهم » (5). والروايات الذامّة للمختار ضعيفة السند جدّاً ، كما ذكر السيد الخوئي في معجمه (6) ، وقال أيضاً : « ويكفي في حسن حال المختار إدخاله السرور على قلوب أهل البيت عليهم السلام بقتله قتلة الحسين عليه السلام ، وهذه خدمة عظيمة لأهل البيت عليهمالسلام ، يستحقّ بها الجزاء من قبلهم » (7). أمّا ثورة المختار ، فقد كانت ليلة الأربعاء لأربع عشرة ليلة بقيت من ربيع الآخر ، سنة ست وستين (8). الهوامش 1. ذوب النضار : 59. 2. اختيار معرفة الرجال 1 / 340 ، خلاصة الأقوال : 276 ، رجال ابن داود : 277. 3. اختيار معرفة الرجال 1 / 340 ، رجال ابن داود : 277. 4. اختيار معرفة الرجال 1 / 340 ، رجال ابن داود : 277. 5. اختيار معرفة الرجال 1 / 341 ، رجال ابن داود : 277. 6. معجم رجال الحديث 19 / 105. 7. المصدر السابق 19 / 108. 8. الأمالي للشيخ الطوسي : 240.
العقائد الإسلاميّة | الجواب: لا شكّ أنّ أعداء أهل البيت عليهم السلام حاولوا على مدى الزمان منع إقامة الشعائر الحسينيّة ، أو التشكيك والسخريّة في كثير منها ، ولكن بسبب وقوف مراجع الدين أمام هذا التيار وحثّهم للأُمّة على إقامة الشعائر والحبّ والولاء الموجودان لدى الأُمّة ، أفشل الكثير من تلك المحاولات ، فأثبتوا لهم تمسّكهم بأهل البيت عليهم السلام مهما كلّفهم الأمر. فقضيّة ثواب البكاء على مصيبة الإمام الحسين عليه السلام ، فهي من القضايا المسلّمة عند علمائنا ، فقد وردت روايات كثيرة في هذا المجال ، نذكر منها : أ : عن أبي جعفر عليه السلام ، قال : كان علي بن الحسين عليهما السلام يقول : أيما مؤمن دمعت عيناه لقتل الحسين بن علي عليهما السلام دمعة حتّى تسيل على خده بوأه الله بها في الجنة غرفاً يسكنها أحقابا ، وأيما مؤمن دمعت عيناه حتّى تسيل على خده فينا لأذي مسّنا من عدونا في الدنيا بوأه الله بها في الجنة مبوأ صدق ، وأيما مؤمن مسّه أذى فينا فدمعت عيناه حتّى تسيل على خده من مضاضة ما اوذي فينا صرف الله ، عن وجهه الاذى وآمنه يوم القيامة من سخطه والنار. (1) ب : عن أبي عمارة المنشد ، عن ابي عبد الله عليه السلام قال : قال لي : يا ابا عمارة انشدني في الحسين عليه السلام ، قال : فأنشدته ، فبكى ، ثم أنشدته فبكى ، ثم أنشدته فبكى ، قال : فوالله ما زلت انشده ويبكي حتّى سمعت البكاء من الدار ، فقال لي : يا ابا عمارة من انشد في الحسين عليه السلام شعراً فأبكى خمسين فله الجنة ، ومن انشد في الحسين شعراً فأبكى أربعين فله الجنة ، ومن انشد في الحسين شعراً فأبكى ثلاثين فله الجنة ، ومن انشد في الحسين شعراً فأبكى عشرين فله الجنة ، ومن انشد في الحسين شعراً فأبكى عشرة فله الجنة ، ومن انشد في الحسين عليه السلام شعراً فأبكى واحداً فله الجنة ، ومن انشد في الحسين شعراً فبكى فله الجنة ، ومن انشد في الحسين شعراً فتباكى فله الجنة. (2) ج : عن صالح بن عقبة ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : من انشد في الحسين عليه السلام بيت شعر فبكى وأبكى عشرة فله ولهم الجنة ، ومن انشد في الحسين بيتا فبكى وأبكى تسعة فله ولهم الجنة ، فلم يزل حتّى قال : من أنشد في الحسين بيتاً فبكى ـ وأظنه قال : او تباكى ـ فله الجنة. (3) د : عن ابي عمارة المنشد ، قال : ما ذكر الحسين عليه السلام عند ابي عبد الله عليه السلام في يوم قط فرئي ابو عبد الله عليه السلام متبسماً في ذلك اليوم الى الليل ، وكان عليه السلام يقول : الحسين عليه السلام عبرة كل مؤمن. (4) هـ : عن ابي بصير ، قال : قال ابو عبد الله عليه السلام : قال الحسين بن علي عليهما السلام : أنا قتيل العبرة لا يذكرني مؤمن الّا استعبر. (5) و : عن الفضل بن شاذان ، قال : سمعت الرضا عليه السلام يقول : لما أمر الله تبارك وتعالى ابراهيم عليه السلام أن يذبح مكان ابنه اسماعيل الكبش الذي أنزله عليه ، تمنى ابراهيم عليه السلام أن يكون يذبح ابنه اسماعيل عليه السلام بيده ، وانه لم يؤمر بذبح الكبش مكانه ليرجع الى قلبه ما يرجع الى قلب الوالد الذي يذبح أعز ولده بيده ، فيستحق بذلك أرفع درجات أهل الثواب على المصائب ، فأوحى الله عز وجل اليه : يا ابراهيم من أحب خلقي اليك ؟ فقال : يا رب ما خلقت خلقا هو أحب اليّ من حبيبك محمد « ص » فأوحى الله عز وجل اليه : يا ابراهيم أفهو أحب إليك أو نفسك ؟ قال : بل هو أحب اليّ من نفسي ، قال : فولده أحب اليك أو ولدك ؟ قال : بل ولده ، قال : فذبح ولده ظلماً على أعدائه أوجع لقلبك أو ذبح ولدك بيدك في طاعتي ؟ قال : يا رب بل ذبحه على أيدي أعدائه أوجع لقلبي ، قال : يا ابراهيم ، فان طائفة تزعم انها من أمة محمد « ص » ستقتل الحسين عليه السلام ابنه من بعده ظلماً وعدوانا كما يذبح الكبش فيستوجبون بذلك سخطي ، فجزع ابراهيم عليه السلام لذلك وتوجع قلبه وأقبل يبكي فأوحى الله عز وجل اليه : يا ابراهيم قد فديت جزعك على ابنك اسماعيل لو ذبحته بيدك بجزعك على الحسين عليه السلام وقتله ، وأوجبت لك أرفع درجات أهل الثواب على المصائب ، فذلك قول الله عز وجل : ( وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ) ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم. (6) ز : عن إبراهيم بن أبي محمود ، قال : قال الرضا ( عليه السلام ) : إنّ المُحرّم شهر كان أهل الجاهلية يُحرّمون فيه القِتال ، فاسْتُحِلّت فيه دماؤنا ، وهُتِكت فيه حُرمتنا ، وسُبي فيه ذَرَارينا ونساؤنا ، وأُضْرمت النيران في مَضَارِبنا ، وانْتُهِب ما فيها من ثَقَلنا ، ولم تُرْعَ لرسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) حُرمة في أمرنا. إنّ يوم الحسين أقرح جُفُوننا ، وأسبل دُمُوعنا ، وأذلّ عزيزنا ، بأرض كَرْبٍ وبلاء ، أوْرَثَتْنا الكَرْب والبلاء ، إلى يوم الانقضاء ، فعلى مثل الحسين فليبكِ الباكون ، فإنّ البُكاء يَحُطّ الذُنُوب العِظام. ثمّ قال ( عليه السلام ) : كان أبي ( صلوات الله عليه ) : إذا دخل شهر المُحرّم لا يُرى ضاحكاً ، وكانت الكآبة تَغْلِبُ عليه حتّى يمضي منه عشرة أيام ، فإذا كان يوم العاشر كان ذلك اليوم يوم مُصِيبته وحُزنه وبُكائه ، ويقول : هو اليوم الذي قُتِل فيه الحسين ( صلوات الله عليه ). (7) ح : قال رسول الله صلّى الله عليه وآله لمّا نزلت : « وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ » الآية في اليهود أي الّذين نقضوا عهد الله ، وكذَّبوا رسل الله ، وقتلوا أولياء الله : أفلا اُنبّئكم بمن يضاهيهم من يهود هذه الاُمّة قالوا : بلى يا رسول الله قال : قوم من اُمّتي ينتحلون أنّهم من أهل ملّتي ، يقتلون أفاضل ذرّيّتي وأطائب اُرومتي ، ويبدّلون شريعتي وسنّتي ، ويقتلون ولدي الحسن والحسين كما قتل أسلاف اليهود زكريّا ويحيى. ألا وإنَّ الله يلعنهم كما لعنهم ، ويبعث على بقايا ذراريهم قبل يوم القيامة هادياً مهديّاً من ولد الحسين المظلوم ، يحرقهم بسيوف أوليائه إلى نار جهنّم ، ألا ولعن الله قتلة الحسين عليه السلام ومحبّيهم وناصريهم ، والسّاكتين عن لعنهم من غير تقيّة يسكتهم. ألا وصلّى الله على الباكين على الحسين رحمة وشفقة ، واللّاعنين لأعدائهم والممتلئين عليهم غيظاً وحنقاً ، ألا وإنَّ الراضين بقتل الحسين شركاء قتلته ، ألا وإنَّ قتلته وأعوانهم وأشياعهم والمقتدين بهم براء من دين الله. (8) ط : عن الإمام علي عليه السلام عن رسول الله صلّى الله عليه وآله : إذا كان يوم القيامة نادى مناد من بطنان العرش : يا أهل القيامة غضوا أبصاركم لتجوز فاطمة بنت محمد مع قميص مخضوب بدم الحسين فتحتوي على ساق العرش فتقول : أنت الجبار العدل إقض بيني وبين من قتل ولدي ، فيقضي الله لابنتي وربّ الكعبة. ثم تقول : اللهم اشفعني فيمن بكى على مصيبته ، فيشفعها الله فيهم . (9) نكتفي بهذا المقدار من الروايات ، وللمزيد راجعوا المصادر الحديثيّة. الهوامش 1. كامل الزيارات « لجعفر بن محمد بن قولويه » / الصفحة : 201 / الناشر : مؤسسة نشر الفقاهة / الطبعة : 1. راجع : تفسير القمي « لعلي بن ابراهيم القمي » / المجلّد : 2 / الصفحة : 291 ـ 292 / الناشر : دار الكتاب / الطبعة : 3. 2. كامل الزيارات « لجعفر بن محمد بن قولويه » / الصفحة : 209 / الناشر : مؤسسة نشر الفقاهة / الطبعة : 1. راجع : ثواب الأعمال وعقاب الأعمال « للشيخ الصدوق » / الصفحة : 84 / الناشر : الشريف الرضي / الطبعة : 2. 3. كامل الزيارات « لجعفر بن محمد بن قولويه » / الصفحة : 210 / الناشر : مؤسسة نشر الفقاهة / الطبعة : 1. راجع : ثواب الأعمال وعقاب الأعمال « للشيخ الصدوق » / الصفحة : 84 ـ 85 / الناشر : الشريف الرضي / الطبعة : 2. 4. كامل الزيارات « لجعفر بن محمد بن قولويه » / الصفحة : 214 ـ 215 / الناشر : مؤسسة نشر الفقاهة / الطبعة : 1. 5. كامل الزيارات « لجعفر بن محمد بن قولويه » / الصفحة : 215 / الناشر : مؤسسة نشر الفقاهة / الطبعة : 1. راجع : الأمالي « للشيخ الصدوق » / الصفحة : 200 / الناشر : مؤسسة البعثة / الطبعة : 1. 6. عيون أخبار الرضا (ع) « للشيخ الصدوق » / المجلّد : 1 / الصفحة : 187 ـ 188 / الناشر : منشورات الشريف الرضي / الطبعة : 1. راجع : التفسير الصافي « للفيض الكاشاني » / المجلّد : 4 / الصفحة : 279/ الناشر : مكتبة الصدر / الطبعة : 2. 7. الأمالي « للشيخ الصدوق » / الصفحة : 190 ـ 191 / الناشر مؤسسة البعثة / الطبعة : 1. راجع : وسائل الشيعة « للشيخ الحرّ العاملي » / المجلّد : 14 / الصفحة : 504 ـ 505 / الناشر : مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث / الطبعة : 2. 8. بحار الأنوار « للشيخ المجلسي » / المجلّد : 44 / الصفحة : 304 / الناشر : مؤسسة الوفاء / الطبعة : 2. راجع : التفسير الصافي « للفيض الكاشاني » / المجلّد : 1 / الصفحة : 154 / الناشر : مكتبة الصدر / الطبعة : 2. 9. ينابيع المودّة لذوي القربى « للقندوزي » / المجلّد : 2 / الصفحة : 323 / الناشر : دار الأسوة للطباعة والنشر / الطبعة : 1.
مركز الأبحاث العقائديّة | الجواب: كأنّك تريد أن تقول : إنّ العزاء جزع ، والجزع منهي عنه ، فالعزاء منهي عنه. وهذا الاستدلال فاسد من حيث سقوط صغراه ، وذلك : إنّ العزاء ومأتم الحسين عليه السلام هو عبارة عن ذكر الإمام الحسين عليه السلام ، وذكر فضائله ومقامه ، ثمّ العروج على واقعة الطفّ وإظهار الحزن وذرف الدموع عليه. فإذا كان العزاء هو ذلك فنأتي إلى مفرداته ، فالمفردة الأُولى هي ذكر فضائل الحسين عليه السلام والصفات المعنويّة التي تحلّى بها ، وهذا ليس فيه شيء مخالف للدين ، وليس فيه نهي ، بل هو أمر مشروع وطبق الموازين الشرعيّة ، فافتح ترجمة أيّ شخص دون الحسين عليه السلام من كتب التراجم لدى السنّة والشيعة تجده يبدأ بذكر فضائل المترجم له إن كانت له فضائل. فهذا الذهبي تحت ترجمة الإمام الحسين عليه السلام يقول : الإمامُ الشريفُ الكامل ، سِبطُ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، ورَيحانَتُه في الدنيا ، ومحبوبُه ، أبو عبد الله الحسينُ ابن أمير المؤمنين أبي الحسن عليِ بنِ أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصيِّ القرشيِّ الهاشميِّ ـ ثمّ أخذ بذكر مناقبه ـ. (1) وأمّا واقعة الطفّ فقد ذكرها النبيّ صلّى الله عليه وآله وعلي بن أبي طالب عليه السلام ، وتألّما وبكيا لذكرها ، وهاك بعض الروايات الصحيحة من حيث السند حتّى على مباني السلفيّة : عن أبي أُمامة قال : قال رسول الله صلّى الله عليه ـ وآله ـ وسلّم لنسائه : « لَا تُبْكُوا هَذَا الصَّبِيِّ » يعني حسينا ، قال : وكان يوم أم سلمة ، فنزل جبريل عليه السلام ، فدخل رسول الله صلّى الله عليه ـ وآله ـ وسلّم الداخل وقال لأم سلمة : « لَا تَدعي أحَدَاً يَدْخُلُ بيتي » فجاء الحسين رضي الله عنه ، فلما نظر إلى النبي صلّى الله عليه ـ وآله ـ وسلّم في البيت أراد أن يدخل ، فأخذته أم سلمة ، فاحتضنته وجعلت تناغيه وتسكنه ، فلما اشتد في البكاء خلت عنه ، فدخل حتى جلس في حجر النبيّ صلّى الله عليه ـ وآله ـ وسلّم ، فقال جبريل عليه السلام : إن أمتك ستقتل ابنك هذا ، فقال النبي صلّى الله عليه ـ وآله ـ وسلّم : « يَقْتُلُونَهُ وَهُمْ مُؤمِنُونَ بِي ؟ » قال : نعم يقتلونه ، فتناول جبريل تربة ، فقال : بمكان كذا وكذا ، فخرج رسول الله صلّى الله عليه ـ وآله ـ وسلّم قد احتضن حسينا كاسف البال مهموما ، ... (2) وقال الذهبي : إسناده حسن (3). وأخرج الطبراني بسنده ورجاله ثقات في « المعجم الكبير » في ترجمة الحسين عليه السلام عن أُمّ سلمة : عن أم سلمة قالت : كان الحسن والحسين رضي الله عنهما يلعبان بين يدي النبي صلّى الله عليه ـ وآله ـ وسلّم في بيتي ، فنزل جبريل عليه السلام ، فقال : يا محمد إنَّ أمّتَك تَقْتُلُ ابْنَكَ هَذَا مِنْ بَعْدِكَ ، فَأوْمَأ بِيدِهِ إلى الحُسيَنْ ِ، فبكى رسول الله صلّى الله عليه ـ وآله ـ وسلّم ، وضمه إلى صدره ثم قال رسول الله صلّى الله عليه ـ وآله ـ وسلّم : « وَدِيعَةً عِنْدَكِ هَذِهِ التُّرْبَةُ » فشمها رسول الله صلّى الله عليه ـ وآله ـ وسلّم وقال : « وَيْحَ كُرْبٍ وَبَلَاءٍ » قالت : وقال رسول الله صلّى الله عليه ـ وآله ـ وسلّم : « يَا أمَّ سَلَمَةَ إذَا تَحَوَّلَتْ هَذِهِ التُّرْبَةُ دَماً فَاعْلَمِي أنَّ ابْنِي قَدْ قُتِلَ » قال : فجعلتها أم سلمة في قارورة ، ثم جعلت تنظر إليها كل يوم ، وتقول : إنَّ يوما تحولين دما ليوم عظيم. (4) وأخرج الحديث غير الطبراني أيضاً. (5) وقال ابن عساكر : أنا عبد الرزاق ، أنا عبد الله بن سعيد بن أبي هند ، عن أبيه ، قال : قالت أم سَلَمة : كان النبي صلّى الله عليه ـ وآله ـ وسلّم نائماً فجاء حسين [ يتدرج ] قالت : فقعدت على الباب فسبقته مخافة أن يدخل فيوقظه ، قالت : ثم غفلت في شيء فدبّ فدخل فقعد على بطنه ، قالت : فسمعت نحيب رسول الله صلّى الله عليه ـ وآله ـ وسلّم فجئت فقلت : يا رسول الله ، والله ما علمت به ؟ فقال : « إنما جاءني جبريل عليه السلام وهو على بطني قاعد ، فقال لي : أتحبه ؟ فقلت : نعم ، قال : إن أمتك ستقتله ، أَلَا أُريك التربة التي يُقتل بها ، قال : فقلت : بلى ، قال : فضرب بجناحه ، فأتى بهذه التربة » ، قلت : فماذا في يده تربة حمراء وهو يبكي ويقول : « يا ليت شعري من يقتلك بعدي » ؟ (6) وأخرج الطبراني بسنده ورجاله ثقات : عن أم سلمة قالت كان رسول الله صلى الله عليه ـ وآله ـ وسلم جالسا ذات يوم في بيتي فقال : « لا يدخل علي أحد » فانتظرت فدخل الحسين رضي الله عنه فسمعت نشيج رسول الله صلى الله عليه ـ وآله ـ وسلم يبكي ، فاطلعت فاذا حسين في حجره والنبي صلى الله عليه ـ وآله ـ وسلم يمسح جبينه وهو يبكي فقلت والله ما علمت حين دخل فقال : « ان جبريل عليه السلام كان معنا في البيت فقال تحبه ؟ قلت أما من الدنيا فنعم قال ان امتك ستقتل هذا بأرض يقال لها كربلاء » فتناول جبريل عليه السلام من تربتها فأراها النبي صلى الله عليه ـ وآله ـ وسلم فلما أحيط بحسين حين قتل قال ما اسم هذه الارض ؟ قالوا كربلاء قال صدق الله ورسوله أرض كرب وبلاء. (7) وأخرجه الهيثمي في « مجمع الزوائد » وقال : رواه الطبراني باسانيد ورجال أحدها ثقات. (8) وكذلك أقام النبيّ صلّى الله عليه وآله المأتم والعزاء على الحسين في بيت عائشة ، كما أخرجه الطبراني بسند صحيح (9) ، وأحمد في مسنده (10). وأقام مأتم الحزن والبكاء عليه في بيت السيّدة فاطمة عليها السلام ، كما في مقتل الخوارزمي (11). وهناك الكثير من الروايات التي تشير الى انّ النبيّ صلّى الله عليه وآله بكى وحزن على الحسين عليه السلام ، وأقام عليه العزاء والمأتم في بيوت نسائه ، بل وأمام جمع من الصحابة ، بل وأقام له المأتم منذ أوّل يوم من ولادته ، كما أخرجه الهيثمي في مجمعه بسند صحيح وغيره. (12) الأخبار الكثيرة التي تنصّ على أنّ جبرائيل عليه السلام أخبر النبيّ صلّى الله عليه وآله بأنّ أُمّته ستقتل الحسين عليه السلام ، وجاءه بتربة من أرض كربلاء ، وأنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله شمّها واستنشق منها رائحة دم ابنه الحسين الشهيد. (13) أعطى صلّى الله عليه وآله لبعض زوجاته تربة الحسين عليه السلام ، وأنّها عرفت مقتله من تحوّل لون تلك التربة إلى دم عبيطاً في يوم العاشر. (14) وعن الزهري قال : قال لي عبد الملك : أيّ واحد أنت إن أعلمتني أيّ علامة كانت يوم قتل الحسين ؟ فقال : قلت : لم ترفع حصاة ببيت المقدس إلّا وجد تحتها دم عبيط ، فقال عبد الملك : إنّي وإيّاك في هذا الحديث لقرينان. قال الهيثمي : رواه الطبراني ورجاله ثقات (15). وعن الزهري قال : ما رفع بالشام حجر يوم قتل الحسين بن علي إلّا عن دم. قال الهيثمي : رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح. (16) وعن أبي قبيل قال : لمّا قتل الحسين بن علي انكسفت الشمس كسفة حتّى بدت الكواكب نصف النهار حتّى ظننّا أنّها هي. قال الهيثمي : رواه الطبراني وإسناده حسن. (17) بل نجد أوسع صور العزاء والحزن تظهر على رسول الله صلّى الله عليه وآله في كربلاء عند قتل الإمام الحسين عليه السلام ، فهذا ابن عبّاس يقول : رأيت النبيّ صلّى الله عليه وآله في المنام بنصف النهار أشعث أغبر معه قارورة فيها دم ينتقطه ... فقلت : ما هذا ؟ قال : دم الحسين وأصحابه ، فلم أزل أتتبعه منذ اليوم. قال الهيثمي : رواه أحمد والطبراني ورجاله أحمد رجال الصحيح (18). فإذاً لا يوجد أيّ مانع شرعي من إقامة المأتم الحسيني ، بل في إقامته أسوة واقتداء بالنبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله ، إذ هو المقيم له والقائم عليه ، كما أسلفنا من خلال الروايات الصحيحة الواردة من طرق أهل السنّة ، وعليه فتسقط المقدّمة الأُولى ، وهي كون البكاء والمأتم نوع من الجزع ولا يبقى لها مكان تجلس عليه ، علاوة على المناقشة في كون البكاء في المأتم هل هو يصدق عليه جزع أم لا ، والصحيح أنّه لا ، لكن لا مجال لبيان ذلك. الهوامش 1. سير أعلام النبلاء « للذهبي » / المجلّد : 3 / الصفحة : 280 / الناشر : مؤسسة الرسالة / الطبعة : 9. 2. المعجم الكبير « للطبراني »/ المجلّد : 8 / الصفحة : 285 / الناشر : دار إحياء التراث العربي / الطبعة : 2. راجع : تاريخ مدينة دمشق « لابن عساكر » / المجلّد : 14 / الصفحة : 190 ـ 191 / الناشر : دار الفكر. سير أعلام النبلاء « للذهبي » / المجلّد : 3 / الصفحة : 289 / الناشر : مؤسسة الرسالة / الطبعة : 9. مجمع الزوائد « للهيثمي » / المجلّد : 9 / الصفحة : 189 / الناشر : دار الكتب العلمية. 3. سير أعلام النبلاء / المجلّد : 3 / الصفحة : 289 / الناشر : مؤسسة الرسالة / الطبعة : 9. 4. المعجم الكبير « للطبراني » / المجلّد : 3 / الصفحة : 108 / الناشر : دار إحياء التراث العربي / الطبعة : 2. 5. راجع : تاريخ مدينة دمشق « لابن عساكر » / المجلّد : 14 / الصفحة : 192 ـ 193 / الناشر : دار الفكر. تهذيب الكمال « للمزي » / المجلّد : 6 / الصفحة : 408 ـ 409 / الناشر : مؤسسة الرسالة / الطبعة : 4. تهذيب التهذيب « لابن حجر العسقلاني » / المجلّد : 2 / الصفحة : 300 ـ 301 / الناشر : دار الفكر / الطبعة : 1. 6. تاري مدينة دمشق « لابن عساكر » / المجلّد : 14 / الصفحة : 194 / الناشر : دار الفكر. 7. المعجم الكبير « للطبراني » / المجلّد : 3 / الصفحة : 109 / الناشر : دار إحياء التراث العربي / الطبعة : 2. 8. مجمع الزوائد « للهيثمي » / المجلّد : 9 / الصفحة : 188 ـ 189 / الناشر : دار الكتب العلمية. 9. المعجم الكبير « للطبراني » / المجلّد : 3 / الصفحة : 107 / الناشر : دار إحياء التراث العربي / الطبعة : 2 : حدثنا أحمد بن رشدين المصري ثنا عمرو ابن خالد الحراني حدثنا ابن لهيعة عن أبي الاسود عن عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت دخل الحسين بن علي رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يوحى اليه فنزا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو منكب ولعب على ظهره فقال جبريل لرسول الله صلى الله عليه وسلم أتحبه يا محمد ؟ قال : « يا جبريل وما لي لا أحب ابني » قال فان امتك ستقتله من بعدك فمد جبريل عليه السلام يده فأتاه بتربة بيضاء فقال في هذه الارض يقتل ابنك هذا يا محمد واسمها الطف فلما ذهب جبريل عليه السلام من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والتربة في يده يبكي فقال « يا عائشة ان جبريل عليه السلام أخبرني أن الحسين ابني مقتول في ارض الطف وان أمتي ستفتتن بعدي » ثم خرج الى أصحابه فيهم علي وأبو بكر وعمر وحذيفة وعمار وأبو ذر رضي الله عنهم وهو يبكي فقالوا ما يبكيك يا رسول الله ؟ فقال : « أخبرني جبريل أن ابني الحسين يقتل بعدي بأرض الطف وجاءني بهذه التربة وأخبرني أن فيها مضجعه » . 10. مسند أحمد / المجلّد : 44 / الصفحة : 143 ـ 144 / الناشر : مؤسسة الرسالة / الطبعة : 1 : حدثنا وكيع ، قال : حدثني عبد الله بن سعيد ، عن أبيه ، عن عائشة ، أو أمّ سَلَمة ـ قال وكيع : شكَّ هو ، يعني عبد الله ابنَ سعيد ـ أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال لإحداهما : « لَقَدْ دَخَلَ عَلَيَّ البَيْتَ مَلَكٌ ، لَمْ يَدْخُلْ عَلَيَّ قَبْلَها ، فَقالَ لي : إِنَّ ابْنَكَ هذا حُسَيْن مَقْتُولٌ ، وإنْ شِئْتَ أَرَيْتُكَ مِنْ تُرْبةِ الأَرْضِ الَّتِي يُقْتَلُ بِها » قال : فأخرجَ تُرْبةً حَمْراءَ. 11. راجع : مقتل الحسين (ع) « للموفق الخوارزمي ) / المجلّد : 1 / الصفحة : 242 ـ 245 / الناشر : أنوار الهدى / الطبعة : 2. 12. راجع : مجمع الزوائد « للهيثمي » / المجلّد : 9 / الصفحة : 187 ـ 188 / الناشر : دار الكتب العلميّة. المعجم الكبير « للطبراني » / المجلّد : 3 / الصفحة : 107 / الناشر : دار إحياء التراث العربي / الطبعة : 2. 13. راجع : تاريخ مدينة دمشق « لابن عساكر » / المجلّد : 4 / الصفحة : 194 / الناشر : دار الفكر. 14. راجع : المعجم الكبير « للطبراني » / المجلّد : 3 / الصفحة : 108 / الناشر : دار إحياء التراث العربي / الطبعة : 2. 15. راجع : مجمع الزوائد « للهيثمي » / المجلّد : 9 / الصفحة : 196 / الناشر : دار الكتب العلميّة. 16. راجع : مجمع الزوائد « للهيثمي » / المجلّد : 9 / الصفحة : 196 / الناشر : دار الكتب العلميّة. 17. راجع : مجمع الزوائد « للهيثمي » / المجلّد : 9 / الصفحة : 197 / الناشر : دار الكتب العلميّة. 18. راجع : مجمع الزوائد « للهيثمي » / المجلّد : 9 / الصفحة : 193 ـ 194 / الناشر : دار الكتب العلميّة.
العقائد الإسلاميّة | الجواب: أوّلاً : انّ أوّل مجلس نصبه الامام زين العابدين عليه السلام هو في الشام ، عندما خطب في ذلك الحشد ، وأخذ ينعى ويعدّد صفات أبيه ومظلوميّته ، والناس من حوله تبكي ، فهذا مجلس عزاء أقامه الامام زين العابدين عليه السلام في الجامع الأموي. (1) ثانياً : ما كان يفعله الامام زين العابدين عليه السلام عند مروره بالقصّابين ، وتذكيرهم بمصاب الامام الحسين عليه السلام ، وأخذه البكاء أمامهم (2) ، فإنّ هذا عزاء لأبيه الحسين عليه السلام في الملأ العام وليس فقط تذكير. ثالثاً : روى العلّامة المجلسي : رأيت في بعض مؤلّفات المتأخّرين أنّه قال : حكى دعبل الخزاعيُّ قال : دخلت على سيّدي ومولاي عليِّ بن موسى الرِّضا عليه السلام في مثل هذه الأَيّام ـ يعني محرّم ـ فرأيته جالساً جلسة الحزين الكئيب ، وأصحابه من حوله ، فلمّا رآني مقبلاً قال لي : مرحباً بك يا دعبل مرحباً بناصرنا بيده ولسانه ، ثمّ إنّه وسّع لي في مجلسه وأجلسني إلى جانبه ، ثمَّ قال لي : يا دعبل اُحبُّ أن تنشدني شعراً فانَّ هذه الأيّام أيّام حزن كانت علينا أهل البيت ، وأيّام سرور كانت على أعدائنا خصوصا بني اُمية ، يا دعبل من بكى وأبكى على مصابنا ولو واحداً كان أجره على الله يا دعبل من ذرفت عيناه على مصابنا وبكى لما أصابنا من أعدائنا حشره الله معنا في زمرتنا ، يا دعبل من بكى على مصاب جدِّي الحسين غفر الله له ذنوبه البتة. ثمّ إنّه عليه السلام نهض ، وضرب ستراً بيننا وبين حرمه ، وأجلس أهل بيته من وراء الستر ليبكوا على مصاب جدِّهم الحسين عليه السلام ثمَّ التفت إليَّ وقال لي : يا دعبل ارث الحسين فأنت ناصرنا ومادحنا ما دمت حيّاً ، فلا تقصر عن نصرنا ما استطعت قال دعبل : فاستعبرت وسالت عبرتي ، وأنشأت أقول : أفاطم لو خلت الحسين مجدّلاً وقد مات عطشاناً بشطِّ فرات إذاً للطمت الخدَّ فاطم عنده وأجريت دمع العين في الوجنات » (3) فهنا الامام عليه السلام عقد مجلساً لذكر جدّه الإمام الحسين عليه السلام ، وأمر بضرب الحجاب حتّى يسمع أهل بيته. رابعاً : روى العلّامة المجلسي : رأيت في بعض تأليفات بعض الثقات من المعاصرين : روي أنه لمّا أخبر النبيُّ صلّى الله عليه وآله ابنته فاطمة بقتل ولدها الحسين وما يجري عليه من المحن بكت فاطمة بكاءً شديداً ، وقالت : يا أبت متى يكون ذلك ؟ قال : في زمان خال منّي ومنك ومن عليّ ، فاشتدّ بكاؤها وقالت : يا أبت فمن يبكي عليه ؟ ومن يلتزم باقامة العزاء له ؟ فقال النبيُّ : يا فاطمة إنّ نساء اُمّتي يبكون على نساء أهل بيتي ، ورجالهم يبكون على رجال أهل بيتي ، ويجدِّدون العزاء جيلاً بعد جيل ، في كلِّ سنة فإذا كان القيامة تشفعين أنت للنساء وأنا أشفع للرِّجال وكلُّ من بكى منهم على مصاب الحسين أخذنا بيده وأدخلناه الجنّة. (4) خامساً : روى الشيخ الصدوق : قال الرضا ( عليه السلام ) : إ نّ المُحرّم شهر كان أهل الجاهلية يُحرّمون فيه القِتال ، فاسْتُحِلّت فيه دماؤنا ، وهُتِكت حُرمتنا ، وسُبي فيه ذَرَارينا ونساؤنا ، وأُضْرمت النيران في مَضَارِبنا ، وانْتُهِب ما فيها من ثَقَلنا ، ولم تُرْعَ لرسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) حُرمة في أمرنا. إنّ يوم الحسين أفرح جُفُوننا ، وأسبل دُمُوعنا ، وأذلّ عزيزنا ، بأرض كَرْبٍ وبلاء ، أوْرَثَتْنا الكَرْب والبلاء ، إلى يوم الانقضاء ، فعلى الحسين فليبكِ الباكون ، فإنّ البُكاء يَحُطّ الذُنُوب العِظام. ثمّ قال ( عليه السلام ) : كان أبي ( صلوات الله عليه ) إذا دخل شهر المُحرّم لا يُرى ضاحكاً ، وكانت الكآبة تَغْلِبُ عليه حتّى يمضي منه عشرة أيام ، فإذا كان يوم العاشر كان ذلك اليوم يوم مُصِيبته وحُزنه وبُكائه ، ويقول : هو اليوم الذي قُتِل فيه الحسين ( صلوات الله عليه ). (5) فالإمام عليه السلام أقام العزاء للإمام الحسين عليه السلام ، وجدّد مصيبته في كلّ محرّم بحزنه وبكائه ، وتغيّر لونه. (6) وهناك روايات كثيرة واردة في أنّ الأئمّة عليهم السلام كانوا يظهرون الحزن والعزاء عند دخول شهر محرّم. نعم ، تبقى مسألة لابدّ من الالتفات اليها ، وهي حالة الأئمّة عليهم السلام وما كانوا عليه من المطاردة والمحاصرة ، والمراقبة المشدّدة من قبل الدولتين الأُمويّة ـ هي التي وقعت فيها معركة كربلاء ـ والعبّاسيّة ، ومعلوم موقف الدولتين من أئمّة أهل البيت عليهم السلام. فلذلك لا تجد أنّ الامام يقيم العزاء العامّ ، ويدعو الناس اليه كما يقام الآن ، لأنّه في رقابة وفي محاصرة تامّة من قبل السلطة ، ويريد أن يحفظ نفسه ويقوم بما هو المطلوب منه ، فلذلك لا نجد هذا الأمر بالكيفيّة التي عليها نحن اليوم. الهوامش 1. راجع : بحار الأنوار « للشيخ المجلسي » / المجلّد : 45 / الصفحة : 136 ـ 139 / الناشر : مؤسسة الوفاء / الطبعة : 2. مقتل الحسين « لعبد الرزاق المقرم » / الصفحة : 371 ـ 373 / الناشر : مؤسسة الخرسان. 2. راجع : مأساة الحسين عليه السلام بين السائل والمجيب « للشيخ عبد الوهاب الكاشي » / الصفحة : 182 / الناشر : دار العلوم / الطبعة : 1. 3. بحار الأنوار « للشيخ المجلسي » / المجلّد : 45 / الصفحة : 257 / الناشر : مؤسسة الوفاء / الطبعة : 2. 4. بحار الأنوار « للشيخ المجلسي » / المجلّد : 44 / الصفحة 292 ـ 293 / الناشر : مؤسسة الوفاء / الطبعة : 2. 5. الأمالي « للشيخ الصدوق » / الصفحة : 190 ـ 191 / الناشر : مؤسسة البعثة / الطبعة : 1.
السيّد جعفر علم الهدى | الجواب: نعم وألف نعم ؛ هناك عند الأئمّة عليهم السلام كتاب يعرف بمصحف فاطمة عليها السلام وهم يفتخرون بذلك حيث انّه من مصادر علومهم ، لكن ليس مصحف فاطمة قرآناً بل ليس فيه شيء من القرآن ولا يرتبط أصلاً بالقرآن الكريم ، بل هو كتاب ذكر فيه الحوادث والوقائع إلى يوم القيامة ، ويكون مثل كتاب الجفر والجامعة وغيرهما من الكتب الموجودة عند الأئمّة عليهم السلام ، ويكون من مصادر علومهم (1). وليس معنى المصحف هو القرآن بل كلّ ما يكون من بين الدفتين يعبّر عنه بالمصحف ؛ فكلّ كتاب يطلق عليه المصحف ، وانّما نعبر عن القرآن الكريم بالمصحف لأنّه كتاب ، وكلّ كتاب مصحف (2). وأمّا انّ مصحف فاطمة أهمّ وأعظم من القرآن الكريم ؛ فهذه تهمة وإفتراء أو جهل بعقائد الشيعة الإماميّة. وأمّا انّ الاُمّة محتاجة إلى كتاب غير القرآن الكريم ، فهذا ممّا لا شكّ فيه ؛ لأنّ القرآن الكريم هو كتاب هداية وإرشاد وموعظة وتشريع لأصل الأحكام الإلهيّة ، أمّا تفاصيل الأحكام والشريعة فلا تكون مذكورة في القرآن الكريم ، وليس من الممكن ان يستوعب القرآن جميع أحكام الشريعة وتفاصيلها وشرائطها وأجزائها ، لأنّه يستلزم ان يكون القرآن مجلّدات متعدّدة ينوء عن حملها البعير ، فلا محاله لابدّ من الرجوع إلى السنّة النبويّة التي يحكى عنها الروايات والأحاديث المشتملة على الأحكام الإلهيّة وتفسير القرآن الكريم ، أو إلى كتب أخرى تشتمل على العلوم التي يحتاج إليها البشر والتي لا توجد في القرآن الكريم ، وهذا أمر واضح بديهي ، ومصحف فاطمة من هذا القبيل. والعجيب انّك تحتاج في ركعات صلواتك إلى غير القرآن الكريم من حديث أو رواية منقولة عن النبي صلّى الله عليه وآله ، ومعذلك تدّعي أنّنا لا نحتاج إلى غير القرآن الكريم لأنّه تبيان كلّ شيء ؟؟! أقول : صحيح البخاري أو صحيح مسلم أو أيّ كتاب آخر من الصحاح هو ثلاثة أضعاف القرآن ، فهل يعتبر ذلك أفضليّة صحيح البخاري عن القرآن الكريم ؟ ثمّ انّ البخاري كتب هذا الصحيح وجمعه وقضى عمره في جمعه ، ومعذلك ألّف كتباً أخرى مثل الأدب المنفرد وغيره ، فهل هذا تناقض ؟ فعلي عليه السلام جمع القرآن و معذلك كتب ما يمليه جبريل على فاطمة ، فما المانع من ذلك ؟ الهوامش 1. راجع : الكافي « للشيخ الكليني » / الملجلّد : 1 / الصفحة : 238 ـ 242 / الناشر : دار الكتب الإسلاميّة / الطبعة : 3. دلائل الإمامة « لمحمّد بن جرير الطبري » / الصفحة : 104 ـ 107 / الناشر : مؤسسة البعثة / الطبعة : 1. بحار الأنوار « للشيخ المجلسي » / المجلّد : 22 / الصفحة : 545 ـ 546 / الناشر : مؤسسة الوفاء / الطبعة : 2. 2. راجع : لسان العرب « لابن منظور » / المجلّد : 9 / الصفحة : 186 / الناشر : نشر أدب الحوزة.
السيّد جعفر علم الهدى | الجواب: قيل في تفسير الآية ، انّ المراد الله منوّر السماوات والأرض. وفي رواية عن الرضا عليه السلام : « الله هاد لأهل السموات وهاد لأهل الأرض » . وفي رواية البرقي : « هدى من في السموات وهدى من في الأرض » . وعن الصادق عليه السلام عن أبيه عليه السلام في هذه الآية : ( اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) ، قال : « بدء بنور نفسه مثل نوره مثل هداه في قلب المؤمن لمشكاة فيها مصباح المشكاة جوف المؤمن والقنديل قلبه والمصباح النور الذي جعله الله فيه ... » . فالمستفاد من هذه الروايات انّ المراد من نوره تعالى هو هدايته ، أيّ النور الذي جعله في قلوب المؤمنين به يعرفون الله تعالى. والله العالم.
السيّد جعفر علم الهدى | الجواب: من خلال العقل نعرف انه لابد من صانع لهذا الكون ـ لكن بغضّ النظر من هو الصانع مبدئياً ـ ومن خلال الإعجاز العلمي في القرآن نكتشف وجود الله ، ولكن سؤالي .. كيف لنا ان نعرف انّ الخالق هو الله وليس خالق آخر لا نعرفه ؟ وإذا أتحنا فرصة للفكر لوصلنا إلى ما يوضح الأمر ، فمثلاً .. هناك خالق آخر غير الله .. لكنه ترك هذا الخلق لله ليحكمه. ليس الكلام في التسمية وأنّ الخالق لهذه الكون اسمه الله أم له اسم آخر وانّما الكلام في انّ هذا الكون هل له خالق أم لا. بعبارة اُخرى كل ما في الكون ممكن الوجود بمعنى انّه ليس وجوده لذاته بل يحتاج في وجوده إلى موجد وعلّة فلابدّ أن يكون خالق هذا الكون ومعطي الوجود للكائنات هو واجب الوجود أيّ وجوده ذاتي لا يحتاج إلى موجد ، وهذا الخالق هو الله تعالى وليس هناك خالق آخر ، لأنّ العقل يحكم باستحالة تعدّد الخالق كما قال الله تعالى : ( لو كان فيهما الهة الّا الله لفسدتا ) ، اذ فرض خالقين كلّ منهما يتّصف بجميع الصفات الكماليّة من العلم والقدرة والحياة على حدّ سواء يلازم احتمال أن يختلفا في الإرادة بأن يريد أحدهما شيئاً ويريد الآخر خلافه ، فلا بدّ أن نلتزم بأنّ ذلك الشيء يتحقّق ويكون ، لأنّ الإله الأوّل اراده ولا يتحقّق ولا يكون لأنّ الإله الثاني أراد عدمه وهذا يستلزم اجتماع النقيضين الذي هو محال عقلاً ، وان كان أحدهما أكثر قدرة. ولأجل ذلك يتحقّق ما يشاؤه. ففي الحقيقه هو الإله الواجب الوجود والثاني مخلوق وحادث وممكن الوجود لانّ الواجب لا يحتمل في حقّه العجز وعدم القدرة.
السيّد جعفر علم الهدى | الجواب: لقد تمّ غصب الخلافة ومبايعة أبي بكر فجأة بعد ان اجتمع جماعة من الأنصار والمهاجرين في السقيفة ، ووقع الخلاف الشديد ابتداءا بين المهاجرين والأنصار ثمّ بين الأنصار أنفسهم ، وبذلك تمكّن أبوبكر من غصب الخلافة ، ولم يعلم بذلك الكبار من الصحابة إلّا بعد ان استقرّ الأمر وتمكّنوا من أخذ البيعة من المسلمين طوعاً وكرهاً. وبما انّ أمير المؤمنين وأصحابه المخلصين وبني هاشم كانوا مشغولين بتجهيز النبي صلّى الله عليه وآله ، تخيّل الكثير من الصحابة أنّ عليّاً تنازل عن الخلافة وانّه رضي بالأمر الواقع ، لكن بعد خطبة الزهراء عليها السلام وإظهار الإمام عليه السلام سخطه واستياؤه ، قام كثير من أعيان الصحابة بالاحتجاج على غصب الخلافة ، وكان هؤلاء يمثل جماعات كثيرة لأنّهم كانوا نقباء من قبل الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله ويتبعهم الكثير من أهليهم وأبناء عشيرتهم ، فخافت السلطة الغاصبة من ازدياد النقمة والإعتراض وحصول الصحوة العامّة ، وهذا لا ينافي قلّة أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام المخلصين في ذلك الوقت ، لأنّ الناقمين والمعترضين كانوا قليلين بالنسبة لمن بايع الخليفة والصحوة العامة لم تتمّ لأنّ السطلة تداركتها بالتخويف من ردّة المسلمين ، وصوّرت لهم الخطر المحدق بالإسلام والمسلمين في أعظم صورة ، وأرسلتهم إلى حرب أهل الردّة بزعمهم. مضافاً إلى انّ الكثير منهم خصوصاً الأنصار تخيّلوا أن أخذ البيعة منهم ولو كرهاً كان يستلزم موافقة السلطة الغاصبة ، ولذا كانوا يعتذرون حينما طالبهم الإمام علي عليه السلام بنصرته بأنه قد سبق أخذ البيعة منهم ، فإرشاد هؤلاء وأمثالهم كان بحاجة إلى وقت طويل ، ولما أحسّت السلطة بذلك اخرجتهم من المدينة المنوّرة لكي يشتغلوا بالحروب بعنوان حروب الردة. وممّن احتجّ على أبي بكر : 1. سلمان الفارسي خطب خطبة طويلة بعد ثلاثة أيّام من دفن النبي صلّى الله عليه وآله قال فيها : « الا والذي نفس سلمان بيده لو ولّيتموها عليّاً لأكلتم من فوقكم ومن تحت أرجلكم ... ». 2. اُبيّ بن كعب خطبة خطبه مفصلة يوم الجمعة أوّل يوم من شهر رمضان واعترض على المهاجرين والأنصار الذين بايعوا أبابكر ، وذكر مناقب علي وفضائله ومكانته من رسول الله ، وتصريحات النبي صلّى الله عليه وآله بشأن إمامته وخلافته ، ثمّ قال : « فقد انذر من اعذر وادى النصيحة من وعظ وبصّر من عمى فقد سمعتم كما سمعنا ورأيتم كما رأينا وشهدتم كما شهدنا » ، فقام عبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة الجراح ومعاذ بن جبل فقالوا : يا اُبيّ أصابك خبل أم بك جنّة ؟ فقال : « بل الخبل فيكم » ، ثمّ نقل عن رسول الله صلّى الله عليه وآله قوله : « يا اُبيّ عليك بعلي فانّه الهادي المهدي الناصح لاُمّتي المحيي سنّتي وهو إمامكم بعدي ... » . 3. اعترض اُسامة على أبي بكر وقال فيما كتبه إليه : « فقد علمت ما كان من قول رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ في علي يوم غدير خم فما طال العهد حتّى تنسى ». 4. اعترض على أبي بكر أبوه أبو قحافة وقال فيما كتبه إليه : « وأنت تعرف من هو أولى منك بها فراقب الله كأنّك تراه ولا تدعن صاحبها فان تركها اليوم اخف عليك وأسلم ». 5. في بحار الأنوار المجلّد 28 الصفحة 208 ، عن الخصال للشيخ الصدوق ، عن البرقي بسنده عن زيد بن وهب قال : كان الذين أنكروا على أبي بكر في جلوسه في الخلافة وتقدّمه على علي بن أبي طالب عليه السلام إثنى عشر رجلاً من المهاجرين والأنصار ، كان من المهاجرين خالد بن سعيد بن العاص والمقداد بن الأسود واُبيّ بن كعب وعمّار بن ياسر وأبوذر الغفاري وسلمان الفارسي وعبد الله بن مسعود وبريدة الأسلمي ، وكان من الأنصار خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين وسهل بن حنيف وأبو أيّوب الأنصاري وأبو الهيثم بن التيهان وغيرهم ، ثمّ ذكر احتجاج كلّ واحد منهم. قال زيد بن وهب : فاخبر الثقة من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله انّ أبابكر جلس في بيته ثلاثة أيّام ، فلمّا كان اليوم الثالث أتاه عمر بن الخطاب وطلحة والزبير وعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وأبو عبيدة بن الجراح مع كلّ واحد منهم عشرة رجال من عشائرهم شاهرين للسيوف ، فأخرجوه من منزله ، وعلا المنبر فقال قائل منهم : والله لئن عاد منكم أحد فتكلّم بمثل الذي تكلّم به لنملأنّ أسيافنا منه ، فجلسوا في منازلهم ولم يتكلّم أحد منهم بعد ذلك.
مركز الأبحاث العقائديّة | الجواب: قبل التعرّض لكلمات شيخ المجسّمة ابن تيميّة نقدّم كلام ابن الجوزي الحنبلي ، وما ذكره في حقّ الحنابلة لإيضاح الحقيقة أكثر. قال ابن الجوزي : « ورأيت من أصحابنا من تكلّم في الأُصول بما لا يصلح ، وانتدب للتصنيف ثلاثة : أبو عبد الله بن حامد ، وصاحبه القاضي ، وابن الزاغوني ، فصنّفوا كتباً شانوا بها المذهب ، ورأيتهم قد نزلوا إلى مرتبة العوام ، فحملوا الصفات على مقتضى الحسّ ، فسمعوا أنّ الله تعالى خلق آدم على صورته ، فاثبتوا له صورة ووجهاً زائداً على الذات ، وعينين ، وفماً ، ولهوات ، وأضراساً ، وأضواء لوجهه هي السبحات ، ويدين ، وأصابع ، وكفّاً ، وخنصراً ، وإبهاماً ، وصدراً ، وفخذاً ، وساقين ، ورجلين ، وقالوا : ما سمعنا بذكر الرأس. وقالوا : يجوز أن يَمس ويُمس ، ويدني العبد من ذاته ، وقال بعضهم : ويتنفّس ، ثمّ يرضون العوام بقولهم : لا كما يعقل ! وقد أخذوا بالظاهر في الأسماء والصفات ، فسمّوها بالصفات تسمية مبتدعة لا دليل لهم في ذلك من النقل ولا من العقل ، ولم يلتفتوا إلى النصوص الصارفة عن الظواهر إلى المعاني الواجبة لله تعالى ، ولا إلى إلغاء ما يوجبه الظواهر من سمات الحدوث ، ولم يقنعوا بأن يقولوا : صفة فعل ، حتّى قالوا : صفة ذات ! ثمّ لمّا اثبتوا أنّها صفات ذات قالوا : لا نحملها على توجيه اللغة مثل : يد على نعمة وقدرة ، ومجيء وإتيان على معنى برّ ولطف ، وساق على شدّة ، بل قالوا : نحملها على ظواهرها المتعارفة ، والظاهر هو المعهود من نعوت الآدميين ، والشيء إنّما يحمل على حقيقته إذا أمكن ، ثمّ يتحرّجون من التشبيه ، ويأنفون من إضافته إليهم ويقولون : نحن أهل السنّة ! وكلامهم صريح في التشبيه ، وقد تبعهم خلق من العوام. وقد نصحت التابع والمتبوع فقلت لهم : يا أصحابنا ، أنتم أصحاب نقل ، وإمامكم الأكبر أحمد بن حنبل يقول وهو تحت السياط : كيف أقول ما لم يقل. فإيّاكم أن تبتدعوا في مذهبه ما ليس منه ، ثمّ قلتم في الأحاديث تحمل على ظاهرها ، فظاهر القدم الجارحة ، فإنّه لمّا قيل في عيسى روح الله اعتقدت النصارى أنّ لله صفة هي روح ولجت في مريم ؟! ومن قال : استوى بذاته فقد أجراه مجرى الحسّيات. وينبغي أن لا يهمل ما يثبت به الأصل وهو العقل ، فإنّا به عرفنا الله تعالى وحكمنا له بالقدم ، فلو إنّكم قلتم : نقرأ الأحاديث ونسكت ، لما أنكر عليكم أحد ، إنّما حملكم إيّاها على الظاهر قبيح. فلا تدخلوا في مذهب هذا الرجل الصالح السلفي ما ليس منه ، ولقد كسيتم هذا المذهب شيناً قبيحاً ، حتّى صار لا يقال حنبلي إلّا المجسّم ، ثمّ زيّنتم مذهبكم أيضاً بالعصبية ليزيد بن معاوية ، ولقد علمتم أنّ أصحاب المذهب أجاز لعنته ، وقد كان أبو محمّد التميمي يقول في بعض أئمّتكم : لقد شان المذهب شيناً قبيحاً لا يغسل إلى يوم القيامة ». [ دفع شبه التشبيه : 97 ] فهذا حال الحنابلة من أمثال أبي يعلى وغيره فهم مجسّمة حقيقية ، ويثبتون لله تعالى صفات لا تجوز إلّا على المخلوقين ، ومن شاء يرجع إلى طبقات الحنابلة التي ألّفها أبو يعلى ليرى التجسيم طافحاً فيها وفي تراجمه التي ذكرها. وبعد أن جاء ابن تيميّة زاد الطين بلّة ، فبدل أن يغسل العار الذي شانه الحنابلة السابقين عن المذهب كحّله بأُمور وطامات عظيمة ، وإليك نزر يسير من التجسيم في كلمات ابن تيميّة : 1 ـ يقول ابن بطّوطة : « وكان بدمشق من كبار الفقهاء الحنابلة ، تقي الدين ابن تيميّة ، كبير الشام ، يتكلّم في الفنون ، إلّا أنّ في عقله شيئاً ! وكان أهل دمشق يُعظّمونه أشدّ التعظيم ، ويعظهم على المنبر ، وتكلّم مرّة بأمرٍ أنكره الفقهاء ... قال : وكنت إذ ذاك بدمشق ، فحضرته يوم الجمعة ، وهو يعِظ الناس على منبر الجامع ويذكّرهم ، فكان من جُملة كلامه أنّ قال : إنّ الله ينزِلُ إلى سماء الدنيا كنزولي هذا ، ونزل درجةً من المنبر » ! [ رحلة ابن بطوطة : 112 ] 2 ـ اعتقاده بأنّ الله تعالى في جهة ومكان : يقول في ردّه على كلام العلّامة الحلّي : « وكذلك قوله : « كلّ ما هو في جهة فهو محدث » لم يذكر عليه دليلاً ، وغايته ما تقدّم أنّ الله لو كان في جهة لكان جسماً ، وكلّ جسم محدث ، لأنّ الجسم لا يخلو من الحوادث ، وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث. وكلّ هذه المقدّمات فيها نزاع : فمن الناس من يقول : قد يكون في الجهة ما ليس بجسم ، فإذا قيل له : هذا خلاف المعقول ؟ قال : هذا أقرب إلى العقل من قول من يقول : إنّه لا داخل العالم ولا خارجه ، فإن قبل العقل ذاك قبل هذا الطريق أولى ، وإن ردّ هذا ردّ ذاك بطريق أولى ، وإذا ردّ ذاك تعيّن أن يكون في الجهة ، فثبت أنّه في الجهة على التقديرين ». [ منهاج السنّة 2 / 648 ] وصريح كلامه في أنّ الله تعالى في جهة ومكان. 3 ـ إيمانه بقيام الحوادث بالله تعالى : قال في ردّه على العلّامة الحلّي : « وأمّا قوله : « وأنّ أمره ونهيه وإخباره حادث ، لاستحالة أمر المعدوم ونهيه وإخباره » ، فيقال : هذه مسألة كلام الله تعالى والناس فيها مضطربون ، وقد بلغوا فيها إلى تسعة أقوال ... ». [ المصدر السابق 2 / 358 ] فإن قلتم لنا : فقد قلتم بقيام الحوادث بالربّ ؟ قالوا لكم : نعم ، وهذا قولنا الذي دلّ عليه الشرع والعقل. [ المصدر السابق 2 / 380 ] وقال : وقد ظنّ من ذكر من هؤلاء كأبي علي وأبي الحسن بن الزاغوني أنّ الأُمّة قاطبة اتّفقت على أنّه لا تقوم به الحوادث ، وجعلوا ذلك الأصل الذي اعتمدوه ، وهذا مبلغهم من العلم. وهذا الإجماع نظير غيره من الإجماعات الباطلة المدعاة في الكلام ونحوه وما أكثرها ، فمن تدبّرها وجد عامّة المقالات الفاسدة بينونتها على مقدّمات لا تثبت إلّا بإجماع مدّعى أو قياس ، وكلاهما على التحقيق يكون باطلاً. [ الفتاوى الكبرى 5 / 126 ] 4 ـ إيمان ابن تيميّة بقدم نوع العالم : قال ابن تيمية في معرض ردّه : « نحن نقول : إنّه لم يزل مشتملاً على الحوادث ، والقديم هو أصل العالم كالأفلاك ، ونوع الحوادث مثل جنس حركات الأفلاك ... وحينئذ فالأزلي مستلزم لنوع الحوادث لا لحادث معيّن ، فلا يلزم قدم جميع الحوادث ولا حدوث جميعها ، بل يلزم قدم نوعها وحدوث أعيانها ، كما يقول أئمّة أهل السنّة منكم : إنّ الربّ لم يزل متكلّماً إذا شاء وكيف شاء ». [ منهاج السنّة 1 / 215 ] 5 ـ إنّ الله تعالى يتكلّم بصوت وحروف : قال ابن تيميّة : « وأنّ الله تعالى يتكلّم بصوت كما جاءت به الأحاديث الصحاح ، وليس ذلك كأصوات العباد ، لا صوت القارئ ولا غيره ، وأنّ الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ، فكما لا يشبه علمه وقدرته وحياته علم المخلوق وقدرته وحياته ، فكذلك لا تشبه كلامه كلام المخلوق ، ولا معانيه تشبه معانيه ، ولا حروفه يشبه حروفه ، ولا صوت الربّ يشبه صوت العبد ». [ مجموع الفتاوى 12 / 244 ] 6 ـ إنّ الله تعالى مركّب وله أبعاض : قال ابن تيميّة : « إذا قلنا : إنّ الله لم يزل بصفاته كلّها أليس إنّما نصف إلهاً واحداً بجميع صفاته ؟ وضربنا لهم مثلاً في ذلك فقلنا لهم : أخبرونا عن هذه النخلة أليس لها جذوع وكرب وليف وسعف وخوص وجمار ، واسمها اسم واحد وسمّيت نخلة بجميع صفاتها ، فكذلك الله وله المثل الأعلى بجميع صفاته ». [ مجموع الفتاوى 17 / 450 ، منهاج السنّة 2 / 484 ، الفتاوى الكبرى 5 / 62 و 93 و 111 ] فيصوّر الله تعالى ذا أجزاء وأبعاض ، فاليدين التي يثبتها لله غير الساق ، والأصابع غير الصورة ، والصورة غير الوجه ، وهلم جرّا ، وما ذلك إلّا تجزئة للذات الإلهيّة المقدّسة وتبعيض لها ، وهذا هو التركّب الذي يستلزم حاجة المركّب إلى أجزائه . 7 ـ تصوير احتياج الله تعالى إلى آلات يعمل بواسطتها : قال ابن تيميّة : « والصمد الذي لا جوف له ، ولا يأكل ولا يشرب ، وهذه السورة هي نسب الرحمن أو هي الأصل في هذا الباب ، وقال في حقّ المسيح وأُمّه : ( مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ ) ، فجعل ذلك دليلاً على نفي الألوهيّة ، فدلّ ذلك على تنزيهه عن ذلك بطريق الأولى والأُخرى. والكبد والطحال ونحو ذلك هي أعضاء الأكل والشرب ، فالغنيّ المنزّه عن ذلك منزّه عن آلات ذلك ، بخلاف اليد فإنّها للعمل والفعل وهو سبحانه موصوف بالعمل والفعل ». [ مجموع الفتاوى 3 / 86 ] فيصوّر الله تعالى غنيّ عن الكبد والطحال لأنّه أخبر عن نفسه بأنّه صمد ، وأخبر عن عدم ألوهية عيسى عليه السلام بأنّه كان يأكل فإذن هو ليس إله ، فالله تعالى ليس محتاجاً للكبد والطحال لأنّه لا يأكل ، بينما هو محتاج إلى اليد لأنّه يعمل فيخلق ويرزق ، فإذن لابدّ من وجود يد له لحاجته إليها طبقاً لما وصف نفسه بها وطبقاً لكونه يعمل !! فانظر إلى أيّ مدى وصل بهم التجسيم ؟ وإلى أيّ حدّ وصلت بهم الجرأة بتصوير الله المنزّه عن النقص أو الحاجة بأنّه محتاج إلى اليد ؟! سبحان الله عمّا يصفه المجسّمة والمشبّهون ! 8 ـ اعتقاده بأنّ الله تعالى ينزل نزولاً حقيقياً إلى الدنيا ، وإنّه يتحرّك وليس بساكن : قال ابن تيميّة : « وأمّا أحاديث النزول إلى السماء الدنيا كلّ ليلة فهي الأحاديث المعروفة الثابتة عند أهل العلم بالحديث ، وكذلك حديث دنوّه عشية عرفة رواه مسلم في صحيحه ، وأمّا النزول ليلة النصف من شعبان ففيه حديث أُختلف في إسناده. ثمّ إنّ جمهور أهل السنّة يقولون : إنّه ينزل ولا يخلو منه العرش ، كما نقل مثل ذلك عن إسحاق بن راهويه وحمّاد بن زيد وغيرهما ، ونقلوه عن أحمد بن حنبل في رسالته إلى مسدّد ». [ منهاج السنّة 2 / 637 ] وقال : « وأمّا دعواك أنّ تفسير القيّوم الذي لا يزول عن مكانه ولا يتحرّك فلا يقبل منك هذا التفسير إلّا بأثر صحيح مأثور عن رسول الله صلّى الله عليه وآله ، أو عن بعض أصحابه أو التابعين ؟ لأنّ الحيّ القيّوم يفعل ما يشاء ويتحرّك إذا شاء ، ويهبط ويرتفع إذا شاء ، ويقبض ويبسط ويقوم ويجلس إذا شاء ؛ لأنّ أمارة بين الحيّ والميّت التحرّك ، كلّ حيّ متحرّك لا محالة ، وكلّ ميّت غير متحرّك لا محالة. ومن يلتفت إلى تفسيرك وتفسير صاحبك مع تفسير نبيّ الرحمة ورسول ربّ العزّة إذ فسّر نزوله مشروحاً منصوصاً ، ووقّت لنزوله وقتاً مخصوصاً ، لم يدع لك ولا لأصحابك فيه لُبساً ولا عويصاً ». [ درء التعارض 2 / 51 ] ويقول أيضاً : « فهذا لا يصحّ إلّا بما ابتدعته الجهمية من قولهم : لا يتحرّك ولا تحلّ به الحوادث ، وبذلك نفوا أن يكون استوى على العرش بعد أن لم يكن مستوياً ، وأن يجيء يوم القيامة ». [ الفتاوى الكبرى 5 / 127 ] وهنا طريفة لا يفوتنا الإشارة إليها وهي : إنّ الأرض كروية وهي تتحرّك خلافاً لابن باز الذي ينفي حركتها حول نفسها ، فهي دائماً لا تخلو من ليل ، وعليه فمتى ينزل الله تعالى ؟ ومتى يصعد ؟ إذ لازم ذلك إنّه دائماً في حالة صعود ونزول ، أو إنّه دائماً يكون نازلاً ولا يصعد لدوام الثلث الأخير من الليل في الأرض على مدى الأربعة والعشرين ساعة ؟ وقد التفت السلفيّون إلى هذا الإشكال ، لكنّهم بقوا حيارى لا يستطيعون جواباً ؛ قال الشيخ ابن باز : « لا تعارض بين نزوله تعالى إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من كلّ ليلة مع اختلاف الأقطار ، وبين استوائه عزّ وجلّ على العرش ؛ لأنّه سبحانه لا يشبه خلقه في شيء من صفاته ، ففي الإمكان أن ينزل كما يشاء نزولاً يليق بجلاله في ثلث الليل الأخير بالنسبة إلى كلّ قُطر ، ولا ينافي ذلك علوه واستواءه على العرش ؛ لأنّنا لا نعلم كيفيّة النزول ولا كيفيّة الاستواء ، بل ذلك مختصّ به سبحانه ». [ فتاوى اللجنة الدائمة 3 / 186 ] فصال وجال لكنّه لم يأت بشيء سديد أو دفع مفيد ، وإنّما زاد الطين بلّة من حيث جعل الله مستوياً على عرشه ، وهو في هذا الحال ينزل في الثلث الأخير من الليل إلى السماء الدنيا ، وبما أنّ الكرة الأرضية ثلث الليل الأخير مستمر فيها فهو في حال نزول دائمي ، أو بالأحرى إنّه نازل ولا يصعد إلى العرش !! تنزّه الله تعالى عمّا يقوله الحنابلة المجسّمة علوّاً كبيراً ! هذا نزر يسير ممّا وقع فيه ابن تيميّة ومن حذا حذوه من الهفوات ، ولو أردنا الاسترسال لطال المقام بتأليف مصنّف مستقلّ. وهنالك كلام لابن تيميّة في حقّ أهل البيت عليهمالسلام يدلّ على نصبه وتحامله الشديد عليهم ، والدفاع والنصرة لبني أُمية الذين قتلوا وسلبوا أهل البيت عليهمالسلام ، وقبل ذلك نستعرض كلمات العلماء في ذلك ، ثمّ نعرّج على كلمات ابن تيميّة : 1 ـ قال ابن حجر العسقلاني : « طالعت الردّ المذكور فوجدته كما قال السبكي في الاستيفاء ، لكن وجدته كثير التحامل إلى الغاية في ردّ الأحاديث التي يوردها ابن المطهّر ، وإن كان معظم ذلك من الموضوعات والواهيات ، لكنّه ردّ في ردّه كثيراً من الأحاديث الجياد التي لم يستحضر حالة التصنيف مظانّها ؛ لأنّه كان لا تساعه في الحفظ يتّكل على ما في صدره ، والإنسان عامد للنسيان ، وكم من مبالغة لتوهين كلام الرافضي أدّته أحياناً إلى تنقيص علي رضي الله عنه ». [ لسان الميزان 6 / 320 ] 2 ـ قال ابن حجر الهيتمي : « ابن تيمية عبد خذله الله وأضلّه وأعماه وأصمّه وأذلّه ، وبذلك صرّح الأئمّة الذين بيّنوا فساد أحواله ، وكذب أقواله ». [ شفاء السقام : 38 نقلاً عن الفتاوى الحديثية ] 3 ـ قال الشيخ محمّد زاهر الكوثري : « فتراه يحكم عليه هذا الحكم القاسي ، لأنّه صحّح حديث ردّ الشمس لعلي كرّم الله وجهه ، فيكون الاعتراف بصحّة هذا الحديث ينافي انحرافه عن علي رضي الله عنه ، وتبدو على كلامه آثار بغضه لعلي عليه السلام في كلّ خطوة من خطوات تحدّثه عنه ». [ الإشفاق على أحكام الطلاق : 73 ] وقال : « ولولا شدّة ابن تيمية في ردّه على ابن المطهّر في منهاجه إلى أن بلغ به الأمر أن يتعرّض لعلي بن أبي طالب كرّم الله وجهه على الوجه الذي تراه في أوائل الجزء الثالث منه بطريق يأباه الكثير من إقحام الخوارج ، مع توهين الأحاديث الجيّدة في هذا السبيل ». [ المصدر السابق : 73 ] 4 ـ قال الشيخ عبد الله الغماري في معرض ردّه على الشيخ الألباني : وحاله في هذا كحال ابن تيميّة ، تطاول على الناس ، فأكفر طائفة من العلماء ، وبدع طائفة أُخرى ، ثمّ اعتنق هو بدعتين لا يوجد أقبح منهما : إحداهما : قوله بقدم العالم ، وهي بدعة كفرية والعياذ بالله تعالى. والأُخرى : انحرافه عن علي عليه السلام ، ولذلك وسمه علماء عصره بالنفاق ، لقول النبيّ صلّى الله عليه وآله لعلي : « لا يحبّك إلّا مؤمن ، ولا يبغضك إلّا منافق » . [ إرغام المبتدع الغبي : 22 ] وأمّا الكلمات التي أطلقها ابن تيميّة في حقّ علي بن أبي طالب عليه السلام ، والتي يظهر منها التنقيص جليّاً وواضحاً فكثيرة ، وإليك شذر منها. 1 ـ طعنه في خلافة الإمام علي عليه السلام : قال : « وأمّا علي فلم يتّفق المسلمون على مبايعته ، بل وقعت الفتنة تلك المدّة ، وكان السيف في تلك المدّة مكفوفاً عن الكفّار مسلولاً على أهل الإسلام ». [ منهاج السنّة 4 / 161 ] وقال : « ولم يكن في خلافة علي للمؤمنين الرحمة التي كانت في زمن عمر وعثمان ، بل كانوا يقتتلون ويتلاعنون ، ولم يكن لهم على الكفّار سيف ، بل الكفّار كانوا قد طمعوا فيهم ، وأخذوا منهم أموالاً وبلاداً ». [ المصدر السابق 4 / 485 ] وقال أيضاً : « ومن ظنّ أنّ هؤلاء الاثني عشر هم الذين تعتقد الرافضة إمامتهم فهو في غاية الجهل ، فإنّ هؤلاء ليس فيهم من كان له سيف إلّا علي بن أبي طالب ، ومع هذا فلم يتمكّن في خلافته من غزو الكفّار ، ولا فتح مدينة ! ولا قتل كافراً ! بل كان المسلمون قد اشتغل بعضهم بقتال بعض ، حتّى طمع فيهم الكفّار بالشرق والشام من المشركين وأهل الكتاب حتّى يقال : إنّهم أخذوا بعض بلاد المسلمين ، وإنّ بعض الكفّار كان يحمل إليه كلام حتّى يكف عن المسلمين ، فأيّ عزّ للإسلام في هذا » ؟! [ المصدر السابق 8 / 241 ] وقال أيضاً طاعناً في خلافته : « فإنّ علياً قاتل على الولاية !! وقتل بسبب ذلك خلق كثير عظيم ، ولم يحصل في ولايته لا قتال للكفّار ولا فتح لبلادهم ، ولا كان المسلمون في زيادة خير ». [ المصدر السابق 6 / 191 ] وقال : « فلم تصف له قلوب كثير منهم ، ولا أمكنه هو قهرهم حتّى يطيعوه ، ولا اقتضى رأيه أن يكفّ عن القتال حتّى ينظر ما يؤول إليه الأمر ، بل اقتضى رأيه القتال ، وظنّ أنّه به تحصل الطاعة والجماعة ، فما زاد الأمر إلّا شدّة ، وجانبه إلّا ضعفاً ، وجانب من حاربه إلّا قوّة ، والأُمّة إلّا افتراقاً ». [ المصدر السابق 7 / 452 ] 2 ـ جعل قتاله لأجل الملك لا الدين ! قال ابن تيمية : « وعلي يقاتل ليطاع ، ويتصرّف في النفوس والأموال ، فكيف يجعل هذا قتالاً على الدين » ؟ [ المصدر السابق 8 / 329 ] وقال أيضاً : « ثمّ يقال لهؤلاء الرافضة : لو قالت لكم النواصب : علي قد استحلّ دماء المسلمين ، وقاتلهم بغير أمر الله ورسوله على رئاسته ، وقد قال النبيّ صلّى الله عليه وآله : « سباب المسلم فسوق وقتاله كفر » ، وقال : « لا ترجعوا بعدي كفّاراً يضرب بعضكم رقاب بعض » ، فيكون علي كافراً لذلك !! لم تكن حجّتكم أقوى من حجّتهم ، لأنّ الأحاديث التي احتجّوا بها صحيحة !! وأيضاً فيقولون : قتل النفوس فساد ، فمن قتل النفوس على طاعته كان مريداً للعلوّ في الأرض والفساد ، وهذا حال فرعون !! والله تعالى يقول : ( تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) ، فمن أراد العلوّ في الأرض والفساد لم يكن من أهل السعادة في الآخرة. وليس هذا كقتال الصدّيق للمرتدّين ومانعي الزكاة ، فإنّ الصدّيق إنّما قاتلهم على طاعة الله ورسوله لا على طاعته ، فإنّ الزكاة فرض عليهم ، فقاتلهم على الإقرار بها وعلى أدائها ، بخلاف من قاتل ليطاع هو ». [ المصدر السابق 4 / 499 ] 3 ـ طعنه فيه وفي فضائله : قال ابن تيميّة : « إنّ الفضائل الثابتة في الأحاديث الصحيحة لأبي بكر وعمر أكثر وأعظم من الفضائل الثابتة لعلي ، والأحاديث التي ذكرها هذا ، وذكر أنّها في الصحيح عند الجمهور ، وأنّهم نقلوها في المعتمد من قولهم وكتبهم هو من أبين الكذب على علماء الجمهور ، فإنّ هذه الأحاديث التي ذكرها أكثرها كذب أو ضعيف باتّفاق أهل المعرفة بالحديث ، والصحيح الذي فيها ليس فيه ما يدلّ على إمامة علي ، ولا على فضيلته على أبي بكر وعمر ، بل وليست من خصائصه ، بل هي فضائل شاركه فيها غيره ، بخلاف ما ثبت من فضائل أبي بكر وعمر ، فإنّ كثيراً منها خصائص لهما ، لاسيّما فضائل أبي بكر ، فإنّ عامّتها خصائص لم يشركه فيها غيره. وأمّا ما ذكره من المطاعن فلا يمكن أن يوجّه على الخلفاء الثلاثة من مطعن إلّا وجّه على علي ما هو مثله أو أعظم منه ... . فإنّ علي رضي الله عنه لم ينزّهه المخالفون ، بل القادحون في علي طوائف متعدّدة ، وهم أفضل من القادحين في أبي بكر وعمر وعثمان ، والقادحون فيه أفضل من الغلاة فيه ، فإنّ الخوارج متّفقون على كفره ، وهم عند المسلمين كلّهم خير من الغلاة ... . ومن المعلوم أنّ المنزّهين لهؤلاء أعظم وأكثر وأفضل ، وإنّ القادحين في علي حتّى بالكفر والفسوق والعصيان طوائف معروفة ، وهم أعلم من الرافضة وأدين ... . والذين قدحوا في علي رضي الله عنه وجعلوه كافراً أو ظالماً ليس فيهم طائفة معروفة بالردّة عن الإسلام ، بخلاف الذين يمدحونه ويقدحون في الثلاثة ... . بخلاف من يكفّر علياً ويلعنه من الخوارج ، وممّن قاتله ولعنه من أصحاب معاوية وبني مروان وغيرهم ، فإنّ هؤلاء كانوا مقرّين بالإسلام وشرائعه ، يقيمون الصلاة ، ويؤتون الزكاة ، ويصومون رمضان ، ويحجّون البيت العتيق ، ويحرّمون ما حرّم الله ورسوله ، وليس فيهم كفر ظاهر ، بل شعائر الإسلام وشرائعه ظاهرة فيهم ، معظّمة عندهم ... . فمعلوم أنّ الذين قاتلوه ولعنوه وذمّوه من الصحابة والتابعين وغيرهم هم أعلم وأدين من الذين يتولّونه ويلعنون عثمان ، ولو تخلّى أهل السنّة عن موالاة علي رضي الله عنه وتحقيق إيمانه ووجوب موالاته لم يكن في المتولّين له من يقدر أن يقاوم المبغضين له من الخوارج والأُموية والمروانية ؛ فإنّ هؤلاء طوائف كثيرة ». [ المصدر السابق 5 / 6 ـ 10 ] والكلام واضح لا يحتاج إلى تعليق. 5 ـ طعنه في فاطمة عليها السلام واتّهامها بالنفاق !! قال ابن تيميّة : « إنّ فاطمة رضي الله عنها إنّما عظم أذاها لما في ذلك من أذى أبيها ، فإذا دار الأمر بين أذى أبيها وأذاها كان الاحتراز عن أذى أبيها أوجب ، وهذا حال أبي بكر وعمر ، فإنّهما احترزا عن أن يؤذيا أباها أو يريباه بشيء ، فإنّه عهد عهداً وأمر بأمر ، فخافا أن غيّرا عهده وأمره أن يغضب لمخالفة أمره وعهده ويتأذّى بذلك ، وكلّ عاقل يعلم أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله إذا حكم بحكم وطلبت فاطمة أو غيرها ما يخالف ذلك الحكم ، كان مراعاة حكم النبيّ صلّى الله عليه وآله أولى !! فإنّ طاعته واجبة ومعصيته محرّمة ». [ المصدر السابق 4 / 253 ] فصوّر فاطمة عليها السلام بأنّها تريد أن يحكم أبو بكر بغير حكم رسول الله صلّى الله عليه وآله ، فرفض أبو بكر ذلك فتأذّت !! وهذا معناه النفاق في فاطمة ـ أعاذنا الله من هذا ـ لأنّ الذين يريدون أن يحكم إليهم بخلاف حكم الله ورسوله هم المنافقون. هذا وهناك الكثير من المطاعن التي وجّهها ابن تيميّة إلى أهل البيت عليهم السلام وإلى علي بن أبي طالب عليه السلام ، سواء من ناحية التنقيص فيه ، أو تكذيب فضائله الثابتة له ، ومن شاء راجع « منهاج السنّة » ليرى النصب فيه طافح ، والتحامل على علي عليه السلام وأهل بيته ظاهر !! هذا ما يتعلّق بابن تيميّة الحرّاني. وأمّا ما يتعلّق بمحمّد بن عبد الوهّاب فمنهجه هو منهج ابن تيميّة لا غير ، سواء من ناحية العقيدة كصفات الله والأنبياء وغيرها أو من ناحية تحامله على المسلمين وتكفيرهم ، أو من ناحية تحامله على أهل البيت عليهم السلام. وارجع إلى كتابه « كشف الشبهات » لترى فيه التكفير الصريح للأُمّة الإسلاميّة جمعاء ، لأنّها تزور القبور ، وتتوسّل بالأنبياء والصالحين !! وكذلك كتابه « الدرر السنية في الأجوبة النجدية » ، تجده مليئاً بالتكفير ورمي المسلمين بالغلوّ والشرك ، فمن نماذج تكفيره للمسلمين قوله : 1 ـ قال : « وهذا أيّ الشرك هو فعلكم عند الأحجار والبنايات التي على القبور وغيرها » !! . [ كشف الشبهات : 17 ] 2 ـ قال : ويصيحون كما صاح إخوانهم حيث قالوا : ( أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَٰهًا وَاحِدًا إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ) . [ المصدر السابق : 19 ] ومقصوده بذلك المسلمين الذي يزورون القبور ويتوسّلون بالأنبياء والصالحين ! 3 ـ وقال في نفس الصفحة : « فإذا عرفت أنّ هذا الذي يسمّيه المشركون في زماننا الاعتقاد هو الشرك الذي أنزل فيه القرآن ، وقاتل رسول الله صلّى الله عليه وآله الناس عليه ؛ فاعلم أنّ شرك الأوّلين أخفّ من شرك أهل زماننا بأمرين » !! 4 ـ قال : « أنّ الذين قاتلهم رسول الله صلّى الله عليه وآله أصحّ عقولاً وأخفّ شركاً من هؤلاء » !! [ المصدر السابق : 21 ] فهذا تكفير صريح لعامّة المسلمين ، أعاذنا الله من ذلك. 5 ـ قال : « وأنا أذكر لك أشياء ممّا ذكر الله في كتابه جواباً لكلام احتجّ به المشركون في زماننا علينا » !! [ المصدر السابق : 13 ] وغير ذلك كثير جدّاً يمكن مراجعته في الكتابين اللذين أشرنا إليهما. فمحمّد بن عبد الوهاب لم يتورّع في دماء المسلمين ، وحكم على الأُمّة الإسلاميّة بالشرك والكفر ، وأنّ شركها أعظم من شرك كفّار قريش أو اليهود والنصارى ، وقام بمحاربتهم وسفك دمائهم ، وقتل ذراريهم واستباحة أعراضهم ، إلى غير ذلك من الأفاعيل الشنيعة التي تبيّن مدى فساد عقيدة هذا الشخص وضحالة تفكيره ، وخطورته في نفس الوقت. المصدر : مركز الأبحاث العقائديّة
مركز الأبحاث العقائديّة | الجواب: لا إشكال في جلالة قدر ابن عبّاس عند الجميع ، كما يظهر ذلك من كلام العلماء والرجاليين. نعم ، قد يكون هناك بعض الموارد الموجبة للتوقّف ، ولكن أُجيب عنها بما لا مزيد عليه (1). ومجمل الكلام حول هذا الشخص هو : أنّه كان موالياً وعارفاً للحقّ ، ولكن لأُمور لم تتّضح لحدّ الآن كان لا يقتحم الصراعات الموجودة آنذاك ، فكان شاهداً للحقّ إن صحّ التعبير ومدافعاً عنه في حدّ وسعه ، فيجب أن ننظر إلى حياته من هذه الزاوية حتّى نعرف التفسير الصحيح لمجموعة تصرّفاته ، ومواقفه في كافّة الجوانب. ثمّ وإن كان ابن عبّاس ثقة ومعتمداً ، ولكن بالنسبة لأحاديثه ينبغي ملاحظة عدّة أُمور : 1 ـ لا يخفى أنّ مجموعة كبيرة من الأحاديث المنسوبة إليه في كتب الفريقين سندها منقطع ، أيّ أنّها إمّا مرسلة أو مقطوعة ، فلا حجّية لمفادها ، إلّا ما كانت منها تؤيّد بأخبار معتبرة أُخرى. 2 ـ توجد هناك طائفة من الأخبار تنقل عن لسان ابن عبّاس بدون إسنادها إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله ، أو إلى أحد من الأئمّة عليهم السلام ، أيّ أنّها آراؤه في تلك الموارد. وهذا القسم أيضاً لا يعتبر حجّة من الناحية الشرعيّة ، إلّا إذا كان موافقاً لما صدر عن المعصوم عليه السلام. 3 ـ إنّ شخصيّة ابن عبّاس كانت معرّضةً للهجوم والتشويه من قبل أعداء الإمام أمير المؤمنين عليه السلام ، خصوصاً بني أُميّة ، فدسّت الأيادي الأثيمة روايات وأحاديث في سبيل النيل من سمعته ، وهذه الفئة من الروايات جلّها ـ بل كلّها ـ جاءت عن طريق العامّة ، وعليه فينبغي التأمّل والتريّث في أحاديثه التي نقلت بإسنادهم ، وإن كانت معنعنة وغير مرسلة ومتّصلة ، خصوصاً في المواضع الخلافيّة بين الشيعة والسنّة . الهوامش 1. أُنظر : قاموس الرجال 6 / 418.