الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: نعم وألف نعم ؛ هناك عند الأئمّة عليهم السلام كتاب يعرف بمصحف فاطمة عليها السلام وهم يفتخرون بذلك حيث انّه من مصادر علومهم ، لكن ليس مصحف فاطمة قرآناً بل ليس فيه شيء من القرآن ولا يرتبط أصلاً بالقرآن الكريم ، بل هو كتاب ذكر فيه الحوادث والوقائع إلى يوم القيامة ، ويكون مثل كتاب الجفر والجامعة وغيرهما من الكتب الموجودة عند الأئمّة عليهم السلام ، ويكون من مصادر علومهم (1). وليس معنى المصحف هو القرآن بل كلّ ما يكون من بين الدفتين يعبّر عنه بالمصحف ؛ فكلّ كتاب يطلق عليه المصحف ، وانّما نعبر عن القرآن الكريم بالمصحف لأنّه كتاب ، وكلّ كتاب مصحف (2). وأمّا انّ مصحف فاطمة أهمّ وأعظم من القرآن الكريم ؛ فهذه تهمة وإفتراء أو جهل بعقائد الشيعة الإماميّة. وأمّا انّ الاُمّة محتاجة إلى كتاب غير القرآن الكريم ، فهذا ممّا لا شكّ فيه ؛ لأنّ القرآن الكريم هو كتاب هداية وإرشاد وموعظة وتشريع لأصل الأحكام الإلهيّة ، أمّا تفاصيل الأحكام والشريعة فلا تكون مذكورة في القرآن الكريم ، وليس من الممكن ان يستوعب القرآن جميع أحكام الشريعة وتفاصيلها وشرائطها وأجزائها ، لأنّه يستلزم ان يكون القرآن مجلّدات متعدّدة ينوء عن حملها البعير ، فلا محاله لابدّ من الرجوع إلى السنّة النبويّة التي يحكى عنها الروايات والأحاديث المشتملة على الأحكام الإلهيّة وتفسير القرآن الكريم ، أو إلى كتب أخرى تشتمل على العلوم التي يحتاج إليها البشر والتي لا توجد في القرآن الكريم ، وهذا أمر واضح بديهي ، ومصحف فاطمة من هذا القبيل. والعجيب انّك تحتاج في ركعات صلواتك إلى غير القرآن الكريم من حديث أو رواية منقولة عن النبي صلّى الله عليه وآله ، ومعذلك تدّعي أنّنا لا نحتاج إلى غير القرآن الكريم لأنّه تبيان كلّ شيء ؟؟! أقول : صحيح البخاري أو صحيح مسلم أو أيّ كتاب آخر من الصحاح هو ثلاثة أضعاف القرآن ، فهل يعتبر ذلك أفضليّة صحيح البخاري عن القرآن الكريم ؟ ثمّ انّ البخاري كتب هذا الصحيح وجمعه وقضى عمره في جمعه ، ومعذلك ألّف كتباً أخرى مثل الأدب المنفرد وغيره ، فهل هذا تناقض ؟ فعلي عليه السلام جمع القرآن و معذلك كتب ما يمليه جبريل على فاطمة ، فما المانع من ذلك ؟ الهوامش 1. راجع : الكافي « للشيخ الكليني » / الملجلّد : 1 / الصفحة : 238 ـ 242 / الناشر : دار الكتب الإسلاميّة / الطبعة : 3. دلائل الإمامة « لمحمّد بن جرير الطبري » / الصفحة : 104 ـ 107 / الناشر : مؤسسة البعثة / الطبعة : 1. بحار الأنوار « للشيخ المجلسي » / المجلّد : 22 / الصفحة : 545 ـ 546 / الناشر : مؤسسة الوفاء / الطبعة : 2. 2. راجع : لسان العرب « لابن منظور » / المجلّد : 9 / الصفحة : 186 / الناشر : نشر أدب الحوزة.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: قيل في تفسير الآية ، انّ المراد الله منوّر السماوات والأرض. وفي رواية عن الرضا عليه السلام : « الله هاد لأهل السموات وهاد لأهل الأرض » . وفي رواية البرقي : « هدى من في السموات وهدى من في الأرض » . وعن الصادق عليه السلام عن أبيه عليه السلام في هذه الآية : ( اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) ، قال : « بدء بنور نفسه مثل نوره مثل هداه في قلب المؤمن لمشكاة فيها مصباح المشكاة جوف المؤمن والقنديل قلبه والمصباح النور الذي جعله الله فيه ... » . فالمستفاد من هذه الروايات انّ المراد من نوره تعالى هو هدايته ، أيّ النور الذي جعله في قلوب المؤمنين به يعرفون الله تعالى. والله العالم.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: من خلال العقل نعرف انه لابد من صانع لهذا الكون ـ لكن بغضّ النظر من هو الصانع مبدئياً ـ ومن خلال الإعجاز العلمي في القرآن نكتشف وجود الله ، ولكن سؤالي .. كيف لنا ان نعرف انّ الخالق هو الله وليس خالق آخر لا نعرفه ؟ وإذا أتحنا فرصة للفكر لوصلنا إلى ما يوضح الأمر ، فمثلاً .. هناك خالق آخر غير الله .. لكنه ترك هذا الخلق لله ليحكمه. ليس الكلام في التسمية وأنّ الخالق لهذه الكون اسمه الله أم له اسم آخر وانّما الكلام في انّ هذا الكون هل له خالق أم لا. بعبارة اُخرى كل ما في الكون ممكن الوجود بمعنى انّه ليس وجوده لذاته بل يحتاج في وجوده إلى موجد وعلّة فلابدّ أن يكون خالق هذا الكون ومعطي الوجود للكائنات هو واجب الوجود أيّ وجوده ذاتي لا يحتاج إلى موجد ، وهذا الخالق هو الله تعالى وليس هناك خالق آخر ، لأنّ العقل يحكم باستحالة تعدّد الخالق كما قال الله تعالى : ( لو كان فيهما الهة الّا الله لفسدتا ) ، اذ فرض خالقين كلّ منهما يتّصف بجميع الصفات الكماليّة من العلم والقدرة والحياة على حدّ سواء يلازم احتمال أن يختلفا في الإرادة بأن يريد أحدهما شيئاً ويريد الآخر خلافه ، فلا بدّ أن نلتزم بأنّ ذلك الشيء يتحقّق ويكون ، لأنّ الإله الأوّل اراده ولا يتحقّق ولا يكون لأنّ الإله الثاني أراد عدمه وهذا يستلزم اجتماع النقيضين الذي هو محال عقلاً ، وان كان أحدهما أكثر قدرة. ولأجل ذلك يتحقّق ما يشاؤه. ففي الحقيقه هو الإله الواجب الوجود والثاني مخلوق وحادث وممكن الوجود لانّ الواجب لا يحتمل في حقّه العجز وعدم القدرة.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: لقد تمّ غصب الخلافة ومبايعة أبي بكر فجأة بعد ان اجتمع جماعة من الأنصار والمهاجرين في السقيفة ، ووقع الخلاف الشديد ابتداءا بين المهاجرين والأنصار ثمّ بين الأنصار أنفسهم ، وبذلك تمكّن أبوبكر من غصب الخلافة ، ولم يعلم بذلك الكبار من الصحابة إلّا بعد ان استقرّ الأمر وتمكّنوا من أخذ البيعة من المسلمين طوعاً وكرهاً. وبما انّ أمير المؤمنين وأصحابه المخلصين وبني هاشم كانوا مشغولين بتجهيز النبي صلّى الله عليه وآله ، تخيّل الكثير من الصحابة أنّ عليّاً تنازل عن الخلافة وانّه رضي بالأمر الواقع ، لكن بعد خطبة الزهراء عليها السلام وإظهار الإمام عليه السلام سخطه واستياؤه ، قام كثير من أعيان الصحابة بالاحتجاج على غصب الخلافة ، وكان هؤلاء يمثل جماعات كثيرة لأنّهم كانوا نقباء من قبل الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله ويتبعهم الكثير من أهليهم وأبناء عشيرتهم ، فخافت السلطة الغاصبة من ازدياد النقمة والإعتراض وحصول الصحوة العامّة ، وهذا لا ينافي قلّة أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام المخلصين في ذلك الوقت ، لأنّ الناقمين والمعترضين كانوا قليلين بالنسبة لمن بايع الخليفة والصحوة العامة لم تتمّ لأنّ السطلة تداركتها بالتخويف من ردّة المسلمين ، وصوّرت لهم الخطر المحدق بالإسلام والمسلمين في أعظم صورة ، وأرسلتهم إلى حرب أهل الردّة بزعمهم. مضافاً إلى انّ الكثير منهم خصوصاً الأنصار تخيّلوا أن أخذ البيعة منهم ولو كرهاً كان يستلزم موافقة السلطة الغاصبة ، ولذا كانوا يعتذرون حينما طالبهم الإمام علي عليه السلام بنصرته بأنه قد سبق أخذ البيعة منهم ، فإرشاد هؤلاء وأمثالهم كان بحاجة إلى وقت طويل ، ولما أحسّت السلطة بذلك اخرجتهم من المدينة المنوّرة لكي يشتغلوا بالحروب بعنوان حروب الردة. وممّن احتجّ على أبي بكر : 1. سلمان الفارسي خطب خطبة طويلة بعد ثلاثة أيّام من دفن النبي صلّى الله عليه وآله قال فيها : « الا والذي نفس سلمان بيده لو ولّيتموها عليّاً لأكلتم من فوقكم ومن تحت أرجلكم ... ». 2. اُبيّ بن كعب خطبة خطبه مفصلة يوم الجمعة أوّل يوم من شهر رمضان واعترض على المهاجرين والأنصار الذين بايعوا أبابكر ، وذكر مناقب علي وفضائله ومكانته من رسول الله ، وتصريحات النبي صلّى الله عليه وآله بشأن إمامته وخلافته ، ثمّ قال : « فقد انذر من اعذر وادى النصيحة من وعظ وبصّر من عمى فقد سمعتم كما سمعنا ورأيتم كما رأينا وشهدتم كما شهدنا » ، فقام عبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة الجراح ومعاذ بن جبل فقالوا : يا اُبيّ أصابك خبل أم بك جنّة ؟ فقال : « بل الخبل فيكم » ، ثمّ نقل عن رسول الله صلّى الله عليه وآله قوله : « يا اُبيّ عليك بعلي فانّه الهادي المهدي الناصح لاُمّتي المحيي سنّتي وهو إمامكم بعدي ... » . 3. اعترض اُسامة على أبي بكر وقال فيما كتبه إليه : « فقد علمت ما كان من قول رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ في علي يوم غدير خم فما طال العهد حتّى تنسى ». 4. اعترض على أبي بكر أبوه أبو قحافة وقال فيما كتبه إليه : « وأنت تعرف من هو أولى منك بها فراقب الله كأنّك تراه ولا تدعن صاحبها فان تركها اليوم اخف عليك وأسلم ». 5. في بحار الأنوار المجلّد 28 الصفحة 208 ، عن الخصال للشيخ الصدوق ، عن البرقي بسنده عن زيد بن وهب قال : كان الذين أنكروا على أبي بكر في جلوسه في الخلافة وتقدّمه على علي بن أبي طالب عليه السلام إثنى عشر رجلاً من المهاجرين والأنصار ، كان من المهاجرين خالد بن سعيد بن العاص والمقداد بن الأسود واُبيّ بن كعب وعمّار بن ياسر وأبوذر الغفاري وسلمان الفارسي وعبد الله بن مسعود وبريدة الأسلمي ، وكان من الأنصار خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين وسهل بن حنيف وأبو أيّوب الأنصاري وأبو الهيثم بن التيهان وغيرهم ، ثمّ ذكر احتجاج كلّ واحد منهم. قال زيد بن وهب : فاخبر الثقة من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله انّ أبابكر جلس في بيته ثلاثة أيّام ، فلمّا كان اليوم الثالث أتاه عمر بن الخطاب وطلحة والزبير وعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وأبو عبيدة بن الجراح مع كلّ واحد منهم عشرة رجال من عشائرهم شاهرين للسيوف ، فأخرجوه من منزله ، وعلا المنبر فقال قائل منهم : والله لئن عاد منكم أحد فتكلّم بمثل الذي تكلّم به لنملأنّ أسيافنا منه ، فجلسوا في منازلهم ولم يتكلّم أحد منهم بعد ذلك.
الجواب من مركز الأبحاث العقائديّة: قبل التعرّض لكلمات شيخ المجسّمة ابن تيميّة نقدّم كلام ابن الجوزي الحنبلي ، وما ذكره في حقّ الحنابلة لإيضاح الحقيقة أكثر. قال ابن الجوزي : « ورأيت من أصحابنا من تكلّم في الأُصول بما لا يصلح ، وانتدب للتصنيف ثلاثة : أبو عبد الله بن حامد ، وصاحبه القاضي ، وابن الزاغوني ، فصنّفوا كتباً شانوا بها المذهب ، ورأيتهم قد نزلوا إلى مرتبة العوام ، فحملوا الصفات على مقتضى الحسّ ، فسمعوا أنّ الله تعالى خلق آدم على صورته ، فاثبتوا له صورة ووجهاً زائداً على الذات ، وعينين ، وفماً ، ولهوات ، وأضراساً ، وأضواء لوجهه هي السبحات ، ويدين ، وأصابع ، وكفّاً ، وخنصراً ، وإبهاماً ، وصدراً ، وفخذاً ، وساقين ، ورجلين ، وقالوا : ما سمعنا بذكر الرأس. وقالوا : يجوز أن يَمس ويُمس ، ويدني العبد من ذاته ، وقال بعضهم : ويتنفّس ، ثمّ يرضون العوام بقولهم : لا كما يعقل ! وقد أخذوا بالظاهر في الأسماء والصفات ، فسمّوها بالصفات تسمية مبتدعة لا دليل لهم في ذلك من النقل ولا من العقل ، ولم يلتفتوا إلى النصوص الصارفة عن الظواهر إلى المعاني الواجبة لله تعالى ، ولا إلى إلغاء ما يوجبه الظواهر من سمات الحدوث ، ولم يقنعوا بأن يقولوا : صفة فعل ، حتّى قالوا : صفة ذات ! ثمّ لمّا اثبتوا أنّها صفات ذات قالوا : لا نحملها على توجيه اللغة مثل : يد على نعمة وقدرة ، ومجيء وإتيان على معنى برّ ولطف ، وساق على شدّة ، بل قالوا : نحملها على ظواهرها المتعارفة ، والظاهر هو المعهود من نعوت الآدميين ، والشيء إنّما يحمل على حقيقته إذا أمكن ، ثمّ يتحرّجون من التشبيه ، ويأنفون من إضافته إليهم ويقولون : نحن أهل السنّة ! وكلامهم صريح في التشبيه ، وقد تبعهم خلق من العوام. وقد نصحت التابع والمتبوع فقلت لهم : يا أصحابنا ، أنتم أصحاب نقل ، وإمامكم الأكبر أحمد بن حنبل يقول وهو تحت السياط : كيف أقول ما لم يقل. فإيّاكم أن تبتدعوا في مذهبه ما ليس منه ، ثمّ قلتم في الأحاديث تحمل على ظاهرها ، فظاهر القدم الجارحة ، فإنّه لمّا قيل في عيسى روح الله اعتقدت النصارى أنّ لله صفة هي روح ولجت في مريم ؟! ومن قال : استوى بذاته فقد أجراه مجرى الحسّيات. وينبغي أن لا يهمل ما يثبت به الأصل وهو العقل ، فإنّا به عرفنا الله تعالى وحكمنا له بالقدم ، فلو إنّكم قلتم : نقرأ الأحاديث ونسكت ، لما أنكر عليكم أحد ، إنّما حملكم إيّاها على الظاهر قبيح. فلا تدخلوا في مذهب هذا الرجل الصالح السلفي ما ليس منه ، ولقد كسيتم هذا المذهب شيناً قبيحاً ، حتّى صار لا يقال حنبلي إلّا المجسّم ، ثمّ زيّنتم مذهبكم أيضاً بالعصبية ليزيد بن معاوية ، ولقد علمتم أنّ أصحاب المذهب أجاز لعنته ، وقد كان أبو محمّد التميمي يقول في بعض أئمّتكم : لقد شان المذهب شيناً قبيحاً لا يغسل إلى يوم القيامة ». [ دفع شبه التشبيه : 97 ] فهذا حال الحنابلة من أمثال أبي يعلى وغيره فهم مجسّمة حقيقية ، ويثبتون لله تعالى صفات لا تجوز إلّا على المخلوقين ، ومن شاء يرجع إلى طبقات الحنابلة التي ألّفها أبو يعلى ليرى التجسيم طافحاً فيها وفي تراجمه التي ذكرها. وبعد أن جاء ابن تيميّة زاد الطين بلّة ، فبدل أن يغسل العار الذي شانه الحنابلة السابقين عن المذهب كحّله بأُمور وطامات عظيمة ، وإليك نزر يسير من التجسيم في كلمات ابن تيميّة : 1 ـ يقول ابن بطّوطة : « وكان بدمشق من كبار الفقهاء الحنابلة ، تقي الدين ابن تيميّة ، كبير الشام ، يتكلّم في الفنون ، إلّا أنّ في عقله شيئاً ! وكان أهل دمشق يُعظّمونه أشدّ التعظيم ، ويعظهم على المنبر ، وتكلّم مرّة بأمرٍ أنكره الفقهاء ... قال : وكنت إذ ذاك بدمشق ، فحضرته يوم الجمعة ، وهو يعِظ الناس على منبر الجامع ويذكّرهم ، فكان من جُملة كلامه أنّ قال : إنّ الله ينزِلُ إلى سماء الدنيا كنزولي هذا ، ونزل درجةً من المنبر » ! [ رحلة ابن بطوطة : 112 ] 2 ـ اعتقاده بأنّ الله تعالى في جهة ومكان : يقول في ردّه على كلام العلّامة الحلّي : « وكذلك قوله : « كلّ ما هو في جهة فهو محدث » لم يذكر عليه دليلاً ، وغايته ما تقدّم أنّ الله لو كان في جهة لكان جسماً ، وكلّ جسم محدث ، لأنّ الجسم لا يخلو من الحوادث ، وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث. وكلّ هذه المقدّمات فيها نزاع : فمن الناس من يقول : قد يكون في الجهة ما ليس بجسم ، فإذا قيل له : هذا خلاف المعقول ؟ قال : هذا أقرب إلى العقل من قول من يقول : إنّه لا داخل العالم ولا خارجه ، فإن قبل العقل ذاك قبل هذا الطريق أولى ، وإن ردّ هذا ردّ ذاك بطريق أولى ، وإذا ردّ ذاك تعيّن أن يكون في الجهة ، فثبت أنّه في الجهة على التقديرين ». [ منهاج السنّة 2 / 648 ] وصريح كلامه في أنّ الله تعالى في جهة ومكان. 3 ـ إيمانه بقيام الحوادث بالله تعالى : قال في ردّه على العلّامة الحلّي : « وأمّا قوله : « وأنّ أمره ونهيه وإخباره حادث ، لاستحالة أمر المعدوم ونهيه وإخباره » ، فيقال : هذه مسألة كلام الله تعالى والناس فيها مضطربون ، وقد بلغوا فيها إلى تسعة أقوال ... ». [ المصدر السابق 2 / 358 ] فإن قلتم لنا : فقد قلتم بقيام الحوادث بالربّ ؟ قالوا لكم : نعم ، وهذا قولنا الذي دلّ عليه الشرع والعقل. [ المصدر السابق 2 / 380 ] وقال : وقد ظنّ من ذكر من هؤلاء كأبي علي وأبي الحسن بن الزاغوني أنّ الأُمّة قاطبة اتّفقت على أنّه لا تقوم به الحوادث ، وجعلوا ذلك الأصل الذي اعتمدوه ، وهذا مبلغهم من العلم. وهذا الإجماع نظير غيره من الإجماعات الباطلة المدعاة في الكلام ونحوه وما أكثرها ، فمن تدبّرها وجد عامّة المقالات الفاسدة بينونتها على مقدّمات لا تثبت إلّا بإجماع مدّعى أو قياس ، وكلاهما على التحقيق يكون باطلاً. [ الفتاوى الكبرى 5 / 126 ] 4 ـ إيمان ابن تيميّة بقدم نوع العالم : قال ابن تيمية في معرض ردّه : « نحن نقول : إنّه لم يزل مشتملاً على الحوادث ، والقديم هو أصل العالم كالأفلاك ، ونوع الحوادث مثل جنس حركات الأفلاك ... وحينئذ فالأزلي مستلزم لنوع الحوادث لا لحادث معيّن ، فلا يلزم قدم جميع الحوادث ولا حدوث جميعها ، بل يلزم قدم نوعها وحدوث أعيانها ، كما يقول أئمّة أهل السنّة منكم : إنّ الربّ لم يزل متكلّماً إذا شاء وكيف شاء ». [ منهاج السنّة 1 / 215 ] 5 ـ إنّ الله تعالى يتكلّم بصوت وحروف : قال ابن تيميّة : « وأنّ الله تعالى يتكلّم بصوت كما جاءت به الأحاديث الصحاح ، وليس ذلك كأصوات العباد ، لا صوت القارئ ولا غيره ، وأنّ الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ، فكما لا يشبه علمه وقدرته وحياته علم المخلوق وقدرته وحياته ، فكذلك لا تشبه كلامه كلام المخلوق ، ولا معانيه تشبه معانيه ، ولا حروفه يشبه حروفه ، ولا صوت الربّ يشبه صوت العبد ». [ مجموع الفتاوى 12 / 244 ] 6 ـ إنّ الله تعالى مركّب وله أبعاض : قال ابن تيميّة : « إذا قلنا : إنّ الله لم يزل بصفاته كلّها أليس إنّما نصف إلهاً واحداً بجميع صفاته ؟ وضربنا لهم مثلاً في ذلك فقلنا لهم : أخبرونا عن هذه النخلة أليس لها جذوع وكرب وليف وسعف وخوص وجمار ، واسمها اسم واحد وسمّيت نخلة بجميع صفاتها ، فكذلك الله وله المثل الأعلى بجميع صفاته ». [ مجموع الفتاوى 17 / 450 ، منهاج السنّة 2 / 484 ، الفتاوى الكبرى 5 / 62 و 93 و 111 ] فيصوّر الله تعالى ذا أجزاء وأبعاض ، فاليدين التي يثبتها لله غير الساق ، والأصابع غير الصورة ، والصورة غير الوجه ، وهلم جرّا ، وما ذلك إلّا تجزئة للذات الإلهيّة المقدّسة وتبعيض لها ، وهذا هو التركّب الذي يستلزم حاجة المركّب إلى أجزائه . 7 ـ تصوير احتياج الله تعالى إلى آلات يعمل بواسطتها : قال ابن تيميّة : « والصمد الذي لا جوف له ، ولا يأكل ولا يشرب ، وهذه السورة هي نسب الرحمن أو هي الأصل في هذا الباب ، وقال في حقّ المسيح وأُمّه : ( مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ ) ، فجعل ذلك دليلاً على نفي الألوهيّة ، فدلّ ذلك على تنزيهه عن ذلك بطريق الأولى والأُخرى. والكبد والطحال ونحو ذلك هي أعضاء الأكل والشرب ، فالغنيّ المنزّه عن ذلك منزّه عن آلات ذلك ، بخلاف اليد فإنّها للعمل والفعل وهو سبحانه موصوف بالعمل والفعل ». [ مجموع الفتاوى 3 / 86 ] فيصوّر الله تعالى غنيّ عن الكبد والطحال لأنّه أخبر عن نفسه بأنّه صمد ، وأخبر عن عدم ألوهية عيسى عليه السلام بأنّه كان يأكل فإذن هو ليس إله ، فالله تعالى ليس محتاجاً للكبد والطحال لأنّه لا يأكل ، بينما هو محتاج إلى اليد لأنّه يعمل فيخلق ويرزق ، فإذن لابدّ من وجود يد له لحاجته إليها طبقاً لما وصف نفسه بها وطبقاً لكونه يعمل !! فانظر إلى أيّ مدى وصل بهم التجسيم ؟ وإلى أيّ حدّ وصلت بهم الجرأة بتصوير الله المنزّه عن النقص أو الحاجة بأنّه محتاج إلى اليد ؟! سبحان الله عمّا يصفه المجسّمة والمشبّهون ! 8 ـ اعتقاده بأنّ الله تعالى ينزل نزولاً حقيقياً إلى الدنيا ، وإنّه يتحرّك وليس بساكن : قال ابن تيميّة : « وأمّا أحاديث النزول إلى السماء الدنيا كلّ ليلة فهي الأحاديث المعروفة الثابتة عند أهل العلم بالحديث ، وكذلك حديث دنوّه عشية عرفة رواه مسلم في صحيحه ، وأمّا النزول ليلة النصف من شعبان ففيه حديث أُختلف في إسناده. ثمّ إنّ جمهور أهل السنّة يقولون : إنّه ينزل ولا يخلو منه العرش ، كما نقل مثل ذلك عن إسحاق بن راهويه وحمّاد بن زيد وغيرهما ، ونقلوه عن أحمد بن حنبل في رسالته إلى مسدّد ». [ منهاج السنّة 2 / 637 ] وقال : « وأمّا دعواك أنّ تفسير القيّوم الذي لا يزول عن مكانه ولا يتحرّك فلا يقبل منك هذا التفسير إلّا بأثر صحيح مأثور عن رسول الله صلّى الله عليه وآله ، أو عن بعض أصحابه أو التابعين ؟ لأنّ الحيّ القيّوم يفعل ما يشاء ويتحرّك إذا شاء ، ويهبط ويرتفع إذا شاء ، ويقبض ويبسط ويقوم ويجلس إذا شاء ؛ لأنّ أمارة بين الحيّ والميّت التحرّك ، كلّ حيّ متحرّك لا محالة ، وكلّ ميّت غير متحرّك لا محالة. ومن يلتفت إلى تفسيرك وتفسير صاحبك مع تفسير نبيّ الرحمة ورسول ربّ العزّة إذ فسّر نزوله مشروحاً منصوصاً ، ووقّت لنزوله وقتاً مخصوصاً ، لم يدع لك ولا لأصحابك فيه لُبساً ولا عويصاً ». [ درء التعارض 2 / 51 ] ويقول أيضاً : « فهذا لا يصحّ إلّا بما ابتدعته الجهمية من قولهم : لا يتحرّك ولا تحلّ به الحوادث ، وبذلك نفوا أن يكون استوى على العرش بعد أن لم يكن مستوياً ، وأن يجيء يوم القيامة ». [ الفتاوى الكبرى 5 / 127 ] وهنا طريفة لا يفوتنا الإشارة إليها وهي : إنّ الأرض كروية وهي تتحرّك خلافاً لابن باز الذي ينفي حركتها حول نفسها ، فهي دائماً لا تخلو من ليل ، وعليه فمتى ينزل الله تعالى ؟ ومتى يصعد ؟ إذ لازم ذلك إنّه دائماً في حالة صعود ونزول ، أو إنّه دائماً يكون نازلاً ولا يصعد لدوام الثلث الأخير من الليل في الأرض على مدى الأربعة والعشرين ساعة ؟ وقد التفت السلفيّون إلى هذا الإشكال ، لكنّهم بقوا حيارى لا يستطيعون جواباً ؛ قال الشيخ ابن باز : « لا تعارض بين نزوله تعالى إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من كلّ ليلة مع اختلاف الأقطار ، وبين استوائه عزّ وجلّ على العرش ؛ لأنّه سبحانه لا يشبه خلقه في شيء من صفاته ، ففي الإمكان أن ينزل كما يشاء نزولاً يليق بجلاله في ثلث الليل الأخير بالنسبة إلى كلّ قُطر ، ولا ينافي ذلك علوه واستواءه على العرش ؛ لأنّنا لا نعلم كيفيّة النزول ولا كيفيّة الاستواء ، بل ذلك مختصّ به سبحانه ». [ فتاوى اللجنة الدائمة 3 / 186 ] فصال وجال لكنّه لم يأت بشيء سديد أو دفع مفيد ، وإنّما زاد الطين بلّة من حيث جعل الله مستوياً على عرشه ، وهو في هذا الحال ينزل في الثلث الأخير من الليل إلى السماء الدنيا ، وبما أنّ الكرة الأرضية ثلث الليل الأخير مستمر فيها فهو في حال نزول دائمي ، أو بالأحرى إنّه نازل ولا يصعد إلى العرش !! تنزّه الله تعالى عمّا يقوله الحنابلة المجسّمة علوّاً كبيراً ! هذا نزر يسير ممّا وقع فيه ابن تيميّة ومن حذا حذوه من الهفوات ، ولو أردنا الاسترسال لطال المقام بتأليف مصنّف مستقلّ. وهنالك كلام لابن تيميّة في حقّ أهل البيت عليهمالسلام يدلّ على نصبه وتحامله الشديد عليهم ، والدفاع والنصرة لبني أُمية الذين قتلوا وسلبوا أهل البيت عليهمالسلام ، وقبل ذلك نستعرض كلمات العلماء في ذلك ، ثمّ نعرّج على كلمات ابن تيميّة : 1 ـ قال ابن حجر العسقلاني : « طالعت الردّ المذكور فوجدته كما قال السبكي في الاستيفاء ، لكن وجدته كثير التحامل إلى الغاية في ردّ الأحاديث التي يوردها ابن المطهّر ، وإن كان معظم ذلك من الموضوعات والواهيات ، لكنّه ردّ في ردّه كثيراً من الأحاديث الجياد التي لم يستحضر حالة التصنيف مظانّها ؛ لأنّه كان لا تساعه في الحفظ يتّكل على ما في صدره ، والإنسان عامد للنسيان ، وكم من مبالغة لتوهين كلام الرافضي أدّته أحياناً إلى تنقيص علي رضي الله عنه ». [ لسان الميزان 6 / 320 ] 2 ـ قال ابن حجر الهيتمي : « ابن تيمية عبد خذله الله وأضلّه وأعماه وأصمّه وأذلّه ، وبذلك صرّح الأئمّة الذين بيّنوا فساد أحواله ، وكذب أقواله ». [ شفاء السقام : 38 نقلاً عن الفتاوى الحديثية ] 3 ـ قال الشيخ محمّد زاهر الكوثري : « فتراه يحكم عليه هذا الحكم القاسي ، لأنّه صحّح حديث ردّ الشمس لعلي كرّم الله وجهه ، فيكون الاعتراف بصحّة هذا الحديث ينافي انحرافه عن علي رضي الله عنه ، وتبدو على كلامه آثار بغضه لعلي عليه السلام في كلّ خطوة من خطوات تحدّثه عنه ». [ الإشفاق على أحكام الطلاق : 73 ] وقال : « ولولا شدّة ابن تيمية في ردّه على ابن المطهّر في منهاجه إلى أن بلغ به الأمر أن يتعرّض لعلي بن أبي طالب كرّم الله وجهه على الوجه الذي تراه في أوائل الجزء الثالث منه بطريق يأباه الكثير من إقحام الخوارج ، مع توهين الأحاديث الجيّدة في هذا السبيل ». [ المصدر السابق : 73 ] 4 ـ قال الشيخ عبد الله الغماري في معرض ردّه على الشيخ الألباني : وحاله في هذا كحال ابن تيميّة ، تطاول على الناس ، فأكفر طائفة من العلماء ، وبدع طائفة أُخرى ، ثمّ اعتنق هو بدعتين لا يوجد أقبح منهما : إحداهما : قوله بقدم العالم ، وهي بدعة كفرية والعياذ بالله تعالى. والأُخرى : انحرافه عن علي عليه السلام ، ولذلك وسمه علماء عصره بالنفاق ، لقول النبيّ صلّى الله عليه وآله لعلي : « لا يحبّك إلّا مؤمن ، ولا يبغضك إلّا منافق » . [ إرغام المبتدع الغبي : 22 ] وأمّا الكلمات التي أطلقها ابن تيميّة في حقّ علي بن أبي طالب عليه السلام ، والتي يظهر منها التنقيص جليّاً وواضحاً فكثيرة ، وإليك شذر منها. 1 ـ طعنه في خلافة الإمام علي عليه السلام : قال : « وأمّا علي فلم يتّفق المسلمون على مبايعته ، بل وقعت الفتنة تلك المدّة ، وكان السيف في تلك المدّة مكفوفاً عن الكفّار مسلولاً على أهل الإسلام ». [ منهاج السنّة 4 / 161 ] وقال : « ولم يكن في خلافة علي للمؤمنين الرحمة التي كانت في زمن عمر وعثمان ، بل كانوا يقتتلون ويتلاعنون ، ولم يكن لهم على الكفّار سيف ، بل الكفّار كانوا قد طمعوا فيهم ، وأخذوا منهم أموالاً وبلاداً ». [ المصدر السابق 4 / 485 ] وقال أيضاً : « ومن ظنّ أنّ هؤلاء الاثني عشر هم الذين تعتقد الرافضة إمامتهم فهو في غاية الجهل ، فإنّ هؤلاء ليس فيهم من كان له سيف إلّا علي بن أبي طالب ، ومع هذا فلم يتمكّن في خلافته من غزو الكفّار ، ولا فتح مدينة ! ولا قتل كافراً ! بل كان المسلمون قد اشتغل بعضهم بقتال بعض ، حتّى طمع فيهم الكفّار بالشرق والشام من المشركين وأهل الكتاب حتّى يقال : إنّهم أخذوا بعض بلاد المسلمين ، وإنّ بعض الكفّار كان يحمل إليه كلام حتّى يكف عن المسلمين ، فأيّ عزّ للإسلام في هذا » ؟! [ المصدر السابق 8 / 241 ] وقال أيضاً طاعناً في خلافته : « فإنّ علياً قاتل على الولاية !! وقتل بسبب ذلك خلق كثير عظيم ، ولم يحصل في ولايته لا قتال للكفّار ولا فتح لبلادهم ، ولا كان المسلمون في زيادة خير ». [ المصدر السابق 6 / 191 ] وقال : « فلم تصف له قلوب كثير منهم ، ولا أمكنه هو قهرهم حتّى يطيعوه ، ولا اقتضى رأيه أن يكفّ عن القتال حتّى ينظر ما يؤول إليه الأمر ، بل اقتضى رأيه القتال ، وظنّ أنّه به تحصل الطاعة والجماعة ، فما زاد الأمر إلّا شدّة ، وجانبه إلّا ضعفاً ، وجانب من حاربه إلّا قوّة ، والأُمّة إلّا افتراقاً ». [ المصدر السابق 7 / 452 ] 2 ـ جعل قتاله لأجل الملك لا الدين ! قال ابن تيمية : « وعلي يقاتل ليطاع ، ويتصرّف في النفوس والأموال ، فكيف يجعل هذا قتالاً على الدين » ؟ [ المصدر السابق 8 / 329 ] وقال أيضاً : « ثمّ يقال لهؤلاء الرافضة : لو قالت لكم النواصب : علي قد استحلّ دماء المسلمين ، وقاتلهم بغير أمر الله ورسوله على رئاسته ، وقد قال النبيّ صلّى الله عليه وآله : « سباب المسلم فسوق وقتاله كفر » ، وقال : « لا ترجعوا بعدي كفّاراً يضرب بعضكم رقاب بعض » ، فيكون علي كافراً لذلك !! لم تكن حجّتكم أقوى من حجّتهم ، لأنّ الأحاديث التي احتجّوا بها صحيحة !! وأيضاً فيقولون : قتل النفوس فساد ، فمن قتل النفوس على طاعته كان مريداً للعلوّ في الأرض والفساد ، وهذا حال فرعون !! والله تعالى يقول : ( تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) ، فمن أراد العلوّ في الأرض والفساد لم يكن من أهل السعادة في الآخرة. وليس هذا كقتال الصدّيق للمرتدّين ومانعي الزكاة ، فإنّ الصدّيق إنّما قاتلهم على طاعة الله ورسوله لا على طاعته ، فإنّ الزكاة فرض عليهم ، فقاتلهم على الإقرار بها وعلى أدائها ، بخلاف من قاتل ليطاع هو ». [ المصدر السابق 4 / 499 ] 3 ـ طعنه فيه وفي فضائله : قال ابن تيميّة : « إنّ الفضائل الثابتة في الأحاديث الصحيحة لأبي بكر وعمر أكثر وأعظم من الفضائل الثابتة لعلي ، والأحاديث التي ذكرها هذا ، وذكر أنّها في الصحيح عند الجمهور ، وأنّهم نقلوها في المعتمد من قولهم وكتبهم هو من أبين الكذب على علماء الجمهور ، فإنّ هذه الأحاديث التي ذكرها أكثرها كذب أو ضعيف باتّفاق أهل المعرفة بالحديث ، والصحيح الذي فيها ليس فيه ما يدلّ على إمامة علي ، ولا على فضيلته على أبي بكر وعمر ، بل وليست من خصائصه ، بل هي فضائل شاركه فيها غيره ، بخلاف ما ثبت من فضائل أبي بكر وعمر ، فإنّ كثيراً منها خصائص لهما ، لاسيّما فضائل أبي بكر ، فإنّ عامّتها خصائص لم يشركه فيها غيره. وأمّا ما ذكره من المطاعن فلا يمكن أن يوجّه على الخلفاء الثلاثة من مطعن إلّا وجّه على علي ما هو مثله أو أعظم منه ... . فإنّ علي رضي الله عنه لم ينزّهه المخالفون ، بل القادحون في علي طوائف متعدّدة ، وهم أفضل من القادحين في أبي بكر وعمر وعثمان ، والقادحون فيه أفضل من الغلاة فيه ، فإنّ الخوارج متّفقون على كفره ، وهم عند المسلمين كلّهم خير من الغلاة ... . ومن المعلوم أنّ المنزّهين لهؤلاء أعظم وأكثر وأفضل ، وإنّ القادحين في علي حتّى بالكفر والفسوق والعصيان طوائف معروفة ، وهم أعلم من الرافضة وأدين ... . والذين قدحوا في علي رضي الله عنه وجعلوه كافراً أو ظالماً ليس فيهم طائفة معروفة بالردّة عن الإسلام ، بخلاف الذين يمدحونه ويقدحون في الثلاثة ... . بخلاف من يكفّر علياً ويلعنه من الخوارج ، وممّن قاتله ولعنه من أصحاب معاوية وبني مروان وغيرهم ، فإنّ هؤلاء كانوا مقرّين بالإسلام وشرائعه ، يقيمون الصلاة ، ويؤتون الزكاة ، ويصومون رمضان ، ويحجّون البيت العتيق ، ويحرّمون ما حرّم الله ورسوله ، وليس فيهم كفر ظاهر ، بل شعائر الإسلام وشرائعه ظاهرة فيهم ، معظّمة عندهم ... . فمعلوم أنّ الذين قاتلوه ولعنوه وذمّوه من الصحابة والتابعين وغيرهم هم أعلم وأدين من الذين يتولّونه ويلعنون عثمان ، ولو تخلّى أهل السنّة عن موالاة علي رضي الله عنه وتحقيق إيمانه ووجوب موالاته لم يكن في المتولّين له من يقدر أن يقاوم المبغضين له من الخوارج والأُموية والمروانية ؛ فإنّ هؤلاء طوائف كثيرة ». [ المصدر السابق 5 / 6 ـ 10 ] والكلام واضح لا يحتاج إلى تعليق. 5 ـ طعنه في فاطمة عليها السلام واتّهامها بالنفاق !! قال ابن تيميّة : « إنّ فاطمة رضي الله عنها إنّما عظم أذاها لما في ذلك من أذى أبيها ، فإذا دار الأمر بين أذى أبيها وأذاها كان الاحتراز عن أذى أبيها أوجب ، وهذا حال أبي بكر وعمر ، فإنّهما احترزا عن أن يؤذيا أباها أو يريباه بشيء ، فإنّه عهد عهداً وأمر بأمر ، فخافا أن غيّرا عهده وأمره أن يغضب لمخالفة أمره وعهده ويتأذّى بذلك ، وكلّ عاقل يعلم أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله إذا حكم بحكم وطلبت فاطمة أو غيرها ما يخالف ذلك الحكم ، كان مراعاة حكم النبيّ صلّى الله عليه وآله أولى !! فإنّ طاعته واجبة ومعصيته محرّمة ». [ المصدر السابق 4 / 253 ] فصوّر فاطمة عليها السلام بأنّها تريد أن يحكم أبو بكر بغير حكم رسول الله صلّى الله عليه وآله ، فرفض أبو بكر ذلك فتأذّت !! وهذا معناه النفاق في فاطمة ـ أعاذنا الله من هذا ـ لأنّ الذين يريدون أن يحكم إليهم بخلاف حكم الله ورسوله هم المنافقون. هذا وهناك الكثير من المطاعن التي وجّهها ابن تيميّة إلى أهل البيت عليهم السلام وإلى علي بن أبي طالب عليه السلام ، سواء من ناحية التنقيص فيه ، أو تكذيب فضائله الثابتة له ، ومن شاء راجع « منهاج السنّة » ليرى النصب فيه طافح ، والتحامل على علي عليه السلام وأهل بيته ظاهر !! هذا ما يتعلّق بابن تيميّة الحرّاني. وأمّا ما يتعلّق بمحمّد بن عبد الوهّاب فمنهجه هو منهج ابن تيميّة لا غير ، سواء من ناحية العقيدة كصفات الله والأنبياء وغيرها أو من ناحية تحامله على المسلمين وتكفيرهم ، أو من ناحية تحامله على أهل البيت عليهم السلام. وارجع إلى كتابه « كشف الشبهات » لترى فيه التكفير الصريح للأُمّة الإسلاميّة جمعاء ، لأنّها تزور القبور ، وتتوسّل بالأنبياء والصالحين !! وكذلك كتابه « الدرر السنية في الأجوبة النجدية » ، تجده مليئاً بالتكفير ورمي المسلمين بالغلوّ والشرك ، فمن نماذج تكفيره للمسلمين قوله : 1 ـ قال : « وهذا أيّ الشرك هو فعلكم عند الأحجار والبنايات التي على القبور وغيرها » !! . [ كشف الشبهات : 17 ] 2 ـ قال : ويصيحون كما صاح إخوانهم حيث قالوا : ( أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَٰهًا وَاحِدًا إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ) . [ المصدر السابق : 19 ] ومقصوده بذلك المسلمين الذي يزورون القبور ويتوسّلون بالأنبياء والصالحين ! 3 ـ وقال في نفس الصفحة : « فإذا عرفت أنّ هذا الذي يسمّيه المشركون في زماننا الاعتقاد هو الشرك الذي أنزل فيه القرآن ، وقاتل رسول الله صلّى الله عليه وآله الناس عليه ؛ فاعلم أنّ شرك الأوّلين أخفّ من شرك أهل زماننا بأمرين » !! 4 ـ قال : « أنّ الذين قاتلهم رسول الله صلّى الله عليه وآله أصحّ عقولاً وأخفّ شركاً من هؤلاء » !! [ المصدر السابق : 21 ] فهذا تكفير صريح لعامّة المسلمين ، أعاذنا الله من ذلك. 5 ـ قال : « وأنا أذكر لك أشياء ممّا ذكر الله في كتابه جواباً لكلام احتجّ به المشركون في زماننا علينا » !! [ المصدر السابق : 13 ] وغير ذلك كثير جدّاً يمكن مراجعته في الكتابين اللذين أشرنا إليهما. فمحمّد بن عبد الوهاب لم يتورّع في دماء المسلمين ، وحكم على الأُمّة الإسلاميّة بالشرك والكفر ، وأنّ شركها أعظم من شرك كفّار قريش أو اليهود والنصارى ، وقام بمحاربتهم وسفك دمائهم ، وقتل ذراريهم واستباحة أعراضهم ، إلى غير ذلك من الأفاعيل الشنيعة التي تبيّن مدى فساد عقيدة هذا الشخص وضحالة تفكيره ، وخطورته في نفس الوقت. المصدر : مركز الأبحاث العقائديّة
الجواب من مركز الأبحاث العقائديّة: لا إشكال في جلالة قدر ابن عبّاس عند الجميع ، كما يظهر ذلك من كلام العلماء والرجاليين. نعم ، قد يكون هناك بعض الموارد الموجبة للتوقّف ، ولكن أُجيب عنها بما لا مزيد عليه (1). ومجمل الكلام حول هذا الشخص هو : أنّه كان موالياً وعارفاً للحقّ ، ولكن لأُمور لم تتّضح لحدّ الآن كان لا يقتحم الصراعات الموجودة آنذاك ، فكان شاهداً للحقّ إن صحّ التعبير ومدافعاً عنه في حدّ وسعه ، فيجب أن ننظر إلى حياته من هذه الزاوية حتّى نعرف التفسير الصحيح لمجموعة تصرّفاته ، ومواقفه في كافّة الجوانب. ثمّ وإن كان ابن عبّاس ثقة ومعتمداً ، ولكن بالنسبة لأحاديثه ينبغي ملاحظة عدّة أُمور : 1 ـ لا يخفى أنّ مجموعة كبيرة من الأحاديث المنسوبة إليه في كتب الفريقين سندها منقطع ، أيّ أنّها إمّا مرسلة أو مقطوعة ، فلا حجّية لمفادها ، إلّا ما كانت منها تؤيّد بأخبار معتبرة أُخرى. 2 ـ توجد هناك طائفة من الأخبار تنقل عن لسان ابن عبّاس بدون إسنادها إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله ، أو إلى أحد من الأئمّة عليهم السلام ، أيّ أنّها آراؤه في تلك الموارد. وهذا القسم أيضاً لا يعتبر حجّة من الناحية الشرعيّة ، إلّا إذا كان موافقاً لما صدر عن المعصوم عليه السلام. 3 ـ إنّ شخصيّة ابن عبّاس كانت معرّضةً للهجوم والتشويه من قبل أعداء الإمام أمير المؤمنين عليه السلام ، خصوصاً بني أُميّة ، فدسّت الأيادي الأثيمة روايات وأحاديث في سبيل النيل من سمعته ، وهذه الفئة من الروايات جلّها ـ بل كلّها ـ جاءت عن طريق العامّة ، وعليه فينبغي التأمّل والتريّث في أحاديثه التي نقلت بإسنادهم ، وإن كانت معنعنة وغير مرسلة ومتّصلة ، خصوصاً في المواضع الخلافيّة بين الشيعة والسنّة . الهوامش 1. أُنظر : قاموس الرجال 6 / 418.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: اللطم نوع من اظهار الحزن والألم والمصيبة ، ولا يحتاج جوازه في مصيبة الامام الحسين عليه السلام أو مصائب المعصومين عليه السلام إلى دليل خاصّ ، وقد ورد انّ الجزع مكروه الّا في مصيبة سيّد الشهداء عليه السلام ، واللطم نوع من الجزع (1). كما انّ المواكب اللطم تكون من الشعائر ، لأنّ المراد من الشعائر العلامات والطقوس التي تدلّ على اهتمام المسلمين بالدين وتقوي معنويّتهم ، ولأجل ذلك عبّر القرآن الكريم عن مناسك الحجّ بالشعائر ، فقال تعالى : ( وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّـهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ ) (2) ، لأنّ مناسك الحجّ تدلّ على وحدة المسلمين وقوّة إرادتهم وتبيّن عظمة الإسلام. والمواكب الحسينيّة تكون من أبرز مصاديق الشعائر الإلهيّة. وممّا يدلّ على جواز بل استحباب اللطم في مصيبة الإمام الحسين عليه السلام ، ما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام : وقد شققن الجيوب ولطمن الخدود الفاطميات على الحسين بن علي عليهما السلام ، وعلى مثله تلطم الخدود وتشق الجيوب (3). وقد قرأ دعبل قصيدته العصماء عند الإمام الرضا عليه السلام وفي بعض أبياته : أفاطم لو خلت الحسين مجدَّلا وقد مات عطشاناً بشطِّ فرات (4) الهوامش 1. كامل الزيارات « لجعفر بن قولويه » / الصفحة : 201 ـ 202 / الناشر : مؤسسة نشر الفقاهة / الطبعة : 1 : حدثني ابي رحمه الله ، عن سعد بن عبد الله ، عن ابي عبد الله الجاموراني ، عن الحسن بن علي بن ابي حمزة ، عن ابيه ، عن ابي عبد الله عليه السلام ، قال : سمعته يقول : ان البكاء والجزع مكروه للعبد في كل ما جزع ، ما خلا البكاء والجزع على الحسين بن علي عليهما السلام ، فانه فيه مأجور. 2. الحج : 32. 3. تهذيب الأحكام « للشيخ الطوسي » / المجلّد : 8 / الصفحة : 325 / الناشر : دار الكتب الإسلاميّة / الطبعة : 1. 4. بحار الأنوار « للشيخ المجلسي » / المجلّد : 49 / الصفحة : 248 / الناشر : مؤسسة الوفاء / الطبعة : 2.
سؤال : كيف نردّ على مَنْ قال : إنّ الحسين عليه السّلام اجتهد فأصاب وله أجران ، ويزيد اجتهد وأخطأ فله أجر ؟ الجواب : يُرَدّ على ذلك بقول الشاعر : فيا موت زُرْ إنّ الحياة ذميمةٌ ويا نفس جِدّي إنّ دهرَك هازل ! (1) ومن عجبٍ أن يُجعل الإمام الحسين عليه السلام وهو سيّد شباب أهل الجنّة وسبط الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله والإمام بنصّ الرسول في كفّة ميزان مع يزيد بن معاوية. كيف والمقايسة كما يقول الحسين عليه السلام : إنا أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة بنا فتح الله وبنا ختم الله ويزيد رجل فاسق ، شارب الخمر ، قاتل النفس المحترمة ، معلن بالفسق ... (2) وتفصيل الأمر أن يُقال : 1 ـ ما هو محلّ الاجتهاد ؟ فهل يستطيع أحد مثلاً من المسلمين أن يجتهد في أمر وجود الله ؟ أو في نبوّة النبي محمّد صلّى الله عليه وآله ؟ فلو توصّل مثلاً إلى أنّ الله غير موجود ، أو أنّ محمداً ليس بنبيّ ، فهل يُثاب على اجتهاده هذا الذي أخطأ فيه ؟ إنّ ذلك ممّا لا يقول به عاقل ، وذلك أنّ للاجتهاد محلّاً محدوداً في الفروع ، أمّا في الأصول فلا يمكن الاجتهاد. (3) والحسين عليه السلام بنصّ رسول الله صلّى الله عليه وآله مع أخيه الحسن إمامان قاما أو قعدا (4). وهما سيّدا شباب أهل الجنّة (5). وهما من أهل البيت الذين طُهّروا عن الرجس والدنس (6). وفيهم ورد ما ورد حتّى عاد كونهم على الحقّ من الضروريّات وشبهها عند الفريقين ، وللحديث عن ما ورد في مناقبهم وفضائلهم مجال آخر. فلا يمكن أن يدّعي أحد أنّ أحداً يستطيع أن يجتهد في أمر قتل النبي صلّى الله عليه وآله ، فيُقاتله ثمّ يُقال له إن أخطأ فله أجر وإن أصاب فله أجران. ومثل ذلك قتال أمير المؤمنين والحسين عليهما السّلام. 2 ـ مَنْ هو المجتهد ؟ لو فرضنا أنّ هناك مجالاً للاجتهاد ـ وهو الفروع ـ فهل يستطيع كلّ مسلم أن يجتهد فيها ؟ إنّ الاجتهاد يحتاج إلى طيّ مراحل مهمّة في العلوم الممهّدة له حتّى يصل المرء إلى مرتبة المجتهد القادر على فهم أحكام الدين من خلال استنطاق النصوص ، ومعرفة القواعد. وأين يزيد بن معاوية من هذا ؟ هل يحتمل أحد أن يكون يزيد من هذا القسم ؟ لقد قال الحسين عليه السلام مُبيّناً شخصيّة يزيد ومستواه واهتماماته ، عندما خطب معاوية ذاكراً ليزيد أموراً كاذبة يؤهّله فيها للخلافة ، فقام الحسين ، فحمد الله ، وصلى على الرسول ثم قال : ... وهيهات هيهات يا معاوية : فضح الصبح فحمة الدجى ، وبهرت الشمس أنوار السرج ، ولقد فضلتَ حتى أفرطتَ ، واستأثرت حتى أجحفتَ ، ومنعتَ حتى محلت ، وجزت حتّى جاوزت ، ما بذلت لذي حقّ من اسم حقه بنصيب ، حتى أخذ الشيطان حظه الأوفر ، ونصيبه الأكمل ، وفهمت ما ذكرته عن يزيد من اكتماله ، وسياسته لأمة محمد ، تريد أن توهم الناس في يزيد ، كأنك تصف محجوباً ، أو تنعت غائباً ، أو تخبر عما كان مما احتويته بعلم خاص ، وقد دل يزيد من نفسه على موقع رأيه فخذ ليزيد فيما أخذ فيه ، من استقرائه الكلاب المهارشة عند التهارش ، والحمام السّبق لأترابهن ، والقيان ذوات المعازف وضرب الملاهي تجده باصراً ، ودع عنك ما تحاول ... (7) هذا هو يزيد فهل يتفرّغ والحال هذه للاجتهاد ؟ إنّنا نعتقد أنّ مثل هذه الأفكار هي التي تمهّد الأرضيّة لأن يأتي بعض الجهلة من المسلمين لكي يفسّقوا الآخرين ويبدّعوهم ، وينسبونهم إلى الجاهليّة أو الكفر ثمّ يقومون بقتلهم ، ولا يتّقون الله في دماء المسلمين ولا أعراضهم ولا أموالهم. وقد شهد عالمنا الإسلامي في هذه الفترة الأخيرة ما يشيب لهوله ناصية الطفل من الجرائم القائمة على هذا الأساس ، فقتل المسلمين وهو ممّا ثبت بالضرورة حرمته ، يصبح ميداناً لاجتهاد أشخاص مثل يزيد ، وانتهاك أعراضهم يصبح محلّاً لفتوى مَنْ ليس له نصيب من العلم بمقدار ما له نصيب من الشّهوات والانحراف. ثمّ إنّ نفس هذا الكلام غير صحيح حتّى على مسلك القوم ؛ فإنّ مسلكهم هو التصويب ، لا أقلّ في بعض الصور. بمعنى أنّ ما أدّى إليه نظر المجتهد فهو الحقّ ، كما قال الغزالي : فإذا صدر الاجتهاد التام من أهله وصادف محله ـ أيّ ما يجوز فيه الاجتهاد ـ كان ما أدى إليه الاجتهاد حقاً وصواباً ... (8) فإمّا أن يُقال : أنّ يزيد مجتهد واجتهاده صحيح ؛ لأنّ ما أدّى إليه نظر المجتهد فهو صحيح ، فكيف يكون خطأ ؟ لكن الحقّ هو ما عرفت ، من أنّ مجال الاجتهاد لا يشمل مثل قتل الحسين عليه السلام ، كما أنّ المجتهد هو شخص خاصّ قد عرف من العلوم المرتبطة بمسائل الدين ما يؤهّله لاستنباط الحكم الشرعي في الواقعة. وهو لا ينطبق على يزيد قطعاً. الهوامش 1. شرح نهج البلاغة « لابن أبي الحديد » / المجلّد : 16 / الصفحة : 136 / الناشر : دار الكتب الإسلاميّة / الطبعة : 2. 2. اللهوف في قتلى الطفوف « للسيد ابن طاووس » / الصفحة : 17 / الناشر : أنوار الهدى / الطبعة : 1. 3. الفصول في الأصول « للجصاص » / المجلّد : 10 / الصفحة : 162 / الناشر : وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية ـ الكويت / الطبعة : 2 : وأما الاجتهاد : فهو بذل المجهود فيما يقصده المجتهد ( و ) يتحراه ، إلا أنه قد اختص في العرف بأحكام الحوادث التي ليس لله تعالى عليها دليل قائم يوصل إلى العلم بالمطلوب منها ، لأن ما كان لله عز وجل ( عليه ) دليل قائم ، لا يسمى الاستدلال في طلبه اجتهاداً. ألا ترى أن أحدا لا يقول : إن علم التوحيد وتصديق الرسول صلّى الله عليه وسلّم من باب الاجتهاد ، وكذلك ما كان لله تعالى عليه دليل قائم من أحكام الشرع ، لا يقال : إنه من باب الاجتهاد ، لأن الاجتهاد اسم قد اختص في العرف وفي عادة أهل العلم ، بما كلف الإنسان فيه غالب ظنه ، ومبلغ اجتهاده ، دون إصابة المطلوب بعينه ، فإذا اجتهد المجتهد ، فقد أدى ما كلف ، وهو ما أداه إليه غالب ظنه ، وعلم التوحيد وما جرى مجراه ، مما لله عليه دلائل قائمة كلفنا بها : إصابة الحقيقة ، لظهور دلائله ، ووضوح آياته. 4. راجع : المناقب « لابن شهرآشوب » / المجلّد : 3 / الصفحة : 394 / الناشر : علامه / الطبعة : 1. بحار الأنوار « للشيخ المجلسي » / المجلّد : 43 / الصفحة : 291 / الناشر : مؤسسة الوفاء / الطبعة : 2. 5. راجع : من لا يحضره الفقيه « للشيخ الصدوق » / المجلّد : 4 / الصفحة : 420/ الناشر : مؤسسة الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين ـ قم / الطبعة : 2. مسند أحمد بن حنبل / المجلّد : 17 / الصفحة : 31 / الناشر : مؤسسة الرسالة / الطبعة : 1. 6. إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا الأحزاب : 33 7. الإمامة والسياسة « لابن قتيبة الدينوري » / المجلّد : 1 / الصفحة : 208 / الناشر : دار الأضواء / الطبعة : 1. راجع : الغدير « للشيخ الأميني » / المجلّد : 10 / الصفحة : 162 / الناشر : دار الكتب العربي / الطبعة : 4. 8. المستصفى من علم الأصول « للغزالي » / المجلّد : 2 / الصفحة : 522 / الناشر : شركة دار الأرقم بن أبي الأرقم.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: هذا هو معنى الامتحان والتمحيص ، فلو كانت الأمور كلّها مطابقة لرغباتنا لم يتحقّق إمتحان وبلاء ولا يصل الإنسان إلى الكمال والسعادة الحاصلة من قوّة الإرادة والصبر والتحمّل وإطاعة الله تعالى. خلقنا الله تعالى لأجل الوصول إلى الكمال بواسطة معرفته وعبادته وإطاعته ، كما قال سبحانه : ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) [ الذاريات : 56 ] ، ومن المعلوم انّ الوصول إلى الكمال الروحي والنفساني واستحقاق النعيم الأبدي لا يتحقّق إلّا من خلال الإمتحان والتمحيص والبلاء. ومع وجود عوامل الشرّ والخير ومع اختيار الإنسان في أفعاله وأعماله فالحكمة الإلهيّة شاءت ان يكون الإنسان مورداً للإمتحان والبلاء لكي يصل إلى الكمال بواسطة الصبر والتحمّل والتسليم والمقاومة مع عوامل الشرّ وابتاع طريق الهدى ، ومن الطبيعي ان يكون هناك من لا ينجح في هذا الإمتحان ويتردى ولا يصل إلى الكمال. والله تعالى كما غنيّاً عن عبادة الناس وإطاعتهم ولا يحتاج إلى من يطيعه قهراً وقسراً بل تفضّل على الخلق فخلقهم لأجل مصالح ترجع إليهم لا إليه. العقل الفطري والبديهي يحكم بوجود الصانع والخالق وكونه حكيماً وعادلاً وعالماً وغنيّاً على الإطلاق ، وهذا الأمر يشعره حتّى الكفّار ولو بصورة ارتكازيّة لكنّهم يخالفون الفطرة ونداء العقل بسبب الأهواء والتعصّب والتقليد الأعمى. ولما كان الله تعالى حكيماً فلا محالة يرسل الأنبياء والرسل لهداية البشر وإرشادهم إلى الخير والصلاح ، ويأمرهم بكلّ ما هو دخيل في تحصيل الكمال والسعادة ، وينهاهم عن كلّ ما يمنعهم من الوصول إلى الهدف الأسمى ، فكلّ من يطيعه ويختار الأعمال الصالحة يستحقّ الأجر والثواب وكلّ من يعصيه ويخالفه ويرتكب الذنوب والمعاصي يستحقّ العقاب والعذاب ، لأنّ الله تعالى عادل ولا يصدر منه الظلم تجاه عباده وخلقه من العلوم ان جعل المعاصي بمنزلة المطيع ظلم بالنسبة للمطيع. فلابدّ أن يكون هناك حساب وكتاب وثواب وعقاب بل قد يكون الثواب والعقاب من الآثار الوضيعة والنتائج التكوينيّة للإطاعة والمعصية ، كما قال تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ) [ النساء : 10 ] ، وقوله تعالى : ( فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ) [ الزلزلة : 7 ] ، وهذا امّا يسمّى بتجسيم الأعمال. وكذا قوله تعالى : ( قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَّابْتَغَوْا إِلَىٰ ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا ) [ الإسراء : 42 ] ، وقوله تعالى: ( مَا اتَّخَذَ اللَّـهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـٰهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّـهِ عَمَّا يَصِفُونَ ) [ المؤمنون : 91 ] . وهذه الآيات كلّها إشارة إلى دليل عقلي للتوحيد وهو دليل التمانع. وقد أشار إليه ما رواه هشام بن الحكم في حديث الزنديق الذي أتى أبا عبد الله الصادق عليه السلام. فكان من كلام الإمام الصادق عليه السلام : « لا يخلو قولك انّهما اثنان من أن يكونا قد يمين قويّين أو يكونا ضعيفين أو يكون أحدهما قوياً والآخر ضعيفاً ؛ فان كانا قويين فلم يدفع كلّ واحد صاحبه ويتفرّد بالتدبير ، وان زعمت ان احدهما قوي والآخر ضعيف ثبت انّه واحد ، كما نقول للعجز الظاهر في الثاني ، وان قلت انّهما اثنان لم يخل من ان يكونا متّفقين من كلّ جهة أو مفترقين من كلّ جهة ، فلمّا رأينا الخلق منتظماً والفلك جارياً واختلاف الليل والنهار والشمس والقمر دلّ صحّة الأمر والتدبير وائتلاف الأمر على انّ المدبّر واحد » . وامّا احتمال انّ الالهين اتّفقا فيما بينهما على أن يخلقا معاً العالم على نسق ونظام واحد ، فجوابه انّ دليل التمانع يدلّ على استحالة افتراض انّ الآلة متعدّد والاستحالة ليست ناشئة من وجود إلهين ، بل من فرض وجود إلهين لأن فرض وجود إلهين يقتضي فرض ان يتنازعا ويختلفا في التدبير ، فلا يتحقّق وجود أيّ مخلوق في العالم لأنّ أحدهما يريده والآخر لا يريده.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: نذكر لتوضيح الجواب حديثين : الحديث الأوّل : عن إبراهيم الكرخي قال : قلت لأبي عبدالله عليه السلام : ألم يكن علي عليه السلام قويّاً في دين الله عزّ وجلّ ؟ قال : بلى. قلت : فكيف ظهر عليه القوم وكيف لم يدفعهم وما منعه من ذلك ؟ قال : آية في كتاب الله عزّ وجلّ منعته. قلت : وأيّ آية ؟ قال : قوله تعالى : ( لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ) ، أنّه كان لله عزّ وجلّ ودائع مؤمنين في أصلاب قوم كافرين ومنافقين ؛ فلم يكن علي عليه السلام ليقتل الآباء حتّى تخرج الودائع. [ علل الشرايع / الصفحة : 147 ] ويظهر من هذا الحديث : انّ الإمام علي عليه السلام لو كان يقوم بالكفاح المسلّح لأجل أخذ حقّه الشرعي لزم ان يحارب مع الخلفاء وأتباعهم فيقتلهم جميعاً ، وكان ذلك يستلزم ابادة المسلمين حيث لا يبقى مع علي بعد ذلك إلّا جماعة قليلون يموت الإسلام بموتهم. ولقد كان في نفوس القوم أحقاد بدريّة واُحديّة وحنينيّة وخيبريّة ضدّ الإمام علي عليه السلام ، ولأجل ذلك ساندوا الخلفاء الثلاثة وانحرفوا عن علي عليه السلام ؛ فلم يكن علي عليه السلام ليقتلهم لأنّ الله تعالى قدر في أصلابهم ذريّة مؤمنين مسلمين لابدّ ان يتولّدوا ويتناسلوا حتّى يستمرّ الإسلام إلى يوم القيامة. فالإمام عليه السلام سكت عن حقّه لأجل التحفّظ على بقاء الإسلام. الحديث الثاني : عن الإمام الباقر عليه السلام قال : إنّ عليّاً لم يمنعه من ان يدعو الناس إلى نفسه إلّا أنّهم ان يكونوا ضلالاً لا يرجعون عن الإسلام أحبّ إليه من أن يدعوهم فيأبوا عليه فيصيرون كفّاراً كلّهم. وعن بعض أصحابنا قال : قلت لأبي عبدالله عليه السلام : لم كفّ عليٌّ عن القوم ؟ قال : مخافة ان يرجعوا كفّاراً. ولنعم ما قالت الزهراء عليها السلام في خطبتها : « وما نقموا من أبي الحسن نقموا والله نكير سيفه وقلّة مبالاته بحتفه وشدّة تنمّره في ذات الله » .
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: قال الله تعالى : ( وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ) (1) ، ومن الخطأ ما يذكره الوهابيّون من انّ المراد من الوسيلة الأعمال والطاعات إذ لا دليل على إحضار الوسيلة بذلك ، بل هذه الآية الشريفة عامّة تشمل التوسّل بالأنبياء والرسل والأئمّة عليهم السلام ، لأنّ الوسيلة بمعنى التقرّب والعرب استعملت الوسيلة في التوسّل بالإنسان كما في شعر عنترة : إنَّ الرِّجالَ لهمْ إليْكِ وسيلةٌ إنْ يأخُذُوكِ تكَحَّلي وتَخَضَّبي (2) بل ورد في رواياتنا انّ المراد من الوسيلة ، المعصومون : ففي عيون أخبار الرضا عليه السلام : قال : قال رسول الله « ص » : الائمة من ولد الحسين عليه السلام ، من أطاعهم فقد أطاع الله ومن عصاهم فقد عصى الله عز وجل ، هم العروة الوثقى والوسيلة الى الله عز وجل . (3) وقال امير المؤمنين وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ : انا وسيلته . (4) وفي خطبة الزهراء عليها السلام المرويّة في « دلائل الإمامة للطبري » ، وفي « شرح نهج البلاغة » لابن أبي الحديد المعتزلي : فاحْمَدُوا اللهَ الَّذِي بِعَظَمَتِهِ وَنُورِهِ ابتَغَى مَنْ في السَّمَاوَاتِ وَمَنْ في الأرْضِ إليهِ الوسِيلَة ، فَنَحْنُ وَسِيلَتُهُ في خَلْقِهِ ، وَنَحْنُ آلُ رَسُولِهِ ، وَنَحْنُ حُجَّةُ غَيْبهِ ، وَوَرَثَةُ أنْبيَائِهِ . (5) وقد ذكر الحافظ أبو بكر الشيرازي في كتابه « نزول القرآن في أمير المؤمنين » ، وكذلك الحافظ أبي نعيم الإصبهاني في « ما نزل من القرآن في علي » ، والإمام الثعلبي في تفسيره (6) ، انّ المراد من الوسيلة في الآية الشريفه هم عترة النبي الأعظم صلّى الله عليه وآله. وقد ورد في روايات السنّة والشيعة توسّل الأنبياء والرسل بأهل البيت عليهم السلام ، منها ما رواه السيوطي في تفسير الدر المنثور في قوله تعالى : ( فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ ) (7) قال : وأخرج ابن النجار عن ابن عباس قال : « سألت رسول الله صلّى الله عليه وآله عن الكلمات التي تلقاها آدم من ربه فتاب عليه قال : سأل بحق محمد ، وعلي ، وفاطمة ، والحسن ، والحسين ، الا تبت علي فتاب عليه ». (8) وفي رواية : عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم انه قال : لما خلق الله تعالى آدم أبو البشر ونفخ فيه من روحه التفت آدم يمنة العرش فإذا في النور خمسة أشباح سُجِّداً ورُكَّعاً ، قال آدم : يا ربّ هل خلقت أحداً من طين قبلي ؟ قال : لا يا آدم. قال : فمن هؤلاء الخمسة الأشباح الذين أراهم في هيبتي وصورتي ؟ قال : هؤلاء خمسة من ولدك لولاهم ما خلقتك. هؤلاء خمسة شققت لهم خمسة أسماء من أسمائي ، لولاهم ما خلقت الجنة ولا النار ، ولا العرش ولا الكرسي ولا السماء ولا الأرض ، ولا الملائكة ولا الإنس ولا الجن ، فأنا المحمود وهذا محمد ، وأنا العالي وهذا علي وأنا الفاطر وهذه فاطمة ، وأنا الإحسان وهذا الحسن وأنا المحسن وهذا الحسين. (9) وفي صحيح البخاري باب مناقب علي بن أبي طالب : اَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ كانَ اِذا قَحِطُوا اسْتَسْقى بِالْعَبّاسِ بْنِ عَبدِ الْمُطَّلِبِ فَقالَ اللَهُمَّ اِنّا كُنّا نَتَوَسَّلُ اِلَيْكَ بِنَبِيِّنا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَسْقينا وَاِنّا نَتَوَسَّلُ اِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيّنا فَاسْقِنا قالَ فَيُسْقَوْنَ. (10) قال الله تعالى : ( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّـهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّـهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا ) . (11) وهذه الآية تذكر ان من شروط قبول التوبة التوسّل بالنبيّ الأعظم صلّى الله عليه وآله حيث قال تعالى : ( جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّـهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ ) (12) ، ولم يقلّ ولو انّهم استغفروا الله لكان الله توّاباً رحيماً. وهكذا بالنسبة إلى أولاد يعقوب النبي عليهم السلام : ( قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ ) (13) ، فتوسّلوا إلى أبيهم ليستغفر لهم مع انّه كان بإمكانهم ان يستغفروا بينهم و بين الله تعالى. ثم انّ يعقوب النبي عليه السلام لم يردعهم عن ذلك بل وافقهم ووعدهم بقوله : ( سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ ) (14). وفي فيض القدير عن علي عليه السلام : الدُّعَاءُ مَحْجُوبٌ عَنِ اللهِ ، حَتَّى يُصَلِّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَهلِ بَيْتِهِ . (15) وفي الصواعق المحرقه : وقد أخرج الديلمي أنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : الدعاء محجوب حتى يصلى على محمد وأهل بيته اللهم صل على محمد وآله . (16) الهوامش 1. المائدة : 35. 2. العقد الفريد « للجاحظ » / المجلّد : 3 / الصفحة : 354 / الناشر : دار الكتب العلميّة / الطبعة : 1. 3. عيون أخبار الرضا عليه السلام « للشيخ الصدوق » / المجلّد : 2 / الصفحة : 63 / الناشر : مؤسسة الأعلمي للمطبوعات. 4. المناقب « لابن شهرآشوب » / المجلّد : 3 / الصفحة : 75 / الناشر : علامه / الطبعة : 1. 5. دلائل الإمامة « لمحمد بن جرير الطبري » / الصفحة : 113 ـ 114 / الناشر : مؤسسة البعثة / الطبعة : 1. راجع : شرح نهج البلاغة « لابن أبي الحديد » / المجلّد : 16 / الصفحة : 211 / الناشر : دار إحياء الكتب العربيّة. 6. راجع : الكشف والبيان عن تفسير القرآن « للثعلبي » / المجلّد : 4 / الصفحة : 59 / الناشر : دار إحياء التراث العربي / الطبعة : 1. 7. البقرة : 37. 8. الدر المنثور « لجلال الدين السيوطي » / المجلّد : 1 / الصفحة : 147 / الناشر : دار الفكر. 9. فرائد السمطين « لابراهيم بن سعد الدين الشافعي » / المجلّد : 1 / الصفحة : 36 ـ 37 / الناشر : مؤسسة المحمود / الطبعة : 1. راجع : الغدير « للشيخ الأميني » / المجلّد : 2 / الصفحة : 300 / الناشر : دار الكتاب العربي / الطبعة : 4. 10. صحيح البخاري / المجلّد : 4 / الصفحة : 209 / الناشر : دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع. 11. النساء : 64. 12. النساء : 64. 13. يوسف : 97. 14. يوسف : 98. 15. فيض القدير « لمحمد بن عبد الرؤوف المناوي » / المجلّد : 3 / الصفحة : 543 / الناشر : دار المعرفة. 16. الصواعق المحرقة « لأحمد بن حجر الهيتمي » / الصفحة : 148 / الناشر : مكتبة القاهرة / الطاهرة : 2.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: ورد في الروايات تفسيرات متعدّدة ويمكن إرجاعها إلى شيء واحد : 1 ـ في حديث عن أبا عبد الله عليه السلام قلت قوله تعالى : ( وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ ) ، قال : « يعطيك من الجنّة حتّى ترضى » . 2 ـ عن زيد بن علي بن الحسين عليه السلام في قوله : الله عزّ وجلّ ( وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ ) قال : « انّ رضا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم إدخال أهل بيته وشيعته الجنّة وكيف لا وانّما خلقت الجنّة لهم والنار لأعدائهم ، فعلى أعدائهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ». 3 ـ روى ابن المغازلي الشافعي في كتاب الفضائل بسنده عن السدي في قوله تعالى : ( وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا ) ، قال : المودّة في آل محمّد رسول الله وفي قوله تعالى : ( وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ ) قال : رضى محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم ان يدخل أهل بيته الجنّة. [ مناقب ابن المغالي ص 263 ح 360 ] 4 ـ في تفسير الثعلبي عن جعفر بن محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم وفي تفسير القشيري عن جابر الأنصاري انّه رأى النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم فاطمة وعليها كساء من اجلة الإبل وهي تطحن بيدها وترضع ولده فدمعت عينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : « يا بنتاه تعجلي حرارة الدنيا بحلاوة الآخرة » ، فقالت : « يا رسول الله الحمد لله على نعمائه والشكر لله على آلائه » ، فأنزل الله تعالى : ( وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ ) . 5 ـ وفي ينابيع المودة ج 2 ص 351 في قوله تعالى : ( وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ ) ، عن ابن عبّاس قال : « رضى محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم ان لا يدخل أحداً من أهل بيته النار » ، وقاله السدّي. 6 ـ في ينابيع المودّة : واخرج الفقيه أبو الحسن بن مغازلي في المناقب عن السدّي وعن أبي الزناد وعن زيد بن علي بن الحسين قال : « ان من رضا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أن يدخل أهل بيته الجنّة ».
الجواب من السيد جعفر مرتضى العاملي: بسم الله الرحمن الرحيم وله الحمد ، والصلاة والسلام على محمّد وآله الطاهرين .. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. وبعد : فإنّنا نجيب بما يلي : أولاً : إن المقصود بالنساء اللواتي لا يرثن : هنّ الزوجات ؛ فإنّهن لا يرثن من الأرض والعقار شيئاً ، وقد أوضحت سائر الروايات التي ذكرها الكليني رحمه الله ذلك ، وصرحت به .. فلم يكن من الإنصاف تسجيل هذا الإشكال من الأساس. فراجع الكافي باب « أنّ النساء لا يرثن من العقار شيئاً » تجد التصريح بأن المقصود هو أرث الزوجة من زوجها في الحديث رقم 2 و 3 و 5 و 11. (1) وصرح بذلك الشيخ الطوسي في كتاب التهذيب الذي نقل عنه السائل أيضاً. فراجع باب ميراث الأزواج الحديث رقم 106 و 107 و 109 و 113 و 114 و 116 و 117 و 119. (2) وبعد أن ظهر أن هذه الروايات قد أوضحت المقصود فلا بد من أن تحمل الروايات المطلقة على المقيّدة كما هي القاعدة في ذلك. ثانياً : ذكر نفس هذا السائل رواية ميسر ، عن كتاب تهذيب الأحكام للشيخ الطوسي ، وهي الرواية رقم 31 / 113 ، ولكنّه حذف منها ذيلها الصريح في أن المراد هو خصوص الزوجة ، وهي كما يلي : سهل بن زياد عن علي بن الحكم عن أبان الأحمر قال : لا اعلمه الا عن ميسرة بياع الزطي عن ابي عبد الله عليه السلام قال : سألته عن النساء مالهن من الميراث ؟ فقال : لهن قيمة الطوب والبناء والخشب والقصب ، فاما الارض والعقار فلا ميراث لهن فيه. قال : قلت فالثياب ؟! قال : الثياب لهن. قال : قلت كيف جاز ذا ولهذه الربع والثمن مسمى ؟ قال : لأن المرأة ليس لها نسب ترث به وانما هي دخيل عليهم وانما صار هذا كذا لئلا تتزوّج المرأة فيجيء زوجها أو ولد من قوم آخرين فيزاحم قوماً في عقارهم . (3) فإن المرأة التي ورثت بالسبب لا بالنسب هي الزوجة من زوجها ، أمّا البنت فترث بالنسب من أبيها. ثالثاً : لو سلّمنا جدلاً أنّ البنت لا ترث ، لكن موضوع فدك خارج عن موضوع الميراث بالكليّة ؛ لأنّ فدكاً قد فتحت صلحاً ولم يوجف عليها بخيل ولا ركاب ، فهي خالصة لرسول الله صلّى الله عليه وآله يفعل فيها ما يشاء ، وقد نحلها ـ أيّ وهبها ـ للزهراء عليها السلام وتسلمتها منه واستغلتها أربع سنوات في حياته ، ولما استولى عليها أبو بكر أخرج عمَّالها منها. (4) والنحلة ، والهبة والهدية تملّك بنفس الإعطاء والقبض ولا تبقى ملكاً للمعطي لكي تدخل في ميراثه. رابعاً : إنّ الحديث الذي استدلّ به السائل على أنّ كلّ ما للرسول صلّى الله عليه وآله للإمام ضعيف السند ، فلا تقوم به حجّة ، ولا تثبت به دعوى. خامساً : إن المقصود بهذه الأحاديث هو أنّ للإمام حقّ التصرّف من حيث هو إمام معصوم وخليفة لرسول الله صلّى الله عليه وآله ، وليس المقصود أنّ الأموال تصبح له بحيث تبطل ملكيّة الناس لأموالهم. ولو كان هذا هو المقصود ، لم يصحّ من علي عليه السلام القبول بالتحاكم إلى قاضيه شريح في الأمور المالية. (5) سادساً : إن هناك مصالح عامّة تفرض عليه عليه السلام أن يبقي الأمور على ظواهرها ، تماماً كما كانت هذه المصالح عينها تفرض هذا الأمر على رسول الله صلى الله عليه وآله .. لا سيّما وأن الذين استولوا على الأمر بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله لا يعترفون له بذلك ، بل هم يتراجعون عن بيعتهم ، ويهاجمون بيته ، ويحاولون إحراقه على من فيه ، ويضربون زوجته ويسقطون جنينها ، وهي بنت رسول الله صلّى الله عليه وآله وأبوها وهو سيّد الكائنات لمَّا يدفن بعد. (6) بل إنّه لو فعل ذلك لقالوا له : لا تتدخل بما لا يعنيك ، فإنّك لست صاحب الحقّ لكي تطالب به. سابعاً : إنّ زهد علي عليه السلام بالدنيا لا يعطي الحقّ للآخرين باغتصاب أمواله أو أموال زوجته وأولاده ، وأن يستذلوه إلى هذا الحدّ .. ولا يجعل فعلهم مبرّراً أو معفواً عنه عند الله. والحمد لله ، والصلاة والسلام على محمّد وآله. الهوامش 1. راجع : الكافي « للشيخ الكليني » / المجلّد : 7 / الصفحة : 127 ـ 130 / الناشر : دار الكتب الإسلاميّة / الطبعة : 3. 2. راجع : تهذيب الأحكام « للشيخ الطوسي » / المجلّد : 9 / الصفحة : 296 ـ 301 / الناشر : دار الكتب الإسلاميّة / الطبعة : 4. 3. تهذيب الأحكام « للشيخ الطوسي » / المجلّد : 9 / الصفحة : 299 / الناشر : دار الكتب الإسلاميّة / الطبعة : 4. 4. راجع : الكافي « للشيخ الكليني » / المجلّد : 1 / الصفحة : 543 / الناشر : دار الكتب الإسلاميّة / الطبعة : 5. الإحتجاج « للشيخ الطبرسي » / المجلّد : 1 / الصفحة : 119 ـ 120 / الناشر : دار النعمان للطباعة والنشر. كنز العمال « للمتقي الهندي » / المجلّد : 3 / الصفحة : 767 / الناشر : مؤسسة الرسالة. شواهد التنزيل « للحاكم الحسكاني » / المجلّد : 1 / الصفحة : 438 / الناشر : مؤسسة الطبع والنشر / الطبعة : 1. ينابيع المودّة « للقندوزي » / المجلّد : 1 / الصفحة : 138 / الناشر : دار الأسوة / الطبعة : 1. 5. راجع : الأغاني « لأبي الفرج الاصفهاني »/ المجلّد : 17 / الصفحة : 141 / الناشر : دار إحياء التراث العربي. المناقب « لابن شهر آشوب » / المجلّد : 2 / الصفحة : 105 / الناشر : علامة / الطبعة : 1. المغني « لابن قدامة » / المجلّد : 11 / الصفحة : 444 / الناشر : دار الكتاب العربي. 6. راجع : أنساب الأشراف « للبلاذري » / المجلّد : 1 / الصفحة : 586 / الناشر : معهد المخطوطات بجامعة الدول العربيّة. الإمامة والسياسة « لابن قتيبة الدينوري »/ المجلّد : 1 / الصفحة : 30 / الناشر : الشريف الرضي ـ قم. تاريخ الطبري « لابن جرير الطبري » / المجلّد : 2 / الصفحة : 443 / الناشر : مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ـ بيروت. كتاب سليم بن القيس الهلالي / الصفحة : 148 ـ 152 / الناشر : دليل ما. دلائل الإمامة « للشيخ الطبري » / الصفحة : 134 ـ 135 / الناشر : مؤسسة البعثة / الطبعة : 1. كامل الزيارات « لابن قولويه القمي » / الصفحة : 547 ـ 548 / الناشر : نشر الفقاهة. تفسير العياشي / المجلّد : 2 / الصفحة : 66 ـ 67 / الناشر : المكتبة العلميّة الإسلاميّة ـ تهران.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: إذا كان علماء أهل السنّة يروون : أنّ النبي صلّى الله عليه وآله أخبره جبرئيل باستشهاد الحسين عليه السلام وأعطاه تربة الحسين عليه السلام فبكى النبي صلّى الله عليه وآله وأودع التربة عند اُمّ المؤمنين اُمّ سلمة رضي الله عنها ، فما هو ذنب الشيعة ؟! لقد أخبر النبي صلّى الله عليه وآله بمقتل الحسين عليه السلام وبكى له بكاء شديداً ولكنّكم لا تبكون للحسين عليه السلام بل تعترضون على الشيعة لماذا تبكون للحسين عليه السلام ، وقد أودع النبي صلّى الله عليه وآله تربة قبر الإمام الحسين عليه السلام قبل شهادته عند اُمّ سلمة ، وهذا يدلّ على اهتمام النبي صلّى الله عليه وآله بهذه التربة وكونها مقدّسة ، فما ذنب من يصلّي ويضع جبهته على هذه التربة المقدّسة لأنّه يشترط عنده كون موضع الجبهة من أجزاء الأرض كالحجر والمدر والتراب ، ويشترط الطهارة في موضع الجبهة. وهذه التربة الطاهرة معنويّاً وماديّاً ، وقد اهتمّ بها رسول الله صلّى الله عليه وآله ، وقد قال النبي صلّى الله عليه وآله : « جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً » ، وكان يصلّي على التراب حتّى يتبيّن أثر التراب على أنفه الشريف. أمّا الروايات الواردة من طرق أهل السنّة فنذكر بعضها : 1. مستدرك الصحيحين للحاكم النيسابوري ج 3 / 176 ، روى بسنده عن شداد بن عبد الله عن اُمّ الفضل بنت الحارث أنّها دخلت على رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ فقالت : يا رسول الله أنّي رأيت حلماً منكراً الليلة. قال : وما هو ؟ قالت : انّه شديد. قال : وما هو ؟ قالت : رأيت كان قطعة من جسدك قطعت ووضعت في حجري. قال ـ صلّى الله عليه وآله ـ : رأيت خيراً ، تلد فاطمة ان شاء الله غلاماً فيكون في حجرك. فولدت فاطمة ـ عليها السلام ـ الحسين ـ عليه السلام ـ فكان في حجري كما قال رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ ، فدخلت يوماً على رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ فوضعته في حجره ثمّ حانت منّي التفاته ، فإذا عينا رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ تهريقان من الدموع ، فقلت : يا نبي الله بأبي أنت واُمّي ما لك ؟ قال : أتاني جبرئيل فأخبرني انّ اُمّتي ستقتل ابني هذا. فقلت : هذا ؟ فقال : نعم ، وآتاني بتربة من تربته حمراء. قال هذا حديث صحيح على شرط الشيخين. 2. مسند الإمام أحمد بن حنبل ج 3 / ص 242 روى بسنده عن أنس بن مالك انّ ملك المطر استأذن ربّه أن يأتي النبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ فأذن له فقال لاُمّ سلمة : املكي علينا الباب لا يدخل علينا أحد ، قال وجاء الحسين ـ عليه السلام ـ ليدخل ، فمنعته فوثب فدخل فجعل يقعد على ظهر النبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ وعلى منكبيه وعلى عاتقه ، قال : فقال الملك للنبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ : أتحبّه ؟ قال : نعم. قال : اما ان اُمّتك ستقتله وان شئت أريتك المكان الذي يقتل فيه. فضرب يده فجاء بطينة حمراء فأخذتها اُمّ سلمة فضرتها في خمارها. قال ثابت ـ أحد رواة الحديث بلغنا انّها كربلاء ـ وذكره المحبّ الطبري في ذخائر العقبى وذكره المتقي الهندي في كنز العمال ج 7 / 106 ، وقال أخرجه أبو نعيم وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 9 / 187 ، وقال أخرجه أبو يعلى والبزار والطبراني بأسانيد. أقول : هذه المرّة الثانية إذ تختلف عن الرواية الأولى. 3. مسند الإمام أحمد بن حنبل ج 6 / 294 روى بسنده عن عائشة ـ أو اُمّ سلمة ـ انّ النبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ قال لأحدهما : لقد دخل عليّ البيت ملك لم يدخل عليّ قبلها فقال ابنك حسين هذا مقتول ، وان شئت أريتك من تربة الأرض التي يقتل بها ، قال فاخرج تربة حمراء. 4. كنز العمال ج 6 / 223 ، عن رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ ، قام عندي جبرئيل من قبل فحدّثني انّ الحسين يقتل بشطّ الفرات وقال : هل لك أن اشمّك من تربته ؟ قلت : نعم ، فمدّ يده فقبض من تراب فأعطاينها فلم أملك عيني ان فاضتا. أقول : قد شمّ رسول الله صلّى الله عليه وآله هذه التربة لأنّ جبريل قال له : هل لك ان أشمّك من ترتبه ؟ وهذا يدلّ على قدسيّة هذه التربة. 5. كنز العمال ج 7 / 106 ، قال عن المطلب بن عبد الله بن حنطب ، عن اُمّ سلمة ، قالت : كان النبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ جالساً ذات يوم في بيتي ، فقال : لا يدخلنّ عليّ أحد ، فانتظرت فدخل الحسين ـ عليه السلام ـ فسمعت نشيج النبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ يبكي ، فإذا الحسين ـ عليه السلام ـ في حجره ـ أو إلى جنبه ـ يمسح رأسه وهو يبكي ، فقلت والله ما علمت به حتّى دخل ، قال النبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ : ان جبرئيل كان معنا في البيت فقال أتحبّه ؟ فقلت : نعم ، فقال ان امّتك ستقتل هذا بأرض يقال لها كربلاء ، فتناول جبرئيل من ترابها فأراه النبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ ، فلمّا اُحيط بالحسين عليه السلام حين قتل قال : ما اسم هذه الأرض ؟ قالوا : كربلاء ، قال : صدق رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ أرض كرب وبلاء. قال أخرجه الطبراني وأبو نعيم. 6. الهيثمي في مجمع الزوائد ج 9 / 187 ، قال : وعن عائشة قالت دخل الحسين بن علي ـ عليهما السلام ـ على رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ وهو يوحى إليه فنزا على رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ وهو منكب وهو على ظهره ، فقال جبرئيل لرسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ أتحبّه يا محمّد ؟ قال : وما لي لا احبّ إبني ؟ قال : فان أمّتك ستقتله من بعدك ، فمدّ جبريل ـ عليه السلام ـ يده فأتاه بتربة بيضاء ، فقال في هذه الأرض يقتل ابنك واسمها ألطف. فلمّا ذهب جبرئيل من عند رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ خرج رسول الله ـ صلّى الله عليه وآله ـ والتزمه في يده يبكي ، فقال : يا عائشة انّ جبرئيل أخبرني انّ ابني حسين مقتول في أرض الطفّ وانّ اُمّتي ستفتن بعدي. ثمّ خرج إلى أصحابه فيهم علي ـ عليه السلام ـ وأبوبكر وعمر وحذيفة وعمّار وأبوذر وهو يبكي ، فقالوا : ما يبكيك يا رسول الله ؟ فقال : أخبرني انّ ابني الحسين يقتل بأرض الطف وجاءني بهذه التربة وأخبرني انّ فيها مضجعه. أقول : هذه هي المرّة الثالثة ، لأنّ عائشة تروي ذلك والتربة بيضاء مع انّ الروايات السابقة كانت من اُمّ سلمة واُمّ الفضل والتربة حمراء. 7. مسند الاُمم أحمد بن حنبل ج 1 / ص 85 ، روى بسنده عن عبد الله بن نجا عن أبيه ، أنّه سار مع علي ـ عليه السلام ـ وكان صاحب مطهرته فلمّا حاذى نينوى وهو منطلق إلى صفين فنادى علي ـ عليه السلام ـ : اصبر أبا عبد الله ، اصبر أبا عبد الله بشط الفرات . فسئلته ، قال : دخلت على النبي ـ صلّى الله عليه وآله ـ ذات يوم وعيناه تفيضان ، قلت : يا نبي الله أغضبك أحد ما شأن عينيك تفيضان ؟ قال : بل قام من عندي جبرئيل فحدّثني ان الحسين يقتل بشطّ الفرات ، قال ، فقال : هل لك إلى ان أشمّك من تربته ، قال ، قلت : نعم فمدّ يده فقبض قبصته من تراب فأعطانيها فلم أملك عينيّ ان فاضتا. رواه ابن حجر في تهذيب التهذيب ج 2 / 347 وذكره المتقي في كنز العمال ج 7 / 105 وذكره الهيثمي في مجمعه ج 9 / 187 وقال : أخرجه البزار والطبراني ورجاله ثقات إلى غير ذلك من الروايات التي يرويها علماء أهل السنّة ، فراجع كتبهم.