من سماحة السيّد جعفر علم الهدى
بعد ما ثبت عصمة الأنبياء بالأدّلة القطعية خصوصاً عصمة نبيّنا محمّد ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) فلا بدّ من تأويل وتفسير كلّ آية يظهر فيها خلاف ذلك بما لايتنافى مع عصمة الأنبياء مثل قوله تعالى : { وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى }{طه/121} ، أو قوله تعالى بالنسبة لداود النبيّ (عليه السّلام) : { فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ } ، ومثل هذه الأية : { لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ } {الفتح/2} ، بل في سياق نفس الآية قرينة على أنّ المراد من الغفران شيء آخر ؛ لأنّ قوله تعالى : { لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ... } مترتب على قوله تعالى : { إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا } {الفتح/1} .
ولو كان المراد من المغفرة العفو عن المعاصي التي ارتكبها النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ـ والعياذ بالله ـ وهو المنزّه من ذلك ، فلاربط لذلك بالفتح ، ولا يترتب عليه ، وليس من آثاره كما لايخفى ، فالآية تشير إلى أنّ المشركين كانوا ينسبون إلى النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم ) النقائص والعيوب ، والذنوب والمعاصي ، كالسحر والكهانة ، والكذب وقول الزور ، والافتراء على الله ؛ لأنّه لم يكن له سلطة وقدرة على منعهم ، لكن بعد فتح مكّة المكرّمة ، وتسلط النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم ) عليهم بسلطة كاملة تركوا تنقيصهم النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم ) ، وذكر معايبه ، ونسبة الذنوب والمعاصي إليه لخوفهم من سلطانه ، فكان نتيجة الفتح أنّ الله تعالى منعهم من نسبة الذنوب إلى رسول الله ، فكأنّه غفرتلك الذنوب التي كانوا ينسبونها ، أو أرادوا أن ينسبونها إليه في المستقبل .
ويدلّ على ذلك ما رواه في عيون الأخبار عن الإمام الرضا (عليه السّلام) أنّه سئل عن هذه الآية فقال : « لم يكن أحد عند مشركي أهل مكّة أعظم ذنباً من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ؛ لأنّهم كانوا يعبدون من دون الله 360 صنماً ، فلمّا جائهم بالدعوة إلى كلمة الإخلاص كبر ذلك عليهم وعظم ، وقالوا :{ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ } { ص/5 ـ 7 } ، فلمّا فتح الله على نبيّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم ) مكّة قال تعالى يا محمّد : { إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ } {الفتح/ 2ـ 1} عند مشركي أهل مكّة بدعائك إلى توحيد الله فيما تقدّم وماتأخّر ؛ فأنّ مشركي مكّة أسلم بعضهم ، وخرج بعضهم عن مكّة ، ومَن بقي منهم لم يقدر على إنكار التوحيد عليه ؛ إذ دعا الناس إليه ، فصار ذنبه عندهم مغفوراً بظهوره عليهم » .
وفي رواية ابن طاووس عنهم أنّ المراد : « { لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ...} عند أهل مكّة وقريش . يعني ما تقدّم قبل الهجرة ، وبعدها ، فأنّك إذا فتحت مكّة بغير قتل لهم ، ولا استئصال ، ولا أخذهم بما قدّموه من العداوة والقتال ، غفروا ما كانوا يعتقدونه ذنباً لك عندهم ...» .
وهناك وجوه أخرى لتفسير الآية .
1- في مجمع البيان عن الإمام الصادق (عليه السّلام) أنّه سئل عن هذه الآية فقال : « والله ما كان له ذنب ، ولكن الله سبحانه ضمن له أن يغفر ذنوب شيعة عليّ (عليه السّلام) ماتقدّم من ذنبهم وما تأخّر » .
وعن الصادق (عليه السّلام ) أيضا أنّه سئل عن هذه الآية فقال : « ماكان له ذنب ، ولاهمّ بذنب ، ولكن الله حمّله ذنوب شيعته ، ثمّ غفرها له » .
2- قال بعض أهل المعرفة : قد ثبتت عصمته (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ، فليس له ذنب فلم يبق لاضافة الذنب إليه معنى إلّا أن يكون هو المخاطب في الظاهر ، والمراد أمّته كما قيل : « إياك أعني واسمعي يا جارة » .