الجواب من محمد مهدي المؤمن: أظنّ أنّ هذا السؤال نابع من المقارنة الطبيعيّة ، والإقتران التلقائي الذي ارتكز في أذهان الشيعة الإماميّة بين الإجتهاد وعصر الغَيبة ، حيث عُدّ المجتهد بديلاً للإمام عليه السلام ، أيّ قائماً مقامه الشريف على نحو الجزئيّة وفي حدود بيان الأحكام فقط ، أو على نحو الإطلاق كما هو عند القائلين بولاية الفقيه المطلقة ، أو على نحو الولاية المتوسطة ، وهو كونها أمراً بين الأمرين السابقين ، كما عُدّ الإجتهاد ـ وهو استنباط الحكم الشرعي الظاهري ـ بديلاً عن الحكم الواقعي ، وحجّةً على المجتهد ومقلّديه قائماً مقام حكم المعصوم عليه السلام في كونه منجّزاً ومعذِّراً ، وقد أصبح المألوف في أذهاننا ، والمرتكز في نفوسنا ، ارتباط هذه الحقيقة بزمن الغَيبة ارتباطاً وثيقاً كاد أن ينفي وجود أيّ وجهٍ لجواز الإجتهاد في زمن حضور الإمام عليه السلام ، وهو أمر ليس بصحيح ؛ ذلك أنّ الإسلام حاله حال سائر الأديان السماويّة لا ينمو إلّا في ظروف طبيعيّة بعيداً عن المعجزات وخوارق الطبيعة إلّا في النادر من الحالات ، حيث تكون المعجزة إثباتاً للحقّ ، وإتماماً للحجّة ، أو إبقاء لصلب الدين ، وحفظاً لبضة الإسلام ، إذا توقّف الإبقاء والحفظ للبيضة والأساس على عمليّة الإعجاز ولم يتحقّقا بالأسباب الطبيعة. بعد هذه المقدّمة أقول : ومن الطبيعي المسلّم أنّ الإسلام حتّى في عهد المعصومين عليهم السلام لم يقتصر على مكّة والمدينة ، ولم ينحصر وجود المسلمين في المنطقة أو المدينة التي كان يقيم فيها الإمام عليه السلام ويقطنها ، بل كانوا ينتشرون في البلاد القريبة والبعيدة ، وفي أقصى البلاد وأدناها ، وكانوا يعلمون إجمالاً بوجود أحكام إلٰهيّة مطلوبة منهم في كلّ واقعة كلّية أو جزئيّة ، وصغيرة أو كبيرة ، فلا يخلو فعل من أفعالهم من حكم من الأحكام الخمسة ، إمّا يكون واجباً أو حراماً أو مستحبّاً أو مكروهاً أو مباحاً ، علاوة على علمهم بوجود عبادات وأفعال وموضوعات لها أحكام خاصّة بها لا تخلوا من أحد الأحكام الخمسة. إذن فبُعد المسافة التي كانت بين المسلمين وبين إمامهم ، وصعوبة الاتّصال بينهم وبينه ، ولبدائيّة طرق وأساليب المواصلات ، بالإضافة إلى علم المسلمين إجمالاً بوجود أحكام شرعيّة وأعمال عباديّة خاصّة ، وحتّى معاملاتيّة ، لها أحكامها وموازينها الشرعيّة ، حتّمت على المسلمين التماس وتحديد الطرق والوسائل الكفيلة ببيان هذه الأحكام وسهولة التوصّل إليها من قِبل الشارع الحكيم ، وحتّمت على إمام المسلمين أن يبادر إلى تلبية هذه الحاجة وسدّها تارة ، وإلى الاستجابة لالتماسهم وطلبهم في ذلك تارة اُخرى ، وكانت الوسيلة الفضلى لسدّ هذه الحاجة وتلبية هذه الرغبة هي التمسّك بالسيرة العقلائيّة من لزوم رجوع الجاهل إلى أهل الخبرة والعلماء ، وهذا الأمر لا يختصّ بزمن دون زمن ـ أعني لا يختصّ بزمن الغَيبة الكبرى ـ ؛ لأنّ الحاجة إلى معرفة الأحكام الشرعيّة موجودة ومورد للإبتلاء في كلّ زمان وكلّ مكان ؛ إذ وجود الإمام عليه السلام في المدينة المنوّرة أو في الكوفة مثلاً ، لا يمنع من وجود أحكام لأهل المدن والبلاد الاُخرى ، ولا يُسقط الأحكام عنهم ، وأمّا عجزهم عن الوصول إلى المعصوم عليه السلام لتلقّي الأحكام منه مباشرة ، أو ممّن سمعها منه ؛ للظروف الطبيعيّة أو الظروف غير الطبيعيّة المصطنعة ، بل قد تفوت المصلحة من الحكم في حال التأخير للوصول إلى المعصوم عليه السلام ، كلّ ذلك لم يُسقط التكليف عن المؤمنين ودفعهم إلى التماس طرق للخروج من هذا المأزق ، كما حمل المعصوم عليه السلام على تربية جيل من المجتهدين يقومون بحمل أعباء استنباط الحكم الشرعي وبيانه للناس ، وسدّ هذه الحاجة لهم ، فلا اختصاص للإجتهاد بزمن الغيبة الكبرى ، وإن كان فيه أوسع دائرة وأشدّ ابتلاءً. ولهذا رُوي عن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام قوله : « مجاري الاُمور والأحكام على أيدي العلماء بالله ، الاُمناء على حلاله وحرامه » (1). وقال الإمام الصادق عليه السلام : « اُنظروا إلى مَنْ كان منكم قد روى حديثنا ، ونظر في حلالنا وحرامنا ، وعرف أحكامنا ، فارضوا به حاكماً ، فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً ، فإذا حكم بحكمٍ فلم يُقبلْ به فإنّه بحكم الله استخفّ ، وعلينا ردَّ ، والرادّ علينا كافرٌ ، رادٌ على الله ، وهو على حدّ مَنْ أشرك بالله » (2). وفي رواية اُخرى : « الرادّ عليهم كالرادّ علينا ، والرادّ علينا كافر » (3). وقال عليه الصّلاة والسّلام أيضاً : « ولاية أهل العدل الذين أمر الله بولايتهم وتوليتهم وقبولها ، والعمل لهم فرضٌ من الله ، وطاعتهم واجبة ، ولا يحلّ لمن أمروه بالعمل لهم أن يتخلّف عن أمرهم » (4). وكما قال الإمام الحسن العسكري عليه السلام في الخبر المروي عنه : « أمّا من كان الفقهاء صائناً لنفسه ، حافظاً لدينه ، مخالفاً لهواه ، مطيعاً لأمر مولاه ، فللعوام أن يقلّدوه » (5). وهكذا جاء في الخبر المروي عن الإمام الحجّة عجّل الله تعالى فرجه الشريف : « وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا ، فإنّهم حجّتي عليكم ، وأنا حجّة الله » (6). وعن الإمام الصادق عليه السلام : « انظروا إلى من كان منكم قد روى حديثنا ، ونظر في حلالنا وحرامنا ، وعرف أحكامنا ، فارضوا به ، فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً ، فإذا حكم بحكمنا ولم يقبله منه فإنّما بحكم الله استخفّ ، وعلينا ردّ ، وهو رادٌّ على الله ، وهو على حدّ الشرك بالله ، فإذا اختلفا فالحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما ، ولا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر » (7). والحمد لله ربّ العالمين الهوامش 1. مستدرك الشيعة ١٧ : ٢٠. تحف العقول : ٢٣٨. مستدرك الوسائل ١٧ : ٣١٦ ، ب ١١. بلغة الفقيه ٣ : ٢٣٠. بحار الأنوار ٩٧ : ٨٠. 2. السرائر ٣ : ٥٤٠. مختلف الشيعة ٤ : ٤٦٤. 3. وسائل الشيعة ١ : ٢٣. الاحتجاج ٢ : ١٠٦. بحار الأنوار ٢ : ٢٢١. 4. كشف اللثام ٢ : ٣٢١. مستدرك الوسائل ١٧ : ٢٤٠ و ٣١٢. 5. عوائد الأيام ـ النراقي : ١٩١. حصر الاجتهاد ـ الطهراني : ٥١. 6. عوائد الأيام : ١٨٧. مستند الشيعة ١٠ : ٤١٩. وسائل الشيعة ١٢ : ٨٧. 7. رسائل الكركي ١ : ١٤٣. جامع المدارك ٥ : ٤١٢. تحرير الأحكام ٢ : ١٨١ و ٢٠٨. مجمع الفائدة والبرهان ١٢ : ٩. الكافي ١ : ٦٨. تهذيب الأحكام ٦ : ٣٠١. الوسائل ٢٧ : ١٠٦ و ١٢٣. مقتبس من كتاب : [ كيف نفهم الرسالة العمليّة ] / الجزء : 2 / الصفحة : 23 ـ 28
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: في الأمور العقائديّة لا بدّ من تحصيل القطع واليقين بالأدلّة والبراهين ولا يجوز التقليد فضلاً عن وجوبه ، وذلك لأنّ الإعتقاد لا يتحقّق إلّا مع العلم وقول المجتهد لا يفيد العلم بل هو حجّة شرعيّة والقرآن الكريم يذمّ من كان عقيدته مبتنية على أساس التقليد والتعصّب ، ولذا قال الله تعالى ( لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ) [ البقره : 256 ] بمعنى أنّه لا يتحقّق عقلاً الإكراه في العقيدة ، لأنّ الإنسان ما لم يعلم بصحّة عقيدته لا يتمكّن من الإعتقاد به وإذا أظهر اعتقاده من دون يقين وعلم فهو مجرّد لفظه ولقلقة لسان ، مضافاً إلى أنّ حجيّة التقليد إنّما ثبتت بالقرآن الكريم كقوله ( فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ ) [ الأنبياء : 7 ] ، وبالروايات المعتبرة ومن المعلوم أن ذلك فرع الإعتقاد بوجود الله تعالى ووحدانيّته وبعثة الأنبياء والرسل والإذعان بصحّة الكتب السماويّة ومنها القرآن الكريم والإعتقاد بإمامة الأئمّة وكونهم حجج الله تعالى على الخلق ، فلا يمكن إثبات صحّة هذه الاُمور بالتقليد الذي لا يكون حجّة إلّا بعد الإعتقاد بصحّة هذه الاُمور ، وهذا يسمّى بالدور المستحيل لأنّ حجيّة التقليد تتوقّف على حجيّة القرآن الكريم مثلاً وهي تتوقّف على حجيّة التقليد إذ يريد أن يعتقد بالقرآن من جهة التقليد. نعم بعض الاُمور الإعتقاديّة التي ليست من اُصول الدين يمكن الإعتماد فيهما على الروايات المعتبرة أو التقليد إذا حصل العلم منه مثل الإعتقاد بالرجعة أو عالم البرزخ ونحو ذلك.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: ما هي عقيدتنا بالإمام المهدي عليه السلام ؟ هو الإمام الثاني عشر من أئمة أهل البيت عليهم السلام الذين هم خلفاء رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وحجج الله على خلقه وهو ابن الإمام الحسن العسكري عليه السلام ، ونعتقد أنّه تولّد وعاش مع أبيه خمس سنوات ، ثمّ بعد وفاة الإمام الحسن العسكري عليه السلام شاء الله تعالى أن يغيب عن الاُمّة شخصه لكنّهم يستفيدون من أنواره وفيوضاته كما يستفاد من الشمس التي غائب وراء السحاب وسوف يخرج ويظهر ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد ملئت جوراً وظلماً كما قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في الحديث المتواتر الذي رواه الفريقان السنّة والشيعة. فقد روي في نور الأبصار وعن الطبراني وأبي داوود عن عبد الله قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : « لا تذهب الدنيا حتى يملك العرب ورجل من أهل بيتي ... يملأها قسطاً » . واخرج أبو داوود عن علي عليه السلام عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم : « لو لم يبق من الدهر الاّ يوم لبعث الله تعالى رجلاً من أهل بيتي يملأها عدلاً كما ملئت جوراً » . وفي صحيح أبي داوود عن أم سلمة قالت : « سمعت رسول الله تعالى يقول المهدي من عترتي من ولد فاطمة » . وعن أبي أيوب الأنصاري قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لفاطمة عليها السلام : « منّا خير الأنبياء وهو أبوك ومنّا خير الأوصياء وهو بعلك ومنّا خير الشهداء وهو عمّ أبيك حمزة ومنّا من له جناحان يطير بهما في الجنّة حيث يشاء وهو ابن عمّ أبيك جعفر ومنّا سبطا هذه الاُمّة سيّدا شباب أهل الجنّة الحسن والحسين وهما ابناك ومنّا المهدي وهو من ولدك » . [ ينابيع المودّه الباب الواحد والسبعون ص 434 ] . وفي ينابيع المودة ص 491 عن الحافظ أبي نعيم في أربعينه عن ابن الخشّاب قال : حدثنا صدقة بن موسى قال : حدثنا أبي عن علي الرضا بن موسى الكاظم قال : « الخلف الصالح من ولد الحسن بن علي العسكري وهو صاحب الزمان وهو المهدي سلام الله عليهم » .
الجواب من مركز الأبحاث العقائديّة: ينبغي أن يعلم أنّ الأُمور التكوينيّة التي تجري في العالم ، هي على قسمين : أحدهما : يكون السبب عمل الناس ، وإليه يشير قوله سبحانه : ( ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) (1). والعذاب النازل على الأُمم السابقة يندرج في هذا الإطار ، وخروج الأولاد معاقين كثيراً ما يكون لأجل فعل آبائه ، ومعلوم أنّه لا يمكن أن يتحمّل الطفل وزر أبويه ، قال الله سبحانه : ( وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ) (2) ، ولكن بعض الأفعال القبيحة تصبح كالنار في إحراقها ، فلو ألقى أحد طفلاً في النار فهو يحترق جزماً ، وليس في ذلك ظلم من الله سبحانه عليه ، بل الظالم من ألقاه في النار ، فلو قطع أحد رقبة أحد ، فمقطوع الرقبة سوف يموت جزماً ، أو دسّ أحد سمّاً قاتلاً في طعام ، فالذي دسّ إليه السمّ سوف يموت حتماً ، وليس في ذلك ظلم من الله سبحانه ، بل الظالم هو قاطع الرقبة ، والذي دسّ إليه السمّ. وخروج الأطفال معاقين في معظم الأحيان لأجل سوء عمل الأبوين عند المواقعة ، أو لشرب بعض الأدوية ، أو غيرها من الأسباب التي أشار إليها الرسول صلّى الله عليه وآله في النصيحة التي قدّمها إليها بواسطة الإمام علي عليه السلام ، وليس في ذلك ظلم من الله سبحانه والعياذ بالله على أحد ، وهذا كلّه في القسم الأوّل. ثانيهما : الحوادث التي تحدث في العالم قد قدّرت ونظّمت ، ورتّبت طبق اقتضاء الحكمة البالغة ، وتلك الحكمة هي التي تتحكّم ، بأنّ يولد لأحد ولد وللآخر تولد البنت ، والأعمار تقدّر تحت هذه الحكمة الإلهيّة ، التي تكون ضمن الآجال الحتمية ، ويدخل تحت هذا أن يكون شخص من ذرّية رسول الله صلّى الله عليه وآله ، والآخر من ذرّية شخص آخر ، ويدخل في هذا الإطار ، وفي هذا القسم وجود معاقين من صلب أبوين شريفين ملتزمين بجميع نصائح النبيّ صلّى الله عليه وآله ، وأوامر الشريعة الغرّاء ، ويكون في هذا البلاء وامتحان للمعاق ولغيره. إنّ المقادير تجري كما قدّرها الله سبحانه ، ولا راد لقضائه ، ولا مبدّل لحكمه ، ولا تدرك عقولنا مغزى الحكمة ، وليس يدخل ذلك في الظلم ، لأنّ الظلم هو وضع الشيء في غير محلّه ، والله لا يفعل ذلك ، والصابر على قضاء الله مأجور ، والجازع مأزور ، كما ورد في بعض الروايات ، وإلى هذا المعنى يشير الإمام الحسين عليه السلام في بعض كلماته : « لا محيص عن يوم خطّ بالقلم ، رضى الله رضانا أهل البيت ، نصبر على بلائه ، ويوفّينا أُجور الصابرين ... » (3). وقد روى الشيخ الصدوق بسنده عن جابر بن يزيد الجعفي قال : « قلت : لأبي جعفر محمّد بن علي الباقر عليهما السلام : يا ابن رسول الله ، أنا نرى من الأطفال من يولد ميّتاً ، ومنهم من يسقط غير تامّ ، ومنهم من يولد أعمى ، أو أخرس ، أو أصمّ ، ومنهم من يموت في ساعته إذا سقط على الأرض ، ومنهم من يبقى إلى الاحتلام ، ومنهم من يعمّر حتّى يصير شيخاً ، فكيف ذلك وما وجهه ؟ فقال عليه السلام : « إنّ الله تبارك وتعالى أولى بما يدبّره من أمر خلقه منهم ، وهو الخالق والمالك لهم ، فمن منعه التعمير فإنّما منعه ما ليس له ، ومن عَمّرَهُ فإنّما أعطاه ما ليس له ، وهو المتفضّل ما أعطاه ، وعادل فيما منع ، ولا يُسأل عمّا يفعل ، وهم يسألون » . قال جابر : فقلت : يا ابن رسول الله ، وكيف ولا يسأل عمّا يفعل ؟ قال عليه السلام : « لأنّه لا يفعل إلّا ما كان حكمة وصواباً ، وهو المتكبّر الجبّار ، والواحد القهّار ، فمن وجد في نفسه حرجاً في شيء ممّا قضى الله فقد كفر ، ومن أنكر شيئاً من أفعاله جحد » » (4). الهوامش 1. الروم : 41. 2. الأنعام : 164. 3. مثير الأحزان : 29. 4. التوحيد : 397.
الجواب من مركز الأبحاث العقائديّة: لا يخفى عليكم أنّ السبب في خروج أطفال مصابين إلى الحياة الدنيا هو بفعل الأبوين لا بفعل الله تعالى حتّى يخلّ بعدله تعالى ، وذلك بسبب سوء تغذيتهما أو بسبب اعتيادهما بعض الأُمور المضرّة ، وما إلى ذلك من ارتكاب ما حرّم الله تعالى في النكاح والمأكل والمشرب و ... . ويتجلّى لنا العدل الإلهي في هؤلاء المصابين حينما نسمع أنّه تعالى يرفع عنهم التكليف الشاقّ ويعوّضهم برحمته الثواب الجزيل ، فيعطي للمتألّم عوضاً لتألّمه وابتلائه من الأجر ما يكون أنفع بحاله. روى الشيخ الصدوق قدّس سرّه عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال : « كان فيما أوحى الله عزّ وجلّ إلى موسى عليه السلام ، أن يا موسى ما خلقت خلقاً أحبّ إليّ من عبدي المؤمن ، وإنّما أبتليه لما هو خير له ، وأعافيه لما هو خير له ، وأنا أعلم بما يصلح عليه أمر عبدي ، فليصبر على بلائي ، وليشكر نعمائي ، وليرض بقضائي ، أكتبه في الصدّيقين عندي ، إذا عمل برضائي فأطاع أمري » . [ التوحيد ، الصفحة : 405 ]
الجواب من مركز الأبحاث العقائديّة: لابدّ لمن يريد أن يقنع الآخرين على عقيدة ما ـ كالعقيدة بوجود الله تعالى ـ أن يكون على مستوى عال من المعرفة والثقافة بتلك العقيدة ، حتّى يمكنه أن يؤثّر ويقنع ، كما له القوّة على ردّ الشبهات والاعتراضات الواردة حول هذه العقيدة التي يريد طرحها. فباعتبار أنّ المادّي لا يؤمن بالأدلّة النقليّة من الكتاب والسنّة على وجود الله تعالى ، فلابدّ من ذكر الأدلّة العقليّة التي يؤمن بها ، الدالّة على وجوده تعالى ، وبعد الإيمان بوجوده تعالى ، حينذاك يمكن أن نثبت له من خلال الأدلّة النقليّة والعقليّة على وجود الحياة البرزخيّة ، والحياة الأخرويّة. وتعميماً للفائدة ، نذكر لكم ما كتبه أحد المؤمنين في هذا المجال : يقول المادّيون : لا إله ، فمن الموجد ؟ أنّا نرى الأبناء يولدهم الآباء ، ونرى النبات تنبته الشمس والماء والتربة ، ونرى الحيوان يخلق من حيوانين ، و ... أمّا قبل ذلك فلم نر شيئاً ، فإنّ العمر لم يطل من قبل ... إذاً كلّ قول يؤيّد الإله ، ويؤيّد عدم الإله ، يحتاج إلى منطق غير حسّي . المادّي الذي يقول : لا إله ، يحتاج إلى الدليل . والمؤمن الذي يقول : الله تعالى يحتاج إلى برهان . لكن الأوّل لا دليل له ، فإنّ العين لم تر الإله ، أمّا أنّها رأت عدمه فلا ، وكذا الأذن ، واللمس ، وغيرها ... . ومن الهراء : أن يقول أحد : إنّ الصناعة الحديثة دلّت على عدم الإله ؟ هل القمر الاصطناعي يدلّ على عدم الإله ؟ هل الذرّة تدلّ على عدم الإله ؟ هل الكهرباء والصاروخ والطائرة تدلّ على عدم الإله ؟ القمر الاصطناعي ليس إلّا كالسكين الحجري ـ الذي يقولون عنه : ـ صنعه الإنسان البدائي ، لا يرتبط هذا ولا ذاك بالإله نفياً أو إثباتاً . ولنا أن نقول : نفرض أنّ الإله موجود ، فما كان حال القمر الاصطناعي ؟ بل : القمر الاصطناعي الذي يصرف عليه ملايين ، ويجهد في صنعه ألوف من العلماء ، ثمّ لا ينفع إلّا ضئيلاً أدلّ على وجود الإله ، إذ كيف هذا له صانع ، وليس للقمر المنير صانع ؟ إنّ من يطلب منّا الإذعان بعدم الإله للكون ، ثمّ هو لا يذعن بعدم الصانع للطائرة ، مثله كمن يطلب من شخص أنّ يقول بعدم بانٍ لقصر مشيّدة ، ثمّ هو لا يقول بعدم صانع لآخر . عالم وملحد : قال الملحد : الحواس خمس : الباصرة ، السامعة ، الذائقة ، اللامسة ، الشامّة ، وكلّ شيء في العالم لابدّ وأن يدرك بإحدى هذه الحواس : فالألوان ، والأشكال ، والحجوم ، تدرك بالباصرة . والأصوات ، والألحان ، والكلام ، تدرك بالسامعة . والطعوم ، والمذوقات ، والأطعمة ، تدرك بالذائقة . والخشونة ، واليبوسة ، والرطوبة ، والحرارة ، تدرك باللامسة . والروائح ، والمشمومات ، والعطريّات ، تدرك بالشامّة . فمن أين نثبت وجود الله ؟ والحال أنّا لم نره ، ولم نسمع صوته ، ولم نذق طعمه ، ولم نلمس جسمه ، ولم نشمّ ريحه . فصنع العالم كرتين ، إحداهما من حديد ، والأُخرى من خشب ، وصبغهما ، ثمّ أتى بهما إلى الملحد ، وقال : أنا أخبرك بأنّ إحدى هاتين الكرتين حديد ، والأُخرى خشب ، أنظر وعيّن ؟! نظر الملحد ، وعجز عن التعيين بالنظر . قال العالم : فأصغ وعيّن ؟ أصغى الملحد ، وعجز عن التعيين بالسمع . قال العالم : ذق وعيّن ؟ ذاق الملحد ، وعجز عن التعيين باللسان . قال العالم : اشمم وعيّن ؟ شمّ الملحد ، وعجز عن التعيين بالأنف . قال العالم : ألمس وعيّن ؟ لمس الملحد ، وعجز عن التعيين باللمس . ثمّ وضعهما العالم في يد الملحد ، وحينذاك أدرك أنّ الأثقل الحديد ، فقال : هذا هو الحديد ، وهذا الأخفّ هو الخشب . قال العالم : من أخبرك أنّ الأثقل الحديد ، والأخفّ الخشب ؟ قال الملحد : عقلي هو الذي أرشدني إلى ذلك . قال العالم : فليست المعلومات منحصرة بالحواس الخمس ، وإنّ للعقل حصّة مهمّة من العلوم ، والله تعالى الذي نقول به إنّما هو معلوم للعقل ، وان لم يكن مدركاً للحواس . فانقطع الملحد ، ولم يحر جواباً !! طالب وزميل : قال الطالب : لا وجود لله إطلاقاً . الزميل : من أين تقول هذا ؟ ومن علّمك ؟ الطالب : أمّا من علّمني ؟ فما أنت وهذا ؟ وأنّا لا أتحاشى من أن أقول : إنّ المدرسة هي التي أوحت إليّ بهذه الفكرة ، وإنّي جدّاً شاكر لها ، حيث أنقذتني من التقاليد إلى سعة العلم . وأمّا من أين أقول ؟ فلأنّي لم أر الله ، وكلّ غير مرئي لا وجود له . الزميل : إنّي لا أريد أن أناقشك في دليلك الآن ، لكن أقول : هل أنت ذهبت إلى الكواكب ؟ هل أنت ذهبت إلى القطب ؟ هل أنت ذهبت إلى قعر البحار ؟ الطالب : كلّا ! الزميل : فإذا قال لك قائل : إنّ الله تعالى في الكواكب ، أو في قعر البحر ، أو في القطب ، فبماذا كنت تجيبه ؟ الطالب ، فكّر ملياً !! ولم يحر جواباً . فقال الزميل : إنّ من الجهل أن ينكر الإنسان شيئاً لم يره ، أو لم يسمع به ، وأنّه لجهل مفضوح . كان بعض الناس قبل اختراع السيّارة والطائرة ، والراديو والتلفون ، والكهرباء والتلفزيون ، إذا سمعوا بها أقاموا الدنيا وأقعدوها إنكاراً على من يقول ، واستهزاءً به ، وكانوا يجعلون كلامه مثار ضحك وسخريّة !! فهل كان لهم الحقّ في ذلك ؟ إنّهم كانوا يقولون : لم نر هذه الأشياء . وأنت مثلهم تقول : لم أر الله . الطالب : أشكرك جدّاً على هذه اللفتة العلميّة ، وإنّي جدّاً شاكر لك ، حيث أخرجتني عن خرافة غرسها في ذهني معلّم جاحد منذ دخلت المدرسة ، وهي : إنّ الله حيث لم نره يجب علينا إنكاره ، والآن فهمت الحقيقة . مؤمن ومنكر : كان علي وجميل يتناظران في وجود الله تعالى ، فكان علي يسرد الأدلّة على الإثبات ، وجميل يردّها ، أو لا يقبلها . ولما طالت المجادلة بينهما ، قال علي : إنّ في جارنا رجلاً من علماء الدين ، اسمه أحمد ، فهيا بنا نذهب إليه ونجعله الحكم فيما بيننا . قبل جميل مقالة علي ولكن بإكراه ، لأنّه كان يزعم أن لا حجّة لمن يقول بوجود الله إلّا التقليد ، وذهبا معاً إلى دار العالم للقضاء بينهما ، وبعد أن استقرّ بهما المجلس . قال العالم : خيراً ؟ جميل : إنّي وصديقي علي نتباحث حول وجود الله ، ولم يتمكّن علي من الإثبات ، أو بالأحرى : أنا لم أقتنع بأدلّته ، فهل الحقّ معي أم معه ؟ وأقول ـ قبل كلّ شيء ـ : إنّي لا أقتنع بالقول المجرّد ، وإنّما أريد الإثبات ، مع العلم أنّي خرّيج مدرسة فلسفيّة عالية ، لا أقبل شيئاً إلّا بعد المناقشة والجدال ، وأن يكون محسوساً ملموساً . أحمد : فهل لك في دليل بسيط ، وبسيط جدّاً تقتنع به ، بدون لفّ ودوران . جميل : ما هو ؟ هات به ، وإنّي أنتظر مثل هذا الدليل منذ زمان !! أحمد : إنّي أخيّرك بين قبول أحد هذه الشقوق الأربعة ، فاختر إحداها : إنّك موجود بلا شكّ ، فهل : 1 ـ أنت صنعت نفسك ؟ 2 ـ أم صنعك شيء جاهل عاجز ؟ 3 ـ أم صنعك شيء عالم قادر ؟ 4 ـ أم لم يصنعك شيء ؟ فكّر جميل ساعة بماذا يجيب : هل يقول : أنا صنعت نفسي بنفسي ، وهذا باطل مفضوح ! أم يقول : صنعني شيء جاهل ؟ وهذا أيضاً مخالف للحقيقة ، فإنّ التدابير المتّخذة في خلق الإنسان فوق العقول ، فكيف يركّب هذه الأجهزة بهذه الكيفيّة المحيّرة ، شيء جاهل ؟! أم يقول : لم يصنعني شيء ؟ وهو بيّن البطلان ، فإنّ كلّ شيء لابدّ له من صانع . أم يعترف بأنّه مصنوع لشيء عالم وقادر ، وحينئذ ينهار كلّ ما بناه من الأدلّة ـ المزعومة ـ لعدم وجود الله تعالى . وبعد فكر طويل ، رفع رأسه وقال : لابدّ لي من الاعتراف ، بأنّي مصنوع لعالم قدير . أحمد : ومن هو ذلك العالم القدير ؟ جميل : لا أدري . أحمد : ولكن ذلك واضح معلوم . لأنّ من صنعك ليس من البشر ، فإنّ البشر لا يقدرون على خلق مثلك ، ولا من الجمادات ، فانّ الجماد لا عقل له ، إذاً : هو الله تعالى . علي : هل قنعت يا جميل بهذا الدليل ؟ جميل : إنّه دليل قوّي جدّاً ، لا أظنّ أحداً يتمكّن من المناقشة فيه ، وإنّي شاكر لك وللعالم أحمد . معلم وتلميذ : ذهب جماعة من الطلّاب إلى مدرسة إلحادية ، وفي اليوم الأوّل من الدوام حضروا الصفّ ، وكان في الصفّ منضدة عليها تصوير أحد زعماء الملحدين . فجاء المعلم ، وقال للطلّاب : هل لكم عين ؟ وأين هي ؟ وهل لكم أذن ؟ وأين هي ؟ وهل لكم أيدٍ وأرجل ؟ وأين هي ؟ قال الطلّاب : نعم ، لنا أعين وأذن وأيد وأرجل ، وهي هذه ، وأشاروا إلى هذه الأعضاء . قال المعلّم : وهل ترون هذه الأعضاء وتحسّون بها ؟ قال الطلّاب : نعم ، نراها ونلمسها . قال المعلّم : وهل ترون هذا التصوير على المنضدة ؟ قالوا : نعم ، نراه . قال المعلّم : وهل ترون المنضدة وسائر ما في الغرفة ؟ قالوا : نعم ، نراها . وهنا انبرى المعلم قائلاً : وهل ترون الله ؟ وهل تحسّون به ؟ قالوا : لا ، لا نرى الله ولا نلمسه . قال المعلّم : فهو إذاً خرافة تقليديّة . إنّ كلّ شيء في الكون نحسّ به ونراه ، أمّا ما لا نراه ولا نحسّ به ، فهو خطأ ، يلزم علينا أن لا نعترف به ، وإلّا كنّا معتقدين بالخرافة . وهنا قام أحد التلاميذ ، وقال : اسمح لي أيّها الأُستاذ بكلمة ؟ المعلّم : تفضّل . التلميذ : أيّها الزملاء أجيبوا على أسئلتي . الزملاء : سل . التلميذ : أيّها الزملاء هل ترون المعلّم ؟ هل ترون الصورة الموضوعة على المنضدة ؟ هل ترون المنضدة ؟ هل ترون الرحلات ؟ الزملاء : نعم ، نرى كلّ ذلك . التلميذ : أيّها الزملاء هل ترون عين المعلّم ؟ هل ترون أذن المعلّم ؟ هل ترون وجهه ؟ هل ترون يده ورجله ؟ الزملاء : نعم نرى كلّ ذلك . التلميذ : أيّها الزملاء هل ترون عقل المعلم ؟ الزملاء : كلّا ! لا نرى عقله . التلميذ : فالمعلّم إذاً لا عقل له ، فهو مجنون حسب مقالته ، لأنّه قال : كلّ ما لا يراه الإنسان فهو خرافة ، يجب على الإنسان أن لا يعترف به ، وأنّا لا نرى عقل المعلم ، فهو إذاً لا عقل له ، ومن لا عقل له يكون مجنوناً . وهنا ألقم المعلّم حجراً ، واصفرّ وجهه خجلاً ، ولم ينبس ببنت شفة ، وضحك الطلّاب . آينشتاين يعترف : تحاكم جماعة من المادّيين إلى آينشتاين ليروا رأيه بالنسبة إلى الله تعالى ؟ فأجاز لهم أن يمكثوا عنده 15 دقيقة ، معتذراً بكثرة أشغاله ، فلا يتمكّن أن يسمح لهم بأكثر من هذا الوقت . فعرضوا عليه سؤالهم ، قائلين : ما رأيك في الله ؟ فأجاب قائلاً : ولو وفّقت أن أكتشف آلة تمكّنني من التكلّم مع الميكروبات ، فتكلّمت مع ميكروب صغير ، واقف على رأس شعرة من شعرات رأس إنسان ، وسألته : أين تجد نفسك ؟ لقال لي : إنّي أرى نفسي على شجرة رأس شاهقة ! أصلها ثابت وفرعها في السماء . عند ذلك أقول له : إنّ هذه الشعرة التي أنت على رأسها ، إنّما هي شعرة من شعرات رأس إنسان ، وإنّ الرأس عضو من أعضاء هذا الإنسان ، ماذا تنظرون ؟ هل لهذا الميكروب المتناهي في الصغر : أن يتصوّر جسامة الإنسان وكبره ؟ كلّا ! إنّي بالنسبة إلى الله تعالى لأقلّ وأحطّ من ذلك الميكروب بمقدار لا يتناهى ، فأنّى لي أن أحيط بالله الذي أحاط بكلّ شيء ، بقوى لا تتنامى ، وعظمة لا تحدّ ؟ فقام المتشاجرون من عند آينشتاين ، وأذعنوا للقائلين بوجود الله تعالى .
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: لكل شيء منبع إلا الله لم يولد ولم يأت به أحد ، فكيف وجد ؟ انما يقال لشيء كيف وجد ؟ إذا كان مسبوقاً بالعدم ثمّ عرض عليه الوجود ، لكن الله تعالى واجب الوجود ووجوده عين ذاته لأنّه خالق الموجودات ولا يعقل أن يكون له خالق وموجد ، بل كان موجوداً من الأزل فهو الأوّل والآخر والظاهر والباطن. وهذا نظير أن ترى في يدك دسومة فتقول كيف وجدت هذه الدسومة في اليد ؟ وقد يجاب بأنّها حصلت من الغذاء الدسم فتسأل كيف وجدت الدسومة في الغذاء فيجاب من الدهن وهنا ينقطع السؤال ولا يصح أن تسأل من أين جاءت دسومة الدهن ؟ وذلك لأنّ الدسومة من لوازم ذات الدهن ، بل ليس الدهن غير الدسومة ، وبالاصطلاح « كلّ ما بالعرض ينتهى إلى ما بالذات » فالوجود الحاصل للمخلوقات عارض عليها فلابدّ أن يكون له مصدر وهو الله تعالى حيث أفاض عليها بالوجود ، لكن الله تعالى وجوده ذاتي كالدسومة في الدهن ولا يصحّ أن يقال : من أين وجد ؟ أو كيف وجد ؟ أو من أوجده ؟ فوجود لذاته بذاته في ذاته.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: في حال كون الإرادة تكوينيّة والعصمة إجباريّة فأيّ فضيلة لآل محمّد عليهم السلام ؟ اولاً : الإرادة التكوينيّة من الله تعالى لا تتعلّق بالأفعال الصادرة من الإنسان بإختياره وإرادته بل أراد الله تعالى أن يكون الإنسان حرّاً في تصرّفاته وأن يعمل أعماله بمحض إرادته واختياره ، فالعمل الصادر من الإنسان أمر إختياري ولم تتعلّق إرادة الله تعالى بذلك العمل وإلا لزم الجبر فيبطل الثواب والعقاب والهداية والإرشاد وبعثة الأنبياء والرسل ، فلا ربط لإرادة الله تعالى في الطاعات أو المعاصي الصادرة من الإنسان. نعم أراد الله تعالى أن يكون الإنسان مختاراً وأن يصدر الفعل منه بإختياره وهذا المعنى يستلزم أن لا يكون الإنسان مجبوراً في أفعاله وأعماله. ثانياً : العصمة ليست إجباريّة بل هي حالة في النفس تجعل الإنسان يختار الطاعة ويترك المعصية بإختياره وهذه الحالة مستندة إلى العلم الكامل بعظمة الله تعالى ولزوم طاعته وقبح مخالفته مضافاً إلى العلم الكامل يقبح الذنوب والمعاصي ووجود المفاسد الدنيويّة والاُخرويّة فيها ، مضافاً إلى الخوف والخشية من الله تعالى ومن عذابه وانتقامه ، نعم تحتاج العصمة إلى توفيق من الله وتسديد لكي يرتب الإنسان الآثار على علمه وخوفه ولكن هذا التوفيق والتسديد ليس علّة لصدور أعماله بل هو بمنزله رفع المانع من تأثير المقتضى ، فالمعصوم يترك الذنوب وقبح مخالفة الله تعالى ولا دخل لإرادة الله تعالى التكوينيّة في العصمة إلا بمقدار التوفيق والتشديد الذي هو رفع المانع من تأثيره إرادة العبد واختياره في فعل الطاعة. فعصمة الأنبياء والرسل تختلف عن عصمة الملائكة فانّ الملائكة مجبولون ومجبورون على الطاعة والعبادة ولكن الأنبياء والرسل والأئمّة عليهم السلام ليسوا مجبورين ، بل خلقهم الله بنحو يكونون مختارين في أعمالهم كسائر البشر لكنّهم لأجل علمهم الكامل بعظمة الله وخوفهم الشديد من سطوة الله تعالى وعلمهم بقبح ومفاسد الذنوب يتركون المعاصي باختيارهم كما انّ من يرى النار المحرقه بعينه لا يمدّ إليها لعلمه المحسوس بانّه سوف يحترق لو اقترب منها.
الجواب من السيد جعفر مرتضى العاملي: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الحمد لله ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على محمّد وآله الطاهرين .. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. وبعد .. فإنّ رسول الله قد جمع القرآن قبل وفاته .. وكان الكثيرون من الصحابة يكتبون ما يحصلون عليه من السور القرآنيّة التي كانت تنزل تدريجاً فتكونت لديهم مصاحف خاصّة بهم كانوا يقرأون فيها. وبعد وفاة النبي صلّى الله عليه وآله ، رفض أصحاب السلطة القبول بمصحف الرسول صلّى الله عليه وآله ، الذي جاءهم به أمير المؤمنين عليه السلام ؛ لأنّهم خافوا ممّا كان النبي صلّى الله عليه وآله ، قد أثبته فيه من التفسير لآياته والتأويل لها ، أو بيان شأن نزولها ، أو غير ذلك .. ولم يكونوا ـ أعني الهيئة الحاكمة ـ قد جمعوا لأنفسهم مصحفاً على ما يظهر ، فطلبوا من زيد بن ثابت فجمع لهم مصحفاً. واستمرّ الناس يقرؤون في ما لديهم من مصاحفه بلهجاتهم ، وحسب ما أثبتوه فيها ، حيث لم يكن لها ترتيب واحد ، من حيث تسلسل السور ، مع رداءة خطوطها ، وبدائيّة تلك الخطوط ، واختلاف في تصوير الكلمات في تلك المصاحف .. وقد أدرك حذيفة بن اليمان قائد جيوش السلطة في حروبها مع أهل فارس خطورة الموقف ، ورأى اختلاف اللهجات ، واختلاف ترتيب المصاحف ، وما إلى ذلك فشكا ذلك إلى عثمان ، فشاور عثمان أهل الرأي ، فكانت النتيجة هي أنّه كتب نسخة واحدة من المصاحف أرسلها إلى الأقطار ، لتكون هي المرجع ، والمعتمد لهم في كتابة مصاحفهم ، وترتيبها ، ووحدة القراءة لها .. وقد صوبه أمير المؤمنين عليه السلام ، في فعله هذا ، وأخبر أنّه لم يفعل ذلك إلّا عن ملأ منهم. وأنّه لو ولِّي لفعل مثل الذي فعل (1). ورغم أن عثمان قد أصاب في جمعه الناس على قراءة واحدة ، ولكنّه أخطأ حين بادر إلى حرق المصاحف التي جمعها .. لأنّ إحراق المصاحف مرفوض من الناحية الشرعيّة .. وعلى كلّ حال ، فإنّ ابن مسعود ، أبى أن يسلم مصحفه إلى عثمان ، وتبعه على ذلك جماعة آخرون .. وأمّا مصحف الإمام علي عليه السلام ، فهو مصحف رسول الله صلّى الله عليه وآله ، الذي لم يستطع الناس أن يصلوا إليه بعد أن رفضت السلطة اعتماده .. وأمّا ترتيب الآيات في السور فقد ذكرنا في كتابنا : « حقائق هامة حول القرآن الكريم » وفي كلامنا عن السبب في تقديم آية: ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) .. على آية : ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ) .. في كتابنا : « مختصر مفيد الجزء الرابع » .. أنّ ذلك كان من قبل الله ورسوله .. وأنّ أحداً لم يتصرّف في الآيات بشيء .. وأمّا بالنسبة لآية التطهير ، فإنّها أيضاً لم تنقل من مكانها الأصلي .. ولو أنّها نقلت لفسد المعنى .. فراجع كتابنا : « أهل البيت في آية التطهير » .. والحمد لله ، والصلاة والسلام على محمّد وآله الطاهرين .. الهوامش 1. راجع : البرهان في علوم القرآن ج 1 ص 240 و 235 وتفسير القرآن العظيم ج 4 « الخاتمة » ص 11 وغرائب القرآن ، بهامش الطبري ج 1 ص 24 وتاريخ القرآن للزنجاني ص 68. وسنن البيهقي ج 2 ص 42 ومناهل العرفان ج 1 ص 255 و 275 ، وراجع : سعد السعود ص 278 وإرشاد الساري ج 7 ص 448 والإتقان ج 1 ص 59 و 60 والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج 1 ص 54 والفتنة الكبرى ج 1 ص 183 وتاريخ القرآن للأبياري ص 111 ، وكنز العمال ج 2 ص 370 و 373 عن الصابوني في الماءتين ، وعن ابن أبي داود ، وابن الأنباري ، والحاكم ، والبيهقي ، وبحوث في تاريخ القرآن وعلومه ص 163. والكامل في التاريخ ج 3 ص 112. والتمهيد ج 1 ص 288 و 289 والنشر في القراءات العشر ج 1 ص 8 و 33 ومباحث في علوم القرآن ص 138 وراجع فتح الباري ج 9 ص 16. المصدر : موقع سماحة السيّد جعفر مرتضى العاملي
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: استدل غيرنا على تواتر وصحة مضمون حديث : « إنا معاشر الأنبياء لا نورث » بحديث عن الامام الصادق عليه السلام : « العلماء ورثة الأنبياء » كيف نرد عليهم ؟ وهل آيات الميراث في صدد إثبات الإرث المادي أم المراد ميراث العلم والحكمة والنبوة ؟ أوّلاً : لا يثبت صحّة حديث بذكر حديث آخر وحديثين فضلاً عن تواتره فانّ التواتر معناه ان يذكر نصّ الحديث أو مضمونه بطرق متعدّدة وأسانيد مختلفه بحيث نقطع بعدم تواطئ الرواة على الكذب ، والحديث الذي رواه أبو بكر خبر واحد اخبر به أبو بكر فقط وهو متّهم في نقل هذا الحديث لأنّه أراد بنقل هذا الحديث منع الزهراء عليها السلام من الإرث ولو كان هذا الحديث ذكره رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لسمعه أصحاب النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ولرووه ونقلوه وأيّدوا أبا بكر على نقله خصوصاً مع أهميّة هذا الحديث حيث يلزم منه عدم التوارث بين النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم وأهل بيته وأزواجه فهل من المعقول ان يسّر النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم بهذا الحديث على أهميّة لخصوص أبي بكر المتّهم في نقله ولا يذكره لأصحابه بل ولا لمن هو محلّ إتبلائه مثل فاطمة عليها السلام كي لا تطالب بالإِرث بعد وفاة النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم. فمثل هذا الحديث الذي هو خبر واحد لا يصير معتبراًً بضمّ حديث أو حدثين من طرقنا حتّى لو كان مرويّاً في الكتب لإحتمال صدور تقيّة وفي ظروف خاصّة. وثانياً هذا الحديث مخالف 100% مع صريح القرآن الكريم فلابدّ من طرحه وعدم الاعتناء به لا لمجرّد أنّه مخالف لقانون الإرث الثابت بنصّ القرآن إذ يقال بانّ هذا الحديث مخصص للقرآن الكريم بل لان مفاده : « نحن معاشر الأنبياء لا نورّث » مع أن القرآن يصرّح بان زكريّا طلب من الله تعالى ولداً لكي يرثه بعد وفاته بعد أن خاف ان يرثه أنباء عمومته قال تعالى : ( وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ) [ مريم : 5 ـ 6 ] وهذا الآية صريحة في إرث المال لانّ خوف زكريّا من الموالي لم يكن لأجل ان يرتوا منه العلم والنبوة وليس له ان يخاف من ذلك لانّ الموالي لم يكن لاجل أن يرثوا منه العلم والنبوّة وليس له أن يخاف من ذلك لأن الموالي ان كانوا مستحقّين ، ولا يقين لهذا المنصب فلا معنى لأن يخاف زكريّا من وصولهم إلى حقّهم ومنصبهم الشرعي وان لم يكونوا مستحقّين فلا يعطيهم الله هذا المقام. فيظهر انّ زكريّا كان يخاف ان يرشوا أمواله فطلب من الله ولداً يرثه المال. وثالثاً : كون العلماء ورثة الأنبياء لأنهم ورثوا العلم والهدى منهم لا ينافي ان يكون للأنبياء ورثة آخرون يرثون منهم المال. فقد كان في الأنبياء جهتان : الجهة الاولى حصولههم على العلم الكامل ومن هذه الجهة يرثهم العلماء والأوصياء ، والمراد انهم يتعلّمون منهم العلوم. والجهة الثانيه انّهم مالكون للأموال كغيره من أفراد الإنسان ، ومن هذه الجهة يرثهم أقرباؤهم وأولادهم وأزواجهم ، كما قال الله تعالى : ( وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ) [ الأحزاب : 6 ] . ورابعاً : بما انّ الأنبياء والرسل همّهم إرشاد الاُمّة وهدايتهم وتبليغ الدين والشريعة ونشر العلم والفضيلة وتأمين العدالة والصلاح فمن الطبيعي ان لا يكون له غالباً أموال كثيرة لأنّهم لم يكونوا بصدد جمع المال ، مضافاً إلى انّهم كانوا يصرفون أموالهم في سبيل تبليغ الدين ، ولذا يكون المراد من قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم : « نحن معاشر الانبياء لا نورث » على تقدير صحّته وصدوره من النبي الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم ، انّ الأنبياء ليس من شأنهم جمع الأموال فلا يكون لهم غالباً أموال معتدّبها فلا يصل إلى ورثتهم مال كثير يصدق عرفاً انّهم ورّثوا ، وهذا لا ينافي انّه إذا أنفق لنبي من الأنبياء مال في دار الدنيا يرثه أولاده وأقربائه فالنظر انما هو إلى الغالب من عدم وجود أصل المال أو المال المعتدبه عند الأنبياء فبطبيعة الحال لا يصل إلى ورثتهم مال معتد به وليس النظر الى من كان مثل داود أو سليمان حيث حصل له اتّفاقاً أموال طائلة فانّه يرثه أهل بيته على حسب موازين الإرث ولذا قال الله تعالى : ( وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ ) [ النمل : 16 ] ايّ ورث سلطنته وملكه وأمواله ، نعم آتاه الله النبوّة لأنّه كان لايقاً ومستحقّاً لمقام النبوّة.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: لماذا يخلق الله تعالى بعض الناس وهو يعلم انّهم سيدخلون النار أو لا يخلدون فيها ؟ أليس هذا يتناقض مع الآية انّه أرحم الراحمين ؟ امّا علّة خلق الله الناس بنحو عام فلأجل وصول الإنسان إلى الكمال الأبدي والسعادة الدائمة بواسطة معرفة الله تعالى وطاعته وعبادته والخضوع والخشوع بالنسبة إليه ، قال تعالى : ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) [ الذاريات : 56 ] ولما كان الوصول إلى السعادة والكمال والفضيلة يتوقّف على الإتيان بالأعمال الإختياريّة فالله تعالى أعطى للإنسان القدرة على الأعمال ، لكن لم يجبره على فعل الطاعة أو ترك المعصية إذ لا يحصل الكمال والسعادة بالجبر وبالفعل المضطرّ إليه ، وبما انّ الإنسان خلق مختاراً في أعماله وأفعاله فالبعض يختار العمل الصالح ويعمل الخير ويصل إلى الكمال والبعض الآخر يختار العمل السيّء ويعمل الشر وينحطّ باختياره وإرادته. فحكمة الله تعالى اقتضت ان يخلق العالم بجميع ما فيه من النعم والمعدّات التي يستفيد منها الإنسان في معاشه ومعاده كما انّها اقتضت خلق الإنسان لكي يصل إلى الكمال والسعادة كما اقتضت خلق الإنسان لكي يصل إلى الكمال والسعادة كما أنّها اقتضت ان يعطي للإنسان القدرة على الأعمال والأفعال والتصرّفات في نفسه وفي الكون واقتضت أيضاً أن يكون مختاراً في أفعاله وأعماله لانّ الفعل الإختياريّ هو الذي يوصل الإنسان إلى المقامات العالية ويستحقّ به الثواب والجزاء ويمتاز به على غيره. ونتيجه هذه الحكم الإلهيّة هي انّ الانسان قد يختار الأعمال الصالحة فيصل إلى الكمال المطلوب وقد يصرف القدرة التي منحها الله إيّاه في الأعمال السيّئة وفي المعاصي والذنوب فيستحقّ العذاب بسبب العمل الإختياري وبسبب انّه صرف نعم الله تعالى بإختياره فيما لا يرضاه الله تعالى وعلى أساس ذلك ليس للفاسق أو الكافر أن يعترض على الله لماذا خلقتني وأنت تعلم بأنني سوف اخلّد في النار ؟ بل لابد أن يعترض على نفسه ، لماذا اخترت الأعمال السيّئه وصرفت النعم الالهيّة في مخالفة أمر الله تعالى مع أنّ الله تعالى أرسل الأنبياء والرسل والأئمة عليهم السلام وقد بلّغوا عن الله تعالى ، فاذا اعترض على الله تعالى يكون اعتراضه مثل الاعتراض على الوالد إذا أعطى مالاً كثيراً لولده وطلب منه ان يصرفه في الزواج ونحو ذلك من تحصيل السعادة الدنيويّة لكنّه بسوء اختياره صرفه في شرب الخمر.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: ما الفرق بين عصمة الأئمة عليهم السلام عند الشيعة وعدالة الصحابة عند أهل السنّة ؟ الفرق هو أنّ العصمة في الأئمّة ثابته بنصّ القرآن الكريم وبالأدلّة العقليّة القطعيّة وبالروايات المتواترة والصحيحة ـ راجع بهذا الصدد كتاب أصول الدين ، العقائد الحقّة باب عصمة الأنبياء والأئمّة ـ مضافاً إلى سيرة الأئمّة المعصومين عليهم السلام ومنهج حياتهم بخلاف عدالة الصحابة فإنّها لا دليل عليها بل الدليل قائم على عدم كونهم عدول بل لم يكن الصحابة يعتقدون بعدالة أنفسهم ، ولذا نرى بعضهم يحارب البعض الآخر ويقاتله ويشترك في قتله وقد كان بين صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم منافقون يصرح القرآن الكريم بأن المسلمين لم يكونوا يعلملون بنفاقهم قال الله تعالى : ( مِّنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ) [ التوبة : 101 ] فكيف نحكم بعدالة جميع الصحابة مع وجود منافقين مندسين في صفوفهم لا نميّز المؤمن من المنافق فلو حكمنا بعدالة صحابي من الصحابة نحتمل انّه نفس ذلك المنافق الذي أخبرنا الله تعالى بأنّه مندس في الصحابة ولا نعرفه. مضافاً إلى انّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأنّ الكثير من أصحابه سوف يرتدون ويغيّرون ويحدّثون بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فراجع صحيح البخاري وصحيح مسلم وغيره. ففي صحيح مسلم بطرق متعدّدة عن عبدالله وبطريق واحد عن حذيفة : « قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : انا فرطكم على الحوض ولاُنازعنّ أقوامنا ثمّ لاُغلبنّ عليهم فأقول يا ربّ أصحابي فيقال : انّك لا تدري ما احدثوا بعدك » [ صحيح مسلم كتاب الفضائل باب اثبات الحوض ] . وروى أحمد بن حنبل بسنده عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : « ليذادن اناس من أصحابي عن الحوض كما يذاد الغريبة من الابل ... ـ وقال في آخره ـ اناديهم هلم فيقال انّهم قد بدّلوا بعدك فأقول سحقاً سقحاً » [ مسند أحمد بن حنبل ج 3 / 454 ] . وكيف يكون جميع صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم عدولاً وقد كان فيهم معاوية وعمرو بن العاص وكانوا يسبّون علياً ويلعنونه ويأمرون بلعنه على المنابر. ومن الصحابة سمرة بن جندب الذي كان من قوّاد جيش يزيد الذي أباح المدينة وقتل المهاجرين والأنصار وهتك الأعراض وكيف يكون أصحاب النبي عدولاً ، مع انّ البخاري يروي في صحيحه بسنده عن العلاء بن المسيّب عن أبيه قال : « لقيت البراء بن عازب فقلت طوبى لك صحبت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبايعته تحت الشجرة ، فقال : يا ابن أخ انّك لا تدري ما أحدثنا بعده » [ صحيح البخاري بحاشية السندي ج 3 / 44 ، كتاب المغازي باب غزوة الحديبيّة ] . وفي [ تهذيب التهذيب 8 / 9 ط بيروت ] روى ابن حجر عن عمرو بن ثابت انّه قال : « لما مات النبي صلى الله عليه وآله وسلم كفر الناس الا خمسة ». وكيف يكون صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم عدولاً مع انّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم خاطب وقال : « لا أدري ما تحدثون بعدي » . « روى الامام مالك في [ الموطأ 2 / 460 كتاب الجهاد في سبيل الله ] بسنده عن مولى عمر بن عبيدالله انه بلغ ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لشهداء أحد : هؤلاء اشهد لهم . فقال أبو بكر : ألسنا يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اخوانهم اسلمنا كما اسلموا وجاهدنا كما جاهدوا. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : بلى ولكن لا أدري ما تحدثون بعدي . فبكى أبو بكر ثم قال : أئنا لكائنون بعدك ».
الجواب من مركز الأبحاث العقائديّة: هذه الملازمات ليست شرعيّة ، ولا لازمة لأحد ، ولا حجّة على أحد ، ولا دليل عليها ، فمن قال إنَّ الله تعالى اختار للأنبياء أصحابهم ؟ الذي أرسل الرسل أصلاً لإصلاحهم ، لأنّهم في وضع سيء جدّاً ، يستوجب إنذارهم وإبلاغهم رسالة الله تعالى وأحكامه ، فقد يكون العصر الذي يُبعث فيه الأنبياء الذروة في الانحطاط والضلال والظلام. ثمّ إنّ النبيّ الأعظم صلّى الله عليه وآله كان كثيراً ما يحذّر ويقول : « لتتبعنَّ سنن من كان قبلكم » (1) ، وكان أيضاً يحذّر الصحابة ويخبرهم برجال يرتدّون من بعده ، ويُطردَون عن الحوض ، كما روى البخاري وغيره عن أبي هريرة قال : « بينا أنا قائم فإذا زمرة حتّى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم ، فقال : هلّم ، فقلت : أين ؟ قال : إلى النار والله ، قلت : وما شأنهم ؟ قال : إنّهم ارتدّوا بعدك ... » (2). وفي حديث أنس : « ليردن عليّ ناس من أصحابي الحوض ، حتّى إذا عرفتهم اختلجوا دوني ... » (3). وفي حديث سهل : « وليردن عليَّ أقوام أعرفهم ويعرفونني ، ثمّ يحال بيني وبينهم » (4). وفي حديث أبي هريرة : « ليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال ، أناديهم ألا هلّم ، فيقال : إنّهم قد أحدثوا بعدك ، وأقول : سحقاً سحقاً » (5). وفي رواية أبي سعيد الخدري : « فأقول : إنّهم منّي ، فيقال : إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، فأقول : سحقاً سحقاً لمن غيَّر بعدي » (6) ، وزاد في رواية عطاء ابن يسار : « فلا أراه يخلص منهم إلّا مثل همل النعم » (7). وفي حديث أبي بكرة : « ليردن عليَّ الحوض رجال ممّن صحبني ورآني ، حتّى إذا رفعوا إليّ ورأيتهم اختلجوا دوني ، فلأقولنّ : ربّ أصحابي أصحابي ! فيقال : إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك » (8) ، وقال عن هذا الحديث ابن حجر : « وسنده حسن » (9) ، وللطبراني من حديث أبي الدرداء نحوه ، وزاد : فقلت : يا رسول الله ادع الله أن لا يجعلني منهم ، قال : « لست منهم » ، وقال ابن حجر : « وسنده حسن » (10). وفي البخاري : « فأقول كما قال العبد الصالح : ( وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) (11). ونقول : مع هذه الأحاديث الكثيرة التي تصادم ما تقولون به نذكر آية واحدة وهي قوله تعالى : ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ) (12). فهل قولنا موافق لقول الله والرسول صلّى الله عليه وآله ؟ أم إطلاقكم العدالة هو الموافق ؟ الهوامش 1. مسند أحمد 2 / 511 و 5 / 218 و 340 ، صحيح البخاري 8 / 151 ، المستدرك على الصحيحين 4 / 455 ، معجم الزوائد 7 / 261 ، مسند أبي داود : 289 ، المصنّف للصنعاني 11 / 369 ، المصنّف لابن أبي شيبة 8 / 634 ، المعجم الكبير 3 / 244 ، شرح نهج البلاغة 9 / 286 ، الجامع الصغير 2 / 401 ، كنز العمّال 8 / 94 و 11 / 133 ، تفسير القرآن العظيم 2 / 364 ، الدرّ المنثور 6 / 56 ، تاريخ مدينة دمشق 14 / 441 ، سبل الهدى والرشاد 5 / 314 ، وغيرها من المصادر. 2. صحيح البخاري 7 / 208 ، فتح الباري 11 / 333 ، كنز العمّال 11 / 132. 3. صحيح البخاري 7 / 207 ، فتح الباري 11 / 333. 4. مسند أحمد 5 / 333 ، صحيح البخاري 7 / 207 و 8 / 87 ، فتح الباري 11 / 333 ، المعجم الكبير 6 / 143 و 156 و 171 و 200 ، الجامع لأحكام القرآن 4 / 168. 5. السنن الكبرى للبيهقي 4 / 78 ، فتح الباري 11 / 333 ، صحيح ابن خزيمة 1 / 7 ، كنز العمّال 15 / 647. 6. صحيح البخاري 7 / 208 ، فتح الباري 11 / 333 ، الجامع لأحكام القرآن 4 / 168. 7. فتح الباري 11 / 333. 8. مسند أحمد 5 / 48 ، فتح الباري 11 / 333 ، المصنّف لابن أبي شيبة 7 / 415 ، كنز العمّال 13 / 239 ، تاريخ مدينة دمشق 36 / 8. 9. فتح الباري 11 / 333. 10. نفس المصدر السابق. 11. صحيح البخاري 4 / 110 ، والآية في سورة المائدة : 117 ـ 118. 12. آل عمران : 144.
الجواب من مركز الأبحاث العقائديّة: للإجابة على السؤال يحسن بنا أن نذكر كيفيّة تشريع الأذان عند أهل السنّة. إذا رجعنا إلى الروايات التي وردت عند أهل السنّة حول كيفيّة تشريع الأذان نجدها تذكر بأنّ التشريع جاء من رؤيا رآها صحابي أو صحابيّان أو ستّة أو اثنا عشر حسب اختلاف الروايات ، ومن ثمّ اقترح تلك الرؤية على النبيّ صلّى الله عليه وآله ، والنبيّ استحسن ذلك الفعل وأمر الناس بفعله وأضافه إلى الصلاة. وإليك نصّ الرواية : اهتمّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم للصلاة كيف يجمع الناس لها ، فقيل له : انصب راية عند حضور الصلاة ، فاذا رأوها آذن بعضهم بعضاً ، فلم يعجبه ذلك ، قال : فذكر له القنَّع ـ يعني الشَّبُّور ـ وقال زياد : شبور اليهود ، فلم يعجبه ذلك ، وقال : « هو من أمر اليهود » قال : فذكر له الناقوس ، فقال : « هو من أمر النصارى » فانصرف عبد الله بن زيد بن عبد ربه وهو مهتم لهمِّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، فأُرِيَ الأذان في منامه ، قال : فغدا على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأخبره ، فقال له : يا رسول الله ، إنّي لَبَيْنَ نائِمٍ وَيَقظَانَ إذْ أَتَانِي آتٍ فأراني الأذان ، قال : وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد رآه قبل ذلك فكتمه عشرين يوماً ، ثم أخبر النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال له : « ما منعك أن تخبرني » ؟ فقال : سبقني عبد الله ابن زيد فاستحييت ، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : « يا بلالُ ، قُمْ فانظر ما يأمرك به عبد الله بن زيد فافعله » قال : فأذن بلال. (1) وعند الرجوع إلى هذه الروايات الناقلة كيفيّة تشريع الأذان نجد الإختلافات الكثيرة فيها ، ففيها : أ. إنّ الرواية عن ابن زيد مختلفة ، ففي بعض النصوص أنّه رأى الأذان في المنام واليقظة (2) ، وفي نقل آخر تقول رآه في المنام (3) ، وفي نقل ثالث تقول إنّه قال : لولا أن يقول الناس لقلت إنّي كنت يقظان غير نائم ؟! (4) ب. رواية تقول : إنّ عبد الله بن زيد رآه ، فاخبر به النبيّ صلّى الله عليه وآله ، وأُخرى تقول : إنّ جبرائيل أذّن في سماء الدنيا ، فسمعه عمر وبلال فسبق عمر بلالاً فأخبر النبيّ صلّى الله عليه وآله ثمّ جاء بلال فقال له : « سبقك بها عمر » (5) !! ج. رواية تنصّ على أنّ ابن زيد رآه ، ورواية أُخرى تقول : إنّ سبعة من الأنصار رآه ، ورواية تقول : أربعة عشر صحابياً رأوه ، ورواية تدخل عبد الله بن أبي بكر. (6) د. رواية تنصّ على أنّ بلالاً كان يقول : أشهد أن لا إله إلّا الله حيّ على الصلاة ، فقال له عمر : أشهد أنّ محمّداً رسول الله ، فقال النبيّ صلّى الله عليه وآله لبلال : « قل كما قال عمر » !! (7) هـ. رواية تفرد فصول الأذان ، ورواية أُخرى تثنّيها ؟! (8) و. رواية تقول : إنّ عبد الله بن زيد هو الذي أخبر النبيّ صلّى الله عليه وآله بذلك ثمّ أخبره عمر بن الخطّاب ، فقال له النبيّ : « ما منعك أن تخبرني » ؟! (9) وقد أوقع اختلاف الروايات الشرّاح والمحدّثين في كيفيّة الجمع بين هذه الأحاديث فقالوا : أوّلاً : إنّ هذه الرؤية هي رؤية غير الأنبياء عليهم السلام ، ورؤية غيرهم لا يثبت بها حكم شرعي ؟!. (10) وقد أجابوا عن هذا الإشكال بقولهم : باحتمال مقارنة الوحي لذلك ! (11) وهذا كلام بارد لا يمكن أن يبنى عليه حكم شرعي مادام أنّ مجيبه صدّره بالإحتمال ، إذ الإحتمال لا يجري نفعاً في المقام مادام المسألة شرعيّة وتحتاج إلى قطع ويقين من أنّ الوحي أمر بمثل تلك الرؤية ! وأجيب أيضاً : أو لأنّه صلّى الله عليه وآله أمر بمقتضى الرؤية لينظر أيقرّ على ذلك أم لا ، ولا سيّما لمّا رأى نظمها يبعد دخول الوسواس فيه !! (12) وفيه بطلان واضح ، إذ إنّ ذلك ليس من اجتهاده صلّى الله عليه وآله ـ على القول بكونه يجتهد في الأحكام الشرعيّة كما يجوّزون ذلك ـ وإنّما هي رؤية لغيره فلا محلّ لإقحام مسألة جواز الإجتهاد له في الأحكام هنا من عدمه ؟! على أنّه لماذا لا يأتيه الوحي ابتداءً ويخبره بكيفيّة الأذان بدل أحالته إلى رؤية شخص ثمّ إمضاء ذلك الفعل من قبله ؟! أضف إلى ذلك أنّ الصلاة شرّعت في ليلة معراج النبيّ صلّى الله عليه وآله ، فلماذا لم يشرّع معها الأذان ؟ وترك النبيّ صلّى الله عليه وآله في حيرة من أمره لا يدري كيف يعلّم الناس بوقت الصلاة ، حتّى فرّج عنه برؤية عبد الله بن زيد أو عمر بن الخطّاب أو بلال أو أبي بكر أو غيرهم من الصحابة ؟! قال الحافظ : وقد حاول السهيلي الجمع فتكلف وتعسف والأخذ بما صح أولى ، فقال بانياً على صحة الحكمة في مجيء الأذان على لسان الصحابي أن النبي صلّى الله عليه وسلّم سمعه فوق سبع سموات وهو أقوى من الوحي ، فلما تأخر الأمر بالأذان عن فرض الصلاة وأراد إعلامهم بالوقت رأى الصحابي المنام فقصه فوافق ما كان صلّى الله عليه وسلّم سمعه فقال : « إنها لرؤيا حق » ، وعلم حينئذٍ أنّ مراد الله بما أراه في السماء أن يكون سنة في الأرض ، وتقوّى ذلك بموافقة عمر لأن السكينة تنطبق على لسانه ، والحكمة أيضاً في إعلام الناس به على غير لسانه صلّى الله عليه وسلّم التنويه بقدره والرفع لذكره بلسان غيره ليكون أقوى لأمره وأفخر لشأنه. (13) وفي كلامه تكلّفات كثيرة نشير إليها تباعاً : أ. إقراره بأنّ الأذان سمعه النبيّ صلّى الله عليه وآله سواء كان في معراجه الأوّل أو الثاني ، وهذا ما نقرّه ونصحّحه لما سيأتي ، لكنّه تعلّل بأنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله لم يخبر به إلّا بعد رؤية عبد الله بن زيد وتأييده برؤية عمر الذي تنطق السكينة على لسانه. إلّا أنّ هذا الكلام باطل ؛ لأنّ الروايات تذكر أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله بقي حائراً في كيفيّة إعلام الناس بالصلاة ، واقترح عليه الصحابة عدّة اقتراحات كوضع راية أو ناقوس أو استخدام شعار النصارى والنبيّ صلّى الله عليه وآله لم يقبل ذلك ، وبقي حائراً ، فإذا كان النبيّ قد سمع الأذان من فوق سبع سماوات فلا معنى للحيرة حينئذ بل بنفسه يشرّع لهم الأذان الذي سمعه في السماوات بلا تردّد ، وعدم الحاجة إلى رؤية زيد وتأييد عمر !! وإذا كان النبيّ صلّى الله عليه وآله أقدم على الفعل بعد تأييده برؤية زيد وعمر ، فهذا يعني تشكيك النبيّ صلّى الله عليه وآله فيما سمعه من الأذان في السماء ، وهذا باطل ، لأنّه يلزم منه خلاف ما فرضه السهيلي من الجزم برؤيته في السماء السابعة. ب. إنّ الرواية التي صحّحها السهيلي واردة بلفظ أنّ ملكاً من السماء علّم النبيّ صلّى الله عليه وآله الأذان كما علّمه الصلاة ، ومن الواضح إنّ تعليم النبيّ صلّى الله عليه وآله من الله تعالى حتّى يعلّم أُمّته ، والنبيّ صلّى الله عليه وآله قد فعل ذلك ، فقد علَّم أُمّته الصلاة ، فإذاً لا بدّ أن يعلّمهم الأذان وإلّا كان قد أخفى عليهم ما كان عليه تعليمهم ، وهذا باطل لا يرتضى في حقّ النبيّ صلّى الله عليه وآله. ج. إنّ الروايات صريحة في أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله لمّا اقترحوا عليه ما تفعله اليهود رفض ، وما تفعله النصارى فرفض أيضاً ، وعلّل ذلك بكراهة مشابهتم ، مع أنّهم رووا في روايات أُخرى صحيحة أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله كان يحبّ موافقة أهل الكتاب فيما لم ينزل فيه وحي ، والمفروض أنّ هذا لم ينزل فيه وحي ، فعليه لا بدّ أن يوافقهم الرسول ولا يردّ اقتراحهم !! د. إنّ تعليل الكلام بكون « إعلام للناس به على غير لسانه صلّى الله عليه وآله التنويه بقدره والرفع لذكره بلسان غيره ليكون أقوى لأمره وأفخم لشأنه » تعليل عليل ، لأنّ هذا الأمر يتعلّق بالشرع المقدّس ، فإظهاره على لسانه أشدّ وأقوى من إظهاره على لسان غيره ، لأنّه النبيّ صلّى الله عليه وآله المكلّف بتبليغ الرسالة إلى الناس وإلّا إذا رضيت بهذا التعليل يلزم من أن تظهر تشريعات أُخرى على لسان غيره ، لورد نفس التعليل فيها مع إنّه لم يظهر ذلك ولم ينقل. وفي الواقع إنّ هذه الأُمور التي يذكرونها ما هي إلّا تعليلات عليلة اخترعها عقولهم وصوّرتها مخيّلتهم لأجل تبرير الواقع الذي نقلته هذه الروايات ، من كون الأذان ناشئ عن رؤية لعبد الله بن زيد ، فالتجاؤوا إلى هذه الأُمور العليلة التي لا تغني ولا تسمن من جوع بدل حفظ كرامة النبيّ صلّى الله عليه وآله والرسالة والإيمان بأنّ الأذان شرّعه الله تعالى على لسان نبيّه الكريم لا عن رؤية حلميّة أو اقتراح التزم به النبيّ صلّى الله عليه وآله !! فإنّ ذلك كلّه يؤدّي إلى استنقاص الرسالة والحطّ من قيمتها الإلهيّة ! وسوف نبيّن لاحقاً أنّ الأذان تشريع إلهي نزل من السماء ، فكن على ذكر من ذلك. وهناك إشكال عامّ يرد على جميع الروايات ، وهو ما ذكره الحاكم في « المستدرك » حيث قال : وإنما ترك الشيخان حديث عبد الله بن زيد في الأذان والرؤيا التي قصها على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بهذا الإسناد لتقدم موت عبد الله بن زيد ، فقد قيل : إنه استشهد بأحد ، وقيل بعد ذلك بيسير والله أعلم. (14) فإذاً تبطل الرواية من الأصل ، لأنّها رويت بعد موت عبد الله بن زيد وهذا لا يمكن قبوله ، ودليل على وضع الرواية وبطلان كلّ ما يبنى عليها واستند إليها. وقال ابن حجر : وفي الحلية في ترجمة عمر بن عبد العزيز بسندٍ صحيح عن عبد الله العمري ، قال : دخلَتْ ابنةُ عبد الله بن زيد بن ثعلبة على عُمر بن عبد العزيز فقالت : أنا ابنة عبد الله بن زيد شهِد أَبي بدراً وقُتل بأحد ، فقال : سَلِيني ما شئت فأعطاها. (15) فإذاً مع إيمان ابن حجر العسقلاني بأنّ عبد الله بن زيد استشهد بأُحد ، وعليه تكون الروايات المرويّة عن رؤيا الأذان منقطعة ، ولكنّنا مع ذلك نجده يستدلّ برؤيته على شرعيّة الأذان. فانظر إلى الأمانة العلميّة والتقوى التي يحملها ابن حجر وغيره من أقطاب المذهب السنّي !! والصحيح أنّ الأذان شرّعه النبيّ صلّى الله عليه وآله بأمر الله تعالى ، وقد وردت بذلك روايات عديدة من طرق أهل السنّة وهي صحيحة السند أيضاً : فقد أخرج الحاكم بسنده عن سفيان بن الليل قال : لما كان من أمر الحسن بن علي ومعاوية ما كان قدمت عليه المدينة وهو جالس في أصحابه فذُكر الحديث بطوله قال : فتذاكرنا عنده الأذان فقال بعضنا : إنما كان بدء الأذان رؤيا عبد الله بن زيد بن عاصم فقال له الحسن بن علي إنّ شأن الأذان أعظم من ذاك أذن جبريل عليه السلام في السماء مثنى مثنى وعلمه رسول الله صلى الله عليه وسلّم وأقام مرة مرة ، فعلّمه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأذّن الحسن حين ولي. (16) وعلّق الذهبي على الرواية بقوله : قال أبو داود : نوح كذّاب ، وهو قول ابن الملقن انتهى. والمقصود بنوح هو نوح بن درّاج اتّهم بالكذب والوضع ! ولم يبيّن سبب كذبه ، ولكن الجوزجاني كشف لنا عن سبب تضعيفه ، فقال : وقال إبراهيم بن يعقوب الجُوْزْجاني : زائغ. (17) ومقصود الجوزجاني بالزيغ هو التشيّع ، كما أفصح عن ذلك الذهبي في ترجمة الجوزجاني في « ميزان الإعتدال ». (18) وعليه فسبب طعنه كونه شيعيّاً لا غير وإلّا إذا رجعنا إلى ترجمته نجدهم رموه بالكذب والزيغ والوضع بلا أيّ مبرّر أو دليل ، أو قل هو جرح مبهم ، وقد كشف عنه الجوزجاني فصار جرحاً مفسّراً ، وبما أنّه ليس بجرح حتّى على مبانيهم فيكون جرحه لا قيمة له ويحكم بوثاقته كما ذكر بعضهم ! فإذاً الرواية صحيحة. الرواية الثانية : عن زياد بن المنذر حدّثني العلاء قال : قلت لابن الحنفية : كنا نتحدّث أن الأذان رؤيا رآها رجل من الأنصار ففزع وقال : عمدتم إلى أحسن دينكم فزعتم أنه كان رؤيا هذا والله باطل ، ولكن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لما عرج به انتهى إلى مكان من السماء وقف وبعث الله ملكاً ما رآه أحد في السماء قبل ذلك اليوم فعلمه الأذان. (19) وهذا الحديث ضعّف بسبب وجود زياد بن المنذر في الرواية ! وعند الرجوع إلى ترجمته نجد أن تضعيفه لم يكن لفرية ارتكبها ، أو مروق عن الدين ركبه ، وإنّما ضعّف لأنّه شيعي يروي فضائل أهل البيت عليهم السلام : قال أبو أحمد ابنُ عَدِيّ : عامَّةُ أحاديثه غيرُ محفوظةٍ ، وعامَّة ما يرويه في فضائل أهل البيت ، وهو من المعدودين من أهل الكوفة المغالين ، ويحيى بن معين إنما تكلَّم فيه وضعَّفه لأنه يروي في فَضَائِل أهلِ البَيْتِ. (20) وعلى ذلك تكون الرواية صحيحة السند ، لأنّ تضعيف الراوي لم يكن ناشئاً عن جرح معتدّ به ومقبول ، وإنّما ضعّف لأجل التعصّب والهوى ضدّ أهل البيت عليهم السلام. ومن هذا يتّضح العداء الذي يكنّه علماء أهل السنّة لأهل البيت عليهم السلام والنفور من رؤية فضائلهم ممّا أدّى بهم إلى جعل رواية فضائلهم موحية لتضعيف الراوي وإسقاطه عن المقبوليّة. وتتّضح لديك مقولة ابن حجر التي قال فيها : وقد كنت استشكل توثيقهم الناصبي غالياً وتوهينهم الشيعة مطلقا ولا سيما ان عليا ورد في حقه لا يحبه الا مؤمن ولا يبغضه الا منافق . (21) فالعداء متجذّر في علماء الحديث لغمورهم في النصب ، فلذلك يطعنون برواة فضائل أهل البيت عليهم السلام ، ولك في النسائي والصنعاني والحاكم وغيرهم خير شاهد. وأمّا الروايات الواردة عن أهل البيت عليهم السلام والمرويّة في كتب علماء الشيعة فهي كثيرة ، وتنصّ على أنّ الأذان تشريع من الله تعالى من دون مدخليّة للأحلام والمنامات الليليّة فيه. (22) وفي « بدائع الصنائع » بعد أن نقل رواية رؤية عبد الله بن زيد قال : وروي عن محمد ابن الحنفية أنه أنكر ذلك. (23) وقال السيوطي : وأخرَج أبو الشيخِ في كتابِ « الأذانِ » عن ابنِ عباسٍ قال : الأذانُ نزَل على رسولِ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم مع فرضِ الصلاةِ : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ ... ) . (24) الهوامش 1. سنن أبي داود / المجلّد : 1 / الصفحة : 120 / الناشر : دار الفكر / الطبعة : 1. راجع : السنن الكبرى « للبيهقي » / المجلّد : 1 / الصفحة : 390 ـ 391 / الناشر : دار الفكر. فتح الباري « لابن حجر العسقلاني » / المجلّد : 2 / الصفحة : 66 / الناشر : دار المعرفة / الطبعة : 2. عمدة القاري « للعيني » / المجلّد : 5 / الصفحة : 106 / الناشر : دار إحياء التراث العربي. 2. سنن أبي داود / المجلّد : 1 / الصفحة : 120 / الناشر : دار الفكر / الطبعة : 1. 3. عمدة القاري « للعيني » / المجلّد : 5 / الصفحة : 106 / الناشر : دار إحياء التراث العربي : لما امر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالناقوس يعمل ليضرب به للناس لجمع الصلاة طاف بي وانا نائم رجل يحمل ناقوسا في يده ... 4. السيرة الحلبية « للحلبي » / المجلّد : 2 / الصفحة : 131 / الناشر : دار الكتب العلميّة / الطبعة : 2 : أي ويدل لذلك قول عبد الله بن زيد كما جاء في رواية : ولو لا أن يقول الناس : أي يستبعد الناس ذلك لقلت إني كنت يقظان غير نائم وذلك الرجل عليه ثوبان أخضران يحمل ناقوساً في يده ... 5. فتح الباري « لابن حجر العسقلاني » / المجلّد : 2 / الصفحة : 78 / الناشر : دار المعرفة : وفي مسند الحارث بن أبي أسامة بسند واه قال : أول من أذن بالصلاة جبريل في سماء الدنيا ، فسمعه عمر وبلال ، فسبق عمر بلالا فأخبر النبي صلّى الله عليه وسلّم ، ثم جاء بلال فقال له : سبقك بها عمر. 6. راجع : سنن أبي داود / المجلّد : 1 / الصفحة : 120 / الناشر : دار الفكر / الطبعة : 1. السيرة الحلبيّة « للحلبي » / المجلّد : 2 / الصفحة : 135 / الناشر : دار الكتب العلميّة / الطبعة : 2. 7. السيرة الحلبيّة « للحلبي » / المجلّد : 2الصفحة : 135 / الناشر : دار الكتب العلميّة / الطبعة : 2 : قيل « وكان بلال إذا أذن ، قال : أشهد أن لا إله إلا الله حيّ على الصلاة ، فقال له عمر على أثرها : أشهد أن محمداً رسول الله ، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لبلال : قل كما قال عمر ». 8. راجع : سنن أبي داود / المجلّد : 1 / الصفحة : 120 / الناشر : دار الفكر / الطبعة : 1. الطبقات الكبرى « لابن سعد » / المجلّد : 1 / الصفحة : 246 / الناشر : دار صادر. 9. سنن أبي داود / المجلّد : 1 / الصفحة : 120 م الناشر : دار الفكر / الطبعة : 1. راجع : فتح الباري « لابن حجر العسقلاني » / المجلّد : 2 / الصفحة : 81 / الناشر : دار المعرفة / الطبعة : 2. 10. فتح الباري « لابن حجر العسقلاني » / المجلّد : 2 / الصفحة : 82 / الناشر : دار المعرفة / الطبعة : 2 : قد استشكل إثبات حكم الأذان برؤيا عبد الله بن زيد لأن رؤيا غير الأنبياء لا ينبنى عليها حكم شرعي. 11. شرح الزرقاني على الموطأ / المجلّد : 1 / الصفحة : 219 / الناشر : دار الإحياء التراث العربي : وقد استشكل إثبات حكم الأذان برؤيا عبد الله بن زيد لأن رؤيا غير الأنبياء لا ينبني عليها حكم شرعي ، وأجيب باحتمال مقارنة الوحي لذلك أو لأنه صلّى الله عليه وسلّم أمر بمقتضى الرؤيا لينظر أيقرّ على ذلك أم لا ، ولا سيما لما رأى نظمها يبعد دخول الوسواس فيه ، وهذا ينبني على القول بجواز اجتهاده في الأحكام وهو المنصور في الأصول. 12. شرح الزرقاني على الموطأ / المجلّد : 1 / الصفحة : 219 / الناشر : دار الإحياء التراث العربي. 13. شرح الزرقاني على الموطأ / المجلّد : 1 / الصفحة : 220 / الناشر : دار الإحياء التراث العربي. 14. المستدرك « للحاكم النيسابوري » / المجلّد : 4 / الصفحة : 387 / الناشر : دار الكتب العلميّة. 15. الإصابة « لابن حجر العسقلاني » المجلّد : 4 / الصفحة : 85 / الناشر : دار الكتب العلميّة / الطبعة : 1. 16. المستدرك « للحاكم النيسابوري » / المجلّد : 4 / الصفحة : 187 / الناشر : دار الكتب العلميّة. 17. تهذيب الكمال « لجمال الدين المزي » / المجلّد : 30 / الصفحة : 45 / الناشر : مؤسسة الرسالة / الطبعة : 1. 18. ميزان الاعتدال « للذهبي » / المجلّد : 1 / الصفحة : 76 / الناشر : دار المعرفة / الطبعة : 1. 19. شرح الزرقاني على الموطأ / المجلّد : 1 / الصفحة : 220 / الناشر : دار إحياء التراث العربي. 20. تهذيب الكمال « لجمال الدين المزي » / المجلّد : 9 / الصفحة : 519 / الناشر : مؤسسة الرسالة / الطبعة : 1. 21. تهذيب التهذيب « لابن حجر العسقلاني » / المجلّد : 8 / الصفحة : 458 / الناشر : دائرة المعارف النظامية. 22. الكافي « للشيخ الكليني » / المجلّد : 3 / الصفحة : 302 / الناشر : دار الكتب الإسلامية / الطبعة : 5. 23. بدائع الصنائع « لأبي بكر الكاساني » / المجلّد : 1 / الصفحة : 636 / الناشر : دار الكتب العلميّة. 24. الدر المنثور « لجلال الدين السيوطي » / المجلّد : 14 / الصفحة : 469 / الناشر : مركز الهجر للبحوث والدراسات.