الجواب من السيّد علي الحائري: الحلّ يا أخي العزيز هو ما أشرت إليه أنت بنفسك ، وهو أنّ تثق بعدم وجود أيّ مشكلة لديك سوى الوسواس الذي يلعب في عقلك على حدّ تعبيرك فأيّ مشكلة هذه ؟ هل الرؤيا حجّة ؟ طبعاً لا ، سَل جميع الفقهاء في ذلك فسوف لا تحصل على واحد منهم يُفتي بأنّ الرؤيا حجّة ، فكيف يجوز لك أن تعتمد على مثل هذه الأحلام وترتّب عليها الأثر وتصبح شاكّاً في دينك وفي عقيدتك ؟ إنّ الأرزاق بيد الله تبارك وتعالى وعليك أن تتوكّل على الله وتعتمد عليه وتثق به فلا ابن سيرين ، ولا مَن هو أكبر من ابن سيرين يمكنه أن يتحكّم في الأرزاق بغير إذن الله تبارك و تعالى ولا أحد يعلم الغيب إلّا الله تبارك وتعالى ، ومَن علّمه الله علم الغيب ، وهم الأئمّة عليهم السلام ، والأئمّة عليهم السلام لم يُخبروا عن أنّك سوف تصبح فقيراً ـ والعياذ بالله ـ ، فكن واثقاً بالله ومتوكّلاً عليه ، ولا يكن همّك سوى أن تعمل بواجباتك وتكاليفك التي فرضها الله عليك من الصلاة والصوم والزكاة والخمس والحجّ وغيرها ، وفقنا الله وإيّاكم لما يحبّ ويرضى ، والسلام عليكم.
من سماحة السيّد علي الحائري
الجواب من السيّد علي الحائري: لا شكّ في أنّ خروج الإمام الحسين عليه الصلاة والسلام كان ثورة في وجه « الجاهلية الثانية » التي أعادها الحكم الأموّي باسم الإسلام حينما أصبح مثل يزيد شارب الخمور ، وراكب الفجور ، وقاتل النفس المحترمة ، والمعلِن للكفر ، خليفة لرسول الله صلّى الله عليه وآله (1). وحينما كانت الأمّة الإسلامية قد ماتت إرادها ، ولم تكن قادرة على التغيير رغم أنّها كانت تدرك الإنحراف الذي حصل ، والخطر الذي يهدّد الدين ؛ ذلك لأنّها كانت تعاني من مرض « فقدان الإرادة » الذي قد يصيب الفرد ، وقد يصيب المجتمع والأمّة على العموم ، فالمجتمع آنذاك كان كما صوّره الفرزدق للإمام الحسين عليه السلام : « قلوبُهم معك ، وسيوفُهم عليك » (2) ، فقلوبهم تحبّ التغيير وإزاحة كابوس الكفر والجاهليّة المخيّم على الإسلام والمسلمين والمتمثّل بـيزيد ، لكن هذه القلوب فاقدة للإرادة والتصميم والعزم بحيث تُمسك بالسيوف وتجرّدها في وجه هذا الكابوس ، بل هي على العكس تصبح الأداء الطيّعة لللنظام الجاهلي الحاكم ، وتقف في وجه مَن يريد التغيير حتّى ولو كان الثائر الحسين بن علي بن أبي طالب سبط رسول الله صلّى الله عليه وآله وسيّد شباب أهل الجنّة. ولقد أجاد جعفر الحلّي رحمه الله حين قال : لم أدرِ أين رجال المسلمين مضوا وكيف صار يزيد بينهم ملكا العاصر الخمر من لؤم بعنصره ومن خساسة طبع يعصر الودكا لئن جرت لفظة التوحيد في فمه فسيفه بسوى التوحيد ما فتكا قد أصبح الدين منه يشتكي سقماً وما إلى أحد غير الحسين شكا الهوامش 1. راجع : مقتل الحسين عليه السلام « لعبد الرزاق المقرّم » / الصفحة : 129 / الناشر : مؤسسة الخرسان للمطبوعات. اللهوف في قتلى الطفوف « للسيد ابن طاووس » / الصفحة : 26 / الناشر : أنوار الهدى / الطبعة : 1. بحار الأنوار « للعلّامة المجلسي » / المجلّد : 44 / الصفحة : 338 / الناشر : مؤسسة الوفاء / الطبعة : 2. 2. الأغاني « لأبي الفرج الأصفهاني » / المجلّد : 21 / الصفحة : 257 / الناشر : دار إحياء التراث العربي. راجع : دلائل الإمامة « لمحمّد بن جرير الطبري » / الصفحة : 182 / الناشر : مؤسسة البعثة / الطبعة : 1. مقتل الحسين عليه السلام « لعبد الرزاق المقرّم » / الصفحة : 177 / الناشر : مؤسسة الخرسان للمطبوعات. مدينة العاجز « للسيد هاشم البحراني » / المجلّد : 3 / الصفحة : 451 / الناشر : مؤسسة المعارف الإسلامية / الطبعة : 1. 3. الانتصار « للعاملي » / المجلّد : 8 / الصفحة : 305 / الناشر : دار السيرة / الطبعة : 1. راجع : الأعلام الشرقية في المائة الرابعة عشرة الهجرية « لزكي محمد مجاهد » / المجلّد : 2 / الصفحة : 698 / الناشر : دار الغرب الإسلامي / الطبعة : 2.
الجواب من السيّد علي الحائري: هل عليّ عليه السلام بايع أبا بكر إجتهاداً أم عصمة ؟ لا شكّ من الناحية التاريخيّة في أنّ عليّاً عليه أفضل الصلاة والسلام لم يبايع أبا بكر بيعةً حقيقيّةً ، فلقد امتنع عليه السلام عن البيعة قطعاً ، لكنّه بعد ذلك أُجبِر وأُكرِه على البيعة ، فتمّ نتيجة الإجبار والإكراه عمل صوري قد يُطلق عليه لفظ « البيعة » مجازاً وتسامحاً ، وإلّا فلا شكّ في أنّ المعنى الحقيقي للبيعة لم يتحقق ؛ ذلك لأنّ « البيعة » عقد ، ولها طرفان ، وبحاجة إلى قصد و إنشاء ، ولا معنى للعقد مع الإجبار والإكراه ، فأصل البيعة بمعناها الحقيقي لم يتمّ ، وإنّما الذي حصل هو أنّه عليه الصلاة والسلام أُكرِه على إجراء البيعة شكلياً وصورياً ، وإلّا فسوف يُقتَل لا محالة كما صرّح بذلك عمر بن الخطّاب ، فحقن دمه بهذا العمل الصوري الشكلي ، وهذا منه ليس اجتهاداً بمعنى ما يصدر من رأي يجوز فيه الخطأ ، بل هو عمل صادر عن معصوم ، ويقتضيه واجبه الشرعي ، وتكليفه الإلهي في مثل هذا الظرف ، والله العالم.
الجواب من السيّد علي الحائري: أنّ طريق إثبات النبوّة وتحصيل اليقين بالعقيدة والإيمان بها لا ينحصر بالممعاجز ، لأنّ المطلوب عقلاً في أصول الدين هو أن يحصل للإنسان العلم واليقين بربّه وبنبيّه ومعاده ودينه وإمامه وأن يتحمّل بنفسه مسؤوليّة هذه العقائد الأساسيّة بدلاً عن أن يقلّد غيره فيها ويحمّله مسؤوليّتها ، فالتقليد في أصول الدين حرام وقد عنّف القرآن الكريم بأشكال مختلفة أولئك الذين يقلّدون الآخرين في عقائدهم الأساسيّة ، وهذه العقائد محدودة ومنسجمة مع الفطرة بحيث تكون الرؤية المباشرة الواضحة ميسورة فيها غالباً ، فلذا يجب على كلّ إنسان أن يبذل الجهد المباشر في البحث عنها واكتشاف حقائقها ولا توجد غالباً صعوبة كبيرة ، وحتّى لو واجه صعوبة أحياناً فمن الجدير بالإنسان تذليل تلك الصعوبة ، لأنّ عقيدة الإنسان هي أهمّ ما فيه ، والله تعالى سوف يهديه : ( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ) [ العنكبوت : 69 ] . ومن الواضح أنّ الناس يختلفون في مستوياتهم الفكريّة والثقافيّة فلا يجب على كلّ إنسان سوي النظر والبحث في أصول الدين بالمقدار الذي يتناسب مع مستواه ، ويصل به إلى قناعة كاملة بالحقيقة تطمئنّ به نفسه ويعمر بها قلبه ويتحمّل مسؤوليّتها المباشرة أمام ربّه ، وذلك من أيّ طريق كان ، وإن لم يكن من المعاجز فقد يحصل للإنسان اليقين بالعقيدة من خلال كلمة أو جملة أو موقف عملي معيّن أو أيّ شيء آخر ، فالمهمّ هو الإيمان وهو متقوّم باليقين العقلي والخضوع القلبي ، والله العالم.
الجواب من السيّد علي الحائري: فالجواب هو أنّه لا يقاس الثاني بالأوّل أبداً ، فمن وجهة نظر الإسلام لا شكّ في أنّ الأوّل هو الأفضل ، بل أنّ الثاني لا فضل له أبداً فهو والمنتحر سيّان ، فهل للمنتحر فضيلة ؟ طبعاً لا ، كذلك الإنسان المادّي الذي عبّرتم عنه بأنّه ضحّي من أجل مبدئة ، إذ أيّ مبدأ هذا الذي ضحّى من أجله ؟ هل المادّية مبدأ ؟ وهل أنّ مَن يقتل نفسه في سيبل المادّية وأهدافها يُعتبر مضحّياً من وجهة نظر العقل والوجدان ؟ من الواضح أنّ العقل والوجدان لا يقرّ المادّية ولا يقبلها ، بل العقل والوجدان بكامل وجوده ينادي بأعلى صوته « آمنتُ بالله وباليوم الآخر » ، فكيف يمكن أن نسمّي هذا الإنسان المادّي الذي لا يعرف الله والقيامة ولم يقترب بعمله نحو الله تعالى أنّه ضحّى من أجل المبادئ والقيم ؟ بل انّ العقل والوجدان يعتبر هذا الإنسان قد انتحر وأهدر دمه بنفسه من دون الحصول على أجر ، والله العالم.
الجواب من السيّد علي الحائري: وأمّا السؤال القائل إنّ الله تعالى هل خلق الناس لكي يستعبدهم ؟ فالجواب نعم إنّه تعالى خلقهم لكي يحصلوا على ما كان لهم الحقّ الطبيعي في الحصول عليه وهو الكمال المناسب لهم ، ويرى الإسلام أنّ الكمال المناسب للإنسان يكمن في العبودية المخلصة لله وحده : ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) [ الذاريات : 56 ] ، ففي هذه العبوديّة ينطوي التحرّر من كلّ الأغلال والقيود وبدونها لا يحصل الإنسان على الحرّية الحقيقة ، وهذا هو الفارق الأساسي والمائز الجوهري بين الحرّية التي ينادي بها الإسلام والحرّية الغربيّة. وللمزيد من التوضيح والبسط لهذه النقطة يمكنكم الرجوع إلى جوابنا عن السؤال القائل : ما هو موقف الإسلام من الديمقراطيّة وحقوق الإنسان ؟ وبذلك يتضّح لكم الجواب على سؤالكم الآخر أيضاً وهو أنّه : لماذا يهدّد الله بالعذاب من لا يؤمن به ؟
الجواب من السيّد علي الحائري: وأمّا يوم القيامة فهو يوم الجزاء ، والجنّة والنار يمثّلان الجزاء العادل الذي يلقاه الإنسان الصالح والإنسان غير الصالح إزاء ما قام به من عمل في هذه الدنيا ولم يجد جزاءه هنا ، وهذا ما يدلّنا عليه العقل السليم والوجدان. فكلّنا نؤمن ـ بعقلنا الفطري البديهي ـ بوجود قيم ومبادئ عامّة للسلوك والتصرّف وهي القيم التي تؤكّد أنّ « العدل » حقّ وخير ، وأنّ « الظلم » باطل وشرّ ، وأنّ مَن يعدل في سلوكه جدير بالإحترام والمثوبة ، ومَن يظلم ويعتدي جدير بعكس ذلك. فهذه القيم التي نؤمن بها بعقلنا ووجداننا يدعونا إلى العدل والإستقامة والأمانة الصدق والوفاء ونحوها من صفات ، وتشجب الصفات المضادّة لها ، وأيضاً هذه القيم تطالب بالجزاء المناسب لكلّ من هذه الصفات ، فإنّ العقل الفطري السليم يدرك أنّ الظالم والخائن جدير بالمؤاخذة ، وأنّ العادل الأمين الذي يضحّي في سبيل العدل والأمانة جدير بالمثوبة ، وكلّ واحد منّا يجد في نفسه ووجدانه دافعاً من تلك القيم إلى مؤاخذة الظالم المنحرف وتقدير وتكريم العادل المستقيم ، ولا يحول دون تنفيذ هذا الدافع عند أحد إلّا عجزه عن اتّخاذ الموقف المناسب أو تحيّزه الشخصي ، وما زلنا نؤمن بأنّ الله سبحانه وتعالى عادل مستقيم في سلوكه وقادر على الجزاء المناسب ثواباً وعقاباً ، فلا يوجد ما يحول دون تنفيذه عزّ وجلّ لتلك القيم التي نؤمن بها بعقولنا وتطبيقه تعالى لتلك القيم في شكل الجزاء العادل ، فتلك القيم هي التي تفرض الجزاء ، وتحدّد المردود المناسب للسلوك الصالح الشريف والسلوك الشائن البغيض ؛ فمن الطبيعي أن نؤمن ، ونستنتج من ذلك أنّ الله سبحانه يجازي المحسن على إحسانه ، وينتصف للمظلوم من ظالمه ، ولكنّنا نلاحظ في نفس الوقت أنّ هذا الجزاء كثيراً ما لا يتحقّق في هذه الحياة الدنيا على الرغم من أنّ الله سبحانه وتعالى قادر على ذلك ، وما تقدّم خير دليل ـ بعد أخذ المعلومات السابقة بعين الإعتبار ـ على وجود يوم للجزاء في المستقبل يجد فيه العامل الذي ضحّى مثلاً من أجل هدف كبير ، ولم يقطف ثمار تضحيته ، والظالم الذي أفلَتَ من العقاب العاجل ، وعاش على دماء المظلومين وحطامهم ، يجد هذا وذاك في ذلك اليوم جزاء هما العادل ، وهذا هو يوم القيامة الذي يجسّد كلّ تلك القيم التي آمنّا بها بعقولنا ، وبدون وجود يوم القيامة لا يكون لتلك القيم معنى ، فالذي ينكر يوم القيامة يجب أن يرفع يده عن تلك القيم أيضاً.
من سماحة السيّد علي الحائري هناك فرق حقيقي وجوهري بين وجود ( الله تبارك وتعالى ) ووجود غيره ـ أيّاً كان ـ والفرق هو أنّ الله تبارك وتعالى واجب الوجود لذاته ، بينما غيره ممكن الوجود لذاته ، وكلّ ممكن الوجود لا بدّ من أن يستند في وجوده إلى واجب الوجود ، أمّا واجب الوجود فيستحيل أن يستند في وجوده إلى شيء آخر ، وكلّ هذا قد تمّت عليه أدلّة عقلية عديدة في الفلسفة والكلام ، ولذا فيستحيل أن تكون هناك أرباب متفرقة عديدة كما يستحيل أن يكون شيء ممّا ذكر في السؤال هو الله الواجب الوجود لذاته ، راجعوا بهذا الصدد الكتب المعنيّة الختصّة بالموضوع ، أو أدرسوا الموضوع عند أخصائي خبير بهذا الفنّ كي تجدوا الجواب الكافي والشافي إن شاء الله تعالى.
الجواب من السيّد جعفر علم الهدى: نعم راجع الكتب التالية : 1 ـ تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام. 2 ـ فهرست الشيخ الطوسي. 3 ـ رجال النجاشي. 4 ـ الذريعة إلى تصانيف الشيعة. والجدير بالذكر أنّ علماء الشيعة كانوا هم السابقين إلى تدوين العلوم المختلفة والمتقدّمين في تأليف الكتب في جميع المجالات من العلوم الأدبية كالنحو ، والصرف ، والبلاغة ، واللغة ، وعلوم الحديث ، والفقه ، وأصول الفقه ، والفلسفة ، والكلام. فمثلاً أوّل مَن ألفّ كتاباً في التاريخ هو سيلم بن قيس من أصحاب علي بن أبي طالب عليه السّلام وشيعته المخلصين . وأوّل مَن أسّس علم النحو هو أبو الأسود الدؤلي بتعليم من أمير المؤمنين عليه السّلام. وأوّل مَن أسّس ودوّن في العروض هو الخليل بن أحمد الفراهيدي العالم الشيعي الذي له كتاب « العين » في اللغة ، وهكذا غيرهم. وإليك نصّ عبارة المراجعات بهذا الصدد : « أما علي وشيعته ، فقد تصدَّوا لذلك في العصر الأول ، وأول شيء دوَّنه أمير المؤمنين كتاب الله عز وجل ، فإنه (ع) بعد فراغه من تجهيز النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ، آلى على نفسه أن لا يرتدي إلا للصلاة ، أو يجمع القرآن ، فجمعه مرتباً على حسب النزول ، وأشار إلى عامِّه وخاصه ، ومطلقه ومقيده ، ومحكمه ومتشابهه ، وناسخه ومنسوخه ، وعزائمه ورخصه ، وسننه وآدابه ، ونبَّه على أسباب النزول في آياته البينات ، وأوضح ما عساه يشكل من بعض الجهات ، وكان ابن سيرين يقول : ـ فيما نقله عنه ابن حجر في صواعقه ، وغير واحد من الأعلام (منه قدس) ـ « لو أصبت ذلك الكتاب كان فيه العلم » ... . وبعد فراغه من الكتاب العزيز ألف لسيدة نساء العالمين كتاباً كان يعرف عند أبنائها الطاهرين بمصحف فاطمة ، يتضمن أمثالاً وحكماً ، ومواعظ وعبراً ، وأخباراً ونوادر توجب لها العزاء عن سيد الأنبياء أبيها صلّى الله عليه وآله وسلّم. وألف بعده كتاباً في الديات وسمه بالصحيفة ، وقد أورده ابن سعد في آخر كتابه المعروف بالجامع مسنداً إلى أمير المؤمنين (ع) ، ورأيت البخاري ومسلماً يذكران هذه الصحيفة ويرويان عنها في عدة مواضع من صحيحيهما ، وممّا روياه عنها ما أخرجاه عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه ، قال : « قال علي رضي الله عنه ما عندنا كتاب نقرؤه إلا كتاب الله غير هذه الصحيفة ، قال : فأخرجها فإذا فيها أشياء من الجراحات وأسنان الإبل ». قال : وفيها « المدينة حرم ما بين عير إلى ثور ، فمن أحدث فيها حدثاً أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين » الحديث بلفظ البخاري في باب إثم من تبرأ من مواليه من كتاب « الفرائض » في الجزء الرابع من صحيحه ، وهو موجود في باب فضل المدينة من كتاب الحج من الجزء الأول من صحيح مسلم ، والإمام أحمد بن حنبل أكثر من الرواية عن هذه الصحيفة في مسنده ، وممّا رواه عند ما أخرجه من حديث علي في صفحة 100 من الجزء الأول من مسنده عن طارق بن شهاب ، قال : شهدت علياً رضي الله عنه ، وهو يقول على المنبر : « والله ما عندنا كتاب نقرؤه عليكم إلا كتاب الله تعالى ، وهذه الصحيفة ـ وكانت معلَّقة بسيفه ـ أخذتها من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلَّم ... الحديث » . وقد جاء في رواية الصفار عن عبد الملك قال : دعا أبو جعفر بكتاب علي ، فجاء به جعفر مثل فخذ الرجل مطوياً ، فإذا فيه : « إن النساء ليس لهن من عقار الرجل إذا توفي عنهن شيء ، فقال أبو جعفر : هذا والله خط علي وإملاء رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلَّم » ، واقتدى بأمير المؤمنين ثلة من شيعته فألّفوا على عهده ، منهم : سلمان الفارسي ، وأبو ذر الغفاري ، فيما ذكره ابن شهر اشوب ، حيث قال : أوّل من صنَّف في الإِسلام علي بن أبي طالب ، ثم سلمان الفارسي ، ثمّ أبو ذر ـ اهـ. ومنهم أبو رافع مولى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلَّم ، وصاحب بيت مال أمير المؤمنين (ع) ، وكان من خاصة أوليائه والمستبصرين بشأنه ، له كتاب السنن والأحكام والقضايا جمعه من حديث علي خاصة ، فكان عند سلفنا في الغاية القصوى من التعظيم ، وقد رووه بطرقهم وأسانيدهم إليه. ومنهم علي بن أبي رافع ـ وقد ولد كما في ترجمته من الإِصابة على عهد النبي فسمَّاه علياً ـ له كتاب في فنون الفقه على مذهب أهل البيت ، وكانوا عليهم السلام يعظمون الكتاب ويرجعون شيعتهم إليه ، قال موسى بن عبد الله بن الحسن : سأل أبي رجل ، عن التشهد ، فقال أبي : هات كتاب ابن أبي رافع ، فأخرجه وأملاه علينا. اهـ. واستظهر صاحب روضات الجنات إنّه أوُّل كتاب فقهي صنف في الشيعة ، وقد اشتبه في ذلك رحمه الله. ومنهم عبيد الله بن أبي رافع ـ كاتب علي ووليه ، سمع النبي وروى عنه صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ، قوله لجعفر : « اشبهت خَلقي وخُلقي » (8) ، أخرج ذلك عنه جماعة منهم أحمد بن حنبل في مسنده ، وذكره ابن حجر في القسم الأول من إصابته بعنوان عبيد الله بن أسلم ، لأن أباه أبا رافع اسمه أسلم ، ألف عبيد الله هذا كتاباً فيمَن حضر صفين مع علي من الصحابة ، رأيت ابن حجر ينقل عنه كثيراً في إصابته ، فراجع. ومنهم ربيعة بن سميع ـ له كتاب في زكاة النعم من حديث علي عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم. ومنهم عبد الله بن الحرّ الفارسي ـ له لمعة في الحديث جمعها عن علي عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم. ومنهم الأصبغ بن نباتة صاحب أمير المؤمنين وكان من المنقطعين إليه ، روى عنه عهده إلى الأشتر ، ووصيّته إلى ابنه محمد ، ورواهما أصحابنا بأسانيدهم الصحيحة إليه. ومنهم سليم بن قيس الهلالي ـ صاحب علي (ع) روى عنه وعن سلمان الفارسي ، له كتاب في الإمامة ذكره الإمام محمّد بن إبراهيم النعماني في الغيبة ، فقال : وليس بين جميع الشيعة ممن حمل العلم أو رواه عن الأئمة خلاف في أن كتاب سليم بن قيس الهلالي أصل من كتب الأصول التي رواها أهل العلم وحملة حديث أهل البيت وأقدمها ، وهو من الأصول التي ترجع الشيعة إليها وتعول عليها. اهـ. (1) الهوامش 1. المراجعات / الصفحة : 715 ـ 721 / الناشر : دار الإسلاميّة / الطبعة : 3.