تُجمع روايات أهل البيت عليهم السلام على أنّ مرحلة ما قبل ظهور الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف ليست مرحلة رخاءٍ وسكينة، بل هي زمن ابتلاءٍ شديد، وتمحيصٍ دقيق، واختبارٍ قاسٍ للإيمان والثبات. ففي هذه المرحلة يُبتلى المؤمنون بأنواع الفتن، ويُواجهون السخرية والتكذيب، بل قد يتعرّضون للأذى النفسي والاجتماعي، حتى لا يبقى على طريق الحق إلا الصفوة الصابرة. وتكشف النصوص الواردة عن الأئمة عليهم السلام عن سنّةٍ إلهيةٍ ثابتة، وهي تمييز الخبيث من الطيب، وتنقية الصفّ المؤمن قبل تحقق الوعد الإلهي بالفرج والظهور.
التشبيه بالنحل: ضعف الظاهر وقوة الباطن في زمن الفتن
أخبرنا أبو سليمان أحمد بن هوذة بن أبي هراسة الباهلي قال : حدثنا إبراهيم بن إسحاق النهاوندي قال : حدثنا عبد الله بن حماد الأنصاري ، عن صباح المزني ، عن الحارث بن حصيرة ، عن الأصبغ بن نباتة ، عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: « كُونُوا كَالنَّحْلِ فِي الطَّيْرِ ، لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الطَّيْرِ إِلَّا وَ هُوَ يَسْتَضْعِفُهَا ، وَ لَوْ عَلِمَتِ الطَّيْرُ مَا فِي أَجْوَافِهَا مِنَ الْبَرَكَةِ لَمْ تَفْعَلْ بِهَا ذَلِكَ (1) ، خَالِطُوا النَّاسَ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَ أَبْدَانِكُمْ ، وَ زَايِلُوهُمْ بِقُلُوبِكُمْ وَ أَعْمَالِكُمْ (2) ، فَوَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا تَرَوْنَ مَا تُحِبُّونَ حَتَّى يَتْفُلَ بَعْضُكُمْ فِي وُجُوهِ بَعْضٍ ، وَ حَتَّى يُسَمِّيَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً كَذَّابِينَ ، وَ حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْكُمْ أَوْ قَالَ مِنْ شِيعَتِي إِلَّا كَالْكُحْلِ فِي الْعَيْنِ ، وَ الْمِلْحِ فِي الطَّعَامِ (3) ، وَ سَأَضْرِبُ لَكُمْ مَثَلًا وَ هُوَ مَثَلُ رَجُلٍ كَانَ لَهُ طَعَامٌ فَنَقَّاهُ وَ طَيَّبَهُ ، ثُمَّ أَدْخَلَهُ بَيْتاً وَ تَرَكَهُ فِيهِ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ قَدْ أَصَابَهُ السُّوسُ (4) فَأَخْرَجَهُ وَ نَقَّاهُ وَ طَيَّبَهُ ثُمَّ أَعَادَهُ إِلَى الْبَيْتِ فَتَرَكَهُ مَا شَاءَ اللَّهُ ، ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ قَدْ أَصَابَتْهُ طَائِفَةٌ مِنَ السُّوسِ ، فَأَخْرَجَهُ وَ نَقَّاهُ وَ طَيَّبَهُ وَ أَعَادَهُ ، وَ لَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى بَقِيَتْ مِنْهُ رِزْمَةٌ كَرِزْمَةِ الْأَنْدَرِ لَا يَضُرُّهُ السُّوسُ شَيْئاً ، وَ كَذَلِكَ أَنْتُمْ تُمَيَّزُونَ حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْكُمْ إِلَّا عِصَابَةٌ لَا تَضُرُّهَا الْفِتْنَةُ شَيْئاً (5) » (6).
التمحيص قبل الفرج: قلة المنتظرين الصادقين وعدم التعجيل بالوعد
وتتكرر هذه الحقيقة في كلام الإمام الكاظم عليه السلام، حيث يُبيّن أن التعجيل في طلب الفرج لا يُغيّر من السنن الإلهية، وأن الوصول إلى مرحلة الظهور مشروط بالتمحيص الشديد وقلة الثابتين.
أخبرنا علي بن أحمد قال : حدثنا عبيد الله بن موسى قال : حدثنا محمد بن موسى عن أحمد بن أبي أحمد ، عن إبراهيم بن هلال قال : قلت لأبي الحسن عليه السلام : جعلت فداك مات أبي على هذا الامر وقد بلغت من السنين ما قد ترى ، أموت ولا تخبرني بشيء ، فقال : « يَا أَبَا إِسْحَاقَ أَنْتَ تَعْجَلُ ، فَقُلْتُ : إِي وَ اللَّهِ أَعْجَلُ وَ مَا لِي لَا أَعْجَلُ وَ قَدْ كَبِرَ سِنِّي وَ بَلَغْتُ أَنَا مِنَ السِّنِّ مَا قَدْ تَرَى ، فَقَالَ : أَمَا وَ اللَّهِ يَا أَبَا إِسْحَاقَ مَا يَكُونُ ذَلِكَ حَتَّى تُمَيَّزُوا وَ تُمَحَّصُوا ، وَ حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْكُمْ إِلَّا الْأَقَلُّ ، ثُمَّ صَعَّرَ كَفَّهُ » (7).
الفرز الإلهي قبل الوعد: لا يبقى إلا النزر القليل من الصابرين
ويؤكد الإمام الصادق عليه السلام هذا المعنى بوضوح أشد، رابطًا بين الوعد الإلهي وبين قانون الصبر والجهاد، ومبينًا أن الأكثرية ليست معيار النجاة، بل الثبات:
وكان الإمام الصادق عليه السلام يقول : « وَ اللَّهِ لَا يَكُونُ الَّذِي تَمُدُّونَ إِلَيْهِ أَعْنَاقَكُمْ حَتَّى تُمَيَّزُونَ وَ تُمَحَّصُونَ، ثُمَّ يَذْهَبَ مِنْ كُلِّ عَشْرَةٍ شَيْءٌ وَ لَا يَبْقَى مِنْكُمْ إِلَّا نَزْرٌ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَ لَمّٰا يَعْلَمِ اللّٰهُ الَّذِينَ جٰاهَدُوا مِنْكُمْ وَ يَعْلَمَ الصّٰابِرِينَ ﴾ (8) » (9).
الغيبة والارتداد والثبات: منزلة الصابرين كمن جاهد بين يدي النبي صلى الله عليه وآله
وتصل هذه الروايات إلى ذروتها في بيان حال المؤمنين في غيبة الإمام القائم عليه السلام، حيث يُبتلون بالأذى والتكذيب والسخرية، ويُسألون استهزاءً عن تحقق الوعد الإلهي، لكن مقامهم عند الله عظيم:
حدثنا أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني قال : حدثنا علي بن إبراهيم بن هاشم ، عن أبيه ، عن عبد السلام بن صالح الهروي قال : أخبرنا وكيع بن الجراح ، عن الربيع بن سعد ، عن عبد الرحمن بن سليط قال قال الحسين بن علي بن أبي طالب عليهما السلام : « مِنَّا اثْنَا عَشَرَ مَهْدِيّاً ، أَوَّلُهُمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، وَ آخِرُهُمُ التَّاسِعُ مِنْ وُلْدِي ، وَ هُوَ الْإِمَامُ الْقَائِمُ بِالْحَقِّ ، يُحْيِي اللَّهُ بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها ، وَ يُظْهِرُ بِهِ دِيْنَ الْحَقِ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ ، الْمُشْرِكُونَ لَهُ غَيْبَةٌ يَرْتَدُّ فِيهَا أَقْوَامٌ وَ يَثْبُتُ فِيهَا عَلَى الدِّينِ آخَرُونَ ، فَيُؤْذَوْنَ وَ يُقَالُ لَهُمْ: مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ، أَمَا إِنَّ الصَّابِرَ فِي غَيْبَتِهِ عَلَى الْأَذَى وَ التَّكْذِيبِ بِمَنْزِلَةِ الْمُجَاهِدِ بِالسَّيْفِ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله » (10).
1. أي لم تفعل بها ما تفعل من عدم التعرض لها.
2. هذا معنى قولهم « كن في الناس و لا تكن مع الناس ».
3. التشبيه من حيث القلة، فكما أن الملح في الطعام بالنسبة الى موادّه الآخر أقل كذلك أنتم بالنسبة الى باقى الناس.
4. السوس: العثّ و هو دود يقع في الصوف و الخشب و الثياب و البر و نحوها فيفسدها.
5. الظاهر أن المراد بالفتنة الغيبة و طول مدتها مع تظاهر الزمان على معتقديها.
6. كتاب الغيبة للنعماني / محمد بن إبراهيم النعماني / المجلّد : 1 / الصفحة : 210.
7. كتاب الغيبة للنعماني / محمد بن إبراهيم النعماني / المجلّد : 1 / الصفحة : 208.
8. سورة آل عمران : الآية 142.
9. قرب الإسناد / أبو العباس الحميري / المجلّد : 1 / الصفحة : 369 / ط الحديثة.
10 . كمال الدين و تمام النعمة / الشيخ الصدوق / المجلّد : 1 / الصفحة : 317.

