القدرة الإلهية : مفهومها وأدلّتها وسعة تعلّقها

تمهيد

تُعدّ القدرة من الصفات الذاتية الكمالية لله سبحانه وتعالى، وقد اتفق الإلهيون على ثبوتها له، لأنّها من وجوه الكمال الإلهي، ولذلك يُعدّ « القادر » من أسمائه سبحانه. ويبحث هذا المقال في حقيقة القدرة الإلهية، وأدلّة ثبوتها، ومدى سعتها، ثم يناقش أبرز الشبهات التي أُثيرت حول عموم القدرة الإلهية.

مفهوم القدرة الإلهية في اللغة والاصطلاح

تُطلق القدرة في اللغة على الملك والغنى واليسار، أما في الاصطلاح فقد فسّرها الفلاسفة والمتكلمون بتعريفين أساسيين:

الأول: صحّة الفعل والترك، أي أن يكون الفعل والترك ممكنين بالنسبة إلى القادر.

والثاني: الفعل عند المشيئة والترك عند عدمها، أي أن القادر يفعل إن شاء، ولا يفعل إن لم يشأ.

ويناقش المقال ما قد يوحي به هذان التعريفان من لوازم لا تليق بالله سبحانه، كافتراض الماهية أو المادة والاستعداد، أو القول بأنّ الله فاعل بمشيئة زائدة على ذاته. ويؤكد أن المطلوب من وصف الله بالقدرة هو إثبات كماله وتنزيهه عن النقص، ولذلك ينبغي أخذ معنى الكمال من هذه التعريفات وطرح اللوازم غير الملائمة لذاته سبحانه.

وبناءً على ذلك، فالقدرة الإلهية تعني أن الله سبحانه غير مقيّد بالفعل ولا بالترك، فلا يكون الفعل ممتنعًا عليه ولا الترك ممتنعًا عليه، من غير أن يستلزم ذلك افتقاره إلى أمر زائد على ذاته.

أدلّة القدرة الإلهية ووجوه إثباتها

يستعرض المقال عدة أدلة على ثبوت القدرة لله سبحانه، من أبرزها:

الفطرة ودلالتها على القدرة الإلهية

يشعر الإنسان في أعماق نفسه، ولا سيما عند اشتداد الشدائد وانقطاع الأسباب المادية، بوجود قدرة عليا يلجأ إليها ويطلب منها كشف الضر. ولا يراد بالفطرة مجرد تصور وجود قادر، بل الميل الوجداني والانجذاب الباطني إلى قدرة مطلقة. ويرى المقال أن هذا الشعور الفطري يدل، إلى جانب الدلالة على أصل وجود الله، على صفاته ومنها العلم والقدرة.

النظام الكوني ودلالته على قدرة الخالق

يدلّ ما في الكون من إحكام وإتقان وجمال ودقة على قدرة خالق هذا النظام. فآثار الفعل تكشف عن صفات الفاعل، كما يدل العمل الفني المتقن على قدرة صاحبه ومهارته. وكلما ازداد الإنسان معرفة بقوانين الكون وأسراره وبدائعه، ازدادت وضوحًا دلالة النظام الكوني على القدرة الإلهية.

ويستشهد المقال بكلمات الإمام علي عليه السلام التي تربط بين روائع الخلق وعظمة القدرة الإلهية، وبقول الإمام الصادق عليه السلام: « كيف احتجب عنك من أراك قدرته في نفسك ».

معطي الكمال لا يكون فاقدًا له

من الأدلة الأخرى أن الله سبحانه خلق الإنسان ومنحه القدرة على إنجاز الأعمال والصنائع، والإنسان مخلوق له ومعلول لوجوده. ومن ثمّ لا يمكن أن يكون مفيض القدرة وخالق القادر فاقدًا للقدرة.

شمول القدرة الإلهية لكلّ ممكن

القدرة الإلهية شاملة لكلّ ممكن بالذات، فلا يختص تعلقها ببعض الممكنات دون بعض. وقد ظهرت في تاريخ علم الكلام آراء حاولت تقييد هذه القدرة، فنُسب إلى بعض المعتزلة القول بأن الله لا يقدر على القبيح، أو لا يقدر على خلاف معلومه، أو لا يقدر على مثل مقدور العبد أو عينه. كما نُسب إلى بعض الحكماء القول بأن الصادر عن الله لا يتجاوز شيئاً واحداً.

وتُجاب هذه الشبهة بأنّ الاتجاهات، مؤكداً أن القدرة الإلهية لا يحدّها شيء من الممكنات، وأن المانع الحقيقي من تعلق القدرة إنما هو الاستحالة الذاتية، لا نقص القدرة الإلهية.

فالشيء الممكن بالذات تتساوى نسبته إلى الوجود والعدم، ولذلك يصح تعلق القدرة به. أما المحال بالذات فلا تتعلق به القدرة، لا لعجز في الفاعل، وإنما لأن متعلَّقه في نفسه غير قابل للوجود.

أدلّة عموم القدرة الإلهية

يقوم البرهان الأساسي على أن المقتضي للقدرة موجود، وهو ذات الله سبحانه، وأنه لا يوجد مانع يمنع تعلق القدرة بجميع الممكنات.

فلا يمكن أن يكون المانع هو استحالة الشيء؛ لأن المقصود هو الممكنات دون المحالات. ولا يمكن أن تكون هناك قدرة أخرى تضاهي قدرة الله وتمنع نفوذها، لأن الله واحد ولا شريك له في القدرة. كما أن ذاته سبحانه منزّهة عن القيود الزمانية والمكانية، فلا يوجد موجب لتعلق القدرة ببعض الممكنات دون بعض.

والقدرة الإلهية شاملة لكلّ شيء برهاناً آخر يقوم على عدم تناهي الوجود والكمال الإلهي؛ فالله سبحانه وجود مطلق غير محدود، ومن ثم فإن كماله غير محدود، والقدرة من كمالاته، فتكون قدرته غير متناهية بالنسبة إلى الممكنات.

عموم القدرة الإلهية من جهة الخالقية والتأثير في الموجودات

لسعة القدرة معنى آخر، وهو أن جميع الموجودات وآثارها تنتهي إلى قدرة الله سبحانه، فلا شريك له في الخالقية والفاعلية. فكل موجود يستند إليه، إما مباشرة أو بواسطة نظام الأسباب والمسببات.

وبهذا يناقش المقال موقف الثنوية الذين جعلوا فاعل الخير غير فاعل الشر، وموقف المعتزلة الذين جعلوا الإنسان فاعلًا مستقلًا في أفعاله، مؤكدًا أن جميع الفاعلين لا يستقلون عن قدرة الله وإقداره.

النصوص القرآنية والروائية في إثبات عموم القدرة

تضافرت النصوص القرآنية والروائية على إثبات سعة القدرة الإلهية، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا ﴾، وقوله: ﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا ﴾، وقوله: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ ﴾.

كما يستشهد المقال بروايات عن الأئمة عليهم السلام تؤكد إطلاق القدرة الإلهية وشمولها.

إشكالات حول عموم القدرة الإلهية وأجوبتها

يطرح المقال ثلاث مسائل مشهورة:

  1. هل يستطيع الله أن يخلق مثله؟

  2. هل يستطيع أن يجعل العالم الكبير داخل جسم صغير من دون تغيير حجميهما؟

  3. هل يستطيع أن يخلق شيئًا لا يقدر على إفنائه؟

ويجيب بأن هذه الأسئلة لا تتعلق بأمور ممكنة بالذات، بل تتضمن تناقضًا ذاتيًا. ولذلك فإن عدم تعلق القدرة بها لا يدل على محدودية القدرة الإلهية.

فخلق مثل الله يستلزم أن يكون الشيء واجبًا وقديمًا وغير متناهٍ، وفي الوقت نفسه مخلوقًا حادثًا وممكنًا ومتناهيًا. وكذلك جعل الكبير في الصغير مع بقاء الحجمين على حالهما يستلزم اجتماع النقيضين، وخلق شيء لا يقدر الله على إفنائه يستلزم أن يكون الشيء مخلوقًا وقابلًا للفناء، وغير قابل للفناء في الوقت نفسه.

شبهات حول عموم القدرة الإلهية ومناقشتها

هل عدم فعل القبيح يدلّ على عدم القدرة عليه؟

استدل النظام بأن الله لا يقدر على القبيح، لأن القدرة عليه تستلزم صدوره. ويرد المقال بأن القدرة على الشيء تختلف عن فعله؛ فقد يكون الفاعل قادرًا على الفعل، لكنه لا يفعله لانتفاء الداعي إليه.

فالله سبحانه قادر على القبيح من حيث القدرة، لكنه لا يفعله لمنافاته حكمته وعدله، لا لعجزه عنه. وبذلك يفرّق المقال بين عدم القدرة وعدم الداعي إلى الفعل.

هل تتعلّق القدرة بخلاف المعلوم الإلهي؟

ذهب عباد بن سليمان إلى أن ما علم الله وقوعه صار واجب الوقوع، وما علم عدم وقوعه صار ممتنع الوقوع، وبالتالي لا تتعلق القدرة بخلاف المعلوم.

ويرد المقال بأن هذا يؤدي إلى نفي القدرة عن جميع الأشياء؛ لأن كل شيء إما معلوم الوقوع أو معلوم العدم. كما يفرّق بين الواجب والممتنع بالذات وبين ما يلحقه الوجوب أو الامتناع بسبب وجود علته أو عدمها، مؤكدًا أن الشيء يبقى ممكنًا في ذاته، ومن ثم يصح تعلق القدرة به.

هل يقدر الله على مثل مقدور العبد؟

ذهب البلخي إلى أن الله لا يقدر على مثل مقدور العبد، لأن أفعال الإنسان قد تكون طاعة أو معصية أو عبثًا، وهذه العناوين لا تنطبق على فعل الله سبحانه.

ويرد المقال بأن الطاعة والمعصية من العناوين الاعتبارية التي تنشأ من علاقة الفعل بالأمر، ولا تدخل في حقيقة الفعل ذاته؛ ولذلك يمكن أن يكون الله قادرًا على إيجاد مثل فعل العبد من حيث حقيقته وذاته، وإن لم يتصف فعله بالطاعة أو المعصية.

هل يقدر الله على عين مقدور العبد؟

ذهب الجبائيان إلى أن الله لا يقدر على عين مقدور العبد، لأن تعلق إرادة الله وإرادة العبد بالمقدور على نحو متعارض قد يؤدي إلى اجتماع النقيضين.

والقدرة لا تتعلّق بالمحال؛ لأنّ المحال ليس شيئاً قابلاً للوجود حتى تتعلّق به القدرة. وأن الصور التي افترضها هذا القول تؤدي في حقيقتها إلى المحال، إما لاجتماع النقيضين أو لاجتماع علتين تامتين على معلول واحد. كما يرفض التصور القائم على استقلال العبد بالفعل عن الله، ويؤكد أن أفعال العباد لا تخرج عن قدرة الله وإقداره.

خلاصة البحث : شمول القدرة الإلهية لكلّ ممكن

ينتهي المقال إلى أن القدرة الإلهية صفة كمال ذاتية لله سبحانه، وأنها مطلقة بالنسبة إلى كل ممكن بالذات. ولا ينافي عمومها عدم تعلقها بالمحالات الذاتية؛ لأن المحال لا يدخل أصلًا في دائرة المقدور، وعدم القدرة عليه ليس نقصاً في الفاعل.

كما يقرر أن جميع الموجودات وآثارها تنتهي إلى قدرة الله سبحانه، وأن ما يبدو مانعاً من عموم القدرة ـ كالقبيح أو خلاف المعلوم أو مقدور العبد ـ لا يمثل عجزًا حقيقيا، بل يرجع إلى استحالة ذاتية أو إلى خلط بين القدرة والفعل، أو بين الممكن والمحال.

وبذلك يثبت المقال عموم القدرة الإلهية من خلال الفطرة، والنظام الكوني، وبرهان الكمال، والأدلة العقلية، والنصوص الدينية، مع مناقشة أبرز الاعتراضات الكلامية الواردة عليها.

التعليقات

Profile of User
Loading...

محتوى ذو صلة