الصفات الثبوتية الذاتية: حقيقة الإرادة الإلهية

الإرادة

الإرادة من صفاته سبحانه، والمريد من أسمائه، وإنّما وقع الاختلاف بين الإلهيّين في حقيقة إرادته تعالى. ولتوضيح ذلك، لا بدّ من البحث في حقيقة الإرادة مطلقاً، ثمّ في خصوص الإرادة الإلهيّة.

حقيقة الإرادة وتعريفاتها

الإرادة والكراهة كيفيّتان نفسانيّتان يجدهما الإنسان في نفسه، كوجدان اللذّة والألم. وقد تعدّدت الأقوال في تفسير حقيقة الإرادة:

أ ـ الإرادة هي اعتقاد النفع

فسّرت المعتزلة الإرادة باعتقاد النفع، والكراهة باعتقاد الضرر؛ لأنّ القدرة تتعلّق بالفعل والترك على السواء، فإذا اعتقد الإنسان النفع في أحد الطرفين رجح عنده ذلك الطرف.

لكنّ مجرّد الاعتقاد بالنفع لا يكفي لإحداث الفعل؛ فقد يعتقد الإنسان نفع أفعال كثيرة ولا يريدها، وربّما يريد فعلاً مع اعتقاده بضرره، لموافقته بعض قواه الحيوانيّة. وعليه، لا يصحّ تفسير الإرادة بمجرّد اعتقاد النفع.

ب ـ الإرادة هي الشوق النفساني

ذهب آخرون إلى أنّ الإرادة شوق نفساني يحصل بعد اعتقاد النفع. غير أنّ الإرادة قد تتحقّق من دون شوق، كما في تناول الدواء المرّ للعلاج، وقد يوجد الشوق المؤكّد من دون إرادة الفعل، كما في المحرّمات التي يشتهيها الإنسان المتّقي ولا يرتكبها. ومن ثمّ، فالنسبة بين الإرادة والشوق عموم وخصوص من وجه، ولا تتّحد حقيقتهما.

ج ـ الإرادة هي القصد والعزم

الإرادة كيفيّة نفسانيّة تتوسّط بين العلم الجازم والفعل، ويعبّر عنها بالقصد والعزم والإجماع والتصميم. وهي ليست نفس الشوق، ولا نفس العلم، وإن كانت حاضرة لدى النفس كغيرها من الكيفيّات النفسانيّة. وخلاصة هذا التفسير أنّ الإرادة هي القصد والميل القاطع نحو الفعل.

ولا يمكن تطبيق هذه التعريفات على الله سبحانه بمعانيها الإمكانيّة؛ فتفسير الإرادة باعتقاد النفع يرجع إلى العلم بالنفع وينفي حقيقة الإرادة، كما أنّ الشوق من مقولة الانفعال، وهو شأن الفاعل الناقص الذي يطلب الخروج من النقص إلى الكمال. وأمّا القصد والعزم بمعنى الحدوث بعد العدم، فيستلزمان تعرّض الذات للحوادث، وهو محال في حقّه تعالى.

ولذلك ذهب الباحثون إلى اتجاهين: اتّجاه يحاول إثبات الإرادة من صفات الذات بمعنى يليق بالله سبحانه، واتّجاه يجعلها من صفات الفعل، كالخلق والرزق، وينتزعها من فعله وإعمال قدرته.

تفسير الإرادة الإلهية ومناقشة الأقوال فيها

لأنّ الإرادة كمال، والفاعل المريد أكمل من الفاعل المضطرّ، سعى الحكماء والمتكلّمون إلى تفسيرها بما يصحّ حمله على الله سبحانه، مع تنزيهه عن الحدوث والانفعال.

الإرادة الإلهية والعلم بالنظام الأصلح

ذهب صدر المتألّهين والمحقّق الطوسي إلى أنّ إرادته سبحانه هي علمه بالنظام الأكمل والأصلح؛ تجنّباً لتوصيفه بإرادة حادثة متدرّجة تستلزم الفعل والانفعال. فمعنى كونه مريداً عند صدر المتألّهين أنّه يعقل ذاته ويعقل نظام الخير الصادر عنها، وأنّ إرادته هي علمه بالنظام الأتمّ. وذهب المحقّق الطوسي إلى أنّ القدرة والعلم والإرادة حقيقة واحدة في ذاته، وإن اختلفت باعتبارات العقل.

مناقشة هذه النظريّة

لا شكّ في أنّ الله سبحانه عالم بذاته وبالنظام الأكمل، لكنّ تفسير الإرادة بالعلم ينتهي إلى إنكار حقيقة الإرادة، وهو نفي لكمال ثابت للفاعل المريد، وجعله شبيهاً بالفاعل المضطرّ.

ويؤيّد ذلك ما روي عن الإمام الصادق عليه السلام، حين سئل عن اختلاف العلم والمشيئة أو اتّفاقهما، فقال: «العلم ليس هو المشيئة، ألا ترى أنّك تقول سأفعل كذا إن شاء الله، ولا تقول سأفعل كذا إن علم الله».

فالإرادة صفة تخصّص أحد المقدورين، أي الفعل أو الترك، بينما القدرة تقتضي إمكان الإيجاد والإعدام والتعلّق بالطرفين على السواء. أمّا العلم فهو من المبادئ البعيدة للإرادة، والإرادة من المبادئ القريبة للفعل. وإن أمكن أن يكون العلم بالمصالح والمفاسد موجباً لترجيح أحد الطرفين، فإنّ الاشتراك في النتيجة لا يجعل العلم عين الإرادة ولا يغني عن إثبات كمال الإرادة.

وقد يُعترض بأنّ إثبات حقائق متعدّدة للصفات يستلزم الكثرة والتركيب في الذات الإلهيّة. والجواب أنّ اتّحاد الصفات مع الذات، واتّحاد بعضها مع بعض، لا يعني إرجاع حقيقة صفة إلى حقيقة أخرى؛ بل معناه أنّ الذات الإلهيّة البسيطة واجدة لحقائق العلم والقدرة والحياة من دون أن تتكوّن من أجزاء. فكون الشيء معلوماً ومقدوراً لا يجعل حقيقة المعلوميّة هي حقيقة المقدوريّة، وإن أمكن انتزاع مفاهيم متعدّدة من حقيقة بسيطة من دون لزوم التركيب.

تفسير الإرادة بالابتهاج والرضا بالفعل

ذهب رأي آخر إلى أنّ إرادته سبحانه هي ابتهاج ذاته المقدّسة بفعلها ورضاها به؛ لأنّ ذاته صرف الخير والكمال، والابتهاج الذاتي يقتضي الابتهاج بآثار الذات ولوازمها. ووفقاً لهذا الرأي، تكون الإرادة على مرحلتين: إرادة ذاتيّة هي الابتهاج بالذات، وإرادة فعليّة هي الرضا بالفعل.

لكنّ حقيقة الإرادة غير حقيقة الرضا والابتهاج، وتفسير إحداهما بالأخرى لا يثبت كمال الإرادة، بل ينفيه. ولا يصحّ نفي هذا الكمال عن ذاته سبحانه، بل لا بدّ من إثباته له بالمعنى المنزّه عن خصائص الموجودات الإمكانيّة.

الإرادة الإلهية وإعمال القدرة والسلطنة

جعل جماعة من المتكلّمين الإرادة من صفات الفعل، وفسّروها بإعمال القدرة والسلطنة؛ فبما أنّ سلطنة الله تامّة، يتحقّق الفعل بإعمال قدرته من دون توقّف على مقدّمة أخرى، كما في قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾.

ويُناقش هذا القول بأنّ إعمال القدرة والسلطنة إمّا أن يكون اختيارياً أو اضطرارياً. فإن كان اضطرارياً، لزم أن يكون الله فاعلاً مضطرّاً، وهو منافٍ لكمال القدرة والاختيار. وإن كان اختيارياً، فلا بدّ من بيان ما يجعل الفاعل مختاراً قبل إعمال قدرته؛ فلا يكفي مجرّد إعمال القدرة لإثبات حقيقة الاختيار.

الإرادة الإلهية وتماميّة أسباب الفعل

ذهب العلّامة الطباطبائي إلى أنّ الإرادة من صفات الفعل، وأنّ حقيقة الإرادة التي يجدها الإنسان في نفسه هي القصد، وهو واسطة بين العلم بالفعل وتحقّقه. ولأنّ حقيقة الإرادة ليست هي حقيقة العلم، لا يصحّ تفسير إرادته سبحانه بعلمه، حتى بعد تجريد الإرادة من نقائصها.

وبناءً على هذا الرأي، تنتزع الإرادة عند اكتمال جميع مقدّمات الفعل وأسبابه؛ فيكون الله مريداً، والفعل مراداً، من دون أن تكون للإرادة واقعيّة وراء تماميّة الأسباب واجتماع العلل والمقتضيات.

مناقشة هذه النظريّة

لو كان ملاك إطلاق الإرادة هو تماميّة السبب، للزم صحّة إطلاقها على الفاعل المضطرّ متى اكتملت سببيّته، مع أنّ ذلك لا يثبت الاختيار. كما أنّ تماميّة السبب عند الفاعل العالم حقيقة، والإرادة حقيقة أخرى. والمطلوب هو تجريد صفات الله سبحانه من شوائب الإمكان والمادّة مع الحفاظ على حقيقتها، لا سلبها واقعيتها.

الرأي المختار: الإرادة من الصفات الذاتية

الحقّ أنّ الإرادة من الصفات الذاتيّة، ويجب إجراؤها على الله سبحانه بعد تجريدها من حدود الإمكان والنقص، مع الحفاظ على حقيقتها وكمالها. فكما أنّ العلم الإلهي منزّه عن كونه كيفيّة نفسانيّة أو إضافة بين العالم والمعلوم، كذلك الإرادة منزّهة عن الحدوث والتدرّج والانقضاء بعد حصول المراد، وهي من خصائص الإرادة الإمكانيّة.

والكمال المقصود من الإرادة هو كون الفاعل مختاراً، مالكاً لفعله، غير مضطرّ ولا مقهور بقدرة خارجة عنه. ويتّضح ذلك بالنظر إلى أقسام الفاعل:

  1. فاعل يؤثّر بطبعه من دون علم بفعله، كالنار في الإحراق.

  2. فاعل يعلم فعله، ولكن يصدر عنه من دون إرادة، كرعشة المرتعش.

  3. فاعل يعلم ويريد، لكنّه يفعل عن كراهة وإكراه، لاختيار أخفّ الضررين تحت ضغط عامل خارجي.

  4. فاعل يعلم ويريد، ويصدر عنه الفعل عن رضا واختيار، من دون إكراه.

والأقسام الثلاثة الأولى لا تليق بالله سبحانه؛ فيتعيّن أن يكون فاعلاً مختاراً، مالكاً لزمام فعله، غير مقهور في الإيجاد والخلق.

فالإرادة ليست كمالاً لكونها حادثة أو متدرّجة أو منقضية بعد حصول المراد، بل لأنّها رمز الاختيار وعدم المقهوريّة. وحتى الفاعل المكره له حظّ من الاختيار، لأنّه يرجّح أحد الطرفين على الآخر، لكنّه لا يملك الاختيار التامّ بسبب العامل القاهر. أمّا الله سبحانه فهو واجد لكمال الاختيار على النحو الأتمّ، ولا يكون مجبوراً في إعمال قدرته، كما قال تعالى: ﴿ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ ﴾.

وعليه، فإن صحّ إطلاق الإرادة على هذا الاختيار المنزّه عن النقص، فهي صفة ذاتيّة؛ وإن حُصر إطلاقها في الفعل المتحقّق خارجاً، أمكن عدّها من صفات الفعل.

الإرادة الإلهية في روايات أهل البيت عليهم السلام

تدلّ الروايات المرويّة عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام على أنّ الإرادة والمشيئة قد تُطلقان على صفة الفعل، كالخلق والرزق. ومن ذلك:

1 ـ رواية الإمام الصادق عليه السلام

روى عاصم بن حميد أنّه سأل أبا عبد الله عليه السلام: « لم يزل الله مريداً؟ » فقال: « إنّ المريد لا يكون إلّا لمراد معه. لم يزل الله عالماً قادراً، ثمّ أراد ».

والظاهر أنّ الراوي سأل عن الإرادة بمعنى العزم على الفعل، الذي لا ينفكّ عادةً عن المراد. وهذا المعنى لو جُعل من صفات الذات لأدّى إلى القول بقدم المراد أو بحدوث المريد. لذلك فسّر الإمام الإرادة في مقام الفعل بقوله: « ثمّ أراد »، أي خلق. ولا تنفي الرواية بذلك ثبوت الإرادة الذاتيّة لله سبحانه بمعنى كونه مختاراً بالذات، غير مضطرّ ولا مجبور.

2 ـ رواية الإمام الكاظم عليه السلام

روى صفوان بن يحيى أنّه سأل أبا الحسن عليه السلام عن الإرادة من الله ومن الخلق، فقال:

« الإرادة من الخلق الضمير، وما يبدو لهم بعد ذلك من الفعل، وأمّا من الله تعالى فإرادته، إحداثه لا غير ذلك، لأنّه لا يُروّي ولا يهمّ ولا يتفكّر، وهذه الصفات منفية عنه، وهي صفات الخلق. فإرادة الله الفعل لا غير ذلك، يقول له كن فيكون، بلا لفظ، ولا نطق بلسان، ولا همّة، ولا تفكّر ولا كيف لذلك، كما أنّه لا كيف له ».

فالإرادة المنفيّة عن الله في هذه الرواية هي الإرادة بمعنى الضمير والتروّي والهمّ والتفكّر، وهي صفات حادثة من خصائص المخلوق. أمّا تفسير الإمام للإرادة بالإحداث والفعل، فيتناول الإرادة في مقام الفعل، ولا يدلّ على نفي الاختيار الذاتي عن الله سبحانه.

3 ـ رواية الإمام الصادق عليه السلام

روى محمّد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام قوله: « المشيئة مُحدَثة ».

ويُحمل وصف المشيئة بالحدوث على المشيئة في مقام الفعل، أي حدوث الفعل وعدم قدمه، لا على نفي الإرادة الذاتيّة بمعنى الاختيار. وبذلك يمكن فهم الروايات التي تصف الإرادة بأنّها من صفات الفعل، من دون تعارض بينها وبين إثبات كمال الاختيار لله سبحانه.

الإشكالات الواردة على الإرادة الذاتية

الإرادة بين النفي والإثبات: أهي صفة ذات أم صفة فعل؟

ذُكر في التمييز بين الصفات الذاتيّة والفعليّة أنّ الصفات الذاتيّة لا يدخلها النفي والإثبات، بخلاف الصفات الفعليّة؛ فيقال إنّ الله يعطي ولا يعطي، كما في قوله تعالى: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ﴾. وبناءً على ذلك، قد يُقال إنّ الإرادة من صفات الفعل لأنّها تقبل النفي والإثبات.

والجواب من وجهين:

الأوّل: إنّ الإرادة التي تقبل النفي والإثبات هي الإرادة في مقام الفعل، أمّا الإرادة الذاتيّة، التي تعني كمال الاختيار وعدم الاضطرار، فلا يصحّ سلبها عن الله سبحانه.

الثاني: يمكن التمييز بين الإرادة البسيطة الحقّة الإلهيّة في مقام الذات، والإرادة التفصيليّة العدديّة في مقام الفعل. فالأولى لا تتعدّد ولا تتثنّى، ولا يجوز سلب أصلها عن الله سبحانه، بينما تتعلّق الثانية بأفعال جزئيّة، وتقع في دائرة النفي والإثبات. ومنشأ الإشكال هو الخلط بين هذين المعنيين.

الإرادة الذاتية وإشكال قدم العالم

قد يُقال: إذا كانت الإرادة من ذات الله سبحانه ولا تنفكّ عنها، وكانت لا تنفكّ عن المراد، لزم أن يكون العالم قديماً.

أوّلاً: لا يختصّ هذا الإشكال بمن يثبت الإرادة الذاتيّة، بل يتوجّه أيضاً إلى من يفسّرها بالعلم بالنظام الأصلح؛ لأنّ العلم الإلهي قديم، وإذا كان وجود الأشياء مستنداً إليه على نحو العلّيّة، أمكن أن يُثار الإشكال نفسه. فلا يكفي تغيير تسمية الإرادة بالعلم لحلّ المسألة.

ثانياً: إذا كانت الإرادة الذاتيّة تعني كون الله سبحانه مختاراً، غير ملزم بأحد الطرفين، فلا يلزم قدم العالم؛ إذ يمكن أن يختار إيجاده متأخّراً عن ذاته. فقدم الذات الإلهيّة لا يقتضي أن يكون العالم قديماً لمجرّد ثبوت الاختيار له سبحانه.

ثالثاً: يمكن لمن يثبت الإرادة الذاتيّة البسيطة المجهولة الكنه، كما ذهب إليه صدر المتألّهين ومن تبعه، أن يقول إنّ جهلنا بحقيقة هذه الإرادة وكيفيّة إعمالها يمنعنا من تحديد كيفيّة صدور الفعل عنها، أو من الحكم بأنّ الخلق يجب أن يكون قديماً لا حادثاً.

الزمان والحركة ودفع إشكال قدم العالم

لتوضيح المسألة، لا بدّ من الالتفات إلى حقيقة الزمان. فالزمان كمّ متّصل يُنتزع من حركة الشيء وتغيّره من حال إلى حال أو من مكان إلى مكان أو من صورة إلى أخرى؛ ومقدار الحركة هو الزمان. ولولا المادّة وحركتها، لما كان للزمان مفهوم حقيقي، بل كان مفهومه وهميّاً. فليست الحركة مقتصرة على حركة الأفلاك والكواكب، كما كان يُظنّ قديماً، بل كلّ حركة هي التي ترسم الزمان وتولّده.

وتشتمل التغيّرات المادّيّة على جهتين: الانتقال من المبدأ إلى المنتهى، والتدرّج والسيلان في هذا الانتقال. فمن الجهة الأولى تُوصف بالحركة، ومن الجهة الثانية يُنتزع منها الزمان. وهكذا يكون التغيّر الواحد منشأً لانتزاع مفهومَي الحركة والزمان، باعتبارين مختلفين.

ومن جهة أخرى، تتحقّق المادّة بالتدرّج والتجزئة، ولا يمكن أن توجد أجزاؤها كلّها دفعة واحدة؛ لأنّ حقيقتها سيّالة متدرّجة. فكلّ ظاهرة مادّيّة تتحقّق في ظرفها الخاصّ، ويستحيل تقدّم جزء منها على موطنه أو تأخّره عنه. وهذا يشبه ترتيب الأعداد؛ فالعدد خمسة لا يكون إلا بين الأربعة والستّة، ولا يمكن تقديمه على موضعه أو تأخيره عنه. وكذلك يستحيل إخراج أيّ جزء من أجزاء النظام المادّي المترتّب عن موطنه الخاصّ.

وبناءً على ذلك، فإنّ القول بأنّ الإرادة الذاتيّة تستلزم قدم العالم يحتاج إلى توضيح المراد من القدم:

  • إن كان المقصود وجود العالم في زمان سابق على زمانه المعروف، فهذا غير صحيح؛ لأنّه لا يوجد زمان قبل عالم المادّة، فالزمان نفسه ناشئ عن حركة المادّة وتغيّرها.

  • وإن كان المقصود تقدّم بعض أجزاء العالم على بعضها الآخر، أو تقدّم جزء منه على مجموع العالم، فهذا مستحيل؛ لأنّ كلّ جزء من أجزاء النظام المادّي له ظرفه وموطنه الذي لا يمكن أن يتحقّق خارجه.

وقد أفرد صدر المتألّهين لهذا البحث كلاماً عميقاً، يُرجع إليه لمزيد من التفصيل.

خلاصة القول في حقيقة الإرادة الإلهية

الإرادة كمال إلهي لا يصحّ إنكاره عن الذات المقدّسة، ولا تفسيره بما يجعله عين العلم أو الابتهاج أو مجرّد إعمال القدرة أو تماميّة الأسباب؛ لأنّ ذلك لا يحفظ حقيقة الإرادة وواقعيتها. وحقيقتها في مقام الذات هي الاختيار وعدم الاضطرار والمقهوريّة، بعد تجريدها من خصائص الإرادة الإمكانيّة، كالحدوث والتدرّج والانقضاء.

أمّا الإرادة في مقام الفعل، فهي المتعلّقة بإحداث المراد ووقوع الفعل، وهي التي تتناولها الروايات التي وصفت المشيئة بالحدوث أو جعلت إرادة الله إحداثه. وبذلك يمكن الجمع بين إثبات الإرادة من الصفات الذاتيّة بمعنى كمال الاختيار، وبين ورودها في السنّة بوصفها من صفات الفعل، من دون أن يلزم من الإرادة الذاتيّة قدم العالم.



 

التعليقات

Profile of User
Loading...

محتوى ذو صلة